← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " (١) وثبت في الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي " (٢). (فليستجيبوا لي) أي كما أجبتهم إذا دعوني فليستجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل معناه أنهم يطلبون إجابة الله سبحانه لدعائهم باستجابتهم له أي القيام بما أمرهم به والترك لما نهاهم عنه، وقال: مجاهد أي فليطيعوني، والإجابة في اللغة الطاعة من العبد والإثابة والعطاء من الله. (وليؤمنوا بي) اللام فيه للأمر كما فيما قبله أي وليدوموا على الإيمانِ. (لعلهم يرشدون) أي يهتدون، قاله الربيع بن أنس، والرشد خلاف الغي، قال الهروي: الرشد والرشد والرشاد الهدى والإستقامة ومنه هذه الآية، وقد ورد في فضل الدعاء وآدابه أحاديث كثيرة ذكرها أهل التفسير، وهي في الصحاح والسنن لا نطول بذكرها (٣).

стр. 527

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراماً عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن البراء بن عازب قال كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً فكان يومه ذلك يعمل في أرضه فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال هل عندكم طعام قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب ذلك، فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائماً قالت خيبة لك أنمت، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك النبي ﷺ فنزلت هذه الآية إلى قوله (من الفجر) ففرحوا بها فرحاً شديداً. والرفث كناية عن الجماع، وعن ابن عباس قال الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس هذا الجماع، غير أن الله حيى كريم يكني بما شاء عما شاء، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وكذا قال الأزهري، وقيل الرفث أصله قول الفحش، رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح وليس هو المراد هنا وعُدي الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء.

стр. 528

(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) تعليل لما قبله وجعل النساء لباساً للرجال والرجال لباساً لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه، قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة لباس وفراش وإزار، وقيل إنما جعل كل واحد منهما لباساً للآخر لأنه يستره عند الجماع عن أعين الناس وعن ابن عباس: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قيل لا يسكن شيء إلى شي كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقد روي في سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء. (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) أي تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم يقال خان واختان بمعنى وهما من الخيانة، قال القتيبي أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه انتهى، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم. (فتاب عليكم) يحتمل معنيين أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) يعني خفف عنكم وكقوله (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) يعني تخفيفاً وهكذا قوله: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل (فالآن) قال أبو البقاء (الآن) حقيقة الوقت الذي أنت فيه وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب تنزيلاً للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا، وقد تقدم الكلام على الآن (باشروهن) أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي الصوم، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد بصاحبه، قيل هذا الأمر والثلاثة بعده للإباحة وفيه دليل على جواز نسخ الكتاب للسنة. (وابتغوا ما كتب الله لكم) تأكيد لما قبله أو تأسيس، والثاني أولى أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح وهو حصول النسل والولد، قيل فيه نهى عن العزل وقيل عن غير المأتي، والتقدير وابتغوا المحل

стр. 529

الذي كتب الله لكم، وقيل المراد ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه قاله الزجاج وغيره، وقيل ابتغوا الرخصة والتوسعة وقيل ابتغوا ما كتب لكم من الإماء والزوجات، وقيل ابتغوا ليلة القدر، وقيل غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني ولا دل عليه دليل آخر، وقرأ الحسن البصري (واتبعوا) بالعين المهملة من الاتباع. (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هو تشبيه للمنع والمراد هنا بالخيط الأبيض هو المعترض في الأفق لا الذي هو كذنب السرحان فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحل شيئاً ولا يحرمه، والمراد بالخيط الأسود سواد الليل، والتبيين أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله (من الفجر) فعلموا أنه يعني الليل من النهار. وفي الصحيحين وغيرهما عن عدي بن حاتم أنه جعل تحت وسادته خيطين أبيض وأسود جعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود، فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره قال: إن وسادك إذن لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل، وفي رواية (١) في البخاري وغيره أنه قال له إنك لعريض العقل، وفي رواية عند ابن جرير وابن أبي حاتم أنه ضحك منه. قيل " من " الأولي لابتداء الغاية والثانية للبيان، قاله السيوطي، وقال الزمخشري وغيره الثانية للتبعيض أي حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر، وفي تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة

стр. 530

صوم من أصبح جنباً. (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام عند أبي حنيفة، وقال الشافعية إنما ورد هذا في بيان أحكام صوم الفرض، ويدل على إباحة الفطر من النفل حديث عائشة في مسلم وفيه أهدى لنا حيس، قال أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل، وقيل للوجوب في صوم الفرض وللندب في صوم النفل، وقيل للوجوب فيهما. وفي الآية التصريح بأن للصوم غاية هي الليل فعند إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من الغرب يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما. (ولا تباشروهن) قيل المراش بالمباشرة هنا الجماع، وقيل يشمل التقبيل واللمس إذا كانا بشهوة لا إذا كانا بغير شهوة فهما جائزان كما قاله عطاء والشافعي وابن المنذر وغيرهم، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكون بشهوة. (وأنتم عاكفون في المساجد) الاعتكاف في اللغة الملازمة يقال عكف على الشيء إذا لازمه، ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له عاكف في المسجد ومعتكف فيه، لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع ملازمة طاعة مخصوصة على شرط مخصوص، وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا يكون إلا في المسجد. بين سبحانه في هذه الآية أن الجماع يحرم على المعتكف في الليل والنهار حتى يخرج من اعتكافه. وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه وشروح الحديث. وأقول أن قوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) جملة إنشائية نهيية مسوقة لتحريم مباشرة النساء في حال الاعتكاف في المساجد، فقوله (في المساجد) متعلق بقوله (عاكفون) وليست لبيان النهي عن مباشرة

стр. 531

النساء في المساجد من غير فرق بين المعتكف وغيره، ولو كان كذلك لم تكن لقوله (وأنتم عاكفون) فائدة. ثم هذا الاعتكاف المذكور في الآية قد بينه رسول الله ﷺ لأمته باعتكافه غير مرة وهو وزوجاته وأصحابه بمحضره فكان ﷺ إذا أراد الاعتكاف أمر بخبائه فضرب في المسجد كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ثم أقام فيه لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان ويعود مسرعاً لا يعود مريضاً ولا يشتغل بشيء كما ثبت في دواوين الإسلام فهذا هو الاعتكاف الشرعي الذي علمنا رسول الله ﷺ . ومن زعم أن المراد به مطلق اللبث ولو في غير المسجد، نظر إلى أصل معناه اللغوي فقد قدم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية وهو خلاف ما تقرر في الأصول، بل خلاف ما عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً، ولو كان الاعتكاف المشروع هو مجرد اللبث ولو في غير المسجد لكان اللابث في داره وفي سوقه وفي المصاطب ونحوها معتكفاً إذا حصلت منه النية، وهذا خلاف ما في القرآن الكريم، وخلاف ما ثبت تواتراً في السنة المطهرة، وخلاف ما فهمه المسلمون من هذه العبادة، بل خلاف ما ورد عنه ﷺ من قوله كما في سنن سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود قال: لقد علمت أن رسول الله ﵌ قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال: إلا في مسجد جماعة (١). وأما ما فهمه بعض الناس من جواز الوطء للمعتكف في غير المسجد فيرده ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، وقد تقرر أن قول الصحابي " من السنة " أو السنة له حكم

стр. 532

الرفع، وهذا الحديث كما يدل على تحريم الوطء على المعتكف يدل على أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع فهو يرد عليه من جهتين، وقد ذكر الشوكاني الكلام على هذا الحديث في شرحه على المنتقى فليرجع إليه. (١) (تلك حدود الله فلا تقربوها) أي هذه الاحكام حدود الله، وأصل الحد المنع ومنه سمي البواب والسجان حداداً، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع أصحابها من العود، ومعنى النهي عن قربانها النهي عن تعديها بالمخالفة لها، وقيل أن حدود الله هي محارمة فقط ومنها المباشرة من المعتكف والإفطار في رمضان لغير عذر وغير ذلك مما سبق النهي عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح، وقيل حدود الله فرائض الله. وقيل المقادير التي قدرها ومنع من مخالفتها (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) أي كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم معالم دينه وأحكام شريعته والعلامات الهادية إلى الحق.

стр. 533

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) هذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهاً كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها ونفقة من أوجب الشرع نفقته، والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن، وثمن الخمر والملاهي، وأجرة المغني، والقمار، والرشوة في الحكم وشهادة الزور والخيانة في الوديعة والأمانة، والأكل بطريق التعدي والنهب والغصب، والباطل في اللغة الذاهب الزائل، والمعنى بالسبب الباطل أو مبطلين أو متلبسين بالباطل، عن ابن عباس قال: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وقال مجاهد معناها لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. (وتدلوا بها إلى الحكام) مجزوم عطفاً على (تأكلوا) فهو من جملة المنهي عنه أي لا تلقوا أمور تلك الأموال التي فيها الحكومة إلى الحكام، يقال أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال أدلى دلوه أرسلها، والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة، والمعنى لا تسرعوا بالخصومة في الأموال إلى الحكام ليعينوكم على إبطال حق أو تحقيق باطل، وأما الإسراع بها لتحقيق الحق فليس مذموماً. وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستنداً في حكمه

стр. 534

إلى شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال. وقد روي عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كما في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " وهو في الصحيحين وغيرهما (١). وقيل معناه لا تأكلوا المال بالباطل وتنسبوه إلى الحكام، والأول أولى، وكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالماً ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وأن قضائى لا يحل لك حراماً (لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم) أي قطعة أو جزءاً أو طائفة فعبر بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق القطعة من الغنم تشذ عن معظمها، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم، وسمي الظلم والعدوان إثماً باعتبار تعلقه بفاعله، قال ابن عباس أي باليمين الكاذبة، وقيل بشهادة الزور. (وأنتم تعلمون) أي حال كونكم عالمين أنكم على الباطل أو أن ذلك باطل ليس من الحق في شيء، وهذا أشد لعقابهم وأعظم لجرمهم.

стр. 535

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)

стр. 536

(يسئلونك عن الأهلة) أي عن فائدة اختلافها، لأن السؤال عن فائدة اختلافها، لأن السؤال عن ذاتها غير مفيد، وقد أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عتمة وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد، فنزلت هي مواقيت للناس في حل دينهم ولصومهم ولفطرهم، وأوقات حجهم وأجائرهم وأوقات الحيض وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل، ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. والأهلة جمع هلال وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ليلة تنزيلاً لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات، والهلال اسم لما يبدو في أول الشهر وفي آخره، قال الأصمعي هو هلال حتى يستدير، وقيل هو هلال حتى ينير بضوئه السماء، وذلك ليلة السابع، وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه عند رؤيته، ومنه استهل الصبي إذا صاح واستهل وجهه وتهلل إذا ظهر فيه السرور، والهلال في الحقيقة واحد وجمعه باعتبار أوقاته واختلافه في ذاته، واختلف أهل اللغة إلى متى يسمى هلالاً فقال الجمهور لليلتين، وقيل لثلاث ثم يكون قمراً، وقال أبو الهيثم لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره وما بينهما قمر. (قل هي مواقيت) الذي قرره أبو السعود والخازن أن الجواب مطابق

стр. 537

للسؤال، وفي الآية بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ومعاملاتهم بها كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات والأيمان وغير ذلك، ومثله قوله تعالى (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وقيل هو جواب بغير ما سأل عنه تنبيهاً على أن الأولى لهم أن يسألوا عن هذا المجاب لا عن سبب الاختلاف، فهو من قبيل المغيبات التي لا غرض للمكلف في معرفتها ولا يليق أن تبين له. والمواقيت جمع الميقات وهو الوقت والفرق بين الوقت وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة منقسمة إلى الماضي والحال والمستقبل، والوقت الزمان المفروض لأمر، وكل ما جاء في القرآن من السؤال أجيب عنه بقل بلا فاء إلا في طه (ويسئلونك عن الجبال فقل) لأن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال وفي طه كان قبله إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل. (للناس) أي لأغراضهم الدنيوية والدينية كما أشار لذلك بتعداد الأمثلة إذ الأهلة ليست مواقيت لذوات الناس (والحج) عطف على الناس أي يعلم بها وقته، فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك، قال سيبويه: بالفتح كالرد والشد وبالكسر كالذكر مصدران بمعنى وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الاسم، وإنما أفرد سبحانه بالحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها. وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله قل هي مواقيت الخ من الأسلوب الحكيم كما تقدم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصده السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه.

стр. 538

(وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتّقى وأتوا البيوت من أبوابها) وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة والجواب بأنها مواقيت للناس والحج أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه، لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم، وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال أبو عبيدة: إن هذا من ضرب المثل، والمعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن البر التقوى واسألوا العلماء كما تقول أتيت الأمر من بابه، وقيل هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل لا في الدبر، وقيل غير ذلك، والبيوت جمع بيت وقرىء بضم الباء وكسرها (واتقوا الله لعلكم تفلحون) قد تقدم تفسير التقوى والفلاح.

стр. 539

(وقاتلوا في سبيل الله) لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعاً قبل الهجرة لقوله (فاعف عنهم واصفح) وقوله (واهجرهم هجراً جميلاً) وقوله (لست عليهم بمصيطر) وقوله (ادفع بالتي هي أحسن) ونحو ذلك مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال ونزلت هذه الآية. قال أبو العالية: إنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله ﵌ يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة، وقيل أول ما نزل قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) حتى نزل قوله تعالى (اقتلوا المشركين) وقوله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة) قيل إنه نسخ بها سبعون آية والمعنى قاتلوا في طاعة الله وطلب رضوانه. عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﵌ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله ﵌: " من قاتل لتكون كلمة الله هي

стр. 540

العليا فهو في سبيل الله " (١). (الذين يقاتلونكم) قال جماعة من السلف المراد بهذا من عدا النساء والصبيان والشيوخ والزمنى والرهبان والمجانين والمكافيف ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة (ولا تعتدوا) المراد بالاعتداء عند أهل القول الأول هو مقاتلة من لم يقاتل من الطوائف الكفرية، والمراد به على القول الثاني مجاوزة قتل من يستحق القتل إلى قتل من لا يستحقه ممن تقدم ذكره، قال ابن عباس: أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم، وقال عمر بن عبد العزيز: أن هذه الآية في النساء والذرية (إن الله لا يحب المعتدين) أي لا يريد بهم الخير. عن بريدة قال كان رسول الله ﵌ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال " اغزوا بالله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا تعتدوا " أخرجه مسلم (٢).

стр. 541

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يقال ثقف يثقف ثقفاً ورجل ثقيف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور، قال في الكشاف: والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه انتهى. قال أبو السعود: أصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة، قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش انتهى والمعنى واقتلوهم حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم وإن لم يبتدؤكم، وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) أي أخرجوهم من مكة، وقد امتثل رسول الله ﵌ أمر ربه فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه (والفتنة أشد من القتل) أي الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم بها وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل، وقيل المراد بالفتنة المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو عرضه، وقيل المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما يستعظمونه، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم، والظاهر أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان وعلى أي صورة اتفق فإنها أشد من القتل لأنه يؤدي إلى الخلود في النار، والقتل ليس كذلك ولذا جعل أشد منه.

стр. 542

(ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) أختلف أهل العلم في ذلك فذهبت طائفة إلى أنها محكمة وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى متعد بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق، وقالت طائفة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن هنا ببناء العام على الخاص فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله ﵌: " إنها لم تحل لأحد قبله وإنها أحلت لي ساعة من نهار "، وهو في الصحيح (١). وقد احتج القائلون بالنسخ بقتله ﵌ لابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله ﵌. (فإن قاتلوكم) أي في المسجد الحرام، هذا مفهوم الغاية (فاقتلوهم) أي فقاتلوهم (كذلك) أي القتل والاخراج (جزاء الكافرين) مطلقاً بأن يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم، فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيقاتلوا ويكون دفعاً لهم

стр. 543

(فإن انتهوا) عن قتالكم وعن الكفر ودخلوا في الإسلام (فإن الله غفور) لما سلف (رحيم) بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. (وقاتلوهم) فيه الأمر بمقاتلة المشركين ولو في الحرم وإن لم يبتدؤوكم بالقتال فيه، وهذا هو الذي استقر عليه الحكم الآن (حتى) أي إلى غاية هي أن (لا تكون فتنة ويكون الدين لله) وهو الدخول في الإسلام والخروج عن سائر الأديان المخالفة له فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله، وقيل المراد بالفتنة هنا الشرك والظاهر أنها الفتنة في الدين عما عمومها كما سلف.

стр. 544

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)

стр. 545

(فإن انتهوا) يعني عن القتال، وقيل عن الشرك والكفر (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي لا تظلموا إلا الظالمين أي لا تعتدوا إلا على ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ولم يدخل في الإسلام، وإنما سمي جزاء الظالمين عدواناً مشاكلة كقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). وسمي الكافر ظالماً لوضعه العبادة في غير موضعها، والنفي هنا بمعنى النهي لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء أبرزته في صورة النفي المحض إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يوجد البتة فدلوا على هذا المعنى بما ذكرت لك، وعكسه في الإثبات إذا بالغوا في الأمر بالشيء أبرزوه في صورة الخبر نحو (والوالدات يرضعن) وسيأتي.

стр. 546

(الشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السابعة (بالشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السادسة وهذا في المعنى تعليل لقوله (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما سار رسول الله ﷺ معتمراً في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام قاضاهم على الدخول من قابل فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، نزلت في ذلك هذه الآية (١)، وروي نحوه عن أبي العالية

стр. 547

ومجاهد وقتادة وابن جريج، والمعنى إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته قاتلوهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم، وهذا صريح في أنه قد وقع منهم مقاتلة في عام الحديبية، وهو كذلك فقد وقع قتال خفيف بالرمي بالسهام والحجارة. (والحرمات) جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة ما منع الشرع انتهاكه (قصاص) أي المساواة والمماثلة، والمعنى أن كل حرمة يجزي فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم فلكم أن تهتكوا حرمة عليه قصاصاً ولا تبالوا به، قيل وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال، وقيل أنه ثابت بين أمة محمد ﵌ لم ينسخ، فيجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره. وقال آخرون إن أمور القصاص مقصورة على الحكام وهكذا الأموال لقوله ﷺ : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (١) "، أخرجه الدارقطني وغيره، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني، والقول الأول أرجح، وبه قال ابن المنذر، واختاره ابن العربي والقرطبي، وحكاه الداودي عن مالك، ويؤيده إذنه ﵌ لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها، وهو في الصحيح. ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذه الجملة في حكم التأكيد للجملة الأولى أعني قوله والحرمات قصاص، وإنما سمي المكافآت اعتداء مشاكلة كما تقدم.

стр. 548

وعن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله (وجزاء سيئة) الآية وقوله (ولمن انتصر بعد ظلمه) الآية وقوله (وإن عاقبتم) الآية قال هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجارأ منهم أن يتجارأ بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً) الآية يقول ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله انتهى. وأقول هذه الآية التي جعلها ابن عباس ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله (فقد جعلنا لوليه سلطاناً) أنه جعل السلطان له، أي جعل له تسلطاً يتسلط به على القاتل، ولهذا قال (فلا يسرف في القتل). ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصاً للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخاً له، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام الله سبحانه. ولما أباح لهم الاقتصاص بالمثل، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام من العدو حذرهم من ذلك فقال (واتقوا الله) أي في حال كونكم منتصرين لأنفسكم ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصر والعون.

стр. 549

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) (وأنفقوا في سبيل الله) في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد بالمال، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة الله تعالى، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل الله، ولكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد. عن خزيم بن فانك قال: قال رسول الله ﷺ : " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف " أخرجه الترمذي والنسائي (١). (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) الباء زائدة ومثله (ألم يعلم بأن الله يرى) وقال المبرد: أي بأنفسكم تعبير بالبعض عن الكل كقوله (بما كسبت أيديكم) وقيل هذا مثل مضروب يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان. وقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، وعبر بالأيدي عن الأنفس، لأن بها البطش والحركة، والتهلكة مصدر من هلك يهلك هلاكاً، وهلكاً وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم، قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس. وللسلف في معنى الآية أقوال، قال حذيفة: نزلت في النفقة أي تركها في

стр. 550

سبيل الله مخافة العيلة، وروي نحوه عن ابن عباس وعكرمة والحسن، وقال الحسن: هو البخل، وقال زيد بن أسلم: هو أن يهلك رجل من الجوع والعطش ومن المشي في البعث. وقال أبو أيوب: كانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، وقال البراء بن عازب: هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول لا يغفر الله لي أبداً، وروي عن النعمان بن بشير نحوه. وقيل أنه القنوط وقيل عذاب الله، وقيل غير ذلك. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما يصدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين. ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رووا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب. (وأحسنوا) أي في الإنفاق في الطاعة أو الظن بالله في إخلافه عليكم وقال رجل من الصحابة معناه أدوا الفرائض، وقيل لا تقتروا ولا تسرفوا (إن الله يحب المحسنين) المنفقين في سبيله الظانين به حسناً.

стр. 551

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) (وأتموا الحج والعمرة لله) اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة فقيل أداؤهما والإتيان بهما من دون أن يشوبهما بشيء مما هو محظور، ولا يخل بشرط ولا فرض كقوله تعالى (فأتمهن) وقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن يخرج لهما لا لغيرهما. وقيل إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران، وبه قال ابن حبيب. وقال مقاتل: إتمامهما أن لا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب. وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق فقال كيف تأمرني يا رسول الله ﷺ أن أصنع في عمرتي، فأنزل الله (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال رسول الله ﷺ أين السائل عن العمرة فقال: ها أناذا قال " اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك " وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه أنزل عليه بعد السؤال ولم يذكرا ما الذي أنزل عليه. وقال ابن عباس: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة فقد حل. وقد ورد في فضل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ليس هذا موطن ذكرها.

стр. 552

وقد اتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، واستدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر بإتمامها أمر بها، وبذلك قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد ابن جبير ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكية. وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم أنها سنة، وحكى عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال لأصحابه: " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " وثبت عنه أيضاً في الصحيح أنه قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". وأخرج الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " (١). واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في الأم وعبد الرازق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله ﷺ : " الحج جهاد والعمرة تطوع ". وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه عن جابر: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هي، قال: لا وأن تعتمروا خير لكم.

стр. 553

وأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف. وهذا وإن كان فيه بعد لكنه يجب المصير إليه جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه ﷺ بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب. وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها كما أخرجه الشافعي في الأم أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر، وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: أوصني فقال: " تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية وإياك والسر ". وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال وأنهما كفارة لما بينهما وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك. وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وأركان العمرة أربعة الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان تمام الحج والعمرة. (فإن أحصرتم) أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق، قال أبو عبيدة والكسائي والخليل أنه يقال أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس العكس، ورجح الأول ابن العربي قال وهو رأي أكثر أهل اللغة، وقال الزجاج: أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو، ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني. وبسبب هذا الإختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية

стр. 554

فقالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره، وقالت الشافعية وأهل المدينة: المراد بالآية حصر العدو. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه كما فعل النبي ﵌ هو وأصحابه في الحديبية. (فما استيسر من الهدي) أي إن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم فالواجب أو فعليكم أو فانحروا أو فاهدوا ما تيسر، يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب، وليس السين للطلب، والهدي والهدى لغتان وهما جمع هدية وهي ما يهدى إلى البيت من بدنة أو غيرها، ويقال في جمع الهدي أهداء. واختلف أهل العلم في المراد بقوله (فما استيسر) فذهب الجمهور إلى أنه شاة، وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، وقال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة، وهذا الدم دم ترتيب وتعديل كما أشار له ابن المقرىء. (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين محصر وغير محصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرام قد بلغ محله، وهو الوضع الذي يحل فيه ذبحه. واختلفوا في تعيينه فقال مالك والشافعي: هو موضع الحصر اقتداء برسول الله ﷺ حيث أحصر في عام الحديبية، وقال أبو حنيفة: هو الحرم لقوله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، وأجاب الحنفية عن نحره ﷺ بالحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، ورد بأن المكان الذي

стр. 555

وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. (فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، والمراد بالأذى من الرأس ما فيه من قمل أو صداع أو جراح ونحو ذلك فمن حلق فعليه فدية. وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك فثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى كعب بن عجرة وهو محرم وقمله يتساقط على وجهه فقال: يؤذيك هوام رأسك قال نعم، فأمره أن يحلق ويطعم ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام (١). وقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو شاة، وحكى عن الجمهور أن الصوم هنا ثلاثة أيام والإطعام لستة مساكين. وروي عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام لعشرة مساكين، والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ولبطل قولهم. وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مدان بمد النبي ﷺ أي لكل مسكين، وقال الثوري: نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وروي ذلك عن أبي حنيفة، قال ابن المنذر: وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي ﷺ قال له: تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. واختلفت الرواية عن أحمد فروي عنه مثل قول مالك والشافعي، وروي عنه أنه إن أطعم براً فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع. واختلفوا في مكان هذه الفدية فقال عطاء ما كان من دم فبمكة وما كان

стр. 556

من طعام أو صيام فحيث شاء، وبه قال أصحاب الرأي، وقال طاوس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع، وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان، وهذا الدم دم تخيير وتقدير. (فإذا أمنتم) أي برئتم من المرض، وقيل من خوفكم من العدو، على الخلاف السابق ولكن الأمن من العدو أظهر من استعمال أمنهم في ذهاب المرض، فيكون مقوياً لقول من قال أن قوله (فإن أحصرتم) المراد به الإحصار من العدو كما أن قوله فمن كان منكم مريضاً يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر، وقد وقع الخلاف هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع الأمة على حسب ما سلف. (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) يعني أن يحرم الرجل بعمرة ثم يقيم حلالاً بمكة إلى أن يحرم بالحج فقد استباح بذلك ما لا يحل للمحرم استباحته، وهو معنى تمتع واستمتع، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع بل هو أفضل أنواع الحج عند أهل التحقيق. (فما استيسر من الهدي) وهو شاة يذبحها يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد ما أحرم بالحج أجزأه عند الشافعي، ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر، وهذا الدم دم ترتيب وتقدير كما ذكره ابن المقرىء. وقد اشتملت هذه الآيات على ثلاثة أنواع من أنواع الدم الواجب في النسك وبقي الرابع يذكر في المائدة في قوله (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الآية وهو دم تخيير وتعديل، ويجب في شيئين صيد وشجر. (فمن لم يجد) الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان (فصيام ثلاثة أيام في) أيام (الحج) وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، ومع ذلك يجوز ذبحه قبل الإحرام به على القاعدة من أن كل حق مالي تعلق بسببين جاز

стр. 557

تقديمه على ثانيهما، وقيل يصوم قبل يوم التروية يوماً ويوم التروية ويوم عرفة، وقيل ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل يصومهن من أول عشر ذي الحجة، وقيل ما دام بمكة، وقيل أنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم. وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومنعه آخرون وبه قال الشافعي. (وسبعة إذا رجعتم) أي إلى الأوطان والأهل، قال أحمد وإسحق: يجزئه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم، وقال مالك إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم والأول أرجح. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال ﷺ : " فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (١). فبين ﷺ أن الرجوع المذكور في الآية هو الرجوع إلى الأهل، وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ: " وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم "، وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج، وبه قال أبو حنيفة، والأول أولى، وفيه التفات عن الغيبة. وإنما قال سبحانه (تلك عشرة كاملة) مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة والسبعة: عشرة لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع، قاله الزجاج، وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة، وقيل هو توكيد كما تقول كتبت بيدي، وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون هذا العدد. وقوله (كاملة) توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية بصيامها وأن لا

стр. 558

ينقص من عددها، والمعنى كاملة يعني في الثواب والأجر يعني أن ثواب صيام العشرة كثواب الذبح لا ينقص شيئاً، وقيل كاملة في قيامها مقام الهدي. (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) الإشارة قيل هي راجعة إلى التمتع فيدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه، وقيل أنها راجعة إلى الحكم وهو وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام كما يقوله الشافعي ومن وافقه، والمراد من لم يكن ساكناً في الحرم، أو من لم يكن ساكناً في المواقيت فما دونها، على الخلاف في ذلك بين الأئمة. قال مالك: هم أهل مكة، وقال طاوس: هم أهل الحرم، وقال ابن جريج: هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة، وقال الشافعي: من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر، وقال أبو حنيفة: هم أهل الميقات، والمواقيت ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق، وقيل من تلزمه الجمعة فيه. قال السيوطي: والأهل كناية عن النفس أي نفس المحرم أي ذلك المحرم لم يكن هو نفسه حاضر المسجد الحرام، وهذا معنى سخيف والأولى ما قاله غيره. وحكى الرملي عن الطبري أن المراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والاخوة. (واتقوا الله) أي فيما فرض عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه (واعلموا أن الله) إظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة في روع السامع (شديد العقاب) لمن خالف أمره وتهاون بحدوده وارتكب مناهيه، وهو من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها.

стр. 559

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) (الحج أشهر معلومات) أي وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج، وقيل التقدير الحج في أشهر، وقيل غير ذلك. وقد اختلف في الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: هي شوال وذو القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد روي أيضاً عن مالك. وتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر فمن قال أن ذا الحجة كله من الوقت قال لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه قال يلزمه دم التأخير. وقد استدل بهذه الآية من قال أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء وطاوس ومجاهد والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحل بالعمرة ولا يجزئه عن إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فلا تجزئه، وقال أحمد وأبو حنيفة أنه مكروه فقط، وروي نحوه عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة، وروي مثله عن أبي حنيفة.

стр. 560

وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية، وقد قيل أن النص عليها لزيادة فضلها، وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة وتلك خاصة والخاص مقدم على العام. ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة كذلك يجوز للحج، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل. والحق ما ذهب إليه الأولون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله (الحج أشهر) مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع، فإن لم يكن كذلك فالأشهر، جمع شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها. ومعنى معلومات أن الحق في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي ﵌، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدم عليها ولا التأخر عنها. (فمن فرض) على نفسه (فيهن الحج) أي أوجبه عليها وألزمه إياها، وأصل الفرض في اللغة الحز والقطع، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس، وقيل معنى فرض أبان وهو أيضاً يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره. وقال ابن مسعود: الفرض الإحرام، وقال ابن الزبير: الإهلال، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه وأوجب

стр. 561

عليها فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً وبالتلبية نطقاً مسموعاً، وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج. (فلا رفث) قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك هو الجماع، وفي رواية عن ابن عباس هو غشيان النساء والتقبيل والغمز، وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش بالكلام والخنا، والقول القبيح، وعلى هذا التلفظ به في غيبة النساء يكون رفثاً، وقال أبو عبيدة الرفث اللغا من الكلام. (ولا فسوق) أصله الخروج عن حدود الشرع وعن الطاعة، وقيل هو الذبح للأصنام، وقيل التنابز بالألقاب، وقيل السباب، وقال ابن عمر: هو ما نهى عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظفار وأخذ الشعر وما أشبه ذلك. والظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام (أو فسقاً أهل لغير الله به) وقال في التنابز (بئس الاسم الفسوق) وقال ﷺ " سباب المسلم فسوق " (١) ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصى لا يوجب اختصاصه به. (ولا جدال) مشتق من الجدل وهو الفتل، والمراد به هنا المماراة وقيل السباب، وقيل الفخر بالآباء، والظاهر الأول ومعنى النفي لهذه الأمور والنهي عنها.

стр. 562

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ الرفث التعريض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها والجدال جدال الرجل صاحبه، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة. قال ابن عباس: الجدال هو المراء، قيل هو قول الرجل: الحج اليوم، ويقول آخر الحج غداً، وقيل هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بمزدلفة وبعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول الصواب فيما فعلته، فأخبر الله أنه أمر الحج قد استقر على ما فعله رسول الله ﷺ فلا خلاف فيه بعده. (في الحج) أي في أيامه ونكتة الإظهار كمال الإعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي، والدلالة على أن ذلك حقيق بأن لا يقع، فإن ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه ففي خلال الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة. ظاهر الآية في الثلاثة خبر ومعناه نهي، وإنما نهى عن ذلك وإن كان اجتنابها في كل الأحوال والأزمان واجباً لأنها في الحج أسمج وأفظع منه في غيره، وقيل معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسىء. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (١) أخرجه البخاري ومسلم. (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى

стр. 563

الطاعة بعد ذكر المعصية، وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء. (وتزودوا) ما يبلغكم لسفركم (فإن خير الزاد التقوى) أي ما يتقى به سؤال الناس وغيره، فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون نحن متوكلون على الله سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ويكونون كَلاَّ عليهم، فأنزل الله هذه الآية، أخرجه عبد بن حميد والبخاري أبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك. قال ابن الجوزي: قد لبَّس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل، وهم على غاية من الخطأ. وقيل المعنى تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى، والأول أرجح كما دل عليه سبب نزول الآية، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خيره التقوى، وقيل المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف. (واتقون) أي وخافوا عقابي. وقيل اشتغلوا بتقواي، وفيه تنبيه على كمال عظمة الله ﷻ (يا أولي الألباب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حث جميع العباد على التقوى، لأن أرباب الألباب والعقول هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولب كل شيء خالصه.

стр. 564

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقاً ونفعاً وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك. والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والإخلاص هو أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة. (فإذا أفضتم من عرفات) يقال فاض الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض أي مندفعة يده بالعطاء، ومعناه أفضتهم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا، وعرفات اسم لتلك البقعة كأذرعات أي موضع الوقوف، وعرفة اسم اليوم وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا، وقيل غير ذلك. قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع إلا على القول بأن أصله جمع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ولا يتم الحج إلا به، ووقت الإفاضة من عرفات بعد غروب

стр. 565

الشمس، فإذا غربت دفع منها وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة. (فاذكروا الله) المراد بذكر الله هنا دعاؤه ومنه التلبية والتكبير أي اذكروه لذاته من غير ملاحظة نعمه، لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث إنعامه على خلقه، فحصلت المغايرة بين هذا وقوله (واذكروه كما هداكم) وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها. (عند المشعر الحرام) سمى مشعراً من الشعار وهو العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وفي الحديث أنه ﵌ وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً، رواه مسلم أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار، قاله الشوبري، والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادى محسر. (واذكروه) ذكراً حسناً (كما هداكم) هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم والكاف للتعليل. (وإن كنتم من قبله لمن الضالين) الضمير في قبله عائد إلى الهدى، وقيل إلى القرآن، وقيل إلى الرسول، والضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة قاله الخطيب، وقيل جاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
следующие страницы →