عليها فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً وبالتلبية نطقاً مسموعاً، وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج.
(فلا رفث) قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك هو الجماع، وفي رواية عن ابن عباس هو غشيان النساء والتقبيل والغمز، وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش بالكلام والخنا، والقول القبيح، وعلى هذا التلفظ به في غيبة النساء يكون رفثاً، وقال أبو عبيدة الرفث اللغا من الكلام.
(ولا فسوق) أصله الخروج عن حدود الشرع وعن الطاعة، وقيل هو الذبح للأصنام، وقيل التنابز بالألقاب، وقيل السباب، وقال ابن عمر: هو ما نهى عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظفار وأخذ الشعر وما أشبه ذلك.
والظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام (أو فسقاً أهل لغير الله به) وقال في التنابز (بئس الاسم الفسوق) وقال ﷺ " سباب المسلم فسوق " (١) ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصى لا يوجب اختصاصه به.
(ولا جدال) مشتق من الجدل وهو الفتل، والمراد به هنا المماراة وقيل السباب، وقيل الفخر بالآباء، والظاهر الأول ومعنى النفي لهذه الأمور والنهي عنها.
стр. 562
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ الرفث التعريض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها والجدال جدال الرجل صاحبه، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة.
قال ابن عباس: الجدال هو المراء، قيل هو قول الرجل: الحج اليوم، ويقول آخر الحج غداً، وقيل هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بمزدلفة وبعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول الصواب فيما فعلته، فأخبر الله أنه أمر الحج قد استقر على ما فعله رسول الله ﷺ فلا خلاف فيه بعده.
(في الحج) أي في أيامه ونكتة الإظهار كمال الإعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي، والدلالة على أن ذلك حقيق بأن لا يقع، فإن ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه ففي خلال الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة.
ظاهر الآية في الثلاثة خبر ومعناه نهي، وإنما نهى عن ذلك وإن كان اجتنابها في كل الأحوال والأزمان واجباً لأنها في الحج أسمج وأفظع منه في غيره، وقيل معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسىء.
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (١) أخرجه البخاري ومسلم.
(وما تفعلوا من خير يعلمه الله) حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى
стр. 563
الطاعة بعد ذكر المعصية، وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء.
(وتزودوا) ما يبلغكم لسفركم (فإن خير الزاد التقوى) أي ما يتقى به سؤال الناس وغيره، فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون نحن متوكلون على الله سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ويكونون كَلاَّ عليهم، فأنزل الله هذه الآية، أخرجه عبد بن حميد والبخاري أبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك.
قال ابن الجوزي: قد لبَّس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل، وهم على غاية من الخطأ.
وقيل المعنى تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى، والأول أرجح كما دل عليه سبب نزول الآية، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خيره التقوى، وقيل المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف.
(واتقون) أي وخافوا عقابي. وقيل اشتغلوا بتقواي، وفيه تنبيه على كمال عظمة الله ﷻ (يا أولي الألباب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حث جميع العباد على التقوى، لأن أرباب الألباب والعقول هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولب كل شيء خالصه.
стр. 564
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)
(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقاً ونفعاً وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك.
والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والإخلاص هو أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة.
(فإذا أفضتم من عرفات) يقال فاض الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض أي مندفعة يده بالعطاء، ومعناه أفضتهم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا، وعرفات اسم لتلك البقعة كأذرعات أي موضع الوقوف، وعرفة اسم اليوم وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا، وقيل غير ذلك.
قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع إلا على القول بأن أصله جمع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ولا يتم الحج إلا به، ووقت الإفاضة من عرفات بعد غروب
стр. 565
الشمس، فإذا غربت دفع منها وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة.
(فاذكروا الله) المراد بذكر الله هنا دعاؤه ومنه التلبية والتكبير أي اذكروه لذاته من غير ملاحظة نعمه، لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث إنعامه على خلقه، فحصلت المغايرة بين هذا وقوله (واذكروه كما هداكم) وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها.
(عند المشعر الحرام) سمى مشعراً من الشعار وهو العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وفي الحديث أنه ﵌ وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً، رواه مسلم أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار، قاله الشوبري، والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادى محسر.
(واذكروه) ذكراً حسناً (كما هداكم) هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم والكاف للتعليل.
(وإن كنتم من قبله لمن الضالين) الضمير في قبله عائد إلى الهدى، وقيل إلى القرآن، وقيل إلى الرسول، والضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة قاله الخطيب، وقيل جاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
стр. 566
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)
(ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) فيه الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، فأمروا بذلك.
وقد ورد في هذا المعنى روايات عن الصحابه والتابعين عند البخاري ومسلم وغيرهما، وعلى هذا يكون ثم لعطف جملة بمعنى الواو لا للترتيب، وقيل الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس " إبراهيم " أي أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم فيحتمل أن يكون أمراً لهم بالإضافة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من مزدلفة، وعلى هذا يكون " ثم " على بابها للترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الأعمال، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن.
(واستغفروا الله) أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة، وقيل أن المعنى استغفروا للذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة، وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة ونزول الرحمة عليهم وإجابة دعائهم (١).
(إن الله غفور رحيم) أي ساتر لذنوب عباده برحمته، وفيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم.
(فإذا قضيتم مناسككم) المراد بالمناسك أعمال الحج، ومنه قوله ﷺ " خذوا عني مناسككم " أي فإذا فرغتم من أعمال الحج، وقيل المراد بها الذبائح وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى.
(فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) إنما قال سبحانه ذلك لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة، وقيل عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح، وغرضهم بذلك الشهرة والسمعة والرفعة، فلما من الله عليهم بالإسلام أمرهم بذكره مكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكراً مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم، والذكر له بالتمجيد والتحميد والتهليل والتسبيح والتكبير والثناء عليه، وقيل أو بمعنى الواو أي وأكثروا ذكر الله تعالى من ذكركم للآباء لأنه هو المنعم عليكم وعلى آبائكم فهو المستحق للذكر والحمد مطلقاً.
(فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره وكان الدعاء نوعاً من نواع الذكر جعل من يدعوه منقسماً إلى قسمين: أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا يلتفت إلى حظ الآخرة، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعاً، والخلاق النصيب أي ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها.
стр. 569
وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " أخرجه البخاري، وهذا دعاء عليه بالهلاك.
وفي الباب أحاديث كثيرة وإنما كان سؤال المشركين للدنيا ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث.
стр. 570
(ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) قد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية وما لابد منه من الرزق، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا، وقيل المراد بحسنة الدنيا الزوجة الحسناء، وبحسنة الآخرة الحور العين، وقيل حسنة الدنيا العلم والعبادة وحسنة الآخرة الجنة وقيل الأولى العمل الصالح والثانية المغفرة والثواب، وقيل من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلاً ومالاً فقد أوتي فيهما حسنة، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره. (١)
قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة قال وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن " حسنة " نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع انتهى.
(أولئك) إشارة إلى الفريق الثاني فقط (لهم نصيب مما) أي من جنس ما (كسبوا) من الأعمال أي من ثوابها ومن جملة أعمالهم الدعاء فما أعطاهم بسببه من الخير فهو مما كسبوا، وقيل معناه من أجل ما كسبوا وهو بعيد، وقيل قوله أولئك إشارة إلى الفريقين جميعاً أي للأولين نصيب من الدنيا ولا نصيب لهم في الآخرة وللآخرين نصيب مما كسبوا في الدنيا والآخرة (والله سريع الحساب) الحساب مصدر كالمحاسبة وأصله العدد والمراد هنا المحسوب سمي حساباً تسمية للمفعول بالمصدر.
والمعنى أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريع مجيئه فبادروا ذلك بأعمال الخير أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وأعمالهم ليدل ذلك على كمال قدرته، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا إمارة ولا مساعدة فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال تعالى (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة).
وقال السيوطي: يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف من نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك انتهى.
وهذا تمثيل للسرعة لا تعيين لمقدار زمن الحساب، وقيل معناه أن الله يعلم العباد ما لهم وما عليهم، وهذا أبعد، وقيل المحاسبة المجازاة ويدل عليه قوله (فحاسبناها حساباً شديداً) وقيل معناه أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابه لهم، وقيل معنى الآية أن إتيان القيامة قريب لا محالة. وفيه إشارة إلى المبادرة بالتوبة والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة.
стр. 573
(واذكروا الله) يعني بالتوحيد والتعظيم والتكبير في أدبار الصلوات وعند رمي الجمرات، فقد ورد في الصحيح أن النبي ﵌ كبر مع كل حصاة، والخطاب للحاج وغيره كما ذهب إليه الجمهور، وقيل هو خاص بالحاج.
(في أيام معدودات) قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة، وهي أيام رمي الجمار، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو مذهب الشافعي، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة.
وقال إبراهيم: الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر، وكذا روي عن مكي والمهدوي، قال القرطبي: ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر ابن عبد البر وغيره.
عن أبي يوسف: الأيام المعلومات أيام النحر، قال لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وقال محمد بن الحسن: هي أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده وهو قول علي، وروي عن ابن عمر، وهو مذهب أبي حنيفة.
قال الكيا الطبري: فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، وروي عن مالك أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان. واليوم الرابع معدود لا معلوم، وهو مروي عن ابن عمر.
قال ابن زيد: الأيام المعلومات عشر ذو الحجة وأيام التشريق.
стр. 574
وأجمع العلماء على أن المراد بهذا هو التكبير عند رمي الجمرات مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق، وهو سنة بالاتفاق، وعن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﵌: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى (١)، رواه مسلم، ومن الذكر في هذه الأيام التكبير.
وروى البخاري عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك الأيام جميعاً.
وقد اختلف أهل العلم في وقته فقيل من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا في ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول علي بن أبي طالب ومكحول، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقيل من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال أبو حنيفة وابن مسعود، وعلى هذا يكون التكبير في ثمان صلوات، وقيل من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي فيكون التكبير على هذا في خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، ولفظ التكبير عند الشافعي الله أكبر ثلاثاً نسقاً وعند أهل العراق مرتين.
(فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) اليومان هما يوم ثاني النحر ويوم ثالثه من أيام التشريق، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج.
فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً لأن من العرب من كان يذم التعجل، ومنهم من كان يذم التأخر، فنزلت الآية
стр. 575
رافعة للجناح في كل ذلك.
وقال علي وابن مسعود: معنى الآية من تعجل فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له.
والآية قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان ولا بد من ارتكاب مجاز في قوله (يومين) من حيث أنه جعل الواقع في أحدهما واقعاً فيهما كقوله (نسيا حوتهما) ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (وجعلا له شركاء فيما آتاهما) والناسي أحدهما وكذلك المخرج منه، والجاعل له أحدهما أو من حيث حذف المضاف أي في ثاني يومين والأول أولى. (١)
(لمن اتقى) أي أن ذلك التخيير ورفع الإثم ثابت لمن اتقى، لأن صاحب التقوى يحترز عن كل ما يريبه، فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم، قال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي، وقيل لمن اتقى قتل الصيد، وقيل معناه السلامة لمن اتقى، وقيل أي الذكر لمن اتقى في حجه لأنه الحاج في الحقيقة.
(واتقوا الله) أي في المستقبل (واعلموا أنكم إليه تحشرون) فيجازيكم بأعمالكم، وفيه حث على التقوى، وهو عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات.
стр. 576
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)
(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي يروقك وتستحسنه ويعظم في قلبك حلاوة كلامه مما يتعلق بأمر الدنيا، والإعجاب استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له.
وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئاً له في ذاته حالة حقيقية بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه انتهى.
لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله (ومن الناس من يقول) عقب ذلك بذكر طائفة المنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وقيل إنها نزلت في قوم من المنافقين، وقيل إنها نزلت في كل من أضمر كفراً أو نفاقاً أو كذباً وأظهر بلسانه خلافه.
(ويشهد الله على ما في قلبه) أي أنه يحلف على ذلك فيقول إني بك مؤمن ولك محب أو يقول الله يعلم أني أقول حقاً وأني صادق في قولي لك، أو أن ما في قلبي موافق لقولي (وهو ألد الخصام) أي شديد الخصومة يقال رجل ألد، وامرأة لداء، والخصام مصدر خاصم قاله الخليل؛ وقيل جمع خصيم قاله الزجاج.
والمعنى أنه أشد المخاصمين خصومة لكثرة جداله وقوة مراجعته، والإضافة بمعنى في، أي ألد في الخصام أو جعل الخصام ألد على المبالغة أي شديد الجدال في الباطل؛ وهو كاذب القول؛ وقيل شديد القسوة في المعصية يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة؛ وعن عائشة عن النبي ﵌ قال: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم (١)؛ أخرجه البخاري ومسلم.
(وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها) أي إذا أدبر وذهب عنك يا محمد ﷺ وقيل أنه ضل وغضب، وقيل أنه بمعنى الولاية أي إذا كان والياً بفعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض، والسعي يحتمل أن يكون المراد به السعي بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض كقطع الطريق وقطع الأرحام وحرب المسلمين وسفك دمائهم، ويحتمل أن يكون المراد به العمل في الفساد وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين كالتدبير على المسلمين بما يضرهم وأعمال الحيل عليهم؛ وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه أو حواسه يقال له سعي وهذا هو الظاهر من هذه الآية.
(ويهلك الحرث والنسل) من عطف الخاص على العام فإن الفساد أعم من ذلك فيشمل سفك الدماء ونهب الأموال وغير ذلك، والمراد بالحرث الزرع والنسل الأولاد، وقيل الحرث النساء، قال الزجاج: وذلك لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال وفيه هلاك النسل.
وقال مجاهد: الحرث نبات الأرض، والنسل نسل كل شيء من الحيوان الناس والدواب، وعنه أيضاً قال: معنى الآية يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان والظلم فيحبس الله بذلك القطر من السماء فيهلك بحبس القطر الحرث والنسل.
وقال ابن عباس: نسل كل دابة، وأصل الحرث في اللغة الشق ومنه المحراث لما يشق به الأرض، والحرث كسب المال وجمعه، وأصل النسل في اللغة الخروج والسقوط ومنه نسل الشعر، ومنه (أيضاً إلى ربهم ينسلون)، (ومن
стр. 579
كل حدب ينسلون)، ويقال لما خرج من كل أنثى نسل لخروجه منها.
(والله لا يحب الفساد) يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين وما فيه فساد الدنيا، واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن المحبة عبارة عن الإرادة، وأجيب عنه بأن الإرادة معنى غير المحبة فإن الإنسان قد يريد شيئاً ولا يحبه كالدواء المر يتناوله ولا يحبه، فبان الفرق بينهما، وقيل أن المحبة مدح الشيء وتعظيمه، والإرادة بخلاف ذلك.
стр. 580
(وإذا قيل له) أي على سبيل النصيحة وهي مستأنفة أو معطوفة على يعجبك (اتق الله) أي خف الله في سرك وعلانيتك (أخذته العزة بالإثم العزة القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه ومنه (وعزني في الخطاب) وقيل العزة هنا الحمية والأنفة وقيل المنعة وشدة النفس.
والمعنى حملته العزة على فعل الإثم، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه، قاله الزمخشري، وقيل أخذته العزة بما يؤثمه أي ارتكب الكفر للعزة، ومنه (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) وقيل الباء في قوله بالإثم بمعنى اللام أي أخذته الحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه وهو النفاق، وقيل الباء بمعنى مع أي أخذته العزة مع الإثم، وقيل للسببية أي إن إثمه كان سبباً لأخذ العزة له.
وفي هذه الآية التتميم، وهو نوع من علم البديع وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس وتقربها إلى الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة، فمن مجيئها محمودة قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها المحمودة فقيل (بالإثم) توضيحاً للمراد، فرفع اللبس به، قاله السمين.
قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه اتق الله فيقول عليك بنفسك أنت تأمرني، وعن سفيان قال: قال رجل لمالك ابن مغول اتق الله فسقط فوضع خده على الأرض تواضعاً لله.
стр. 581
(فحسبه جهنم) أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجال كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم عليه ما حل به وحسب اسم فاعل، وقيل اسم فعل (ولبئس المهاد) جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبي، وقيل اسم مفرد سمى به الفراش الموطأ للنوم وسميت جهنم مهاداً لأنها مستقر الكفار، وقيل المعنى أنها بدل لهم من المهاد كقوله (فبشرهم بعذاب أليم) وقال مجاهد: بئسما مهدوا لأنفسهم، وقال ابن عباس: بئس المنزل وهذا من باب التهكم والاستهزاء.
стр. 582
(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) يشري بمعنى يبيع أي يبيع نفسه في مرضاة الله كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال قتادة: هم المهاجرون والأنصار، ومثله قوله تعالى (وشروه بثمن بخس) وأصله الاستبدال ومنه قوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) والمرضاة الرضا، قال ابن عباس: نزلت في سرية الرجيع وكانت بعد أحد، وفي البخاري تمام قصته عن حديث أبي هريرة فإن شئت فارجع إليه.
(والله رؤوف بالعباد) وجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة لهم ولطفاً بهم، ومن رأفته أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته أنه يقبل توبة عبده وأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن المصر على الكفر ولو مائة سنة إذا تاب ولو لحظة أسقط عنه عقاب تلك السنين وأعطاه الثواب الدائم.
ومن رأفته أن نفس العباد وأموالهم له ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه ورحمة وإحساناً.
وهذه أربعة أقسام اشتملت عليها تلك الآيات الكريمات أولها راغب في الدنيا فقط ظاهراً وباطناً، والثاني راغب فيها وفي الآخرة كذلك، والثالث راغب في الآخرة وفي الدنيا باطناً، والرابع راغب في الآخرة ظاهراً وباطناً معرض عن الدنيا كذلك.
(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) لما ذكر سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف مؤمنين وكافرين ومنافقين، أمرهم بعد ذلك ما يكون على ملة واحدة، وإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم وكتابهم، والمنافق مؤمن بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه، والسلم بفتح السين وكسرها، قال الكسائي: معناهما واحد، وكذا عند البصريين وهما جميعاً يقعان للإسلام والمسالمة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: أنه بالفتح للمسالمة وبالكسر للإسلام، وأنكر البرد هذه التفرقة.
وقال الجوهري: السلم بفتح السين ويكسر ويذكر ويؤنث أصله من الاستسلام والانقياد، ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإسلام، وقد حكى البصريون في سلم وسلم أنها بمعنى واحد، (وكافة) حال من السلم أو من ضمير المؤمنين فمعناه على الأول لا يخرج منكم أحد، وعلى الثاني لا يخرج من أنواع السلم شيء بل ادخلوا فيها جميعا أي في خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت أي منعت أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام، والكف المنع، والمراد به هنا الجميع.
(ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشيطان، وقيل لا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلاله والغواية والأهواء المضلة لأن من تبع سنة إنسان فقد اتبع أثره، وقد
стр. 585
تقدم الكلام على خطوات.
(إنه لكم عدو مبين) يعني الشيطان وأنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، وأن الله بيَّن عداوته ما هي، فكأنه مبين وإن لم يشاهد، وهذا البيان بالنسبة لمن أنار الله قلبه، وأما غيره فهو حليف له.
стр. 586
(فإن زللتم) أي تنحيتم عن طريق الاستقامة، وأصل الزلل في القدم ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال زل يزل زلاً، وزلولاً أي دحضت قدمه، والمعنى فإن ملتم وضللتم وأشركتم وعرجتم عن الحق.
(من بعد ما جاءتكم البينات) أي بالحجج الواضحة والبراهين الصحيحة على أن الدخول في الإسلام هو الحق (فاعلموا أن الله عزيز) غالب لا يعجزه شيء عن الانتقام (حكيم) لا ينتقم إلا لحق، وفي الآية وعيد وتهديد لمن في قلبه شك ونفاق أو عنده شبهة في الدين. (١)
(هل ينظرون) استفهام إنكاري أي ينتظرون يقال نظرته وانتظرته بمعنى، والمراد هل ينتظر الزالون التاركون للدخول في الإسلام والمتبعون خطوات الشيطان، فهو التفات إلى الغيبة للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم، وحكاية جنايتهم لما عداهم من أهل الإنصاف على طريق الإهانة.
(إلا أن يأتيهم الله) بما وعدهم من الحساب والعذاب، استثناء مفرغ من مقدر أي ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب، وهذا مبالغة في توبيخهم (في ظلل) جمع ظلة وهي ما يظلك، وقال الأخفش: وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعاً إلى الجزاء فسمى الجزاء إتياناً كما سمى التخويف والتعذيب في قصة ثمود إتياناً فقال (فأتى الله بنيانهم من القواعد) وقال في قصة النضير (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا).
وإنما احتمل الإتيان هذا لأن أصله عند أهل اللغة القصد إلى الشيء، فمعنى الآية هل ينظرون إلا أن يظهر الله فعلاً من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى محاربتهم وقيل أن المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه، وقيل أن قوله (في ظلل) بمعنى بظلل، وقيل المعنى يأتيهم ببأسه في ظلل.
стр. 589
(من الغمام) يعني السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم أي يستر، ووجه إتيان العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجيء الخوف من محل الأمن من الفظاعة وعظم الموقع، لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب، وهذا أبلغ في تبكيتهم وتخويفهم.
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي (١) ".
وعن ابن عمر قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب.
وعن ابن عباس: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت طاقات.
والتقدير في ظلل كائنة من الغمام، " ومن " على هذا للتبعيض أو من ناحية الغمام، وهي على هذا لابتداء الغاية.
(والملائكة) أي وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة، وقرىء بالجر عطفاً على ظلل أو على الغمام فتوصف الملائكة بكونها ظللاً على التشبيه، وقال عكرمة: والملائكة حوله، وقيل حول الغمام، وقيل حول الرب تعالى.
وهذه من آيات الصفات وللعلماء فيها وفي أحاديث الصفات مذهبان:
стр. 590
أحدهما الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديثها ووجوب الاعتقاد بظاهرها والإيمان بها كما جاءت، وإحالة علمها إلى الله تعالى، مع تنزيهه سبحانه عن التشبيه والتمثيل والتحريف والتبديل والتعطيل، وهو قول سلف هذه الأمة وأئمتها، قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر، وكان ابن عُيَينة والزهري والأوزاير ومالك وابن المبارك والثوري والليث بن سعد وأحمد ابن حنبل وإسحق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، هذا مذهب أعلام أهل السنة ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى.
عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شيء، عقيدة صائب
نسلم آيات الصفات بأسرها ... وإجراءها للظاهر المتقارب
ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب
ونركب للتسليم سفناً فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب
(والثاني) التأويل لها بما يناسب تنزيهه عندهم وهو قول جمهور علماء المتكلمين وأصحاب النظر كما قالوا في هذه الآية مجيء الله هو مجيء الآيات أو مجيء أمر الله أو عذاب الله، فأنكروا إمرار الصفات على ظاهرها وإجرائها على ما أراد الله، وهذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد أوضحنا ذلك في كتابينا الانتقاد الرجيح وبغية الرائد بما لا يحتاج الناظر فيهما إلى غيرهما.
(وقضي الأمر) عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلاله على أن مضمونها واقع لا محالة أي وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم، قال عكرمة: قضي الأمر أي قامت الساعة.
(وإلى الله ترجع الأمور) أي أمور العباد في الآخرة لا إلى غيره، والمراد
стр. 591
من هذا إعلام الخلق أنه المجزي على الأعمال بالثواب والعقاب.
стр. 592
(سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة) المأمور بالسؤال هو النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون هو كل فرد من السائلين، وهو سؤال تقريع وتوبيخ، والمسؤول عنهم يهود المدينة، وكم إما استفهامية للتقرير أو خبرية للتكثير، والآية هي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد ﷺ ، وقيل المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي تسع، قال أبو العالية: آتاهم الله آيات بينات عصا موسى ويده وأقطعهم البحر، وأغرق عدوهم وهم ينظرون وظللاً من الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى.
(ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته) المراد بالنعمة هنا ما جاءهم من الآيات، وقال ابن جرير الطبري: النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على كل عبد من عباده كائناً من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها.
ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول، لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (فإن الله شديد العقاب) فيه من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره.
стр. 593
(زين للذين كفروا الحياة الدنيا) المزين هو الشيطان بأن وسوس لهم ومناهم الأماني الكاذبة، وذلك حقيقة كما قال السعد التفتازاني وجيء به ماضياً دلالة على أن ذلك وقع وفرغ منه، أو المزين الأنفس المجبولة على حب العاجلة، وزين مبني للمجهول.
وقرىء بفتح الزاء والمزين هو الله بأن خلق الأشياء العجيبة ومكنهم منها إذ ما من شيء إلا وهو خالقه وعلى هذا المسند والإسناد مجاز لأن خذلانه إياهم
стр. 594
صار سبباً لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم.
والمراد بالذين كفروا رؤساء قريش أو كل كافر، وإنما خص الكفار بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً، لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة، والسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة والمعنى حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها.
(ويسخرون من الذين آمنوا) أي والحال أن أولئك الكفار يسخرون من المؤمنين لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفار وأساطين الضلال، وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيداً رابحاً ومن حرمه شقياً خاسراً، وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها.
وحكى الأخفش أنه يقال سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، والاسم السخرية والسخرى، وجيء به مضارعاً دلالة على التجدد والحدوث.
ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين رد الله عليهم بقوله (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) والمراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق المكان لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين. أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة.
وفيه دلالة على أن فوقيتهم من أجل التقوى. وفيه تحريضهم على
стр. 595
الإتصاف به إذا سمعوا ذلك، أو للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا للإتقاء عنها لكونها شاغلة عن جانب القدس.
عن حارثة بن وهب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عُتُلٍّ جواظ جعظري مستكبر (١) " أخرجه الشيخان.
وعن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال: " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء "، أخرجه البخاري ومسلم.
(والله يرزق من يشاء بغير حساب) يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين ويوسع عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب أي بغير تقدير، لأن ما يدخل عليه الحساب فهو قليل، ويحتمل أن المعنى أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق كما وسع على أولئك الرؤساء من الكفار استدراجاً لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه فقد رضي عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال تعالى (ويرزقه من حيث لا يحتسب).
وقال ابن عباس في تفسيرها: ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه، وقال سعيد بن جبير: لا يحاسب الرب، وقيل يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل يرزقه بغير استحقاق، وقيل لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب. وقيل لا يعطي كل واحد على قدر حاجته بل يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه، وقيل غير ذلك.
стр. 596
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
(كان الناس أمة واحدة) أي كانوا متفقين على دين واحد، وهو الإسلام فاختلفوا، واختلف في الناس فقيل هم بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم.
عن أبيّ بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حين عرضوا على آدم ففطرهم على الإسلام وأقروا بالعبودية وكانوا مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم، وقيل آدم وحده قاله مجاهد، وسمى ناساً لأنه أصل النسل، وقيل آدم وحواء وقيل المراد القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة قرون. كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، قاله ابن عباس، وقيل المراد نوح ومن في سفينته، وقيل أن العرب كانت على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي.
وقيل كانوا من حين وفاة آدم إلى زمان نوح على الكفر والباطل بدليل قوله (فبعث الله النبيين) والحكم للغالب، والأول أولى قال أبو السعود: وهو الأنسب بالنظم الكريم، وقيل ليس في الآية ما يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج، وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله من عليهم بإرسال الرسل، والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته أي مقصدهم واحد غير مختلف.
(فبعث الله النبيين) قيل الأنبياء جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر، المذكور منهم في القرآن بأسماء الأعلام
стр. 597
ثمانية وعشرون نبياً، والله أعلم.
(مبشرين) بالثواب لمن آمن وأطاع (ومنذرين) بالعقاب لمن كفر وعصى (وأنزل معهم الكتاب) أي الجنس، وقيل المراد به التوراة أو أنزل مع كل واحد الكتاب، وجملة الكتب المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب كما قيل (بالحق) أي الصدق والعدل، والمراد هنا الحكم والفوائد والمصالح (ليحكم بين الناس) مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو مجاز مثل قوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقيل أن المعنى ليحكم كل نبي بكتابه، وقيل ليحكم الله (فيما اختلفوا فيه) أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما كانوا متفقين عليه، وقيل الضمير في (فيه) راجع إلى ما في قوله (فيما).
والضمير في قوله (وما اختلف فيه) يحتمل أن يعود إلى الكتاب ويحتمل أن يعود إلى المنزل عليه وهو محمد ﷺ ، قاله الزجاج، ويحتمل أن يعود إلى الحق (إلا الذين أوتوه) أي أوتوا الكتاب أو أوتوا الحق، أو أوتوا النبي ﷺ أي أعطوا علمه (من بعد ما جاءتهم البينات) أي الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد ﷺ أو الحجج الظاهرة على التوحيد (بغياً بينهم) أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، وفي هذا تنبيه على الصفة في فعلهم القبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدة الخلاف.
(فهدى الله الذين آمنوا) أي أمة محمد- ﷺ (لما اختلفوا فيه من الحق) أي إلى الحق، و " من " للبيان أو للتبعيض، وذلك لما بين لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم، وقيل معناه فهدى الله أمة محمد ﷺ للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم، فإن بعضهم كذب كتاب بعض، وقيل أن الله هداهم إلى الحق من القبلة، وقيل هداهم ليوم الجمعة، وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود، وجعلته النصارى رباً، وقيل المراد بالحق الإسلام.
стр. 598
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
وقال الفراء: إن في الآية قلباً وتقديره فهدى الذين آمنوا بالحق لما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير وضعفه ابن عطية (بإذنه) قال الزجاج: معناه بعلمه، وقال النحاس: هذا غلط، والمعنى بأمره وإرادته (والله يهدي من يشاء) من عباده (إلى صراط مستقيم) أي طريق سوي.
стр. 599
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) أم هنا منقطعة بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير والإنكار أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه، وحسب هنا من أخوات ظن، وقد تستعمل في اليقين.
(ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) الواو للحال، ولما بمعنى لم أي والحال أنكم لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا.
ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله (أم حسبتم أن تدخلوا
стр. 600
الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) وقوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
(مستهم) استئناف بيان لقوله (مثل الذين خلوا) (البأساء والضراء) قد تقدم تفسيرهما (وزلزلوا) الزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص وفي الأقوال، يقال زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالاً بالكسر فتزلزلت أي تحركت واضطربت، فمعنى زلزلوا خوفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً، وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وقال الزجاج: الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه.
(حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) أي استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول ومن معه أي صاحبوه في الإيمان، وحتى بمعنى إلى، وأن مضمرة أي إلى أن يقول، وهي غاية لما تقدم من المس والزلزال وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر، وأضبط للنفس عند نزول البلايا وكذلك أتباعهم من المؤمنين.
(متى نصر الله) متى ظرف زمان لا ينصرف إلا بجره بحرف والرسول هنا قيل هو محمد ﷺ ، وقيل شعياء: وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته.
وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير أي حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، ويقول الرسول ألا إن نصر الله قريب.
ولا ملجىء لهذا التكلف لأن قول الرسول ومن معه (متى نصر الله) ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشك والإرتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب وهي غزوة الخندق أصاب