← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

(قالوا) لما قالت لهم الملائكة لا تركضوا (يا ويلنا) أي يا هلاكنا (إنا كنا ظالمين) لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدمنا، فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ينفعهم الندم.

стр. 5532

(فما زالت تلك) أي هذه الجملة والكلمة (دعواهم) هي قولهم يا ْويلنا أي يدعون بها ويرددونها (حتى جعلناهم حصيداً) بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود. ومعنى (خامدين) أنهم ميتون من خمدت النار وهمدت إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفىء، والخمود عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الحر، والهمود عبارة عن ذهابها بالكلية حتى تصير رماداً، فالأحسن أن يكون المراد بالخمود هنا الهمود فإنه أبلغ معنى، والمعنى جعلناهم جامعين لماثلة الحصاد والخمود، كقولك جعلته حلواً حامضاً؛ أي جعلته جامعاً للطعمين. قال مجاهد: بالسيف ضرب الملائكة وُجُوهَهم حتى رجعوا إلى مساكنهم. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: حدثني رجل من الجزريين قال: كان باليمن قريتان يقال لإحداهما حضور وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم؛ فجهز لهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه فرجعوا منهزمين؛ فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر غزاهم هو بنفسه، فقاتلهم حتى خرجوا منها يركضون؛ فسمعوا منادياً يقول: لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيا

стр. 5533

ومساكنكم، فرجعوا فسمعوا صوت مناد يقول: يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله: (وكم قصمنا من قرية -إلى قوله- خامدين). قلت: وقرى حضور معروفه الآن، بينها وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها.

стр. 5534

(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أي لم نخلقهما عبثاً ولا باطلاً بل للتنبيه على أن لهما خالقاً قادراً يجب امتثال أمره، واللعب هو محط النفي وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم؛ والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها، والمعنى ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، وإنما سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وليستدل بها على قدرة مدبرها ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا، واللعبُ فعْلٌ يروقُ أَوّلُهُ وَلا ثباتَ له. ثم نزه ذاته عن سمات النقص فقال:

стр. 5535

(لو أردنا أن نتخذ لهواً) اللهو ما يتلهى به، تقول أهل نجد لهوت عنه ألهو لهياً، والأصل لهُوُى من باب قعد على فعول وأهل العالية لَهيت عنه ألْهَى من باب تعب ومعناه السلوان والترك، ولهوت به لهواً من باب قتل أولعت به وتلهيت به أيضاً، قال الطرطوشي: وأصل اللهو؛ الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني. قيل: اللهو هنا الزوجة والولد، وقيل: الزوجة فقط، وقيل: الولد فقط، قال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ومنه قول الشاعر: وفيهن ملهى للصديق ومنظر والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، وجواب لو قوله: (لاتخذناه من لدنا) أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم ويستثنى نقيض التالي

стр. 5536

لينتج نقيض المقدم. قال المفسرون: أي من الولدان أو الحور العين أو الملائكة، وفي هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقيل: أراد الرد على من قال الأصنام أو الملائكة بنات الله؛ وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. (إن كنا فاعلين) قال الفراء والمبرد والزجاج: ويجوز أن تكون (إن) للنفي كما ذكره المفسرون أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولداً ويجوز أن تكون للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، قال الفراء: وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية.

стр. 5537

(بل نقذف بالحق على الباطل) هذا إضراب عن اتخاذ اللهو أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل بل شأننا أن نرمي بالحق على الباطل وبالإيمان على الكفر، وقيل الحق قول لا إله إلا الله، وأنه لا ولد له، والباطل قولهم: اتخذ الله ولداً. (فيدمغه) أي يقهره ويهلكه وأصل الدمغ شق الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة، قال الزجاج: المعنى نذهبه ذهاب الصغار والإذلال؛ وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب قيل: أراد بالحق الحجة وبالباطل الشبهة وقيل: الحق المواعظ والباطل المعاصي، وقيل الباطل الشيطان، وقيل بكذبهم ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته. (فإذا هو زاهق) أي زائل ذاهب، وقيل هالك تالف، والمعنى متقارب (وإذا) هي الفجائية (ولكم الويل) يا معشر الكفار (مما تصفون) أي لكم العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه من الصاحبة والولد، وقيل: الويل واد في جهنم، وهو وعيد لقريش؛ بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك و (من) هي التعليلية وهذا وجه وجيه و (ما) مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة.

стр. 5538

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)

стр. 5539

(وله من في السماوات والأرض) عبيداً وملكاً، وهو خالقهم ورازقهم ومالكُهم والنعم عليهم بأصناف النعم، فكيف يجوز أن يكون بعض مخلوقاته شريكاً له يُعْبَد كما يُعْبد، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها (ومن عنده) يعني الملائكة، وفيه رد على القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفي التعبير عنهم بكونهم عنده إثْرَ ما عبر عنهم بمن في السماوات إشارة إلى تشريفهم وكرامتهم ومزيد الاعتناء بهم وأنهم عنده بمنزلة المقربين عند الملوك: قال أبو السعود: بطريق التمثيل وأقول أنا بل بطريق التحقيق كما هو ظاهر النظم القرآني، ثم وصفهم بقوله: (لا يستكبرون) أي لا يتعاظمون ولا يأنفون (عن عبادته) سبحانه والتذلل له. (ولا يستحسرون) أي لا يعيون ولا يتعبون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب يقال حسر البعير يحسر حسوراً أعيي وكَلُّ واستحسر؛ وتحسر مثله وحسرته انا حسراً يتعدى ولا يتعدى، قال أبو زيد: لا يَكِلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون، وقال ابن عباس: لا يرجعون، قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، كقوله: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) وقيل: المعنى لا ينقطعون عن عبادته وهذه المعاني متقاربة.

стр. 5540

(يسبحون الليل والنهار لا يفترون) أي ينزهون الله سبحانه دائماً لا يضعفون عن ذلك ولا يسامون، وقيل يصلون الليل والنهار، قال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء فكذلك تسبيحهم دائم أي ضروري فيهم سجية وطبيعة، وهذه الجملة إما مستأنفة وقعت جواباً عما نشأ مما قبله أو حالية.

стр. 5541

(أم اتخذوا آلهة من الأرض) قال المفضل مقصود هذا الاستفهام الجحد أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء والإيجاد من العدم، وأم هي المنقطعة والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد: أن أم هنا بمعنى هل. أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى؟ ولا يكون (أم) هنا بمعنى بل لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن يقدر أم مع الاستفهام فتكون أم المنقطعة فيصح المعنى. (هم ينشرون) أي يبعثون الموتى، والجملة مستأنفة أو صفة لآلهة وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار، والتجهيل لا نفس الاتخاذ فإنه واقع منهم لا محالة، والمعنى بل اتخذوا آلهة من الأرض لهم خاصة مع حقارتهم وينشرون الموتى وليس الأمر كذلك فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك وقرئ ينشرون من أنشره أي أحياه، وقرئ بفتح الياء أي يَحْيَوْن ولا يموتون ثم إن الله سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدد الآلهة فقال:

стр. 5542

(لو كان فيهما آلهة إلا الله) أي لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله، والجمع ليس قيداً وإنما عبر به مشاكلة لقوله (أم اتخذوا آلهة) وكذلك قوله فيهما ليس قيداً وإنما عبر به لأن هذا دليل إقناعي بحسب ما يفهمه المخاطب وبحسب ما فرط منهم، وهم إنما اتخذوا آلهة في الأرض والسماء لا فيما وراءهما كالملائكة الحافين من حول العرش، قاله الحفناوي، والصحيح: أن الآية حجة قطعية الدلالة والقول بأنها حجة إقناعية قول منكر بشع أي إنكار وإبشاع.

стр. 5543

(لفسدتا) أي لبطلتا يعني: السماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات، وخرجتا عن نظامهما المشاهد وهلك من فيهما لوجود التمانع من الآلهة على العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام، ويدل العقل على ذلك، وذلك أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم واذا انفرد الثاني صح منه تسكينه فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المراد وهو محال وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب الفساد فكان القول به باطلاً، قاله الكرخي. أقول الأدلة القرآنية والحجج الفرقانية الدالة على توحيد الله تعالى تغني عن البراهين الكلامية والمسائل العقلية الفلسفية في هذا المرام، وليس وراء بيان الله بيان ودونه خرط القتاد. قال الرازي: القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال ثم ذكر دلائل ذلك وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد، والفساد لازم على كل التقديرات التي قدروها، وإذا وقفْتَ على هذه عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية الله تعالى. وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن وكل من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام لزم فساد العالم، لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فلزم إفساد العالم، قالوا: وهذا أولى؛ لأنه تعالى حكى عنهم في قوله: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به. قال علي القاري: وأما قول التفتازاني: الآية حجة إقناعية فالمحققون

стр. 5544

كالغزالي وابن الهمام، ما قنعوا بالإقناعية بل جعلوها من الحقائق القطعية، بل قيل يكفر قائلها. انتهى. قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة إن (إلا) هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة للآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها، وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها، وقال الفراء: أن (إلا) هنا بمعنى سوى، ووجه الفساد أن كون إله آخر مع الله يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف؛ فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد. (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي تنزه عما لا يليق به من ثبوت الشريك له وفي إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به

стр. 5545

(لا يسأل عما يفعل) مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره من إعزاز وإذلال وإسعاد وإشقاء لأنه الرب المالك للأعناق. (وهم) أي العباد (يسألون) عما يفعلون سؤال توبيخ وتقريع يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا وكذا، لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟. وقيل: أن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون، قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلهاً، قال ابن عباس: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).

стр. 5546

(أم اتخذوا من دونه آلهة) أم بمعنى بل وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم

стр. 5547

بطلب البرهان منهم ولهذا قال: (قل هاتوا برهانكم) على دعوى أنها آلهة أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك لا من عقل ولا نقل لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد التضمن للبرهان القاطع، ذكر أمتي وذكر الأمم السألفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إنه سواه؟. قال الزجاج: قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله، فهل في ذكر من قبلي إلا توحيد الله، وفيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم. وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد؛ أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وقرئ ذكرٌ مِن مَعي بالتنوين وكسر الميم، أي هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكرٌ مِنْ قبلي، قاله الزجاج. وقيل ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: (بل أكثرهم لا يعلمون الحق) وهذا إضراب من جهة الله سبحانه غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا تؤثر فيهم المحاجة وإقامة البرهان لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل، وقرئ الحق بالرفع على معنى هذا الحق أو هو الحق. (فهم معرضون) تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون. أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر الموصل إليه، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة ولا يتدبرون في برهان ولا يتفكرون في دليل.

стр. 5548

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)

стр. 5549

(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه) استئناف مقرر لما أجمل قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الآلهية وأجمعت عليه الرسل، وقرئ نوحي بالنون وبالياء (أنه لا إله إلا أنا) وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله: هذا ذكر من معي. وختم الآية بالأمر لعباده فقال: (فاعبدون) فقد اتضح لكم دليل العقل ودليل النقل، وقامت عليكم حجة الله.

стр. 5550

(وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) هؤلاء القائلون هم خزاعة وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، فإنهم قالوا الملائكة بنات الله، وقيل: هم اليهود، ويصح حمل الآية على كل من جعل لله ولداً. وقد قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وقالت طائفة من العرب: الملائكة بنات الله، ثم نزه الله سبحانه نفسه فقال: (سبحانه) أي تنزيهاً له عن ذلك، وهو يقول على ألسنة العباد؛ ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال: (بل عباد مكرمون) قرئ من الإكرام والتكريم؛ أي ليسوا كما قالوا، بل عباد الله سبحانه مكرمون بكرامته لهم مقربون عنده، والعبودية تنافي الولادة بحسب المعتاد الذي لا يتخلف عند

стр. 5551

العرب من كون عبد الانسان لا يكون ولده، أو بحسب قواعد الشرع من أن الإنسان إذ ملك ولده عتق عليه، والأول في تقرير المنافاة أظهر إذ الكلام مع جهال العرب وهم لا يعرفون قواعد الشرع. قال قتادة: قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: (بل عباد مكرمون) أي الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة؛ الأولى هذه والأخيرة. ومن يقل منهم. فهذه الضمائر كلها للملائكة.

стр. 5552

(لا يسبقونه بالقول) وصفهم بصفة أخرى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله أو يأمرهم به، كذا قال ابن قتيبة وغيره، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم (وهم بأمره يعملون) أي هم القائمون بما يأمرهم الله به، التابعون له المطيعون لربهم فلا يخالفونه قولاً ولا عملاً.

стр. 5553

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما عملوا وما هم عاملون. وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم، أو يعلم ما بين أيديهم. وهو الآخرة وما خلفهم، وهو الدنيا، والجملة تعليل لما قبلها، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدموا وأخروا لم يعملوا عملاً ولا يقولوا قولاً إلا بأمره. (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أن يشفع الشافعون له وهو ممن رضى عنه وقيل: هم أهل لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح. أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة (١)، قال قتادة: لأهل التوحيد، وعن مجاهد نحوه،

стр. 5554

وعن الحسن: لمن قال لا إله إلا الله، وقال ابن عباس: الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله ( ﷺ ) تلا هذه الآية وقال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (١). (وهم من خشيته مشفقون) أي من خشيتهم منه، والخشية الخوف مع التعظيم ولهذا خص به العلماء؛ والإشفاق: الخوف مع التوقع والاعتناء والحذر فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس أي لا يأمنون مكر الله، بل هم خائفون وَجِلُون.

стр. 5555

(ومن يقل منهم) أي من الملائكة على سبيل الفرض، لتحقق عصمتهم (إني إله من دونه) قال المفسرون: عني بهذا إبليس لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني اله إلا إبليس، وذلك على سبيل التسمح، والتجوز إذ هو معترف بالعبودية وآيس من رحمة الله وكونه من الملائكة باعتبار أنه كان مغموراً فيهم وقيل الضمير للخلائق مطلقاً، وقيل الإشارة إلى جميع الأنبياء. (فذلك) القائل على سبيل الفرض والتقدير (نجزيه جهنم) بسبب هذا القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع (نجزي الظالمين) أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل جهنم فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها، والمراد بالظالمين المشركون.

стр. 5556

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)

стр. 5557

(أو لم ير الذين كفروا) الهمزة للإنكار بواو، وتركها قراءتان سبعيتان والواو للعطف على مقدر، والرؤية هي القلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا، وحاصل ما ذكر من هنا إلى يسبحون ستة أدلة على التوحيد، وهذا تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوته. (أن السماوات والأرض كانتا رتقاً) قال الأخفش: إنما قال كانتا دون كنّ لأنهما صنفان أي جماعتا السماوات والأرض، وبه قال الزمخشري. وقال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين، وقال الحوفي: أراد الصنفين كما قال سبحانه؛ (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)، وقال الزجاج: إنما قال كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد لأنها كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. والرًتْقُ السد ضد الفتق، يقال رتقت الفتق أرتقُه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج، يعني أنهما كانا شيئاً واحداً ملتزقين ملتصقين. وقال: رتقاً ولم يقل رتقين لأنه مصدر والتقدير كانتا ذواتي رتق، وقيل مرتوقتين مسرودتين.

стр. 5558

قال البيضاوي: والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظراً، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بواسطة أو استفساراً من العلماء ومطالعة الكتب انتهى، ومنعه الكازروني، وقال فيه نظر وتمكنهم هذا ممنوع، ويجوز أن يكونا مخلوقين منفصلين؛ بلا رتق وفتق؛ فإن استدل عليهما بأن القرآن نص عليهما فنقول هذا كاف في إثباتهما ولا حاجة إلى الدليل العقلي المذكور. (ففتقناهما) أي ففصلناهما أي فصلنا بعضهما من بعض بالهواء فرفعنا السماء وأبقينا الأرض مكانها، والفتق الفصل بين الشيئين وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق قيل كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله وجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. وعن ابن عباس قال: فتقت السماء بالغيث وفتقت الأرض بالنبات. وقد أطال الكلام القرطبي في ذلك، ولقل عن كعب الأخبار وغيره أحوال خلق الأرض العليا والسفلى؛ ولا يصار إليها إلا أن يصح من ذلك شيء من الله ورسوله ﷺ (وجعلنا من الماء) أي خلقنا وأحيينا أو صيرنا بالماء الذي ننزله من السماء وينبع من الأرض. (كل شيء حي) فيشمل الحيوان والنبات، والمعنى أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا نطفة الرجل وبه قال أبو العالية وأكثر المفسرين وخرج هذا اللفظ مخرج الأغلب والأكثر وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله. سبحانه، وبديع صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية. (أفلا يؤمنون) الهمزة للإنكار عليهم حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية

стр. 5559

(وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالاً ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، يقال جبال راسية وراسيات ورواس

стр. 5560

(أن تميد بهم) الميد: التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى. (وجعلنا فيها) أي في الرواسي أو في الأرض وهو الظاهر (فجاجاً) طرقاً واسعة، قال أبو عبيدة: هي المسالك، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و (سبلاً) تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً (لعلهم يهتدون) إلى مصالح معاشهم ومقاصدهم في الأسفار، وما تدعو إليه حاجاتهم

стр. 5561

(وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) عن أن يقع ويسقط على الأرض، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض). وقال الفراء: محفوظاً بالنجوم من الشيطان كقوله: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، وقيل محفوظاً لا يحتاج إلى عماد، وقيل المراد بالمحفوظ هنا المرفوع، وقيل محفوظاً عن الشرك والمعاصي، وقيل عن الهدم والنقض، وقيل عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم. (وهم عن آياتها) أي الآيات الكائنة فيها الدالة على وجود الصانع ووحدته وتناهي قدرته وكمال حكمته وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها وذلك كالشمس والقمر والنجوم، وكنفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها (معرضون) أي لا يعتبرون بها فيها ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان.

стр. 5562

(وهو الذي خلق) هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم الله به عليهم وذلك بأنه خلق لهم (الليل) ليسكنوا فيه (والنهار) ليتصرفوا فيه في معايشهم (و) جعل (الشمس) آية النهار (والقمر) آية الليل ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في (سبحان). (كل في فلك) أي مستدير كالطاحونة في السماء (يسبحون)

стр. 5563

في دوران أي يجرون قاله ابن عباس يعني كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في وسط الفلك يسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال ابن عباس: فلك كفلكة المغزل يدورون في أبواب السماء، كما تدور الفلكة في المغزل، وعنه قال: هو فلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، والجمع في الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه: إنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء، ولم يقل يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء، وقال الكسائي: إنما قال يسبحون لأنه رأس الآية والفلك واحد أفلاك النجوم وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلك المغزل لاستدارتها، والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك ماء أو موج مكفوف دون السماء تجري فيه الكواكب. وقال أهل الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، وفي الرازي: الفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم، وإنما هو استدارة هذه النجوم. وقال الأكثرون: الأفلاك أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، واختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة. فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً، والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب أيضاً إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لجهتها إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً، والكواكب ساكنة. والذي يدل عليه لفظ القرآن القسم الأول وهو أن تكون الأفلاك ساكنة والكواكب جارية فيها، كما تسبح السمكة في الماء الراكد انتهى، والحق أنه لا

стр. 5564

سبيل إلى معرفة صفة السماوات، والأفلاك وما فيها إلا بإخبار الصادق المصدوق.

стр. 5565

(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) أي دوام البقاء في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية والتشريعية (أفإن مت) بأجلك المحتوم، وقرئ مت بكسر الميم وضمها وهما لغتان. (فهم الخالدون) قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم إن محمداً سيموت قال: ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى إن مت فهم يموتون أيضاً فلا شماتة في الموت وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم (أم يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون). أخرج البيهقي وغيره عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي ( ﷺ ) وقد مات فقبله، وقال وانبياه واخليلاه واصفياه ثم تلا وما جعلنا. الآية.

стр. 5566

(كل نفس) مخلوقة فلا يراد الباري تعالى: (ذائقة الموت) أي ذائقة مرارة مفارقة جسدها فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائناً ما كان وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، قيل هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فإن الله حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت، والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله. (ونبلوكم) أي نختبركم (بالشر) أي بالشدة (والخير) أي الرخاء (فتنة) مصدر لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قال: نفتنكم فتنة أو مفعول له أي لننظر كيف شكركم وصبركم، والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم فالله لا يخفى عليه شيء. (وإلينا ترجعون) لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم بأعمالكم حسبما يظهر منكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب.

стр. 5567

وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)

стр. 5568

(وإذا رآك الذين كفروا) يعني الستهزئين من المشركين (إن يتخذونك إلا هزواً) أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزء السخرية وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (إنا كفيناك المستهزئين) والمعنى ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً (أهذا الذي يذكر آلهتكم؟) أي يقولون أهذا الذي؟ فعلى هذا يكون هو جواباً ويكون قوله: أن يتخذونك اعتراضاً بين الشرط والجزاء، ومعنى يذكر يعيب، قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس أي يغتابهم ويذكرهم بالعيوب وفلان يذكر الله يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، وقيل يطلق على المدح والذم مع القرينة. (وهم بذكر الرحمن هم كافرون) أي بالقرآن، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون؛ إذ قالوا ما نعرفه، والمعنى أنهم يعيبون على النبي ﷺ أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو بالقرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم.

стр. 5569

(خلق الإنسان من عجل) أي جعل لفرط استعجاله في أحواله كأنه مخلوق من العجل، وفيه استعارة بالكناية، والعجل والعجلة ضد البطء، وقد عَجِل من باب طَرِب، والمعنى أن الإنسان من حيث هو مطبوع على العجلة فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت تضره، وقال الفراء: كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج. خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء خلقت منه، كما تقول أنت من لعب وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك، ويدل على هذا المعنى قوله: (وكان الإنسان عجولاً) والمراد بالإنسان الجنس، وقيل آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه من الروح صار الروح في رأسه، فذهب ينهض قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه فوقع؛ فقيل: (خلق الإنسان من عجل) كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسدي والكلبي ومجاهد، ولفظ عكرمة: لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس، فقال الحمد لله، فقالت الملائكة يرحمك الله؛ فذهب ينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله: (خلق الإنسان من عجل) وعن ابن جريج نحوه. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل الطين بلغة حمير، وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث وهو القائل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) إلخ، وقيل نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب، وقال الأخفش: معناه أنه قيل له كن فكان، وقيل: أن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره منه وملازمته له. وقد حكى هذا عن أبي عبيدة والنحاس وأبى عمرو، والقول الأول أولى. (سأوريكم آياتي) أي نقماتي منكم ومواعيدي في الآخرة بعذاب النار أو في الدنيا كوقعة بدر (فلا تستعجلون) بالإتيان فإنه نازل بكم لا محالة.

стр. 5570

وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد ﷺ من المعجزات، وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأول أولى ويدل عليه قوله:
следующие страницы →