(كل نفس) مخلوقة فلا يراد الباري تعالى: (ذائقة الموت) أي ذائقة مرارة مفارقة جسدها فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائناً ما كان وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، قيل هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فإن الله حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت، والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله.
(ونبلوكم) أي نختبركم (بالشر) أي بالشدة (والخير) أي الرخاء (فتنة) مصدر لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قال: نفتنكم فتنة أو مفعول له أي لننظر كيف شكركم وصبركم، والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم فالله لا يخفى عليه شيء.
(وإلينا ترجعون) لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم بأعمالكم حسبما يظهر منكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب.
(وإذا رآك الذين كفروا) يعني الستهزئين من المشركين (إن يتخذونك إلا هزواً) أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزء السخرية وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (إنا كفيناك المستهزئين) والمعنى ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً (أهذا الذي يذكر آلهتكم؟) أي يقولون أهذا الذي؟ فعلى هذا يكون هو جواباً ويكون قوله: أن يتخذونك اعتراضاً بين الشرط والجزاء، ومعنى يذكر يعيب، قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس أي يغتابهم ويذكرهم بالعيوب وفلان يذكر الله يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، وقيل يطلق على المدح والذم مع القرينة.
(وهم بذكر الرحمن هم كافرون) أي بالقرآن، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون؛ إذ قالوا ما نعرفه، والمعنى أنهم يعيبون على النبي ﷺ أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو بالقرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم.
стр. 5569
(خلق الإنسان من عجل) أي جعل لفرط استعجاله في أحواله كأنه مخلوق من العجل، وفيه استعارة بالكناية، والعجل والعجلة ضد البطء، وقد عَجِل من باب طَرِب، والمعنى أن الإنسان من حيث هو مطبوع على العجلة فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت تضره، وقال الفراء: كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة.
وقال الزجاج. خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء خلقت منه، كما تقول أنت من لعب وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك، ويدل على هذا المعنى قوله: (وكان الإنسان عجولاً) والمراد بالإنسان الجنس، وقيل آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه من الروح صار الروح في رأسه، فذهب ينهض قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه فوقع؛ فقيل: (خلق الإنسان من عجل) كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسدي والكلبي ومجاهد، ولفظ عكرمة: لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس، فقال الحمد لله، فقالت الملائكة يرحمك الله؛ فذهب ينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله: (خلق الإنسان من عجل) وعن ابن جريج نحوه.
وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل الطين بلغة حمير، وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث وهو القائل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) إلخ، وقيل نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب، وقال الأخفش: معناه أنه قيل له كن فكان، وقيل: أن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره منه وملازمته له. وقد حكى هذا عن أبي عبيدة والنحاس وأبى عمرو، والقول الأول أولى.
(سأوريكم آياتي) أي نقماتي منكم ومواعيدي في الآخرة بعذاب النار أو في الدنيا كوقعة بدر (فلا تستعجلون) بالإتيان فإنه نازل بكم لا محالة.
стр. 5570
وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد ﷺ من المعجزات، وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأول أولى ويدل عليه قوله:
стр. 5571
(ويقولون متى هذا الوعد) أي متى حصول هذا الوعد الذي تعدنا به من العذاب، قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية، وقيل المراد بالوعد هنا القيامة (إن كنتم) يا معشر المسلمين (صادقين) في وعدكم، والخطاب للنبي ﷺ وللمؤمنين الذين يتلون الآيات القرآنية المنذرة بمجيء الساعة وقرب حضور العذاب.
стр. 5572
(لو يعلم الذين كفروا حين) أي لو عرفوا ذلك الوقت، وقال أبو السعود: استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم العلم انتهى. وجواب (لو) محذوف لأنه أبلغ من الوعيد، فقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم هو الذي هوَّنه عندهم وقدره ابن عطية، ولو علموا الوقت الذي (لا يكفون) يدفعون.
(عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم) لما استعجلوا الوعيد، وقدره الحوفي لسارعوا، وقال الزجاج: التقدير لعلموا صدق الوعد أي البعث. وقيل لو علموه ما أقاموا على الكفر. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية، ويدل عليه قوله الآتي:
стр. 5573
(بل تأتيهم بغتة) وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على دفعها من جانب من جوانبهم.
стр. 5574
(ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون منها في القيامة ولا ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم (بل) إضراب انتقالي من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود فقال: (تأتيهم) أي لا يُكْفَوْنَهَا بل تأتيهم العدة أو النار أو الساعة (بغتة) أي فجأة (فتبهتهم) قال الجوهري: بهته بهتاً أخذه، بغتاً، وقال الفراء: أي تحيرهم. وقيل تفجؤهم وقيل تدهشهم.
(فلا يستطيعون ردها) أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فالضمير راجع إلى النار، وقيل إلى الوعد بتأويله بالعدة، وقيل إلى الحين بتأويله بالساعة (ولا هم ينظرون) أي يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.
стр. 5575
(ولقد استهزئ برسل من قبلك) مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ وتعزيته، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فُعِلَ ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم (فحاق) أي أحاط ودار بسبب ذلك (بالذين سخروا منهم) أي من أولئك الرسل وهزؤوا بهم (ما كانوا به يستهزئون) ما مصدرية أو موصولة، أي فأحاط بهم استهزاؤهم، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب أو نفس الاستهزاء إن أريد به العذاب الأخروي بناء على تجسم الأعمال أو الأمر الذي كانوا يستهزئون به.
(قل من يكلؤكم) أي يحرسكم، قاله ابن عباس، والمعنى يحفظكم، والكلاءة الحراسة والحفظ، يقال كلأه الله كِلأة بالكسر، أي حفظه وحرسه، وحكي يكلوْكم بفتح اللام وإسكان الواو، أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ من يحرسكم ويحفظكم (بالليل) أي فيه إذا نمتم (والنهار) إذا انصرفتم إلى معايشكم، وتقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعاً وأشد وقعاً (من) بأس (الرحمن) وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم. قال الزجاج: معناه من يحفظكم من بأس الرحمن؟.
وقال الفراء: المعنى من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وفي التعرض لعنوان الرحمة إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم ولا يتفكرون فيه بل يعرضون عنه أو عن القرآن أو عن مواعظ الله أو عن معرفته.
стр. 5578
(أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أم بمعنى بل والهمزة للإضراب عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم
стр. 5579
وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه والدفع عنها، والمعنى بل لهم آلهة تمنعهم مما يسوءهم من عذابنا، وفيه تقدير وتأخير، والتقدير أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم. ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدل على الضعف والعجز فقال:
(لا يستطيعون نصر أنفسهم) أي هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم، فهو استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضح لبطلان اعتقادهم (ولا هم) أي الكفار (منا يصحبون) أي يجارون من عذابنا قال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب الجار. والعرب تقول: صحبك الله أي حفظك وأجارك، تقول العرب أنا لك جار، وصاحب من فلان أي مجير منه، وهو اختيار الطبري.
قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته. وقال مجاهد: يحفظون قال ابن عباس: أي لا ينصرون ولا يجارون ولا يمنعون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير ولا يجعل الله رحمته صاحباً لهم. ذكره القرطبي.
ولما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الهلاك ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال:
стр. 5580
(بل متعنا هؤلاء وآباءهم) يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم (حتى طال عليهم العمر) وامتد بهم الزمان، فاغتروا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك؛ فرد الله سبحانه عليهم قائلاً:
(أفلا يرون) أي لا ينظرون فيرون (أنّا نأتي الأرض) أي نقصد أرض الكفر (ننقصها) بالظهور عليها (من أطرافها) فنفتحها بلداً بلداً وأرضاً بعد أرض بتسليط المسلمين عليها، وأسنده إلى نفسه تعظيما لهم. وفيه
стр. 5581
تعظيم للجهاد والمجاهدين. وقيل ننقصها بالقتل والسبي، وهو تصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين. وقد مضى في الرعد الكلام على هذه مستوفى.
(أفهم الغالبون) الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره، أي كيف يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم من أطرافها، وفي هذا إشارة إلى أن الغالبين هم المسلمون أصحاب النبي.
стр. 5582
(قل إنما أنذركم) أي أخوفكم وأحذركم ما تستعجلونه من الساعة ْ (بالوحي) من الله أي بالقرآن لا من قبل نفسي، وذلك شأني وما أمرني الله به (ولا يسمع الصم الدعاء) إما من تتمة الكلام الذي أمر النبي ﷺ أن يقوله لهم أو من جهة الله تعالى.
والمعنى أن من أصم الله سمعه وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة لا يسمع الدعاء. وقرئ لا يُسْمَع بضم الياء وفتح الميم على ما لم يسم فاعله، وقرئ بالفوقية وكسر الميم، أي أنك يا محمد لا تُسْمِع هؤلاء و (ال) في الصم للجنس فيدخل المخاطبون فيه دخولاً أولياً أو للعهد.
(إذا ما ينذرون) أي يخوَّفون لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار، والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامَّهم وسدهم أسماعهم إذا ما أنذروا، وللتسجيل عليهم.
(ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) المراد بالنفحة الدليل، مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان، وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه، يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة. وقيل هي النصيب وقيل هي الطرف وقيل وقعة خفيفة والمعنى متقارب، أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، وفيه مبالغات ثلاث ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة.
(ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) بالإشراك وتكذيب محمد، أي ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفون عليها بالظلم.
стр. 5585
(ونضع الموازين القسط) العادلة (ليوم القيامة) أي لأهلها، وقيل اللام بمعنى في، أي في يوم القيامة، والموازين جمع ميزان، وهو يدل على أن هناك موازين، وممكن أن يراد ميزان عبر عنه بلفظ الجمع للتعظيم أو باعتبار أجزائه فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال.
وقد ورد في السنة في صفة الميزان ما فيه كفاية، وقد مضى في (الأعراف)، وفي (الكهف) في هذا ما يغني عن الإعادة، والقسط صفة للموازين وصف به مبالغة، قال الزجاج: قسط مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط، وموازين قسط؛ والمعنى ذوات قسط، والقسط العدل وصف به
стр. 5586
الموازين، لأن الميزان قد يكون مستقيماً، وقد يكون غير مستقيم، فبين الله أن تلك الموازين تجري على حد العدل.
وقرئ القصط بالصاد والطاء، وأما ماهية جرمه من أي الجوهر، وأنه موجود الآن أو سيوجد فنمسك عن تعيينه ولا يكون الوزن في حق كل أحد، لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة، والوزن يكون للمكلفين من الجن والإنس، وقد يوزن العبد نفسه " كما ورد عن النبي ( ﷺ ) لرجل عبد الله بن مسعود في الميزان أثقل من جبل أحد " (١) " ومن مات له ولد يجعل ذلك الولد في الميزان " (٢) وكيفيته ثقلا وخفة مثلها في الدنيا.
(فلا تظلم نفس شيئاً) أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء (وإن كان مثقال حبة من خردل) أي إن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة، كذا قال الزجاج.
وقال أبو علي الفارسي: وإن كان الظلامة مثقال حبة، قال الواحدي: وهذا أحسن لتقدم قوله: فلا تظلم نفس شيئاً، وقرئ برفع (مثقال) على أن كان تامة أي إن وقع أو أن وجد مثقال حبة، ومثقال الشيء ميزانه أي وإن كان في غاية الخفة والقلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر.
(أتينا بها) أي أحضرناها وجئنا بها أي بموزونها للمجازاة عليها، وقرئ آتينا بالمد على معنى جازينا بها يقال آتى يؤاتي مؤاتاة جازى (وكفى بنا حاسبين) أي مُحْصِين في كل شيء، والحسب في الأصل معناه: الْعَدّ، وقيل عالمين لأن من حسب شيئاً علمه وحفظه، وقيل مجازين على ما قدموه من خير وشر والغرض منه التحذير، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن
стр. 5587
أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه.
وقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه والبيهقي وغيرهم عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ " يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل " فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ( ﷺ ) " أما تقرأ كتاب الله (ونضع الموازين القسط) إلى قوله (حاسبين) " فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهم خيراً من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار. (١) وفي معناه أحاديث، وروي عن الشبلي أنه رؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال:
حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا
وكذا كل مالك ... بالمماليك يرفق
ثمِ شرع الله سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقاً بقوله (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) وذكر عشر قصص، الأولى. قصة موسى، ثم إبراهيم ثم لوط ثم نوح ثم داود وسليمان ثم أيوب ثم إسماعيل وإدريس وذي الكفل، ثم يونس ثم زكريا ثم مريم وابنها عيسى فقال:
стр. 5588
(ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين) المراد بالفرقان هنا التوراة قاله أبو صالح، وعن قتادة مثله لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام والحق والباطل.
стр. 5589
وقال ابن زيد الفرقان: الحق، وقيل الفرقان هنا هو النصر على الأعداء كما في قوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان؛ قال الثعلبي: وهذا القول اشبه بظاهر الآية، ومعنى ضياء أنهم استضاؤوا بها في ظلمات الجهل والغواية، ومعنى الذكر الموعظة أي أنهم يتعظون بما فيها.
وخص المتقين لأنهم ينتفعون بذلك ووصفهم بقوله
стр. 5590
(الذين يخشون ربهم بالغيب) لأن هذه الخشية تلازم التقوى أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم أو هم غائبون عنه، لأنهم في الدنيا، والعذاب في الآخرة؛ وقيل يخافونه في الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس.
(وهم من الساعة مشفقون) أي وهم من أهوال القيامة خائفون وَجِلُون، وهذا من ذكر الخاص بعد العام، لكونها أعظم المخلوقات وللتنصيص على إنصافهم بضد ما أنصف به المستعجلون وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه.
стр. 5591
(وهذا) أي القرآن قاله قتادة، والإشارة إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم (ذكر مبارك) قال الزجاج: أي ذكر لمن تذكر به وموعظة لمن اتعظ به والمبارك كثير البركة والخير (أنزلناه) صفة للذكر أو خبر بعد خبر.
(أفأنتم له منكرون)؟ الاستفهام للإنكار لما وقع منهم من الإنكار أي كيف تنكرون كونه منزلاً من عند الله؟ مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده، أو أنكم من أهل اللسان تدركون مزايا الكلام ولطائفه، وتفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيركم؛ مع أن فيه شرفكم وَصِيَّتكم. كما يشير إليه لفظ الذكر على ما سبق، فلو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته، وتقديم الظرف على المتعلق دال على التخصيص أي أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات.
(ولقد آتينا إبراهيم رشده) أي الرشد اللائق به، وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الخالصة بالوحي، والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية، وقال مجاهد: هديناه صغيراً.
(من قبل) أي قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، أو محمد ﷺ ، وقال الفراء: أي أعطيناه هداه من قبل النبوة والبلوغ أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم، وعلى هذا أكثر المفسرين وبالأول قال أقلهم.
(وكنا به عالمين) أي أنه موضع لإيتاء الرشد وأنه يصلح لذلك
стр. 5594
(إذ) أي اذكر حين (قال لأبيه) آزر (وقومه) نمروذ ومن اتبعه (ما هذه التماثيل) وهي الصور والأصنام، قاله مجاهد، وفيه تجاهل لهم ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها.
وأصل التمثال: الشيء المصنوع المشابه لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال مَثَّلْتُ الشيء بالشيء إذا جعلته مشابهاً له، واسم ذلك اْلمُمَثل تمثال، وهو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق
стр. 5595
الآدمي أو غيره من الحيوانات وأنكر عليهم عبادتها بقوله:
(التي أنتم لها عاكفون) العكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض، واللام في لها للاختصاص، ولو كانت للتعدية لجيء بكلمة على أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وقيل: إن العكوف مضمن معنى العبادة وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنماً، بعضها من ذهب وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان متقدتان تضيآن في الليل.
стр. 5596
(قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) فقلدناهم واقتدينا بهم أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز والحبل الذي يتشبث به كل غريق؛ وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء أي وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها اقتداء بهم ومشياً على طريقتهم.
وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية فإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل، قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين، قال الحفناوي: أي فلم يكن جوابهم إلا التقليد انتهى، وجوابهم هو ما أجاب به الخليل هاهنا.
стр. 5597
(قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) أي في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد، ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران، قال النسفي: أراد أن المقلدين
стр. 5598
والمُقَلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر وأكد بـ (أنتم) ليصح العطف لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع. انتهى.
أقول: وهؤلاء المُقَلَّدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كتباً قد دونت فيها اجتهادات عالم من علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها إما لقصور منه أو لتقصير في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه واضح المنار كأنه علم في رأسه نار، وقال هذا كتاب الله أو هذه سنة رسوله وأنشدهم:
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ في دينه كمُخَاطِرِ
فقالوا كما قال الأول:
وهل أنا إلا من غَزِيَّة إن غوت ... غَوِيت وإن ترشد غَزِيَّةُ أرشد
وقد أحسن من قال:
يأبي الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهجُ الحق له واضح
قال البيضاوي: والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على الحق ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل.
стр. 5599
(قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) أي أجادّ أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً عنهم و (أم) متصلة وإن كان يعدها جملة لأنها في حكم المفرد، إذ التقدير أي
стр. 5600
الأمرين واقع مجيئك بالحق؟ أم لعبك؟ وفي إيراد الشق الثاني بالجملة الاسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم ثم
стр. 5601
(قال) مضرباً عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد.
(بل ربكم رب السماوات والأرض) وقيل هو إضراب عن كونه لاعباً، بإقامة البرهان على ما ادعاه، والأول أظهر (الذي فطرهن) أي خلقهن وأبدعهن والضمير للسموات أو للتماثيل وهو أدخل في تضليلهم وإقامة الحجة عليهم لأن فيه تصريحاً بأن معبوداتهم من جملة مخلوقاته.
(وأنا على ذلكم) الذي ذكرته لكم من كون ربكم هو رب السماوات والأرض فقط دون ما عداه كائناً ما كان (من الشاهدين) أي العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء هو من كان عالماً به، مبرهناً عليه مبيناً له.
стр. 5602
(وتالله لأكيدن أصنامكم) أخبرهم بأنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله سبحانه ومحاماة على دينه، وهذه طريقة فعلية دالة على أنه على الحق، بعد أن أتى بطريقة قولية، فجمع بين القول والفعل، والكيد المكر، يقال كاده يكيده كيداً ومكيدة، والمراد هنا الاجتهاد في كسر الأصنام. قيل: إنه ﵇ قال ذلك سراً، وقيل سمعه رجل منهم فأفشاه.
(بعد أن تولوا مدبرين) أي بعد أن تراجعوا من عبادتها ذاهبين منطلقين. قال المفسرون. كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فقال إبراهيم هذه المقالة.
(فجعلهم جذاذاً) أي تولوا فجعلهم جذاذاً؛ أي حطاماً بفأس.
قاله ابن عباس وعنه قال: فتاتاً. الْجَذّ القطع والكسر، يقال جذذت الشيء قطعته وكسرته، الواحد جذاذة، والجذاذ ما تكسر منه.
قال الجوهري. قال الكسائي ويقال لحجارة الذهب الجذاذ لأنها تكسر، وقرئ جذاذاً بكسر الجيم، أي كِسَراً وَقِطَعاً، جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف، وقرئ بالضم كالحطام، والرِّقاق فعال بمعنى مفعول وقرئ بفتحها. قال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، والقراءتان الأوليان سبعيتان، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. (إلا كبيراً لهم) أي عظيم آلهتهم. قاله ابن عباس، يعني تركه ولم يكسره، والضمير للآلهة أو عائد على عابديها ووضع الفأس في عنقه ثم خرج.
(لعلهم إليه) أي إلى إبراهيم (يرجعون) فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم. وقال الرازي: أما إذا قلنا إن الضمير راجع إلى الكبير، فالمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً؟ وما لهذا الفأس في عنقك؟ وقال ذلك بناء
стр. 5605
على كثرة جهالاتهم واستهزاء بهم، وكان من عادتهم إذا رجعوا إليها سجدوا إليها ثم ذهبوا إلى منازلهم.
وقيل المعنى لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبراً، فيعلمون حينئذ أنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرراً، ولا تعلم بخير ولا شر، ولا تخبر عن الذي ينوبها من الأمر. وقيل لعلهم إلى الله يرجعون، وهو بعيد جداً