← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)

стр. 5637

(ففهمناها سليمان) وعن مسروق نحوه، وكذا عن ابن عباس لكنه لم يذكر الكرم، وعنه بأطول منه، والضمير المنصوب يعود إلى القضية المفهومة من الكلام أو إلى الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: رحمك الله هو ابنها لا تشقه فقضى به للصغرى " (١) وهذا الحديث وإن لم يكن داخلاً فيما حكته الآية لكنه من جملة ما وقع لهما. قال المفسرون: دخل رجلان على داود وعنده ابنه سليمان، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئاً، فقال: لك رقاب الغنم فقال سليمان: أو غير ذلك ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبوا من ألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت

стр. 5638

فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كَرْمهم، فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك. قال النحاس: إنما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث، لأن ثمنها كان قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء، قال جماعة من العلماء: إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي، وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف وهكذا ما ذكروه في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب؟ أو الحق مع واحد؟. وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيباً فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما " أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " (١) فسماه النبي ﷺ فكيف يقال أنه مصيب لحكم الله موافق له فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه على اجتهادات المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله. وأيضاً يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين بالحل والحرمة حلالاً وحراماً في حكم الله سبحانه، وهذا اللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله؛ وأيضاً يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد، له اجتهاده في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله.

стр. 5639

والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة، لكن لا يصرون على الخطأ كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان لما ظهر له أنه الصواب. وقد أوضح الشوكاني هذه المسألة بما لا مزيد عليه في القول المفيد وأدب الطلب، فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما وإلى المؤلف الذي سميناه حصول المأمول من علم الأصول، وإلى كتابنا الجنة في الأسوة الحسن بالسنة، ففيهما ما يغني عن غيرهما. قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده. وقال مجاهد: كان هذا صلحاً وما فعله داود كان حكماً والصلح خير، فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داوود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية؟. قلت قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها (١)، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عنها أو قيمته وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبي: " جرح العجماء جبار " (٢)؛ قياساً لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن رب الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار ويجاب عنه بحديث البراء، وقد بسط الشوكاني ﵀ الكلام

стр. 5640

عليه في شرحه للمنتقى، ومما يدل على أن هذين الحكمين من داوود وسليمان كانا بوحي من الله سبحانه لا باجتهاد، قوله: ففهمناها سليمان. (وكلا آتينا حكماً وعلماً) فإن الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها الله سبحانه عنهما مقدم على صدقهما على غيرهما، وإن كانا عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم، وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه. ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم من عدم كون حكم داوود حكماً شرعياً، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكماً وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده، ولما مدح داوود وسليمان على سبيل الاشتراك ذكر ما. يختص بكل واحد منهما فبدأ بداود فقال: (وسخرنا) التسخير التكليف للعمل بلا أجرة، وسخره تسخيراً كلفه عملاً بلا أجرة، والمراد هنا التذليل أي ذللنا (مع داود الجبال يسبحن) التسبيح إما حقيقة أو مجاز، وقد قال بالأول جماعة وهو الظاهر، وذلك أن داوود كان إذا سبح سبحت الجبال معه. وقيل إنها كانت تصلي معه إذا صلى. قاله قتادة، وهو معنى التسبيح. وقال بالمجاز جماعة آخرون، وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجباً من عظيم خلقها وقدرة خالقها. وقيل كانت الجبال تسير مع داوود حيث سار، وكان من رآها سائرة معه سبح، والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق، خلق الله فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول الله ﷺ وسمع الناس ذلك، وكان داوود هو الذي يسمع وحده. قاله أبو حيان.

стр. 5641

(و) كذا سخرنا (الطير) للتسبيح معه (وكنا فاعلين) ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير، وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق وهو جمع طائر، وجمع الطير طيور وأطيار، ويقع الطير على الواحد والجمع. وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة.

стр. 5642

(وعلمناه صنعة لبوس لكم) اللبوس عند العرب السلاح كله، درعاً كان أو جوشنا أو سيفاً أو رمحاً، والمراد في الآية الدروع خاصة، وهو بمعنى الملبوس كالركوب والحلوب، قيل أول من صنع الدروع وسردها واتخذها حلقاً داوود ﵇، وكانت من قبل صفائح؛ قالوا إن الله ألان الحديد لداود ﵇ بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين، والدرع يجمع بين الخفة والحصانة، وهو قوله (لتحصنكم) بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الصنعة أو إلى اللبوس بتأويل الدرع أي لشمنعكم، وقرئ بالنون بإرجاع الضمير إليه سبحانه؛ وقرئ بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس أو إلى داوود أو إلى الله سبحانه (من بأسكم) أي من حربكم مع أعدائكم، أو من وقع السلاح فيكم. (فهل أنتم) يا أهل مكة (شاكرون) لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم، والاستفهام في معنى الأمر، ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان فقال:

стр. 5643

(و) سخرنا (لسليمان الريح) عبر هنا باللام الدالة على التمليك، وفي داوود بـ (مع) وذلك أن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح ناسب فيه ذكر (مع) الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان

стр. 5644

أتى بلام الملك لأنها في طاعته وتحت أمره، والريح هو جسم متحرك لطيف ممتنع بلطفه من القبض عليه يظهر للحس بحركته ويخفي عن البصر بلطفه. (عاصفة) أي شديدة الهبوب وخفيفته، يقال عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف (تجري بأمره) أي إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، فهي جامعة للوصفين في وقت واحد، وهذه آية أخرى غير التسخير. (إلى الأرض التي باركنا فيها) أي تجري منتهية إليها في رواحه من سفره، أي رجوعه منه وهي أرض الشام. عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم تسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة. (وكنا بكل شيء) وتدبيره (عالمين و) سخرنا له

стр. 5645

(من الشياطين) أي الكافرين من الجن دون المؤمنين (من يغوصون له) في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم، والغوص النزول تحت الماء، يقال غاص في الماء، والغوّاص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ. (ويعملون عملاً دون ذلك قال الفراء: أي سوى ذلك، ودون بمعنى غير وسوى لا بمعنى أقل وأدون، أي سوى الغوص كالبناء والنورة والطاحون والقوارير والصابون، لأن ذلك من استخراجهم، وقيل يراد بذلك المحاريب والتماثيل، وغير ذلك مما يسخرهم فيه. (وكنا لهم) أي لأعمالهم (حافظين) وقال الفراء أي من أن يهربوا ويمتنعوا أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدون ما عملوا، وإن دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار.

стр. 5646

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)

стр. 5647

(و) اذكر (أيوب إذ نادى ربه) لما ابتلي بفقد ماله وولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته، وضيق عيشه (أني) أي بأني (مسني الضر) اختلف في الضر الذي كان نزل به ماذا هو، فقيل إنه قام ليصلي فلم يقدر على النهوض. وقيل إنه أقر بالعجز فلا يكون ذلك منافياً للصبر. وقيل انقطع الوحي عنه أربعين يوماً. وقيل: إن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فأكلت منه فصاح مسني الضر. وقيل: كانت الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه. وقيل: إنه ضره قول إبليس لزوجته اسجدي لي، فخاف ذهاب إيمانها، وقيل: إنها تقذره قومه؛ وقيل: أراد بالضر الشماتة، وقيل غير ذلك. وأخرج ابن عساكر والديلمي وابن النجار عن عقبة بن عامر قال، قال رسول الله ﷺ : " قال الله لأيوب: تدري ما جرمك عليّ حتى ابتليتك؟ قال لا يا رب، قال لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين ". وعن ابن عباس قال: إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه ولم يأمر بالمعروف ولم ينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله، وفي إسناده جُوَيبر، ولما نادى ربه متضرعاً إليه وصفه بغاية الرحمة فقال: (وأنت أرحم الراحمين) وألطف في السؤال ولم يصرح بالمطلوب فكأنه

стр. 5648

قال أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر. قيل وإنما شكا إليه تلذذاً بالنجوى منه لا تضرراً بالشكوى، والشكاية إليه غاية القرب، كما أن الشكاية منه غاية البعد، فأخبر الله سبحانه باستجابته لدعائه فقال:

стр. 5649

(فاستجبنا له) نداءه الذي في ضمنه الدعاء (فكشفنا ما به من ضر) أي شفاه الله مما كان به وأعاده بما ذهب عليه. وقال له اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء، فأمره أن يغتسل منها، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب فذهب كل داء كان بباطنه، فصار كأصح ما كان. عن عبد الله بن عبد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان جاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقام من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان علم الله من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً وقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعاً بنحو هذا. (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قيل تركهم الله وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعاً إلا امرأته فأحياهم الله في أقل من طرف البصر وآتاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن، وبه قال أكثر المفسرين، وكان له سبعة بنين وسبع بنات. وقيل كان ذلك بأن ولد له ضعف الذين أماتهم الله؛ فيكون معنى الآية على هذا آتيناه مثل أهله ومثلهم معهم. وعن مجاهد قال: قيل له يا أيوب إن

стр. 5650

أهلك لك في الجنة فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال له بل اتركهم لي في الجنة، قال فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، وقال ابن مسعود: أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد، قال وما ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة ولم يرحمه الله فيكشف عنه ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب لا أدري ما نقول غير أن الله يعلم أني أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهة أن يذكر الله إلا في حق " (١) وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيديه حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، رأيت نبي الله المبتلى؛ والله على ْذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال فإني أنا هو. قال وكان له اندران، أندر للقمح واندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض.

стр. 5651

وأندر هو البيدر بلغة أهل الشام والجمع الأنادر؛ والبيدر موضع يداس فيه الطعام، وأندر اسم جنس فيكون مصروفاً (رحمة من عندنا) أي آتيناه ذلك لرحمتنا له (وذكرى للعابدين) أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كثوابه، واختلف في مدة إقامته على البلاء، فقيل سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال؛ وقيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة سنة. قال الكرخي: وهذا القول هو الصحيح، وعاش أيوب ثلاثاً وستين سنة وكان أيوب رجلاً من الروم، ينتسب للعيص بن إسحاق، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران.

стр. 5652

(و) اذكر (إسماعيل) الصابر على الانقياد للذبح وعاش مائة وثلاثين سنة (وإدريس) هو أخنوخ جد نوح ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة وخمسين سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. (وذا الكفل) هو إلياس، وقيل يوشع بن نون، وقيل زكريا، والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورع عن شيء من المعاصي فتاب فغفر الله له وقيل إن اليسع لما كبر قال: من يتكفل لي بكذا وكذا من خصال الخير حتى استخلفه فقال رجل: أنا فاستخلفه، وسمي ذا الكفل، وقيل كان رجلاً يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شيء من المهمات. وقيل هو ولد أيوب واسمه بشر بعثه الله بعد أبيه، وسماه ذا الكفل وأمره بالتوحيد، وكان مقيماً بالشام حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة، وعن مجاهد قال: رجل صالح غير نبي تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل ففعل ذلك فسمي ذا الكفل.

стр. 5653

وعن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل قاض فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فقال رجل أنا، فسمي ذا الكفل، فكان ليله جميعاً يصلي ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس وذكر قصة. وعن أبي موسى الأشعري قال: ما كان ذو الكفل نبياً ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: " كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك، وقال والله لا أعصي الله بعدها أبداً فمات من ليلته فأصبح مكتوب على بابه " إن الله قد غفر لذي الكفل " (١). وقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبي، وبه قال أبو موسى الأشعري ومجاهد وغيرهما، وقال جماعة: هو نبي ولعله هو الصحيح، وبه قال الحسن لأن الله قرن ذكره بإسماعيل وإدريس؛ ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء؛ ثم وصف الله سبحانه هؤلاء بالصبر فقال: (كل من الصابرين) على القيام بما كلفهم الله به

стр. 5654

(وأدخلناهم في رحمتنا) أي في الجنة أو في النبوة أو في الخير على عمومه، ثم علل ذلك بقوله: (إنهم من الصالحين) أي الكاملين في الصلاح.

стр. 5655

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)

стр. 5656

(و) اذكر (ذا النون) هو يونس بن متى على وزن شتى اسم لوالده على ما ذكره صاحب القاموس، أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير وغيره. وقال الشهاب: ومتى اسم أبيه على الصحيح، وسمي ذا النون لابتلاع الحوت له، فإن النون اسم للحوت وجمعه أنوان ونينان، والحوت السمكة، وجمعه حيتان، وقيل سمي به لأنه رأى صبياً مليحاً، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين وعن ابن الأعرابي أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ومعنى دسموا سودوا. (إذ ذهب مغاضباً) أي اذكره وقت ذهابه مغاضباً أي مراغماً لقومه لا لربه، وقال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير: مغاضباً لربه، واختاره ابن جرير والقتيبي، وحكى عن ابن مسعود، قال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى مغاضباً لأجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، وقال الضحاك، مغاضباً لقومه، وحكى عن ابن عباس. وقالت فرقة منهم الأخفش إنما خرج مغاضباً للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا، وقيل لم يغاضب ربه ولا قومه ولا الملك، ولكنه مأخوذ من

стр. 5657

غضب إذا أنف، وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب وكانوا يسكنون فلسطين وخرج عنهم، تابوا وكشف الله عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك وخرج عنهم. (فظن أن لن نقدر عليه) بفتح النون وكسر الدال؛ واختلف في معنى الآية على هذه القراءة، فقيل: معناها أنه وقع في ظنه أن الله تعالى لا يقدر على معاقبته، وقد حكى هذا القول عن الحسن وسعيد بن جبير، وهو قول مردود؛ فإن هذا الظن بالله كفر؛ ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء ﵈. وذهب جمهور العلماء إلى أن معناها فظن أن لن نضيق عليه كقوله: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يضيق، ومنه قوله: (ومن قدر عليه رزقه)، يقال يقدر وقدر وقتر وقتر أي ضيق، وقيل هو من القدر الذي هو القضاء والحكم دون القدرة والاستطاعة أي فظن أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله قتادة ومجاهد، واختاره الفراء والزجاج. قال ثعلب: هو من القدير ليس من القدرة يقال منه قدر الله لك الخير يقدره قدراً؛ ويؤيده قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري، نقَدَّر بضم النون وتشديد الدال من التقدير، وحكى هذا عن ابن عباس، ويؤيده قراءة قتادة والأعرج يُقَدّرَ مبنياً للمفعول من التقدير، وقرئ يُقَدّرَ مخففاً مبنياً للمفعول. وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قط لأهله أن يحرقوه إذا مات؛ ثم قال فوالله لئن قدر الله عليّ، الحديث (١) كما اختلفوا في تأويل هذه الآية والكلام في هذا يطول، وقد ذكرنا هاهنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره.

стр. 5658

(فنادى في الظلمات) الفاء فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له فنادى، والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، قاله ابن مسعود. وكان نداؤه هو قوله: (أن) أي بأن (لا إله إلا أنت سبحانك) يعني تنزيهاً من أن يعجزك شيء (إني كنت من الظالمين) الذين يظلمون أنفسهم، وأول هذا الدعاء تهليل وأوسطه تسبيح وآخره إقرار بالذنب. وقال الحسن وقتادة: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته قال ذلك وهو في بطن الحوت، قيل مكث فيه أربعين يوماً وليلة، وقيل سبعة وقيل ثلاثة كما في الخازن، وفي البيضاوي أربع ساعات. ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال:

стр. 5659

(فاستجبنا له) دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه (ونجيناه من الغم) أي غم الذلة والوحشة والوحدة بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل (وكذلك ننجي المؤمنين) أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم، وما أعددناه لهم من الرحمة إذا دعونا واستغاثوا بنا وهذا هو معنى الآية الأخرى وهي قوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) قرئ ننجي بنونين وبواحدة وجيم مشددة وتسكين الياء علي الفعل الماضي، وإضمار المصدر أي وكذلك نجى النجاة المؤمنين؛ كما تقول ضرب زيداً، أي ضرب الضرب زيداً، قاله الفراء وأبو عبيد وثعلب. وخطأها أبو حاتم والزجاج، وقالا: هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال نجى المؤمنون، وقيل أدغم النون في الجيم وبه قال القتبي وأبو عبيدة واعترضه النحاس، فقال: هذا لا يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج المدغم والمدغم فيه.

стр. 5660

قيل كانت هذه الواقعة قبل الرسالة وصححه الخازن ويدل له قوله تعالى بعد ذكر خروجه من بطن الحوت، في سورة الصافات (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون). وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي، عن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ( ﷺ ) قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت -الخ- لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " (١). وأخرج ابن جرير عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي دعوة يونس بن متى، قلت: يا رسول الله هل ليونس خاصة؟ أم لجماعة المسلمين قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله (وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه ". وأخرج الحاكم من حديثه أيضاً نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (٢) وروي أيضاً في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود، وروي أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

стр. 5661

(و) اذكر خبر (زكريا إذ نادى ربه) أي وقت ندائه لربه قال: (رب لا تذرني فرداً) أي منفرداً وحيداً لا ولد لي يرثني، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران (وأنت خير الوارثين) أي خير من يبقى بعد

стр. 5662

كل من يموت فأنت حسبي إن لم ترزقني ولداً فإني أعلم أنك لا تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ.

стр. 5663

(فاستجبنا له) دعاءه (ووهبنا له يحيى) ولداً، وقد تقدم تفسيره مستوفى في سورة مريم (وأصلحنا له زوجه) قال أكثر المفسرين: إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً، فهذا هو المراد بإصلاح زوجه، وقيل كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية. قال ابن عباس: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، وقال أيضاً: وهبنا له ولدها، وعن قتادة قال: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى. (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) هذه الجملة تعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه ﵈، والمعنى يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السر في إيثار كلمة في على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجيهن إليها كما في قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقيل الضمير راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى (ويدعوننا رغباً ورهباً) أي يتضرعون إلينا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء والرهبة رفع ظهورها، والتقدير يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو للرغب والرهب، أو راغبين وراهبين (وكانوا لنا خاشعين) أي متواضعين متضرعين. قال قتادة: أذلاء، وقال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله رغباً ورهباً، فقال: رغباً هكذا ورهباً هكذا، وبسط كفيه يعني جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة ".

стр. 5664

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)

стр. 5665

(و) اذكر خبر (التي أحصنت فرجها) وهي مريم فإنها أحصنت فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر؛ وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة، ومعنى أحصنت عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها. وقيل المراد بالفرج جيب القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ومريم. (فنفخنا فيها من روحنا) أضاف سبحانه الروح إليه وهو للملك تشريفاً وتعظيماً، وهو يريد روح عيسى. وقيل المراد بالروح جبريل؛ أي أمرناه فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى. (وجعلناها وابنها آية للعالمين) قال الزجاج: الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. وقيل أن التقدير على مذهب سيبويه وجدلناها آية وجعلنا ابنها آية، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) والمعنى أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل أراد

стр. 5666

بالآية الجنس الشامل لكل واحد منهما من الآيات. ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بين أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال:

стр. 5667

(إن هذه أمتكم أمة واحدة) الأمة الملة وهي الدين كما قال ابن قتيبة، ومنه (إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي على دين وملة؛ كأنه قال إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله. وقيل المعنى أن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل المعنى أن هذه ملتكم ملة واحدة وهي ملة الإسلام. والنصب على الحال، أي أمة متفقة غير مختلفة قال ابن عباس أي أن هذا دينكم ديناً واحداً، وعن مجاهد مثله وعن قتادة نحوه. (وأنا ربكم فاعبدون) خاصة لا تعبدوا غيري كائناً ما كان.

стр. 5668

(وتقطعوا أمرهم بينهم) أي تفرقوا فرقاً في الدين حتى صاروا كالقطع المتفرقة. وقال الأخفش: اختلفوا فيه، وهو القول الأول. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في والمقصود بالآية المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل المراد جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وقسموه بينهم، فهذا موحد وهذا يهودي، وهذا نصراني وهذا مجوسي وهذا عابد وثن، ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال: (كل إلينا راجعون) أي كل واحد من هذه الفرق الثابت على دينه الحق، والزائغ عنه إلى غيره راجع إلينا بالبعث لا إلى غيرنا

стр. 5669

(فمن يعمل من الصالحات) أي بعض الأعمال الصالحة كالفرائض والنوافل لا كلها، إذ لا يطيق ذلك أحد وقيل (من) زائدة (وهو مؤمن) بالله ورسله واليوم الآخر (فلا كفران لسعيه) أي لا جحود لعمله ولا بطلان لثوابه ولا تضييع لجزائه؛ بل يشكر ويثاب عليه. والمراد نفي الجنس للمبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها،

стр. 5670

والكفر ضد الإيمان، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضد الشكر، يقال كفر كفوراً، وكفراناً. وفي قراءة ابن مسعود فلا كفر لسعيه (وإنا له) أي لسعيه (كاتبون) أي حافظون، بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه، ومثله قوله سبحانه (إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى).

стр. 5671

(وحرام) هكذا قرأ أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة وحرم، وبها قرأ عليّ وابن مسعود وابن عباس وهما لغتان مثل حل وحلال، وقرئ وحرم (على قرية أهلكناها) أي قدرنا إهلاكها (أنهم لا يرجعون) أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء. وقيل (لا) زائدة، أي أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختاره أبو عبيدة. وقيل أن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب؛ أي واجب على قرية. وقيل حرام أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن (لا) زائدة. قال النحاس: والآية مشكلة. ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما روي عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون.

стр. 5672

(حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) حتى هذه هي التي يحكى بعدها الكلام وقيل حتى للغاية، والمعنى أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي فتح سد يأجوج ومأجوج، وأطال سليمان الجمل في بيان (حتى) هذه وذكر لها وجوهاً، ويأجوج ومأجوج بالهمز وتركه اسمان أعجميان وهما قبيلتان من الإنس، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم، والمراد بالفتح فتح السد الذي عليهم على حذف المضاف. (وهم) أي يأجوج ومأجوج أو العالم بأسره والأول أظهر (من كل حدب) أي نشز، وهو كل أكمة وكدية من الأرض مرتفعة، والجمع أحداب

стр. 5673

مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى (ينسلون) يسرعون وقيل يخرجون. قال الزجاج: النسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال نسل فلان في العَدْوِ ينسِل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، والنسلان مقارنة الخطأ مع الإسراع. وقال ابن عباس: ينسلون يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم وبيان حالهم ومآلهم أحاديث وآثار كثيرة لا يتعلق بذكرها هنا كثير فائدة، وكتابنا حجج الكرامة قد اشتمل عليها اشتمالاً تاماً فليرجع إليه.

стр. 5674

(واقترب الوعد الحق) المراد به ما بعد الفتح من الحساب، وقال الفراء والكسائي وغيرهما: المراد بالوعد الحق القيامة، والواو زائدة، والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب اذا، ومنه قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه). وأجاز الفراء أن يكون جوابه فإذا هي شاخصة، وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير قالوا يا ويلنا وبه قال الزجاج، وقيل غير ذلك. (فإذا هي) يعني القيامة، بارزة واقعة كأنها آية حاضرة (شاخصة أبصار الذين كفروا) يعني أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار الكفار من شدة الأهوال ولا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم وهول ما هم فيه. ومعنى شاخصة مرتفة الأجفان، وإنما هو في القيامة بعد النفخة الثانية، فالتعقيب عرفي أريد به المبالغة هنا. (يا ويلنا) على تقدير القول (قد كنا في غفلة) في الدنيا (من هذا) أي من هذا الذي دهمنا من البعث والحساب (بل كنا ظالمين) أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل، ثم بين سبحانه حال معبوديهم يوم القيامة فقال:

стр. 5675

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)
следующие страницы →