← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

(وحرام) هكذا قرأ أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة وحرم، وبها قرأ عليّ وابن مسعود وابن عباس وهما لغتان مثل حل وحلال، وقرئ وحرم (على قرية أهلكناها) أي قدرنا إهلاكها (أنهم لا يرجعون) أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء. وقيل (لا) زائدة، أي أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختاره أبو عبيدة. وقيل أن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب؛ أي واجب على قرية. وقيل حرام أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن (لا) زائدة. قال النحاس: والآية مشكلة. ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما روي عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون.

стр. 5672

(حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) حتى هذه هي التي يحكى بعدها الكلام وقيل حتى للغاية، والمعنى أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي فتح سد يأجوج ومأجوج، وأطال سليمان الجمل في بيان (حتى) هذه وذكر لها وجوهاً، ويأجوج ومأجوج بالهمز وتركه اسمان أعجميان وهما قبيلتان من الإنس، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم، والمراد بالفتح فتح السد الذي عليهم على حذف المضاف. (وهم) أي يأجوج ومأجوج أو العالم بأسره والأول أظهر (من كل حدب) أي نشز، وهو كل أكمة وكدية من الأرض مرتفعة، والجمع أحداب

стр. 5673

مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى (ينسلون) يسرعون وقيل يخرجون. قال الزجاج: النسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال نسل فلان في العَدْوِ ينسِل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، والنسلان مقارنة الخطأ مع الإسراع. وقال ابن عباس: ينسلون يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم وبيان حالهم ومآلهم أحاديث وآثار كثيرة لا يتعلق بذكرها هنا كثير فائدة، وكتابنا حجج الكرامة قد اشتمل عليها اشتمالاً تاماً فليرجع إليه.

стр. 5674

(واقترب الوعد الحق) المراد به ما بعد الفتح من الحساب، وقال الفراء والكسائي وغيرهما: المراد بالوعد الحق القيامة، والواو زائدة، والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب اذا، ومنه قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه). وأجاز الفراء أن يكون جوابه فإذا هي شاخصة، وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير قالوا يا ويلنا وبه قال الزجاج، وقيل غير ذلك. (فإذا هي) يعني القيامة، بارزة واقعة كأنها آية حاضرة (شاخصة أبصار الذين كفروا) يعني أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار الكفار من شدة الأهوال ولا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم وهول ما هم فيه. ومعنى شاخصة مرتفة الأجفان، وإنما هو في القيامة بعد النفخة الثانية، فالتعقيب عرفي أريد به المبالغة هنا. (يا ويلنا) على تقدير القول (قد كنا في غفلة) في الدنيا (من هذا) أي من هذا الذي دهمنا من البعث والحساب (بل كنا ظالمين) أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل، ثم بين سبحانه حال معبوديهم يوم القيامة فقال:

стр. 5675

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)

стр. 5676

(إنكم) يا أهل مكة (وما تعبدون من دون الله) من الأصنام والشمس والقمر وإبليس وأعوانه (حصب) أي وقود (جهنم) وحطبها، فكل ما أوقدت به النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري، وقال أبو عبيدة؛ كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) وقرئ حطب جهنم بالطاء وقرئ حضب بالمعجمة. قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم، وقيل إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وكذلك الشمس والقمر يكونان ثورين عقيرين في النار أيضاً، كما صح بذلك خبر أبي هريرة، أخرجه البيهقي وأصله في البخاري. (أنتم لها واردون) الخطاب لهم ولما يعبدون تغليباً، واللام في لها للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل هي بمعنى على، والمراد بالورود هنا الدخول. قال كثير من أهل العلم: ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة؛ لأن (ما) لما لا يعقل، ولو أراد العموم لقال ومن تعبدون. قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: " فالملائكة وعيسى وعزير

стр. 5677

يُعبدون من دون الله " فنزلت (إن الذين سبقت) الآية. وفي الباب روايات

стр. 5678

(لو كان هؤلاء) أي هذه الأصنام (آلهة) كما تزعمون (ما وردوها) أي ما ورد العابدون والمعبودون في النار، وقيل العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد (وكل فيها) أي كل العابدين والمعبودين في النار (خالدين) لا يخرجون منها.

стр. 5679

(لهم) أي لهؤلاء الذين وردوا النار (فيها زفير) وهو صوت نفس المغموم، والمراد هنا الأنين والبكاء والتنفس الشديد والعويل. وقد تقدم بيان هذا في هود (وهم فيها لا يسمعون) أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول. وقال ابن مسعود في الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أُخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أُخر عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يعذب غيره. وقيل لا يسمعون شيئاً لأنهم يحشرون صماً، كما قال سبحانه: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً) وإنما سلبوا السماع لأن فيه بعض تروّح وتأنس. وقيل لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوءهم، ثم لما بين سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال:

стр. 5680

(إن) هي بمعنى إلا، أي إلا (الذين سبقت لهم منا الحسنى) أي العدة الجميلة والخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة. وقيل التوفيق أو التبشير بالجنة أو نفس الجنة (أولئك) أي الموصوفون بتلك الصفة (عنها) عن جهنم (مبعدون) لأنهم قد صاروا في الجنة. وقال الجنيد: المعنى سبقت منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية.

стр. 5681

لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)

стр. 5682

(لا يسمعون حسيسها) الحس والحسيس الصوت تسمعه من شيء يمر قريباً منك. والمعنى لا يسمعون حركة النار وصوتها وحركة تلهبها. أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " حيات على الصراط تقول حس حس ". وعن ابن عثمان النهدي قال: حيات على الصراط تلسعهم فإذا لسعتهم قالوا: حس حس، وقال ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. (وهم فيما اشتهت أنفسهم) من النعيم والكرامة (خالدون) أي دائمون مقيمون، والشهوة طلب النفس اللذة، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين كما قال تعالى: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون)

стр. 5683

(لا يحزنهم) بفتح الياء وضم الزاي، وقرئ بضم الياء وكسر الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، بيان لنجاتهم من الفزع بالكلية إثر بيان نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم (الفزع الأكبر) وهو أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب، والأمر بالعبد إلى النار، لا يحزنهم ما عداه بالضرورة.

стр. 5684

وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة، وقيل هو حين يذبح الموت وينادي يا أهل النار خلود ولا موت، وقيل هو حين يطبق على جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه، ثم تغلق النار على أهلها. وأخرج أحمد والترمذي وحسنة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة؛ رجل أمَّ قوماً وهم له راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة وعبد أدى حق الله وحق مواليه " (١). (وتتلقاهم الملائكة) أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنونهم، وقال المحلي: عند خروجهم من القبور، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين، ويقولون لهم (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين: إن المراد بقوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح لا المسيح وعزير والملائكة، لأن علياً قرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. وقال أكثر المفسرين: إنه لما نزل (إنكم وما تعبدون) الآية أتى ابن الزبعري (٢) إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيراً رجل صالح وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال: " بلى "، قال: فإن الملائكة وعيسى وعزيراً ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء في النار، فأنزل الله هذه الآية إلى آخرها أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس وأخرجه أبو داود والطبراني من وجه آخر بأطول منه.

стр. 5685

(يوم نطوي) بنون العظمة أي اذكر يوم نطوي (السماء كطي السجل للكتب) وقرئ تطوى بالفوقية ورفع السماء، وبالتحتية على معنى يطوي الله السماء، والأولى أظهر وأوضح والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما الذي هو ضد النشر، ومنه قوله: (والسماوات مطويات بيمينه). والثاني الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها، ويكدر نجومها، والمراد بالسماء الجنس والسجل الصحيفة أي طياً كطي الطومار للكتابة، وقيل السجل الصك وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال ساجلت الرجل، إذا نزعت دلواً ونزع هو دلواً؛ ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، وقرئ السُّجُلّ بضم السين والجيم وتشديد اللام، وقرئ السجل بفتح السين وإسكان الجيم، وقيل السجل اسم ملك في السماء الثالثة، وهو الذي يطوي كتب بني آدم. وقيل هو اسم كاتب لرسول الله ﷺ ، قاله ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مثله، قال ابن كثير: هذا منكر جداً، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم الحافظ المزي وقد أفرد الشوكاني لهذا الحديث جزءاً على حده، وقد تصدى الإمام ابن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجل، وكتاب رسول الله ﷺ كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل انتهى، وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم، قال: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هو الصحيفة، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير

стр. 5686

واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، قلت فالأولى التعويل على المعنى اللغوي؛ والمصير إليه. وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: السجل هو الرجل أي بلغة الحبشة، والأول أولى، وقرئ للكتب جمعاً؛ وللكتاب وهو متعلق بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائناً للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعضر أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة. وأما على الثانية فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة وهذا على أن معنى الطي ضد النشر. وعن علي قال: كطي السجل ملك، وعن عطية وأبي جعفر مثله، قال ابن عمر: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً. (كما بدأنا أول خلق نعيده) بعد إعدامه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم، وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة، وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما، وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة، قاله ابن عباس، وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، والأول أولى؛ وهو مثل قوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) ثم قال سبحانه. (وعداً علينا) أي وعدنا وعداً علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك بقوله: (إنا كنا فاعلين) أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال، قال الزجاج: معناه إنا كنا قادرين على ما نشاءه، وقيل فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله: (كان وعده مفعولاً).

стр. 5687

(ولقد كتبنا في الزبور) هو في الأصل الكتاب، يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور، والمراد جنس الكتب المنزلة، قاله الزجاج. وقيل المراد به هنا كتاب داود خاصة (من بعد الذكر) أي اللوح المحفوظ كما في البيضاوي والخازن وأبي السعود وأبي حيان. وقيل هو القرآن قاله ابن عباس، وعنه قال: والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء أي والله لقد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في التوراة أو من بعد كتبنا في اللوح المحفوظ. (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قد اختلف في معنى هذه الآية فقيل المراد أرض الجنة، قاله ابن عباس، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض)، وقيل هي الأرض المقدسة، وقيل هي أرض الأمم الكثيرة الكافرة، يرثها نبينا ﷺ وأمته بفتحها، وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله سبحانه: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها). والظاهر أن هذا تبشير لأمته ﷺ بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين. قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد ﷺ ، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون، وقيل عام في كل صالح فيتناول أمة محمد ﷺ وغيرها من الأمم.

стр. 5688

إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)

стр. 5689

(إن في هذا لبلاغاً) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه لكفاية ووصول إلى البغية، قاله الرازي، يقال: في هذا الشيء بلاغ، وبلغة وتبلغ أي كفاية، وقيل الإشارة بهذا إلى القرآن، والقرآن زاد الجنة، كبلاغ المسافر. (لقوم عابدين) أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها، والعبادة هي الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد ( ﷺ ) ورأس العبادة الصلاة قال أبو هريرة: الصلوات الخمس، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي، عن أنس قال: قال رسول الله ( ﷺ ) في الآية قال: " إن في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية وقال: " هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة "، وقيل هم العالمون العاملون الموحدون، وقال الرازي: والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجرة، والعمل كالثمرة، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن.

стр. 5690

(وما أرسلناك) يا محمد بالشرائع والأحكام (إلا رحمة للعالمين) أي

стр. 5691

الإنس والجن، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ والعلل أي: ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، وقيل معنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى، بدليل قوله سبحانه: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم. وعن ابن عباس في الآية قال: من آمن تمت به الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من المسخ، والخسف والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال: " إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة " (١) وأخرج أحمد والطيالسي والطبراني وأبو نعيم، عن أبي امامة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين " (٢). وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان أن رسول الله ﷺ قال: " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من بني آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فأجعلها عليه صلاة يوم القيامة " (٣). وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " إنما أنا رحمة مهداة " (٤) وقد روي معنى هذا من طرق، ثم بين سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال:

стр. 5692

(قل إنما يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد) إن كانت (ما) موصولة

стр. 5693

فالمعنى أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها وإن كانت ما كافة فالمعنى أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة (فهل أنتم مسلمون) منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه، والمراد بهذا الاستفهام الأمر، أي أسلموا.

стр. 5694

(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإسلام (فقل) لهم (آذنتكم) أي أعلمتكم أنَّا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين (على سواء) في الإعلام لم أخص به بعضكم دون بعض، كقوله سبحانه: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سويت بينهم فيه. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئاً كتمته على غيره. (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) أي ما أدري أقريب حصوله أم بعيد وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله، وقيل المراد العذاب أو القيامة المشتملة عليه ولا يعلمها إلا الله تعالى، وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم.

стр. 5695

(إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه لا تخفى عليه منه خافية

стр. 5696

(وإن أدري لعله) أي ما أدري لعل الإمهال (فتنة لكم) واختبار ليرى كيف صنعكم. عن الربيع بن أنس قال: " لما أسري بالنبي ﷺ رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية يقول هذا الملك. وقال: ابن عباس، يقول ما أخبركم به من العذاب والساعة لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم.

стр. 5697

(ومتاع إلى حين) أي وتمتع إلى وقت مقدر تقتضيه حكمته ثم حكى دعاء نبيه ﷺ بقوله:

стр. 5698

(قال رب احكم بالحق) بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوض الأمر إليه سبحانه. وقال ابن عباس: لا يحكم الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه، وقرئ رب بضم الباء قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين. وقرئ أَحْكَمُ بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم، أي قال محمد: ربي أحكم بالحق من كل حاكم، وقرئ أَحْكَمَ بصيغة الماضي، أي أحكم الأمور بالحق، وقرئ قُلْ بصيغة الأمر، أي قل يا محمد. قال أبو عبيدة: الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير رب احكم بحكمك الحق. وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه ﷺ فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين، والحمد لله رب العالمين. ثم قال سبحانه متمماً لتلك الحكاية (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) من الكفر والتكذيب، أي هو كثير الرحمة لعباده، والمستعان به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم. ومن قولكم: (هل هذا إلا بشر مثلكم؟) وقولكم: (اتخذ الرحمن ولداً)، وكثيراً ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب، كقوله: (ولكم الويل مما تصفون) وقوله: (سيجزيهم وصفهم)، وقرئ بالتحتية وبالفوقية على الخطاب.

стр. 5699

خاتمة الجزء الثامن تم بعون الله الجزء الثامن من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء التاسع وأوله: تفسير سورة الحج

стр. 5700

فتحُ البيان في مقاصد القرآن تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الجزء التاسع المَكتبة العصريَّة صَيدَا - بَيروت

стр. 5701

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية بَيروت - صَ. ب ٨٣٥٥ - تلكس LE ٢٠٤٣٧ SCS صَيدَا - صَ. ب ٢٢١ - تلكس LE ٢٩١٩٨

стр. 5702

فتح البيان في مقاصد القرآن

стр. 5703

الجزء التاسع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ويشتمل على: - سورة الحج - سورة المؤمنون - سورة النور - سورة الفرقان - سورة الشعراء

стр. 5704

سورة الحج (هي سبع أو ثمان وسبعون آية) اختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية؟ قال ابن عباس: نزلت بالمدينة. وعن ابن الزبير ومجاهد مثله. وقال قتادة: إلا أربع آيات. " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " -إلى قوله- " عذاب يوم مقيم " فهن مكيات. وقال ابن عباس: سوى ثلاث آيات. وقيل: أربع آيات إلى قوله " عذاب الحريق " وعن النقاش أنه عد ما أنزل منها بالمدينة عشر آيات. وقال الجمهور: إن السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لأن الآيات تقتضي ذلك، لأن " يا أيها الناس " مكي، و " يا أيها الذين آمنوا " مدني. قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور؛ نزلت ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، مكياً ومدنياً؛ سلمياً وحربياً، ناسخاً ومنسوخاً، محكماً ومتشابهاً. وقد ورد في فضلها ما أخرجه أحمد أبو داود والترمذي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله: أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: " نعم. فمن لم يسجدهما فلا يقرؤها " (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي، وقد روي عن كثير من الصحابة أن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان الثوري، وروي هذا عن ابن عباس وإبراهيم النخعي.

стр. 5705

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي أنفع زاد فقال:

стр. 5706

(يا أيها الناس اتقوا ربكم) أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات؛ ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الوجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه، وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة البقرة. (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) تعليل لما قبله من الأمر بالتقوى، والزلزلة شدة الحركة والازعاج، وأصلها من زل عن الموضع، أي زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه أي حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف تقديره الأرض، ويكون إسناد الزلزلة إلى الساعة على سبيل المجاز العقلي، وهي على هذا الزلزلة التي هي إحدى أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور، أو إلى الظرف لأنها تكون فيها، كقوله: (بل مكر الليل والنهار)، ووقتها يكون يوم القيامة. وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها. ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئاً، فإن هذا

стр. 5707

اسم لها حال وجودها. وقيل في التعبير عنها بالشيء: إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها. وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم، عن عمران بن حصين قال: لما نزلت (يا أيها الناس) -إلى قوله- (عذاب شديد)، أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال: " أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة "، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ : " قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين. وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ". ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة "، فكبروا. ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبروا، ثم قال " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة "، فكبروا، قال: ولا أدري، قال الثلثين أم لا؟ (١). وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر عنه مرفوعاً نحوه، وقال في آخره " اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة " (٢).

стр. 5708

وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : فذكر نحوه وفي آخره فقال: " من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود؟ " (١).

стр. 5709

(يوم ترونها) أي وقت رؤيتكم للزلزلة (تذهل كل مرضعة عما أرضعت) أي تغفل كل ذات رضاع عن رضيعها، قال قطرب: تذهل تشتغل؛ وقيل تنسى، وقيل: تلهو؛ وقيل: تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرد (ما) هنا بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع، قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال: إن من ماتت حاملاً فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال هذا مثل، كما يقال: (يوماً يجعل الولدان شيباً)، وقيل يكون مع النفخة الأولى، قال ويحتمل أن تكون الزلزلة عبارة عن أهوال يوم القيامة؛ كما في قوله (مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا). (وتضع كل ذات حمل حملها) أي تلقي جنينها بغير تمام من شدة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك (وترى الناس سكارى) قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاباً لكل واحد؛ أي يراهم الرائي كأنهم سكارى، وقرئ ترى بضم التاء مسنداً إلى المخاطب من أرأيتك، أي تظنهم سكارى، قال الفراء: ولهذه وجه جيد في العربية. (وما هم بسكارى) حقيقة، وقرئ سكرى بغير ألف، وهما لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال:

стр. 5710

(ولكن عذاب الله شديد) فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً فقرأهما النبي ( ﷺ ) فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة. قاله أبو حيان في البحر، ثم لما أراد سبحانه أن يحتج على منكري البعث قدم قبل ذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال:
следующие страницы →