← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

(والذين سعوا في آياتنا) أي اجتهدوا في إبطالها حث قالوا القرآن شعر أو سحر أو أساطير الأولين. (معاجزين) يقال عاجزه سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز

стр. 5812

الآخر فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه، قاله الأخفش. وقيل معناه ظانين ومقدرين أن يعجز الله سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم، قاله الزجاج. وقيل معاندين قاله الفراء وقال ابن عباس: مراغمين ومشاقين. (أولئك أصحاب الجحيم) أي النار الموقدة

стр. 5813

(وما أرسلنا من قبلك) من لابتداء الغاية، وهذا شروع في تسلية ثانية لرسول الله ﷺ بعد التسلية الأولى. (من رسول ولا نبي) من زائدة لتأكيد النفي، وفيه دليل بين على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي. وسئل النبي ﷺ عن الأنبياء فقال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، فقيل فكم الرسل منهم؟ فقال: ثلثمائة وثلاثة عشر " (١)، والفرق بينهما أن الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عياناً ومحاورته شفاهاً، والنبي الذي يكون وحيه إلهاماً أو مناماً. وقيل الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب ولا بد لهما جميعاً من المعجزة الظاهرة، وقرأ ابن مسعود ولا نبي ولا محدث، وعن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مثله، وزاد فنسخت محدث، قال: والمحدثون صاحب يس ولقمان ومؤمن آل فرعون وصاحب موسى. (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) معنى تمنى تشهى وهيأ في نفسه ما يهواه، قال الواحدي، قال المفسرون: معنى تمنى تلا، قال جماعة المفسرين، في سبب نزول هذه الآية: أنه ﷺ لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالساً في ناد من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة

стр. 5814

(والنجم إذا هوى) فأخذها يقرأها عليهم حتى بلغ قوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه: تلك الغرانيق (١) العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله ﷺ وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله هذه الآية، هكذا قالوا. ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه؛ ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، حيث قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين)، وقوله: (وما ينطق عن الهوى). وقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم) فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون. قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ( ﷺ ) بإسناد متصل.

стр. 5815

وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة، قال القاضي عياض في الشفاء: إن الأمة أجمعت -فيما طريقه البلاغ- أنه معصوم فيه من الأخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه قصداً ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً. قال الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي مما ألقاه الشيطان على لسانه، ويبطل قوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة انتهى ملخصاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والحاصل أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها، وقد أسلفنا عن الحفاظ في هذا البحث ما فيه كفاية. وفي الباب روايات من أحب الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي، ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة فقد عرّفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح، أو سليم متصل، وإنما رواها المفسرون، والمؤرخون المولعون بكل

стр. 5816

غريب؛ الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، وقد دل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً، أخرجه البخاري ومسلم (١). وصح من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس رواه البخاري، فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي ﷺ ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها والذي ذكره الفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جداً، بل متروك لا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي فهذا توهين هذه القصة. وقد أجابوا عنه من حيث المعنى بوجوه أخرى يطول ذكرها بلا فائدة زائدة وقد استوفاها الخازن في تفسيره، والنسفي في المدارك ونبه الحافظ ابن حجر على ثبوت أصلها في الجملة، وقال إن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح لكنها مراسيل، وإذا تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى. تمنى قرأ وتلا كما قدمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين. قال البغوي: إن أكثر المفسرين قالوا معنى تمنى تلا، وقرأ كتاب الله ومعنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته وقراءته، قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدم في تفسير قوله: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) وقيل معنى تمنى حدّث، ومعنى في أمنيته في حديثه، روي هذا عن ابن عباس، وقيل معنى تمنى قال، فحاصل معنى الآية أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله ﷺ ، ولا جرى على لسانه فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله ( ﷺ ).

стр. 5817

أي لا يهولك ذلك ولا يحزنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء وعلى تقدير أن معنى تمنى حدّث نفسه كما حكاه الفراء والكسائي فإنهما قالا: يقال تمنى إذا حدث نفسه، فالمعنى أنه إذا حدث نفسه بشيء تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله ﷺ ولا جرى على لسانه. قال ابن عطية: لا خلاف أن القاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة، قال القاضي عياض: وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه، وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل، وقال في أمنيته في تلاوته، وقد قيل في تأويل الآية: إن المراد بالغرانيق الملائكة ويرد بقوله الآتي: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. وقيل إن ذلك جرى على لسانه سهواً ونسياناً وهما مجوزان على الأنبياء، ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز، كما هو مقرر في مواطنه، قال الضحاك: يعني بالتمني التلاوة، والقراءة فينسخ الله أي جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ . وقال مجاهد: إذا تمنى أي تكلم وأمنيته كلامه، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة الله في رسله إذا قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ قاله لأنه معصوم، وقد شبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى قاله الحافظ في الفتح؛ ثم لما سلاه سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لمن قبله من الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستحر تغرير الشيطان فقال: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي يبطله ويجعله ذاهباً غير ثابت (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها (والله عليم حكيم) أي كثير العلم والحكمة في كل أقواله وأفعاله.

стр. 5818

لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)

стр. 5819

(ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) تعليل أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان ضلالة ومحنة وبلية (للذين في قلوبهم مرض) أي شكل ونفاق (والقاسية قلوبهم) هم المشركون فإن قلوبهم لا تلين للحق أبداً ولا ترجع إلى الصواب بحال ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين بأنهم ظالمون فقال: (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) أي عداوة شديدة ووصف الشقاق بالبعد مبالغة والموصوف به حقيقة من قام به ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشك والشرك بين أنه في حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق، فقال:

стр. 5820

(وليعلم الذين أوتوا العلم) أي التوحيد والقرآن والتصديق بنسخ الله ما يشاء (أنه الحق من ربك) أي: الحق النازل من عنده، وقيل الضمير في (أنه) راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه؛ ولكنه يرد هذا قوله: (فيؤمنوا به) فإن المراد الإيمان بالقرآن أي يثبتوا على الإيمان به. (فتخبت له قلوبهم) أي تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا لتمكين من الشيطان بل للقرآن (وإن

стр. 5821

الله لهادي الذين آمنوا) في أمور دينهم (إلى صراط مستقيم) أي طريق صحيح قويم، لا عوج به وقرئ لهادٍ بالتنوين.

стр. 5822

(ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) أي في شك من القرآن؛ وقيل من الدين الذي يدل عليه ذكر الصراط المستقيم، وقيل من الرسول وقيل من إلقاء الشيطان فيقولون ما باله ذكر الأصنام بخير، ثم رجع عن ذلك؛ وقرئ مُرية بضم الميم، وهما لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان، قال السمين: ولا أحفظ الضم هنا. (حتى تأتيهم الساعة) أي القيامة أو الموت (بغتة) أي فجأة (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده فكان بهذا الاعتبار عقيماً وهو في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقم، وقيل يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر، قاله ابن عباس، وعن أبيّ بن كعب نحوه، وعن سعيد بن جبير وعكرمة مثله. وعن مجاهد قال: يوم القيامة لا ليلة له، وعن الضحاك وسعيد مثله أيضاً؛ وقيل إن اليوم وصف بالعقم لأنه لا رأفة فيه ولا رحمة فكأنه عقيم من الخير، ومنه قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الريح العقيم) أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر وفيه استعارة بالكناية بأنه شبه اليوم المنفرد عن سائر الأيام، والزمان الذي لا خير فيه بالنساء العقم تشبيهاً مضمراً في النفس، وإثبات العقم تخييل؛ فإن الأيام بعضها نتائج لبعض، فكل يوم يلد مثله.

стр. 5823

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)

стр. 5824

(الملك يومئذ) أي السلطان الظاهر والاستيلاء التام يوم القيامة والتنوين عوض عن الجملة أي يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم (لله) سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه (يحكم) أي يفصل (بينهم) مستأنفة أو هي حالية، ثم فسر هذا الحكم بقوله: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات) كائنون (في جنات النعيم) مستقرون في أرضها منغمسون في نعيمها فضلاً من الله

стр. 5825

(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته (فأولئك لهم عذاب) متصف بأنه (مُهين) للمعذّبين بالغ منهم المبلغ العظيم بسبب كفرهم.

стр. 5826

(والذين هاجروا في سبيل الله) أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد الشرف وتفخيماً لشأنهم، قال بعض المفسرين: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وقال بعضهم: الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكل في سبيل الله وطاعته. (ثم قتلوا) وقرئ مشدداً على التكثير (أو ماتوا) في حال المهاجرة (ليرزقنهم الله) جواب قسم محذوف (رزقاً) أي مرزوقاً (حسناً) أو مصدر مؤكد وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبراً للمبتدأ ومن يمنعه، فقوله مرجوح والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وقيل هو الغنيمة

стр. 5827

لأنه حلال، وقيل هو العلم والفهم كقول شعيب: ورزقني منه رزقاً حسناً، والتسوية في الوعد بالرزق لا يدل على تفضيل في قدر المعطي ولا تسوية، فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر، والمقرر في كتب الفروع أن المقتول أفضل لأنه شهيد. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سلمان الفارسي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، اقرأوا إن شئتم والذين هاجروا -إلى قوله- حليم ". قلت: ويؤيد. هذا قوله سبحانه: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). (وإن الله لهو خير الرازقين) أي أفضلهم فإنه سبحانه يرزق بغير حساب بمحض الإحسان، وكل رزق يجري على يد العباد بعضهم لبعض فهو منه سبحانه لا رازق سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقررة لما قبلها. ولما ذكر الرزق أعقبه بذكر المسكن بقوله:

стр. 5828

(ليدخلنهم مدخلاً يرضونه) مستأنفة أو بدل من جملة ليرزقنهم الله، قرئ مُدخلاً بفتح الميم وبضمها وهو اسم مكان أريد به الجنة أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة سبحان، وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا. (وإن الله لعليم) بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم. وقيل بأحوال من قضى نحبه مجاهداً، وآمال من مات وهو ينتظر معاهداً (حليم) عن تفريط المفرطين منهم بإمهال من قاتلهم معانداً لا يعاجلهم بالعقوبة.

стр. 5829

ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)

стр. 5830

(ذلك) أي ما تقدم أو الأمر ذلك وما بعده مستأنف. وقال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قُتلوا أو ماتوا، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف. (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، والعقاب مأخوذ من التعاقب وهو مجيء الشيء بعد غيره، وحينئذ يسمى الابتداء عقاباً باسم الجزاء مشاكلة كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، أو من قبيل تسمية السبب باسم المسبب، والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه؛ والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به ولم يزد عليه. عن ابن جريج قال: تعاون المشركون على النبي ﷺ وأصحابه فأخرجوه فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضاً (ثم بغى عليه) أي أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى. وقيل المراد بهذا البغي هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به. وقيل المعنى ثم كان المجازي

стр. 5831

مبغياً عليه، أي مظلوماً، ومعنى (ثم) تفاوت الرتبة، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم، كما قيل في أمثال العرب: البادئ أظلم. وقيل إن هذه الآية مدنية، وهي في القصاص والجراحات. (لينصرنّه الله) اللام جواب قسم محذوف، أي والله لينصرن الله المبغي عليه على الباغي (إنّ الله لعفوّ غفور) أي لكثير العفو والغفران للمؤمنين فيما وقع منهم من الذنوب أو القتال في الشهر الحرام وقيل العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو.

стр. 5832

(ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) إشارة إلى ما تقدم من نصر الله سبحانه للمبغي عليه والباء للسببية، أي ذلك النصر بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل. قاله الرازي. وقال البيضاوي: قادر على تقليب الأمور بعضها على بعض، جارية عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة، وعبر عن الزيادة بالإيلاج لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر. وقيل يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس، فالمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر، وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج. (وإن الله سميع) يسمع كل مسموع لا يشغله سمع عن سمع (بصير) يبصر كل مبصر، أو سميع للأقوال وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يفعلون لا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي وإن توالت الظلمات فلا يعزب عنه مثقال ذرة

стр. 5833

(ذلك) إشارة إلى ما تقدم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام (بأن الله هو الحق) أي هو سبحانه ذو الحق فدينه حق وعبادته حق ونصره لأوليائه على أعدائه حق ووعده حق، فهو في نفسه وأفعاله وصفاته كلها حق. (وأن ما يدعون من دونه الباطل) قرئ بالفوقية على الخطاب

стр. 5834

للمشركين وبالتحتية على الخبر وهما سبعيتان، والمعنى أن الذي يدعونه إلهاً وهي الأصنام هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلهاً، أي المعدوم في حد ذاته والباطل ألوهيته، والباطل الزائل. وقال مجاهد: الباطل هنا الشيطان (وأن الله هو العلي) أي العالي على كل شيء بقدرته وذاته، المتقدس عن الأشباه والانداد المتصف بصفات الكمال المتنزه عما يقوله الظالمون والمعطلون (الكبير) أي ذو الكبرياء الذي يصغر كل شيء سواه، هو عبارة عن كمال ذاته وعظيم قدرته وسلطانه وتفرده بالإقية، ثم ذكر سبحانه دليلاً بيناً على كمال قدرته فقال:

стр. 5835

(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) الاستفهام للتقرير كما قاله الخليل وسيبويه، قال الخليل: المعنى الم تعلم أنه أنزل من السماء مطراً فكان كذا وكذا، ذكر هنا ستة أشياء أولها إنزال الماء الناشئ منه اخضرار الأرض كما قال: (فتصبح الأرض مخضرة) قال الفراء: أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة، أي ذات بقل وسباع وهو عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة. وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره. وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل، والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفي الاخضرار، والمقصود إثباته. قال ابن عطية: هذا لا يكون بعد الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة، والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها، لا باعتبار النبات فيها، كما في قوله: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)، والمراد بقوله: (إن الله لطيف) أي يصل علمه إلى كل دقيق وجليل، وقيل لطيف بأرزاق عباده، وقيل باستخراج النبات. (خبير) أي أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم، وقيل خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر. وقيل خبير بحاجتهم وفاقتهم.

стр. 5836

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) والثاني قوله:

стр. 5837

(له ما في السماوات وما في الأرض) خلقاً وملكاً وتصرفاً وعبيداً، وكلهم محتاجون إلى رزقه (وإن الله لهو الغني) فلا يحتاج إلى شيء (الحميد) أي المستوجب للحمد في كل حال.

стр. 5838

(ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) هذه نعمة أخرى ثالثة ذكرها الله سبحانه فأخبر عباده بأنه سخر لهم وذلل ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار والحجر. والحديد والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل والركوب والحمل عليه والنظر إليه وجعله لمنافعهم (و) سخر لكم (الفلك) أي السفن في حال جريها. (تجري في البحر بأمره) أي بتقديره وإذنه، فلولا أن الله سخرها لكانت تغوص أو تقف، وهذه نعمة رابعة. والنعمة الخامسة قوله: (ويمسك السماء) كراهة (أن تقع على الأرض) وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك لا بد له من السقوط لولا مانع يمنع منه، وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته لئلا تسقط فتبطل النعم التي امتن بها علينا. (إلا بإذنه)، أي بإرادته ومشيئته، وذلك يوم القيامة، والظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو لا يقع في الكلام الموجب إلا أن قوله:

стр. 5839

(ويمسك السماء أن تقع على الأرض) في قوة النفي، أي لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئته تعالى فالباء للملابسة. (إن الله بالناس لرءوف رحيم) أي كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده، وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم، تفضلاً منه على عباده وإنعاماً عليهم، ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى سادسة فقال:

стр. 5840

(وهو الذي أحياكم) بعد إن كنتم جماداً، بل لم تكونوا شيئاً (ثم يميتكم) عند انقضاء أعماركم (ثم يحييكم) عند البعث للحساب والعقاب (إن الإنسان لكفور) أي لكثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد، لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة وعن الحسن في قوله (كفور)، قال: يعد المصيبات وينسى النعم. ثم عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله ﵌ من أهل الأديان عن منازعته فقال:

стр. 5841

(لكل أمة جعلنا منسكاً) أي لكل قرن من القرون الماضية والباقية وضعنا شريعة خاصة بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى؛ لا استقلالاً ولا اشتراكاً. وقيل عيداً. وقيل موضع قربان يذبحون فيه. وقيل موضع عبادة. (هم ناسكوه) الضمير لكل أمة، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد ﷺ ؛ والقرآن منسك المسلمين إلى يوم القيامة، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما يدل عليه هم ناسكوه، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ولا اعتبار بخصوص السبب. (فلا ينازعنك في الأمر) الفاء لترتيب النهي على ما قبله والضمير

стр. 5842

راجع إلى الأمم الباقية آثارهم. يعني قد عينا لكل أمة شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله ﷺ ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي إما على حقيقته أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج: إنه نهي له ﷺ عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت كما تقول لا يخاصمك فلان، أي لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية: فلا ينازعنك، أي فلا يجادلنك؛ قال ودل على هذا وإن جادلوك. وقرئ فلا ينزعنك في الأمر أي لا يستخفنك ولا يغلبنك عن دينك. وقرأ الجمهور فلا ينازعنك من المنازعة كما تقدم. وقال ابن عباس: هم ناسكوه أي ذابحوه فلا ينازعنك في الأمر أي في الذبح، وعن عكرمة ومجاهد نحوه، وعن مجاهد قال: قول أهل الشرك، أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال. (وادع) هؤلاء المنازعين أو ادع الناس على العموم (إلى) دين (ربك) وتوحيده والإيمان به (إنك لعلى هدى) أي طريق (مستقيم) لا اعوجاج فيه

стр. 5843

(وإن جادلوك) أي وأن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم. (فقل الله أعلم بما تعملون) فكل أمرهم إلى الله، وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد

стр. 5844

(الله يحكم بينكم) أي بين المسلمين والكافرين (يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر الدين فيتبين حينئذ الحق من الباطل، وفي هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل.

стр. 5845

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) وقيل إنها منسوخة بآية السيف وهذا إنما يصح إذا كان المراد من قوله: (وإن جادلوك) الكف عن قتالهم وهو غير متعين؛ بل يصح أن يكون المعنى: فاترك جدالهم وفوض الأمر إلى الله فيكون هذا وعيداً لهم على أعمالهم، وهذا المعنى لا تنسخه آية السيف، بل هو باق بعد مشروعية القتال لعدم المنافاة.

стр. 5846

(ألم تعلم)؟ مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، والاستفهام للتقرير أي قد علمت يا محمد وتيقنت (أن الله يعلم ما في السماء والأرض) ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاختلاف (إن ذلك) الذي في السماء والأرض من معلوماته (في كتاب) أي مكتوب عنده في أم الكتاب. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على عرشه: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله سبحانه

стр. 5847

للنبي ﷺ : (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) يعني ما في السماوات السبع والأرضين السبع، إن ذلك العلم في كتاب، يعني في اللوح المحفوظ، مكتوب قبل أن يخلق السماوات والأرضين. (إن ذلك) يعني إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه (على الله يسير) أي هين أو أن إحاطة علمه بما في السماء والأرض جملة وتفصيلاً يسير عليه، وأن تعذر على الخلق.

стр. 5848

(ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) هذا حكاية لبعض فضائحهم أي أنهم يعبدون أصناماً: لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه فهو نفي للدليل السمعي (وما ليس لهم به علم) من دليل عقلي يدل على جواز ذلك بوجه من الوجوه (وما للظالمين) بالإشراك (من نصير) ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران.

стр. 5849

(وإذا تتلى عليهم آياتنا) من القرآن (بينات) أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة (تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) أي الأمر الذي ينكر وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها أو المراد بالمنكر الإنكار أي تعرف في وجوههم إنكارها والمنكر مصدر، وقيل هو التجبر والترفع وهذا من إيقاع الظاهر موقع المضمر للشهادة عليهم بوصف الكفر. (يكادون يسطون) السطو: الوثب والبطش، والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب أو شتم أو أخذ باليد، وأصل السطو: القهر، وقال ابن عباس: أي يبطشون (بالذين يتلون عليهم آياتنا) هم النبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة؛ كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟

стр. 5850

فقيل: يكادون يسطون، وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة، مخالفاً لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين. وقد رأينا وسمعنا من ذلك من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف والله ناصر الحق ومظهر الدين، ومدحض الباطل، ودامغ البدع وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس ما نزل إليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل؛ ثم أمر رسوله أن يرد عليهم فقال: (قل أفأنبئكم) أي أخبركم (بشر من ذلكم) الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب وهو (النار) التي (وعدها الله الذين كفروا) وقيل المعنى أفأخبركم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم، وقرئ النار بالحركات الثلاث (وبئس المصير) أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار.
следующие страницы →