← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

(ألم تعلم)؟ مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، والاستفهام للتقرير أي قد علمت يا محمد وتيقنت (أن الله يعلم ما في السماء والأرض) ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاختلاف (إن ذلك) الذي في السماء والأرض من معلوماته (في كتاب) أي مكتوب عنده في أم الكتاب. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على عرشه: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله سبحانه

стр. 5847

للنبي ﷺ : (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) يعني ما في السماوات السبع والأرضين السبع، إن ذلك العلم في كتاب، يعني في اللوح المحفوظ، مكتوب قبل أن يخلق السماوات والأرضين. (إن ذلك) يعني إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه (على الله يسير) أي هين أو أن إحاطة علمه بما في السماء والأرض جملة وتفصيلاً يسير عليه، وأن تعذر على الخلق.

стр. 5848

(ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) هذا حكاية لبعض فضائحهم أي أنهم يعبدون أصناماً: لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه فهو نفي للدليل السمعي (وما ليس لهم به علم) من دليل عقلي يدل على جواز ذلك بوجه من الوجوه (وما للظالمين) بالإشراك (من نصير) ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران.

стр. 5849

(وإذا تتلى عليهم آياتنا) من القرآن (بينات) أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة (تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) أي الأمر الذي ينكر وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها أو المراد بالمنكر الإنكار أي تعرف في وجوههم إنكارها والمنكر مصدر، وقيل هو التجبر والترفع وهذا من إيقاع الظاهر موقع المضمر للشهادة عليهم بوصف الكفر. (يكادون يسطون) السطو: الوثب والبطش، والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب أو شتم أو أخذ باليد، وأصل السطو: القهر، وقال ابن عباس: أي يبطشون (بالذين يتلون عليهم آياتنا) هم النبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة؛ كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟

стр. 5850

فقيل: يكادون يسطون، وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة، مخالفاً لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين. وقد رأينا وسمعنا من ذلك من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف والله ناصر الحق ومظهر الدين، ومدحض الباطل، ودامغ البدع وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس ما نزل إليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل؛ ثم أمر رسوله أن يرد عليهم فقال: (قل أفأنبئكم) أي أخبركم (بشر من ذلكم) الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب وهو (النار) التي (وعدها الله الذين كفروا) وقيل المعنى أفأخبركم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم، وقرئ النار بالحركات الثلاث (وبئس المصير) أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار.

стр. 5851

(يا أيها الناس ضرب مثل) هذا متصل بقوله: (ويعبدون من دون الله)، وإنما قال ضرب مثل لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب إلى أفهامهم، قال ابن عباس: نزلت في صنم، قال الأخفش: ليس ثَمَّ مثل وإنما المعنى ضربوا لي مثلاً؛ قال النحاس: المعنى ضرب الله لما يعبدونه من دونه مثلاً، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه أي بين الله لكم شبهاً ولمعبودكم، وقال القتيبي: معنى ضرب مثل أي عبدت آلهة لم تستطع أن تخلق ذباباً، وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضاء والقبول مسيرة في الناس مستغربة عندهم وجعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة المذكورة في هذه الآية.

стр. 5852

(فاستمعوا له) أي لضرب هذا المثل وتدبروه حق تدبره، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع، والمعنى أن الكفار جعلوا لله مثلاً لعبادتهم غيره فكأنه قال: جعلوا لي شبيهاً في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه، ثم بين حالها وصفتها فقال: (إن الذين تدعون من دون الله) المراد بهم الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها، وقيل المراد بهم السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله، لكونهم أهل الحل والعقد فيهم؛ وقيل الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام وأظهر في التمثيل. (لن يخلقوا ذباباً) واحداً مع ضعفه وصغره وقلته وهو اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى وجمع القلة إذبة والكثرة ذبان بالكسر مثل غراب وأغربة وغربان وبالضم كقضبان. وقال الجوهري: الذباب معروف، الواحد ذبابة، وسمي ذباباً لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره و (لن) لتأكيد النفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل، كأنه قال: محال أن يخلقوا. وتخصيص الذباب لمهانته واستقذاره، والمعنى لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات وهو أجهل الحيوانات، لأنه يرمي نفسه في المهلكات، ومدة عيشه أربعون يوماً، وأصل خلقته من العفونات ثم يتوالد بعضه من بعض يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود، وعلى الأسود فيرى أبيض. (ولو اجتمعوا له) أي لخلق الذباب، والتقدير لن يخلقوه على كل حال، ولو في هذه الحالة المقتضية لجمعهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل

стр. 5853

جعلها معبوداً كما أشار إليه في التقرير، ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال: (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) أي إذا أخذ واختطف منهم هذا الخلق الأقل الأرذل شيئاً من الأشياء بسرعة لا يقدرون على تخليصه منه؛ لكمال عزهم وفرط ضعفهم، والاستنقاذ والانقاذ التخليص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه منهم فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرماً وأشد منه قوة وأعجز وأضعف، قال عكرمة: أي لا تستنقذ الأصنام ذلك الشيء، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب فقال: (ضعف الطالب والمطلوب) فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب الذباب وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ولو حققت وجدت الطالب أضعف فإن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب، وقيل الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم قال ابن عباس: الطالب آلهتهم والمطلوب الذباب، ثم بين سبحانه أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز ما عرفوا الله حق معرفته فقال: (ما قدروا الله حق قدره) أي ما عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له مع كون حالها هذا الحال، وقد

стр. 5854

مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) تقدم في الأنعام

стр. 5855

(إن الله لقوي) على خلق كل شيء (عزيز) غالب لا يغالبه أحد بخلاف آلهة المشركين، فإنها جماد لا يعقل ولا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء، ثم أراد سبحانه أن يرد عليهم ما يعتقدونه في النبوات والإلهيات فقال:

стр. 5856

(الله يصطفي من الملائكة رسلاً) كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (١) والحفظة (و) يصطفي أيضاً رسلاً (من الناس) وهم الأنبياء فيرسل الملك إلى النبي والنبي إلى الناس أو يرسل الملك بقبض أرواح مخلوقاته أو لتحصيل ما ينفعه أو لإنزال العذاب عليهم. أخرج الحاكم وصححه عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله اصطفى موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة " (٢)؛ وأخرج عن

стр. 5857

أنس، وصححه أن النبي ﷺ قال: " موسى بن عمران صفي الله " (١) قال المحلي: نزل لما قال المشركون: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) أي وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، والقائل هو الوليد بن المغيرة، ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوءات، وقال الرازي: وجه المناسبة أنه لما أبطل فيما قبلها عبادة الأوثان أبطل هاهنا عبادة الملائكة. (إن الله سميع) لأقوال عباده (بصير) بمن يختاره من خلقه

стр. 5858

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما قدموا من الأعمال، وما يتركونه من الخير والشر، كقوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) وقيل ما مضى ولم يأت وقيل ما عملوا وما سيعملونه أو أمر الدنيا وأمر الآخرة. (وإلى الله) لا إلى غيره (ترجع الأمور) لما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه، الزجر لعباده عن معاصيه، والحض لهم على طاعاته، صرح بالمقصود فقال:

стр. 5859

(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وخص، الصلاة لكونها أشرف العبادات، ثم عمم فقال: (واعبدوا ربكم) أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم الله بها، وقيل وحّدوه (وافعلوا الخير) أي ما هو خير وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة وقيل المراد بالخير هنا المندوبات ثم علل ذلك بقوله: (لعلكم تفلحون) أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح، وفي هذا إشارة إلى أن دخول الجنة ليس مرتباً على هذه الأعمال مثلاً، بل هذه الأمور كلفنا الله بها شرعاً، وأما قبولها فشيء آخر يتفضل الله به علينا، وهذه الآية

стр. 5860

من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ومن وافقه، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله، وقد تقدم أن هذه السورة فضلت بسجدتين وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية. وقد اختلف في عدة سجود التلاوة فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة، لكن الشافعي رحمه الله تعالى قال: في الحج سجدتان، وأسقط سجدة ص، وقال أبو حنفية: في الحج سجدة، وأثبت سجدة ص، وقيل خمس عشرة سجدة، وقال قوم: ليس في المفصل سجدة، فعلى هذا تكون إحدى عشرة سجدة، وسجود التلاوة سنة عند الشافعي؛ وواجب عند أبي حنيفة، ودلائل الأقوال مبسوطة في مواطنها، ثم أمرهم بما هو سنة الدين وأعظم أعماله فقال:

стр. 5861

(وجاهدوا في الله) أي في ذاته من أجله، والمراد به الجهاد الأكبر وهو الغزو للكفار ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين، وقيل المراد بالجهاد هنا امتثال ما أمرهم الله به في الآية المتقدمة، وامتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم. ومعنى (حقَّ جهاده) المبالغة في الأمر بهذا الجهاد باستفراغ الطاقة لأنه أضاف الحق إلى الجهاد، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق أي جهاداً خالصاً لله فعكس ذلك لقصد المبالغة وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعاً أو لاختصاصه به سبحانه من حيث كونه مفعولاً له، ومن أجله، وقيل المراد بحق جهاده هو أن لا يخافوا في الله لومة لائم، وقيل المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله وقال مقاتل والكلبي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) كما أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته) منسوخ بذلك، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ. عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي عمر: ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ (وجاهدوا في الله حق جهاده) في آخر الزمان، كما جاهدتم في أوله؟ قلت بلى

стр. 5862

ومتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : " المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله " (١)، ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله: (هو اجتباكم) أي اختاركم لدينه وفيه تشريف لهم عظيم، ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي من ضيق وشدة، وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله فقيل هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين، وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض وأكل الميتة عند الضرورة واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة وكذا في الفطر والأضحى، وقيل المعنى أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجاً بتكليف ما يشق عليهم، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه، ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل. وقيل المراد بذلك أنه جعل لهم من الذنب مخرجاً بفتح باب التوبة، وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة، والأرش أو القصاص في الجنايات ورد المال أو مثله، أو قيمته في الغصب ونحوه؛ فليس في دين الإسلام ما لا يجد العمد فيه سبيلاً إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب، وقيل المراد بالدين التوحيد ولا حرج فيه، بل فيه تخفيف فإنه يكفِّر ما قبله من الشرك وإن امتد ولا يتوقف الإتيان به على زمان أو مكان معين.

стр. 5863

وفي القرطبي. قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع؛ وأما السُّرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجاً من إلزام ثبات رجل لاثنين في سبيل الله، لكنه مع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج، انتهى. والمعنى الأول أولى، والظاهر أن الآية أعم من هذا كله فقط حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم أو بالتخفيف، وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها، ومثلها قوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به) وفي الحديث الصحيح أنه سبحانه قال: " قد فعلت " كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية والأحاديث في هذا كثيرة. وعن عائشة أنها سألت النبي ﷺ عن هذه الآية فقال: " الضيق ". وقال أبو هريرة لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى؛ قال: فما هذه الآية؟ قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وعن ابن عباس كان يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج، توسعة الإسلام وما جعل الله من التوبة والكفارات، وعنه قال: هذا في هلال رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الأضحى، وفي الفطر وأشباهه، وعنه سئل عن الحرج فقال: ادع لي رجلاً من هذيل فجاءه فقال: ما الحرج فيكم؟ قال: الحرجة من الشجر التي ليس فيها مخرج، فقال ابن عباس: الذي ليس له مخرج، وفي لفظ قال الهذيلي: الشيء الضيق قال: هو ذاك، وعن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: ادع لي رجلاً من بني مدلج وقال: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق.

стр. 5864

(ملة إبيكم إبراهيم) أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم قاله الزمخشري وقال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم، وبه قال الحوفي، واتّبعه أبو البقاء، وقال الفراء: كملة أبيكم، وقيل التقدير وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم فأقام الملة مقام الفعل وقيل النصب على الإغراء وقيل على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم، وإنما جعله سبحانه أباهم لأنه أبو العرب قاطبة، ولأن لى عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أباً لنبيهم ﷺ ، قال السديّ: ملة أبيكم أي دين أبيكم. (هو سماكم المسلمين من قبل) أي قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة، قال ابن عباس: الله سماكم، وروي نحوه عن جماعة من التابعين، وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي وغيرهم، عن الحرث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: " من دعا بدعوى الجاهلية فإنّه من جثيِّ جهنم " قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: " نعم فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله " (١)، وقيل إن الكناية راجعة إلى إبراهيم يعني إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو قوله: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) فاستجاب الله دعاءه فينا. (وفي هذا) أي في حكمه أن من اتبع محمداً ( ﷺ ) فهو مسلم، قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة، وقيل أي في القرآن يعني فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، ثم علل سبحانه ذلك بقوله: (ليكون الرسول شهيداً عليكم) يوم القيامة بتبليغه إليكم

стр. 5865

(وتكونوا) أنتم (شهداء على الناس) أن رسلهم قد بلغتهم، فإن تسمية الله أو إبراهيم لهم حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول الداخل فيهم دخولاً أولياً وقبول شهادتهم على الأمم، قاله الشهاب، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية في البقرة، ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال: (فأقيموا الصلاة) بواجباتها وداوموا عليها (وآتوا الزكاة) بشرائطها وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما (واعتصموا بالله) أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون والتجئوا إليه في جميع أحوالكم ولا تطلبوا ذلك إلا منه، وقيل الاعتصام هو التمسك بالكتاب والسنة، وقيل تمسكوا بدين الله، وقيل ثقوا به تعالى في مجامع أموركم (هو مولاكم) أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها (فنعم المولى) هو (ونعم النصير) أي الناصر لكم هو يعني لا مماثل له في الولاية لأموركم، والنصرة على أعدائكم.

стр. 5866

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المؤمنون (وهي مكية وآياتها مائة وثماني عشرة) قال القرطبي: كلها مكيّة في قول الجميع. أي بلا خلاف وآياتها مائة وتسع آية عند البصريين، ومائة وثماني عشرة آية عند الكوفيين وسبب هذا اختلافهم في قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، هل هو آية أو بعض آية. وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال: صلى النبي ﷺ بمكة الصبح، فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون. أو ذكر عيسى أخذته سلعة فركع (١). وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: " لما خلق الجنة قال لها تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون " وقد ورد في فضائل العشر الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي قريباً.

стр. 5867

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)

стр. 5868

(قد أفلح المؤمنون) قال الفراء: قد لتأكيد فلاحهم، وإفادة ثبوت ما كان يتوقع الثبوت من قبل، أو لتقريب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة قبل حال قيامها. والمعنى أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد، والفوز بالمرام والنجاة عن المكروه. وقيل البقاء في الخير، ويقال أفلح إذا دخل في الفلاح؛ ويقال أفلحه إذا أصاره إلى الفلاح وقد تقدم معنى الفلاح في البقرة. وقرئ أُفلح بناء للمفعول، وقرئ أفلحوا على الإبهام والتفسير، أو على لغة أكلوني البراغيث. وقد أخرج أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: كان إذا أنزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً، فمكثنا ساعة فسرّى عنه فاستقبل القبله فقال: " اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا "، ثم قال: " لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ثم قرأ قد أفلح المؤمنون، حتى ختم العشر، وفي إسناده يونس ابن سليم (١) .

стр. 5869

قال النسائي: لا نعرفه، وعن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت كان خلقه القرآن، ثم قالت تقرأ سورة المؤمنين، اقرأ قد أفلح المؤمنون -حتى بلغ العشر- فقالت هكذا كان خلق رسول الله " ﷺ " ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله:

стр. 5870

(الذين هم في صلاتهم خاشعون) وما عطف عليه، والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب، كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين. قيل الصحيح الأول وقيل الثاني، وادعى عبد الواحد بن يزيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته. حكاه النيسابوري في تفسيره قال: ومما يدل على صحة القول قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قال: (أقم الصلاة لذكري) والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال: (ولا تكن من الغافلين) وقوله: (حتى تعلموا ما تقولون) نهى للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. أخرج البيهقي عن محمد بن سيرين قال: " نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون) وزاد عبد الرزاق عنه فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت هذه الآية فطأطأ رأسه. وعن علي قال: الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك. وقال ابن عباس: خاشعون، خائفون ساكنون، وقيل

стр. 5871

خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح فلا يلتفون يميناً ولا شمالاً، وهذا من فروض الصلاة عند الغزالي. وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأن اشتراط الخضوع والخشوع مخالف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه، وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث.

стр. 5872

(والذين هم عن اللغو معرضون) قال الزجاج: اللغو هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل، وقد تقدم تفسيره في البقرة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها، وقيل هو معارضة الكفار بالسب والشتم. وقال ابن عباس: اللغو الباطل. وقيل المراد باللغو كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة. والمعنى أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل، وفي وصفهم بالخشوع أولاً وبالإعراض ثانياً جمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفمس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، ومعنى إعراضهم عنه تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولاً أولياً، كما تفيده الجملة الأسمية.

стр. 5873

(والذين هم للزكاة فاعلون) أي يؤدونها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، أو المراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون، أي دائمون.

стр. 5874

(والذين هم لفروجهم حافظون) الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة، فهو اسم سوأتهما، والمراد بحفظهما لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما

стр. 5875

لا يحل لهم، قيل والمراد هنا الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله:

стр. 5876

(إلا على أزواجهم) الخ للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. قال الفراء: (على) بمعنى من، وقيل إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ، أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم، وقيل يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم فإنهم غير ملومين عليه، ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية. وقيل المعنى إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهن، من قولهم: كان فلان على فلانة فمات عنها فخُلِّف عليها فلان (١) قاله الزمخشري، والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، وجملة (أو ما ملكت أيمانهم) في محل جر، والمراد بذلك الإماء، وعبر عنهن بـ (ما) التي لغير العقلاء لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع؛ فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، ولهذا تباع كما تباع البهائم، والمراد الإماء والجواري. (فإنهم غير ملومين) في إتيانهن بجماع أو غيره تعليل للاستثناء مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه.

стр. 5877

(فمن ابتغى وراء) أي سوى (ذلك) من الزوجات وملك اليمين وقال الزجاج: ما بعد ذلك (فأولئك هم العادون) أي المجاوزون إلى ما لا يحل لهم فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل عادياً. وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. وعن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: إني لأرى تحريمها في القرآن ثم تلا هذه الآية واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر، فهو حرام عند الجمهور؛ وقد جمع شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة سماها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكر فيها أدلة

стр. 5878

المنع والجواز وترجيح الراجح منهما

стр. 5879

(والذين هم لأماناتهم) قرئ بالجمع، وقرأ ابن كثير بالإفراد، والأمانة ما يؤتمنون عليه. (وعهدهم) هو ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه، أو من جهة عباده وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، فلا يرد ما يقال: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى لم يتمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؛ والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة (راعون) أي حافظون، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم

стр. 5880

(والذين هم على صلواتهم) قرأ الجمهور بالجمع، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس. وهو في معنى الجمع. (يحافظون) المحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها. عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الذين هم على صلاتهم دائمون؛ والذين هم على صلاتهم يحافظون. قال ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها؛ قال: تركها كفر، وقد وصفهم أولاً بالخشوع في الصلاة وآخراً بالمحافظة عليها فليس في الآية تكرار، والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها، ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال:

стр. 5881

(أولئك هم الوارثون) أي الأحقّاء بأن يسمَّوا بهذا الاسم دون غيرهم، لأن ضمير الفصل يدل على التخصيص، والحصر إضافي لا حقيقي، لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، ولقوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قاله الكرخي، ثم بين الموروث بقوله:

стр. 5882

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)

стр. 5883

(الذين يرثون الفردوس) لغة رومية معربة، وقيل فارسية، وقيل حبشية، وقيل عربية، وهو أوسط الجنة وأعلى الجنان، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله ﷺ ، والمعنى أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وهذا بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها، وتفخيم لها ورفع لمحلها: وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه. وقيل المعنى أنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فرقوها على أنفسهم، لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. وعن أبي هريرة قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وعنه قال، قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون) (١) أخرجه ابن ماجة وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم،

стр. 5884

وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وعبد بن حميد عن أنس فذكر قصة، وفيها أن النبي ﷺ قال: " الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها " (١). ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً)، وقوله: (تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) وشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: " يجىء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم: ويضعها على اليهود والنصارى " (٢)، وفي لفظ له قال: رسول الله ﷺ " إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار " (٣). (هم فيها خالدون) حالية أو مستأنفة لا محل لها، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة، ولا حث الله سبحانه عباده على العبادة، ووعدهم الفردوس على فعلها وتضمن ذلك المعاد الأخروي عاد إلى تقرير المبدإ ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة لقوله: وهو أهون عليه، وجملة ما ذكره من الدلائل أنواع أربعة. الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة آخرها تبعثون. الثاني: خلق السماوات بقوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق). الثالث: إنزال الماء بقوله: (وأنزلنا من السماء ماء).

стр. 5885

الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات بقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية فقال.
следующие страницы →