بالعذاب) إلى آخر الآية (١)، وأصل الحديث في الصحيحين أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " الحديث (٢)، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله ﷺ وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: " أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى قال: فلقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع " فأنزل الله هذه الآية.
وعن علي بن أبي طالب في الآية قال: " أي لم يتواضعوا في الدنيا ولم يخضعوا ولو خضعوا لله لاستجاب لهم ".
стр. 5987
(حتى) ابتدائية (إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد) قيل هو عذاب الآخرة، وقيل قتلهم يوم بدر بالسيف. قاله ابن عباس. وقيل القحط الذي أصابهم. وقيل فتح مكة. وقيل قيام الساعة (إذا هم فيه مبلسون) أي متحيرون لا يدرون ما يصنعون، والإبلاس التحير والأياس من كل خير. وقرئ مبلَسون بفتح اللام من أبلسه أي أدخله في الإبلاس والبلاس، مثل سلام المسح وهو فارسي معرب، وأبلس أيس، وقد تقدم في الأنعام.
стр. 5988
(وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) امتنّ الله سبحانه عليهم ببعض النعم التي أعطاهم، والمقصود به التقريع والتوبيخ بالنسبة للكافرين وتذكير النعم بالنسبة للمؤمنين وهي نعمة السمع والبصر والفؤاد
стр. 5989
فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشيء من ذلك لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال:
(قليلاً ما تشكرون) أي شكراً قليلاً حقيراً غير معتدّ به باعتبار تلك النعم الجليلة، وقيل المعنى أنهم لا يشكرونه ألبتّة لا أن لهم شكراً قليلاً، كما يقال لجاحد النعمة ما أقل شكره أي لا يشكر، ومثل هذه الآية قوله: (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم) وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها.
стр. 5990
(وهو الذي ذرأكم في الأرض) أي بثّكم فيها بالنسل كما تبث الحبوب، وقد تقدم تحقيقه (وإليه تحشرون) أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم
стр. 5991
(وهو الذي يحيي) النسم بالإنشاء ونفخ الروح في المضغة (ويميت) النسم بالإفناء على جهة الانفراد والاستقلال، وفي هذا تذكير بنعمة الحياة وبيان الانتقال منها إلى الدار الآخرة.
(وله اختلاف الليل والنهار) خلقاً وإيجاداً، قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان، ويختلفان في السواد والبياض، وقيل اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر، وقيل تكرارهما يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة.
(أفلا تعقلون) كنه قدرته وتتفكرون في ذلك، ثم بين سبحانه أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبني على مجرد الاستبعاد فقال:
стр. 5992
(بل قالوا مثل ما قال الأولون) أي آباؤهم والموافقون لهم في دينهم من قوم نوح، وهود وصالح وغيرهم، ثم بين ما قاله الأولون فقال:
(قالوا أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون)؟ فهذا مجرد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشيء من الشبه، ثم كملوا ذلك القول بقولهم:
стр. 5995
(لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) أي وعدنا هذا البعث الآن ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم نصدقه كما لم يصدقوه ثم صرحوا بالتكذيب، وفرّوا إلى مجرد الزعم الباطل فقالوا:
(إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب جمع أسطورة كأحدوثة، والأساطير: الأباطيل والترهات والكذب، وقيل جمع أسطار وهو جمع سطر، والأول أوفق، والمعنى لم نر هذا الوعد شيئاً، وإنا رأيناه أساطير الأولين، ثم أمر الله سبحانه نبيه ( ﷺ ) أن يسأل أهل مكة عن أمور لا عذر لهم من الاعتراف فيها فقال:
стр. 5996
(قل لمن الأرض ومن فيها) المراد بمن الخلق جميعاً وعبر عنهم بمن تغليباً للعقلاء و (لمن) خبر مقدم والأرض مبتدأ مؤخر (إن كنتم تعلمون) شيئاً من العلم، وجواب الشرط محذوف أي فأخبروني، وفي هذا تلويح بجهلهم وفرط غباوتهم.
стр. 5997
(سيقولون لله) أي لا بد أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببداهة العقل وهذا إخبار من الله بما يقع منهم في الجواب قبل وقوعه، ثم أمره سبحانه أن
стр. 5998
يقول لهم بعد اعترافهم (قل أفلا تذكرون) ترغيباً لهم في التدبر وإمعان النظر والفكر فإن ذلك مما يقودهم إلى اتباع الحق وترك الباطل، لأن من قدر على ذلك ابتداء قدر على إحياء الموتى.
стр. 5999
(قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله) جاء سبحانه باللام نظراً إلى معنى السؤال، فإن قولك: مَن ربّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد كقولك: مَن رب هذه الدار؟ فيقال: زيد؛ ويقال لزيد، وقرئ الله بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال، وهذا أوضح من الأولى، ولكنه يؤيدها أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون الألف.
стр. 6000
(قل أفلا تتقون) عبادة غيره أو تحذرون عقابه أو قدرته على البعث، فلا تشركوا به، وفيه تنبيه على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة، فهذا الختم أبلغ من ختم الآية الأولى لاشتماله على الوعيد الشديد، ولما ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمم الحكم هاهنا فقال:
стр. 6001
(قل من بيده ملكوت كل شيء)؟ الملكوت الملك وزيادة التاء للمبالغة نحو جبروت ورحموت ورهبوت، وقال مجاهد: يعني خزائن كل شيء (وهو يجير) أي أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه (ولا يجار عليه) أي لا يمنع أحد أحداً من عذاب الآخرة؛ ولا يقدر على نصره وإغاثته، يقال: أجرت فلاناً إذا استغاث بك فحميته. وأجرت عليه إذا حميت عنه؛ والمعنى يحمي ولا يحمى عليه (إن كنتم تعلمون) فأجيبوا:
стр. 6002
(سيقولون لله) قرئ باللام نظراً إلى معنى السؤال كما سلف، وقرئ بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال (قل فأنى تسحرون)؟ قال الفراء والزجاج: أي تصرفون عن الحق وتخدعون، والمعنى كيف يخيل إليكم الحق باطلاً؟ والصحيح فاسداً، والخادع لهم هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما، ثم بين الله سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم فقال:
(بل أتيناهم بالحق) أي بالأمر الواضح الذي يحق اتباعه (وإنهم لكاذبون) فيما ينسبونه إلى الله تعالى من الولد والشريك، ثم نفاهما عن نفسه فقال:
стр. 6005
(ما اتخذ الله من ولد) لأنه منزه عن النوع والجنس وولد الرجل من جنسه (وما كان معه من إله) شريك في الألوهية، ومن في الموضعين زائدة لتوكيد النفي، ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: (إذاً لذهب كل إله بما خلق) وفي الكلام حذف أي لو كان مع الله آلهة أخرى لانفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب.
(ولعلا بعضهم على بعض) أي ولغلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلهاً، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه، ثم نزّه سبحانه نفسه فقال:
стр. 6006
(سبحان الله عما يصفون) من الشريك والولد، وإثبات ذلك لله عز وجل
стр. 6007
(عالم الغيب والشهادة) أي هو مختص بعلم ما غاب وما شوهد، وأما غيره سبحانه فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب، وهذا دليل آخر على الوحدانية بواسطة مقدمة أخرى كأنه قيل الله علمهما وغيره لا يعلمهما فغيره ليس بإله وهذا من قبيل الشكل الثاني، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الله، وقرئ بالجر على أنه صفة لله أو بدل منه، وروي عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ.
(فتعالى) الله (عما يشركون) عطف على معنى ما تقدم؛ كأنه قال: علم الغيب فتعالى، أو أقول: فتعالى، والمعنى أنه سبحانه متعال متعال عن أن يكون له شريك في الملك.
стр. 6008
(قل رب إمّا تريني ما يوعدون) أي إن كان ولا بد أن تريني العذاب المستأصل لهم
стр. 6009
(رب فلا تجعلني في القوم الظالمين) قال الزجاج: أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب، فاجعلني خارجاً عنهم يعني إن النداء معترض، وذكر الرب مرتين قبل الشرط وبعده مبالغة في التضرع والابتهال، وأمره الله أن يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون معهم أبداً تعليماً له ﷺ من ربه كيف يتواضع ويهضم نفسه أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة) ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ويسخرون من النبي ﷺ إذا ذكر لهم ذلك أكد سبحانه وقوعه بقوله:
стр. 6010
(وإنّا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) يعني أن الله سبحانه قادر على أن يرى رسوله عذابهم ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن أو لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم، وقيل قد أراه الله سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة ثم أمره سبحانه بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب فقال:
стр. 6011
(ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي الصفح والإعراض عما يفعله الكفار من الخصلة السيئة وهي الشرك، قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف وقيل هي في حق هذه الأمة فيما بينهم منسوخة في حق الكفار.
قال مجاهد: أي أعرض عن أذاهم إياك، وقال عطاء: ادفع بالسلام وعن أنس قال: هو قول الرجل لأخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله أن يغفر لك وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي.
(نحن أعلم بما يصفون) إياك به مما أنت على خلافه أو بما يصفون من الشرك والتكذيب وفي هذا وعيد لهم بالعقوبة، ثم علمه سبحانه ما يقويه على ما أرشده إليه من العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة فقال:
стр. 6012
(وقل رب أعوذ بك) أي أعتصم (من همزات الشياطين) جمع همزة وهي في اللغة الدفعة باليد أو بغيرها؛ يقال همزة ولمزة ونخسة أي دفعة، وقيل الهمز كلام من وراء القفا، واللمز المواجهة، والمراد بها هنا خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان ووساوسه، وقيل نفخهم ونفثهم، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس، أو لتعدد المضاف إليه، وفي الآية إرشاد لهذه الأمة إلى التعوذ من الشيطان، ومن همزات الشياطين؛ وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه.
(وأعوذ بك رب أن يحضرون) أمره الله سبحانه أن يتعوذ بالله من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوذ من همزاتهم؛ وأُعيد كل من العامل والنداء مبالغة ولزيادة اعتناء بهذه الاستعاذة، والمعنى وأعوذ بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن عمل إلا الوسوسة، والإغراء على الشر، والصرف عن الخير، وفي قراءة أُبيّ " وقل رب عائذاً بك ".
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي، عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: " بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " قال: فكان ابن عمرو يعلمها من بلغ من أولاده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً - لا يغفل أن يحفظها كتبها له، فعلقها في عنقها (١) وفي إسناده محمد ابن إسحاق وفيه مقال معروف وأخرج أحمد عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة قال: " إذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون،
(حتى إذا جاء أحدَهم الموتُ) حتى هي الابتدائية دخلت على الشرطية، وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله لكاذبون. وقيل بيصفون والمراد بمجيء الموت مجيء علاماته، أي رأس مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن (قال) أي ذلك الأحد الذي حضره الموت تحسراً وتحزناً على ما فرط منه.
(رب ارجعون) أي ردوني إلى الدنيا، وإنما قال بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب، وقيل هو على معنى تكرير الفعل، أي ارجعني ارجعني ارجعني، قاله أبو البقاء، ومثله قوله تعالى: (ألقيا في جهنم) قال المازني: معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ومثله قول الحجاج: يا حرسي اضربا عنقه. وقول الآخر:
ألا فارحمون يا إله محمد
وقيل إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم: رب؛ ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون
стр. 6017
(لعلي أعمل) عملاً (صالحاً) في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير.
أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار، قال: (رب ارجعون) أتوب وأعمل صالحاً، فيقال له قد عمّرت ما كنت معمِّراً، فيضيق عليه قبره، فهو فالمنهوش ينازع ويفزع، تهوي إليه حيات الأرض وعقاربها.
وعن ابن جريج قال: زعموا أن النبي ﷺ قال لعائشة: " إن المؤمن إذا عاين الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟
стр. 6018
فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ بل قدما إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، وهو مرسل.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه، فعند ذلك يقول رب ارجعون " الآية.
وعن ابن عباس في قوله: (أعمل صالحاً) قال: أقول لا إله إلا الله (فيما تركت) أي في الموضع الذي ضيعت أو منعت، وقيل خلفت من التركة وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضى الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امْرءاً عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب. ولما تمنى أن يرجع ليعمل، رد الله عليه ذلك بقوله:
(كلاّ إنها كلمة هو قائلها) فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير في (إنها) يرجع إلى قوله: (رب ارجعون) أي أن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه، وليس الأمر كما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا؛ أو المعنى أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء كما في قوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وقيل إن الضمير في (هو) يرجع إلى الله، أي لا خلف في خبره، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها.
(ومن ورائهم) أي من أمامهم وبين أيديهم، والضمير للأحد والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم، كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ (برزخ) هو الحاجز بين الشيئين. قاله الجوهري، واختلف في معنى الآية فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد: حاجز بين الموت والبعث. وقال
стр. 6019
الكلبي: هو الأجل بين النفختين وبينهما أربعون سنة. وقال السدي: هو الأجل، وقيل: بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا.
(إلى يوم يبعثون) أي يوم القيامة، وهو اقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة. عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه، تقرضانه حتى تلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).
стр. 6020
(فإذا نفخ في الصور) قيل هذه هي النفخة الأولى، قاله ابن عباس. وقيل الثانية قاله ابن مسعود وهذا أولى. وهي النفخة التي بين البعث والنشور. وقيل المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها، على أن الصور جمع صورة لا القرن وقد قرئ بها وبضم الصاد وسكون الواو، والقرن الذي ينفخ فيه (فلا أنساب بينهم يومئذ) يتفاخرون بها أو تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف، أي لا يذكرونها لما هم فيه من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، وهو جمع نسب وهو القرابة.
(ولا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضاً عنها، فإن لهم إذ ذاك شغلاً شاغلاً. ومنه قوله: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) وقوله: (ولا يسأل حميم حميماً) ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة فالإثبات باعتبار بعضها والنفي باعتبار بعض آخر، كما قررناه في نظائر هذا، مما أثبت تارة ونفي أخرى.
وعن ابن عباس في الآية قال: حين ينفخ في الصور فلا يبقى حي إلا الله. وعنه أنه سئل عن هذه الآية. وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) قال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا
стр. 6021
يتساءلون فعند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون وعنه أنه سئل عن الآيتين فقال: هذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وذاك لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين، ثم يناد مناد ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه.
وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " (١).
وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم والضياء في المختارة عن عمر ابن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " (٢).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " (٣) وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: " ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم " (٤).
стр. 6022
(فمن ثقلت موازينه) أي موزوناته من أعماله الصالحة، فالموازين
стр. 6023
جمع موزون ويجوز كونه جمع ميزان ومع وحدته جمعه لتعدد الموزون (فأولئك هم المفلحون) أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة الناجون من الأمور التي يخافونها.
стр. 6024
(ومن خفت موازينه) وهي أعماله الصالحة (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها (في جهنم خالدون) قد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى فلا نعيده.
стр. 6025
(تلفح وجوههم النار) أي تحرقها مستأنفة أو حالية أو خبر لأولئك. واللفح أشد النفح لأنه الإصابة بشدة، والنفح الإصابة مطلقاً، كما في قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك)، وقيل اللفح الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، ولفحته بالسيف إذا ضربته، وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء وقيل تسفع. قال ابن عباس: تلفح تنفخ.
أخرج ابن مردويه والضياء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ( ﷺ ) في الآية: " تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم " وعن أبي مسعود قال: لفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم.
(وهم فيها كالحون) حالية، والكالح الذي قد شمرت شفتاه. وبدت أسنانه قاله الزجاج، ودهر كالح أي شديد. قال أهل اللغة: الكلوح تكشر في عبوس وبابه خضع، ومنه كلوح الأسد أي تكشيره عن أنيابه، وقيل الكلوح تقطب الوجه، وكلح الرجل يكلح كلوحاً وكلاحاً وعن ابن مسعود قال: كلوح الرأس النضج بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم، وعن ابن عباس قال: كالحون أي عابسون وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في الآية قال: " تشويهِ النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى، حتى تضرب سرته " أخرجه الترمذي (١)، وقال: