← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

يتساءلون فعند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون وعنه أنه سئل عن الآيتين فقال: هذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وذاك لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين، ثم يناد مناد ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " (١). وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم والضياء في المختارة عن عمر ابن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " (٢). وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " (٣) وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: " ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم " (٤).

стр. 6022

(فمن ثقلت موازينه) أي موزوناته من أعماله الصالحة، فالموازين

стр. 6023

جمع موزون ويجوز كونه جمع ميزان ومع وحدته جمعه لتعدد الموزون (فأولئك هم المفلحون) أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة الناجون من الأمور التي يخافونها.

стр. 6024

(ومن خفت موازينه) وهي أعماله الصالحة (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها (في جهنم خالدون) قد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى فلا نعيده.

стр. 6025

(تلفح وجوههم النار) أي تحرقها مستأنفة أو حالية أو خبر لأولئك. واللفح أشد النفح لأنه الإصابة بشدة، والنفح الإصابة مطلقاً، كما في قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك)، وقيل اللفح الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، ولفحته بالسيف إذا ضربته، وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء وقيل تسفع. قال ابن عباس: تلفح تنفخ. أخرج ابن مردويه والضياء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ( ﷺ ) في الآية: " تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم " وعن أبي مسعود قال: لفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم. (وهم فيها كالحون) حالية، والكالح الذي قد شمرت شفتاه. وبدت أسنانه قاله الزجاج، ودهر كالح أي شديد. قال أهل اللغة: الكلوح تكشر في عبوس وبابه خضع، ومنه كلوح الأسد أي تكشيره عن أنيابه، وقيل الكلوح تقطب الوجه، وكلح الرجل يكلح كلوحاً وكلاحاً وعن ابن مسعود قال: كلوح الرأس النضج بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم، وعن ابن عباس قال: كالحون أي عابسون وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في الآية قال: " تشويهِ النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى، حتى تضرب سرته " أخرجه الترمذي (١)، وقال:

стр. 6026

قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) حديث حسن صحيح غريب، وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة معروفة

стр. 6027

(ألم تكن آياتي تتلى عليكم)؟ في الدنيا، يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها، ويقال لهم ذلك توبيخاً وتقريعاً (فكنتم بها تكذبون) وتزعمون أنها ليست من الله تعالى.

стр. 6028

(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) مستأنفة والمعنى غلبت علينا لذاتنا وشهواتنا فسمي ذلك شقوة لأنه يؤول إلى الشقاء وقرئ شقاوتنا، وبها قرأ ابن مسعود والحسن، وهما مصدران بمعنى سوء العاقبة، والشقاء ضد السعادة والشدة والعسر (وكنا قوماً ضالين) بسبب ذلك عن الهدى، فإنهم ضلوا عن الحق والصواب بتلك الشقوة، ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا:

стр. 6029

(ربنا أخرجنا منها) أي من النار (فإن عدنا) إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب وعدم الإيمان (فإنّا ظالمون) لأنفسنا بالعود إلى ذلك.

стр. 6030

(قال) تعالى لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين. قيل هو سبعة آلاف سنة بعدد الكواكب السيارة، وقيل إثنا عشرة ألف سنة بعدد البروج، وقيل ثلثمائة ألف سنة وستون بعدد أيام السنة. ذكره القرطبي في التذكرة، والتحقيق فيه ما ذكرناه في لقطة العجلان (اخسئوا فيها) أي اسكتوا في جهنم سكوت هوان قال المبرد: الخسء إبعاد بمكروه، وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، وأبعدوا بُعد الكلب، فالمعنى أبعدوا في جهنم، كما

стр. 6031

يقال للكب اخسأ، أي ابعد، وخسأت الكلب طردته. (ولا تكلمون) في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم. وقيل المعنى لا تكلمون رأساً قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار وما بعد ذلك إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء الكلاب، ثم علل ذلك بقوله:

стр. 6032

(إنه) تعليل لما قبلها من الزجر عن دعائهم بالخروج منها (كان فريق من عبادي) وهم المؤمنون، وقيل الصحابة المهاجرون ومنهم بلال وصهيب وعمار وخباب. (يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين) ومحط التعليل قوله:

стр. 6033

(فاتخذتموهم سخرياً) بكسر السين وبضمها سبعيتان وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزء، والضم من جهة السخرية قال النحاس: ولا يعرف هذا الفرق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء. وحكي عن الكسائي أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل. (حتى أنسوكم ذكري) أي اتخذتموه سخرياً إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر الله لشدة اشتغالهم بالاستهزاء (وكنتم منهم تضحكون) في الدنيا، والمعنى حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك، فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب

стр. 6034

(إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) مستأنفة لتقرير ما سبق لبيان حسن حالهم، والباء للسببية. (أنهم هم الفائزون) بفتح الهمزة مفعول ثان لجزيتهم وقرئ بكسرها على الاستئناف. والمعنى جزيتهم بصبرهم الفوز بالجنة. قال الله تذكيراً لهم بأن ما ظنوه طويلاً دائماً فهو قليل بالإضافة إلى ما أنكروه، وقرئ قل على صيغة الأمر، والمعنى قل يا محمد للكفار، أو يكون أمراً للملك بسؤالهم، أو التقدير قولوا، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد، والمراد الجماعة

стр. 6035

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)

стр. 6036

(كم لبثتم في الأرض) التي طلبتم الرجوع إليها، والغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلاً، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوا في الحياة الدنيا وفي القبور. وقيل هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله: (في الأرض) ولم يقل على الأرض، ورد بمثل قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض) (عدد سنين) أي لبثتم كم عدداً من السنين -بفتح النون على أنها نون الجمع- ومن العرب من يخفضها وينونها.

стр. 6037

(قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) استقصروا مدة لبثهم وشكوا في ذلك لعظم ما هم فيه من العذاب الشديد. وقيل إن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم، وقيل أنساهم الله ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة الثانية، ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا: (فاسأل العادّين) جمع عادّ من العدد، أي المتمكنين من معرفة العدد، وهم الملائكة لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد وأعمارهم، وقيل

стр. 6038

المعنى فاسئل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس.

стр. 6039

(قال إن لبثتم إلا قليلاً) قرئ على الخبر وقرئ قل كما في الآية الأولى، وقد تقدم توجيه القراءتين أي ما لبثتم في الأرض إلا زمناً قليلاً أو لبثاً قليلاً، قال تعالى ذلك بلسان مالك تصديقاً لهم وتقريعاً وتوبيخاً (لو أنكم كنتم تعلمون) شيئاً من العلم، والجواب محذوف أي لعلمتم اليوم قلة فيكم في الأرض، أو في القبور أو فيهما فكل ذلك قليل بالنسبة إلى لبثهم في النار، ثم زاد في توبيخهم على تماديهم في الغفلة، وتركهم النظر الصحيح فيما يدل على حقية البعث والقيامة فقال:

стр. 6040

(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) لا لحكمة، والهمزة للتوبيخ والتقرير والفاء للعطف على مقدر أي ألم تعلموا شيأ فحسبتم أو أغفلتم وتلاهيتم وتعاميتم فحسبتم والمعنى عابثين أو لأجل العبث، قال بالأول سيبويه وقطرب وبالثاني أبو عبيدة، والعبث في اللغة اللعب وما لا فائدة فيه، يقال: عبث يعبث عبثاً، فهو عابث أي لاعب وأصله من قولهم: عبثت الأقط أي خلطته، والمعنى أفحسبتم أنا خلقناكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب. (وأنكم إلينا لا ترجعون) بالبعث والنشور فيجازيكم بأعمالكم؛ قرئ ترجعون مبنياً للفاعل وللمفعول، وقدم إلينا على الفعل لأجل الفواصل، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:

стр. 6041

(فتعالى الله) أي تنزه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئاً عبثاً أو عن جميع ذلك وهو (الملك) الذي يحق له الملك على الإطلاق إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادة وإحياء وإماتة وعقاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له بالذات مقهور لملكوته مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال

стр. 6042

(الحق) في جميع أفعاله وأقواله وهذا استعظام له تعالى ولشؤونه. (لا إله إلا هو رب العرش الكريم) فكيف لا يكون إلهاً ورباً لما هو دون العرش الكريم وما تحته من المخلوقات وما أحاط به من الموجودات كائناً ما كان ووصف العرش بالكريم لنزول القرآن أو الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين من حيث أنه أعظم مخلوقاته وقرئ الكريم بالرفع على أنه نعت لرب. أخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، عن ابن مسعود أنه قرأ في أذن مصاب: أفحسبتم حتى ختم السورة فبرئ فقال رسول الله صلى الله " بماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال ". وأخرج ابن السني وابن منده وأبو نعيم قال السيوطي بسند حسن عن إبراهيم التيمي قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا، أفحسبتم الخ فقرأناها فغنمنا وسلمنا، ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخاً لهم وتقريعاً فقال:

стр. 6043

(ومن يدع مع الله إلهاً آخر) يعبده مع الله أو يعبده وحده (لا برهان له به) صفة كاشفة لقوله (إلهاً) لا مفهوم لها أو هي صفة لازمة جيء بها للتأكيد كقوله يطير بجناحيه، والبرهان الحجة الواضحة والدليل أفلح فيه مراعاة معنى (من) وفيه الإظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم يستحقه وجملة لا برهان له به معترضة بين الشرط والجزاء، وقيل إن جواب الشرط قولُهُ لا برهان له به.

стр. 6044

(إنه) قرئ بالكسر على الاستئناف المفيد للعلة وبالفتح على التعليل (لا يفلح الكافرون) قرئ من أفلح، وقرئ بفتح الياء مضارع فلح بمعنى أفلح فيه مراعاة معنى (من) وفيه الإظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم بهذا الوصف القبيح جعل فاتحة السورة (قد أفلح المؤمنون) وخاتمتها (إنه لا يفلح الكافرون) فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة، ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله ( ﷺ ) أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال:

стр. 6045

(وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته وقيل أمره بالاستغفار لأمته وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين وفي الرحمة زيادة على المغفرة، وهي إيصال الإحسان زيادة على غفر الذنب، وأيضاً الغفران قد يكون من غير إحسان الذي هو معنى الرحمة، ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى كفرانه ورحمته، لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته.

стр. 6046

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النور (هي مدنية وآياتها أربع وستون آية) وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعن عائشة قال: " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة يعني النساء (١) وعلموهن الغزل وسورة النور " أخرجه البيهقي والحاكم وابن مردويه، وعن مجاهد مرفوعاً قال: " علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نسائكم سورة النور " رواه البيهقي وابن المنذر وسعيد بن جبير وهو مرسل.

стр. 6047

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)

стр. 6048

(سورة) هي في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، ومنه قول زهير: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب أي: منزلة وقرئ بالرفع، وفيه وجهان، أحدهما: إن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير هذه سورة ورجحه الزجاج والفراء والمبرد، قالوا: لأنها نكرة ولا يبتدأ بها في كل موضع، والثاني: إن يكون مبتدأ؛ وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله: (أنزلناها) والخبر: الزانية والزاني وإلى هذا نحا ابن عطية، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختتم، وهذا معنى صحيح ولا وجه لما قاله الأولون وقيل التقدير فمما أوحينا إليك سورة وَرُدَّ بأن مقتضى المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا بيان أن في جملة ما أوحي إلى النبي ﷺ سورة شأنها كذا وكذا، وقرئ بالنصب أي: اتل سورة أو اقرأ أو أنزلنا سورة أو دونك سورة، قاله الزمخشري ورده أبو حيان وقيل أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن.

стр. 6049

(وفرضناها) قرئ بالتخفيف والتشديد، ومعنى المشدد قطعناها في الإنزال نجماً نجماً، والفرض القطع والتشديد للتكثير أو للمبالغة أو لتأكيد الإيجاب أو لكثرة الفرائض فيها كالزنا والقذف اللعان والاستئذان وغض البصر وغير ذلك. ومعنى المخفف أوحيناها وجعلناها مقطوعة، وقيل ألزمناكم العمل بها وقيل قدرنا ما فيها من الحدود والفرض التقدير، ومنه أن الذي فرض عليك القرآن، وقيل بيناها قاله ابن عباس، وقيل أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفى. (وأنزلنا فيها آيات بينات) أي أنزلنا في غصونها وتضاعيفها آيات واضحة الدلالة على مدلولها وتكرير (أنزلنا) لكمال العناية بإنزال هذه السورة وشأنها لما اشتملت عليه من الأحكام المفروضة. قال الرازي: ذكر الله في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: (فرضناها) إشارة إلى الأحكام وقوله هذا إلى ما بين فيها من دلائل التوحيد ويؤيده قوله: (لعلكم تذكرون) فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى نؤمر بتذكرها، أما دلائل التوحيد، فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها، فأمروا بتذكرها، قيل والمعنى تتعظون. وقيل قوله:

стр. 6050

(الزانية والزاني) تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً و (الزانية) هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه، كما تنبئ عنه الصيغة المكرهة، وكذلك (الزاني) وتقديم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع، قاله أبو السعود؛ إنما قدمت المرأة هنا وأخرت في آية حد السرقة لأن الزنا إنما يتولد بشهوة الوقاع، وهي في المرأة أقوى وأكثر،

стр. 6051

والسرقة إنما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة، وهي في الرجل أقوى وأكثر، قاله الكرخي. وقيل وجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن، وقيل لأن العار فيهن أكثر، إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكر الزانية تغليظاً واهتماماً. (فاجلدوا) الجلد الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وعلى مذهب سيبويه التقدير فيما يتلى عليكم حكم الزانية؛ ثم بين ذلك بقوله: (فاجلدوا) والخطاب في هذه الآية الكريمة للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً، والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. (كل واحد منهما مائة جلدة) هو حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو تغريب عام وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: التغريب إلى رأي الإمام، والحديث يرده، وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب، وتجلد المرأة ولا تغرب، وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسين جلدة لقوله سبحانه: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وهذا نص في الإماء وألحق بهن العبيد لعدم الفارق. وأما من كان محصناً من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة؛ وبإجماع أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه، الباقي حكمه وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة، وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في شرحه للمنتقى، وقد مضى الكلام في

стр. 6052

حد الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لأية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وزاد النسفي والتغريب منسوخ بالآية، وليس بصحيح فقد أثبتته السنة الصحيحة كما أشرنا إليه. (ولا تأخذكم) بالتأنيث مراعاة للفظ، وبالياء لأنه مجازي، وللفصل بالمفعول والجار (بهما رأفة) يقال رأف يرأف رأفة، على وزن فعلة، ورأفة على وزن فعالة، مثل النشأة والنشاءة، وكلاهما بمعنى الرقة والرحمة. وقيل هي أرق الرحمة وأشدها. (في دين الله) أي في طاعته وحكمه، كما في قوله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي لا يأخذكم الدين في استيفاء الحدود فتعطلوها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وقيل تخففوا الضرب، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية، أي القذف، ويخفف في حد الشرب. وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد القذف ودونه في حد الشرب، ثم قال: مثبتاً للمأمورين ومهيجاً لهم. (إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر) أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال لا تعطلوا الحدود، وفي إلهاب الغضب لله ولدينه، وذلك لأن الإيمان بهما يقتضي التجلد في طاعة الله وفي إجراء أحكامه، وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة في الحدود وتعطيلها، والحاصل أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الحث والمتانة ولا يأخذهم اللين والهوان في استيفاء حدود الله، وكفى برسول الله ﵌ أسوة في ذلك حيث قال: " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " (١).

стр. 6053

(وليشهد عذابهما) أي لتحضر الجلد إذا أقيم عليهما زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما (طائفة من المؤمنين) ندباً، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف، وأقلها ثلاثة، لأنه أقل الجمع، وقيل اثنان. قاله عكرمة. وقيل واحد. قاله مجاهد. وقيل أربعة لأنهم عدد شهود الزنا. وقيل عشرة. قال ابن عباس: الطائفة الرجل فما فوقه، ولا يجب على الإمام حضور رجم، ولا على الشهود، لأنه ﷺ أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، وتسمية الجلد عذاباً دليل على أنه عقوبة، ثم ذكر سبحانه شيئاً يختص بالزاني والزانية فقال:

стр. 6054

(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) يعني أن الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والثانية لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والتضامّ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال: الأول: إن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى (الزاني لا ينكح إلا زانية) الوطء لا العقد، أي الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان، وزاد ذكر المشركة والمشرك، لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا. وردّ هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، ويردّ هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه. ومنه قول: (حتى تنكح زوجاً غيره) فقد بينه النبي ﷺ بأن المراد به الوطء. ومن جملة القائلين بأن معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم وعن ابن

стр. 6055

عباس قال: ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع، لا يزني بها حين تزني إلا زانٍ أو مشرك. الثاني: إن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة فتكون. خاصة بها، كما قال الخطابي عن ابن عمرو، قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح وتشترط أن ينفق عليها، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فأنزل الله هذه الآية، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم. الثالث: أنها نزلت في رجل من المسلمين فتكون خاصة به، قاله مجاهد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة؛ وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وذكر قصة فيها فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فلم يرد عليّ شيئاً. حتى نزلت (الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية فقال رسول الله ﷺ : " يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فلا تنكحه " ا (١)، أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم. الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح. الخامس: إن المراد بالزاني والزانية المحدودان. حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة، وروي نحوه عن إبراهيم النخعي، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال ابن العربي: وهذا لا يصح نظراً، كما لا يثبت نقلاً. السادس: إن هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى

стр. 6056

منكم) قال النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، والسابع أن هذا الحكم مؤسس على الغالب العام، والمعنى أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن. قال الكرخي: إن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في نكاح فاسقة مثله أو في مشركة؛ والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب، كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فكذا هاهنا والفرق بين قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) وقوله: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) أن الكلام يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني؛ فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد له كما تقدم. وعن شعبة مولى ابن عباس قال: " كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة فأردت أن أتزوجها فقال الناس: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنّها كن نساء بغايا متعاليات، يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس، يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية. تزوجها فما كان فيها من إثم فعليّ. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " أخرجه أبو داود وابن المنذر والحاكم وابن أبي حاتم وغيرهم (١). وعن علي أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى

стр. 6057

فأقيم عليه الحد، فجاءوا به إلى عليّ ففرق بينه وبين امرأته، وقال: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك. وعن مجاهد قال: " كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها فنهى الله سبحانه أن يتزوجهن أحد من المسلمين ". وهو مرسل. وعن ابن عباس أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني مشركات فحرم الله نكاحهن على المؤمنين. وعنه قال كانت بغايا في الجاهلية، بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله: (الزاني لا ينكح إلا زانية) فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وعن الضحاك قال: إنما عني بذلك الزنا ولم يعن به التزويج. وعن ابن عباس في هذه الآية قال: " الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين. وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك، وروي عن ابن عباس وعمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز، قال ابن مسعود: " إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً " وبه قال مالك. (وحرم ذلك) أي الزنا أو نكاح الزواني لما فيه من التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب والتسبب لسوء المقالة وغير ذلك من المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة البغايا والقحاب وقيل هو مكروه فقط؛ وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر. (على المؤمنين) الأخيار الأبرار فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت

стр. 6058

هذه العادة ويتصون عنها، وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً، لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً في ذلك بدئ بذكرها. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدئ الطلب.

стр. 6059

(والذين يرمون) استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفاً، أي يشتمون (المحصنات) أي النساء العفيفات بالزنا، وكذا المحصنين، وإنما خصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع، والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، وقد جمع الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. وقيل إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيد هذا قوله في آية أخرى: (والمحصنات من النساء)، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى؛ وقيل أراد بالمحصنات الفروج؛ كما قال: (والتي أحصنت فرجها)، فتتناول الآية الرجال والنساء؛ وقيل إن لفظ المحصنات وإن كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليباً، وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني؛ وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه، منها ما هو مأخوذ من دليل ومنها ما هو مجرد رأي بحت. قرئ المحصنات بفتح الصاد وكسرها، وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافراً أو كافرة. وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: يجب عليه الحد. وذهب الجمهور أيضاً إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة.

стр. 6060

(وقالوا) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك (هذا إفك مبين) أي كذب بين ظاهر مكشوف لا حقيقة له، وقوله: (لولا جاءوا عليه) من تمام ما يقوله المؤمنون، أي هلا جاء الخائضون في الإفك (بأربعة شهداء) يشهدون على ما قالوا. (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك) أي الخائضون في الإفك (عند الله) أي في حكمه وقضائه الأزلي، أو شرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة (هم الكاذبون) أي القاذفون الكاملون في الكذب، وهذا من باب الزواجر (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة) هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم (ولولا) هذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى لولا أني قضيت عليك بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، والرحمة في الآخرة بالعفو. (لمسّكم فيما أفضتم) أي بسبب ما أفضتم (فيه) من حديث الإفك، والإبهام لتهويل أمره، يقال: أفاض في الحديث واندفع، وخاض بمعنى (عذاب عظيم) أي لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك: وقيل المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معاً، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً. (إذ تلقونه بألسنتكم) من التلقي، والأصل تتلقونه. قال مقاتل ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقياً. قال الزجاج: معناه يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرئ الإلقاء ومعناها واضح، وقرئ بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، وهي مأخودة من قول العرب: ألق (١) الرجل يَلَق ولقا إذا كذب، قال ابن سيده: جاءوا بالمتعدي
следующие страницы →