← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

(وقال الذين كفروا) أي مشركو العرب (إن هذا) أي ما هذا القرآن (إلا إفك) أي كذب (افتراه) أي اختلقه محمد ﷺ (وأعانه عليه) أي على الاختلاق (قوم آخرون) يعنون من اليهود قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر الكلام على مثل هذا في سورة النحل، ثم رد الله سبحانه عليهم فقال: (فقد جاؤوا ظلماً وزوراً) أي فقد قالوا ظلماً هائلاً عظيماً وكذباً ظاهراً، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة

стр. 6232

بل على أن الثاني هو عين الأول حقيقة، وإنما الترتب بحسب التغاير الاعتباري و (قد) لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور، وانتصاب (ظلماً) جاؤوا فإن (قد) لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور، وانتصاب (ظلماً) بجاؤوا فإن جاء قد تستعمل استعمال أتى، وتعدى تعديته، وقال الزجاج: الأصل جاؤوا بظلم، وقيل على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلماً لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه. فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم. وقيل هو جعل الكلام المعجز إفكاً مختلقاً متلفقاً من اليهود، وأما كون ذلك منهم زوراً فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة، ثم ذكر الشبهه الثانية فقال:

стр. 6233

(وقالوا أساطير الأولين) أي أحاديثهم، وما سطروه من الأخبار مثل خبر رستم وإسفنديار. قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة، مثل أحاديث وأحدوثة، وقال غيره: جمع أسطار، مثل أقاويل وأقوال (اكتتبها) أي استكتبها أو كتبها لنفسه، أو المعنى جمعها من الكتب، وهو الجمع لأمر الكتابة بالقلم، والأول أولى. ومحل اكتتبها النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر ثان. وقرئ اكتتبها مبنياً للمفعول والمعنى اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ. (فهي تملى عليه) أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب. لكونه أمياً لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه. أو المعنى أراد اكتتابها فهي تملي عليه لأنه يقال أمليت عليه فهو يكتب (بكرة وأصيلاً) أي غدوة وعشياً، كأنهم قالوا: إن هؤلاء يعلمون محمداً ﷺ ، طرفي النهار، وقيل معنى بكرة وأصيلاً دائماً في جميع الأوقات فأجاب الله سبحانه عن هذه الشبهة بقوله:

стр. 6234

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)

стр. 6235

(قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض) أي ليس ذلك مما يفترى، ويفتعل، بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة مثله، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة، لا يبلغ إليها عقول البشر، والسر: الغيب، أي يعلم الغيب الكائن فيهما. (إنه كان غفوراً رحيماً) تعليل لتأخير العقوبة أي: إنكم، وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسول الله ﷺ ، والظلم له فإنه لا يعجل عليكم بذلك لأنه كثير المغفرة والرحمة، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن، ذكر ما طعنوا به على الرسول ﷺ فقال:

стр. 6236

(وقالوا مال هذا الرسول)؟ في الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه، وهو رسول الله ﷺ وسموه رسولاً استهزاء وسخرية، وحاصل ما ذكر هنا ستة قبائح، والأخيرة هي قوله (إلا رجلاً مسحوراً) وقد ردّ الله عليهم هذه الستة إجمالاً في البعض، وتفصيلاً في البعض، والمعنى، أي شيء. وأي سبب حصل، لهذا الذي يدعى الرسالة حال كونه (يأكل الطعام) كما نأكله.

стр. 6237

(ويمشي في الأسواق) ويتردد فيها لطلب المعاش كما نتردد، زعموا أنه كان يجب أن يكون الرسول ملكاً مستغنياً عن الطعام، والكسب، والاستفهام للإنكار، وهو يرجع إلى السبب مع تحقق المسبب، وهو الأكل والمشي، ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم، تهكماً واستهزاء، والمعنى: أنه إن صح ما يدعيه من النبوة فما باله يخالف حاله حالنا؟ (لولا) للتحضيض، هذا ما استظهره ابن هشام، بعد نقله عن الهروي أنها للاستفهام أي: هلا. (أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) طلبوا أن يكون النبي مصحوباً بملك. يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح كون الرسول ملكاً، مستغنياً عن الأكل والكسب، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه، ويشهد له بالرسالة

стр. 6238

(أو يلقى إليه كنز) تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء، ليستغني به عن طلب الرزق. (أو تكون له جنة يأكل منها) قرأ الجمهور بالفوقية، وقرئ بالتحتية لأن تأنيث الجنة غير حقيقي، وقرئ نأكل بالنون، أي: بستان نأكل نحن من ثماره، وبالتحتية، أي: يأكل هو وحده منه، ليكون له بذلك مزية علينا، حيث يكون أكله من جنته: قال النحاس: والقراءتان حسنتان، وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه قد تقدم ذكر النبي ﷺ وحده، فعود الضمير إليه أبين. عن ابن عباس قال: إن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب، والنضر ابن الحرث، وأبا البختري والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبه بن الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه، وخاصموه، حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه، إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. قال: فجاءهم رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعذر

стр. 6239

منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف. فنحن نسودك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك فقال رسول الله ﷺ : " ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم! ولا الشرف فيكم! ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك، أو قالوا: فإذا لم تفعل هذا، فسل نفسك، وسل ربك، أن يبعث معك ملكاً يصدقك، بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً، من ذهب وفضة، يغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولاً، كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ : " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً " فأنزل الله في ذلك هذه الآية أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر. (وقال الظالمون) المراد بهم هنا هم القائلون بالمقالات الأول، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به: (إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي مخدوعاً مغلوباً على عقله بالسحر، وقيل ذا سحر، وهي الرئة، أي: بشراً له رئة لا ملكاً، فالمراد بالسحر هنا لازمه، وهو اختلال العقل وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان.

стр. 6240

(انظر كيف) استعظام للأباطيل التي اجترؤا على التفوه بها، وتعجب منها أي: أنظر كيف (ضربوا لك الأمثال) وقالوا: في حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول، الجارية مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات، والأحوال الشاذة، البعيدة من الوقوع، ليتوصلوا بها إلى تكذيبك والأمثال هي الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه هاهنا من

стр. 6241

المفتري، والمملى عليه، والمسحور. (فضلوا) عن الصواب، فلا يجدون طريقاً إليه، ولا وصلوا إلى شيء منه، بل جاؤوا بهذه المقالات الزائفة، التي لا تصدر عن أدنى العقلاء، وأقلهم تمييزاً، ولهذا قال (فلا يستطيعون سبيلاً) يعني لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقاً من الطرق.

стр. 6242

(تبارك) أي تكاثر خير (الذي إن شاء جعل لك) في الدنيا معجلاً (خيراً من ذلك) الذي اقترحوه من الكنز والبستان، ثم فسر الخير فقال (جنات تجري من تحتها الأنهار) أي في الدنيا لأنه تعالى شاء أن يعطيه إياها في الآخرة (ويجعل لك قصوراً) قد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع فجعل هاهنا في محل جزم ورفع فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم كما قرأ الجمهور، وأن يرفع كما قرأ ابن كثير، والقصر البيت من الحجارة، لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل هو بيت الطين. وبيوت الصوف، والشعر. عن خيثمة قال: قيل للنبي ﵌: إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا نعطيها أحداً بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: " اجمعوها لي في الآخرة " فأنزل الله سبحانه هذه الآية أخرجه الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم. ثم أضرب الله سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء فقال:

стр. 6243

(بل كذبوا بالساعة) أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل، ولا يتأملون فيها، ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال (وأعتدنا) أي: والحال إنا أعتدنا، وهيأنا وخلقنا (لمن كذب بالساعة سعيراً) قال أبو مسلم: أي جعلناه عتيداً، ومعداً لهم، انتهى. والسعير هي النار المتسعرة المشتعلة، والنار موجودة اليوم

стр. 6244

إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) لهذه الآية، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى (أعدت للمتقين) ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع وإعداد السعير لهم وإن لم يكن لخصوص تكذيبهم بالساعة بل لأي تكذيب بشيء من الشريعة، لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم السعير، اقتصر على ترتيب الإعداد على التكذيب بها.

стр. 6245

(إذا رأتهم) قيل: معناها إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر في البعد، وقيل: المعنى إذا رأتهم خزنتها وقيل: إن الرؤية هنا حقيقية وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك، وهو الأرجح ومعنى (من مكان بعيد) أنها رأتهم وهي بعيدة عنهم، قيل: بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام، وقيل: عام. وعن ابن عباس قال: من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر، فترى تزفر زفرة لا تبقى قطرة من دمع إلا بدت، ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر. وعن رجل من الصحابة قال: قال النبي ﵌: " من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً "، قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: " نعم أما سمعتم الله يقول: (إذا رأتهم من مكان بعيد)؟ " أخرجه عبد بن حميد

стр. 6246

وابن جرير من طريق خالد بن دريك ونحوه عند رزين في كتابه وصححه ابن العربي في قبسه، وله لفظ بمعناه. وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر. وبالمصورين " (١) وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح. (سمعوا لها تغيظاً) أي: غلياناً كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب، يعني: إن لها صوتاً يدل على التغيظ على الكفار أو لغليانها صوتاً يشبه صوت المغتاط. (وزفيراً) الصوت، أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وقال قطرب: أراد علموا لها تغيظاً، وسمعوا لها زمراً، وقيل المعنى فيها تغيظاً، وزفيراً للمعذبين، كما قال لهم فيها زفير وشهيق، وفي واللام، متقاربان بأن تقول هذا الله وفي الله

стр. 6247

(وإذا ألقوا منها) أي طرحوا (مكاناً ضيقاً) وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة، وتناهي البلاد عليهم. وعن يحيى بن أسيد أن رسول الله ﵌، لما سئل عن هذه الآية قال: " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط " وعن ابن عباس " أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح " (مقرنين) أي حال كونهم قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد. وقيل: مكتفين. وقيل قرنوا مع الشياطين، أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم (دعوا هنالك) أي في ذلك المكان الضيق (ثبوراً) أي هلاكاً، كما قال الزجاج، وقال ابن عباس: ثبوراً، أي ويلاً. وقيل ثبرنا ثبوراً وقيل مفعول

стр. 6248

له، والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك، وينادونه لما حل بهم من البلاء، ويقولون يا ثبوراه. أي إحضر، فهذا أوانك، لكنهم لا يهلكون. وأجيب عليهم بقوله:

стр. 6249

(لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً) والقائل لهم هم الملائكة خزنة جهنم، أي اتركوا دعاء ثبوراً واحداً (وادعوا ثبوراً كثيراً) والثبور مصدر يقع على القليل والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً، فالكثرة هاهنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، فإنه شيء واحد، والمعنى لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحداً، وادعوه أدعية كثيرة. فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه. وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وهو خلاف ظاهر القرآن. وقيل إن المعنى أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد لقوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب) أو لأنه ينقطع فهو في كل وقت ثبور، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه. أخرج أحمد، والبزار والبيهقي، وغيرهم قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: " إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم. حتى يقف على الناس، فيقول: يا ثبوراه ويقولون: يا ثبورهم، فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً (١) " ثم وبخهم الله سبحانه توبيخاً بالغاً، على لسان رسوله فقال:

стр. 6250

(قل أذلك) أي السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة (خير أم جنة الخلد) وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها. وعدم انقطاعه. والمجيء بلفظ (خير) هنا مع أنه لا خير في النار أصلاً لأن العرب قد تقول ذلك. ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك عنده خير قال النحاس وهذا قول حسن. (التي وعد) أي وعدها (المتقون) فالراجع إلى الموصول محذوف ثم قال سبحانه (كانت) أي تلك الجنة (لهم) أي للمتقين (جزاء) على أعمالهم (ومصيراً) يصيرون إليه وهذا في علم الله، أو في اللوح المحفوظ قبل خلقهم بأزمنة متطاولة، أو قال ذلك لأن ما وعد الله به فهو في تحققه كأنه قد كان.

стр. 6251

(لهم فيها) أي في الجنة (ما يشاءون) أي ما يشاؤونه من النعم، وضروب الملاذ كما في قوله ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم. ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها، لأن الظاهر أن الناقص لا يدرك شيئاً مما هو للكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، قال الشهاب: وإنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا رتبة من هو أشرف منهم، ولا يتلفتوا إلى حال غيرهم (خالدين) أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائماً إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم وقد تقدم تحقيق معنى الخلود. (كان) أي ما يشاؤونه، وقيل كان الخلود وقيل الوعد المدلول عليه وبقوله (وعد المتقون) (على ربك وعداً مسؤولاً) أي الوعد الحقيقي بأن يسئل وبطلب كما في قوله (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله (وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) وقيل المراد به الوعد الواجب وإن لم يسأل، وقال ابن عباس: يقول تعالى سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.

стр. 6252

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)

стр. 6253

(ويوم يحشرهم) أي اذكر، وتعليق التذكير باليوم، مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد، كما مر مراراً (وما يعبدون من دون الله) غلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيهاً على أنها جميعاً مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل. أكثر ممن يعبد من يعقل منها. فغلبت اعتباراً بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج: المراد الملائكة والإنس والجن، والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد، وقال الضحاك وعكرمة والكلبي: المراد الأصنام خاصة، وأنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، وقيل عام و (ما) يتناول العقلاء وغيرهم؛ لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم. (فيقول) الله تعالى إثباتاً للحجة على العابدين؛ وتقريعاً وتبكيتاً لهم (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمعنى أن كان ضلالهم بسببكم؛ وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم (أم هم ضلوا السبيل) أي طريق الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق والتدبّر فيما يتوصل به إلى الصواب

стр. 6254

(قالوا) أي المعبودون مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى

стр. 6255

(سبحانك) التعجب مما قيل لهم، لكونهم ملائكة. أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل، أي تنزيهاً لك. (ما كان ينبغي) وقرئ مبنياً للمفعول قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنها لغة، أي ما صح ولا استقام (لنا أن نتخذ من دونك) أي متجاوزين إياك (من أولياء) فنعبدهم فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك، والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور (نتخذ) مبيناً للفاعل وقرئ مبنياً للمفعول. والمعنى أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك، وقال أبو عبيدة: لا تجوز هذه القراءة وبه قال أبو عمرو بن العلاء، وعيس بن عمر؛ لأنه سبحانه ذكر (من) مرتين، ولو كانت صحيحة لقال أن نتخذ من دونك أولياء أي لحذفت من الثانية، وقيل إنها زائدة، ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال: (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى ما أضللناهم؛ ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم، ووسعت عليهم الرزق، وأطلت لهم العمر، حتى غفلوا عن ذكرك، ونسوا موعظتك، والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك، وغرائب مخلوقاتك؛ وجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم؛ عكس القضية؛ وقيل المراد بنسيان الذكر هاهنا، هو ترك الشكر. (وكانوا) هؤلاء الذين أشركوا بك، وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي (قوماً بوراً) أي هلكى، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار، وهو الهلاك يقال رجل بائر. وقوم بور؛ يستوي فيه الواحد والجماعة. لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير، أو جمع بائر، وقيل البوار الفساد، يقال: بارت بضاعته أي فسدت، وأمر بائر، أي فاسد، وهي لغة الأزد. وقيل المعنى الأخير فيهم مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع، فلا يكون فيها خير، وقيل إن

стр. 6256

البوار الكساد. ومنه بارت السلعة إذا كسدت، وهذا كله يرجع إلى معنى الهلاك والفساد ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة.

стр. 6257

(فقد كذبوكم) وفي الكلام حذف، والتقدير فقال الله عند تبري المعبودين مخاطباً للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبكم المعبودون، وقرئ مخففاً أي كذبوكم في قولهم (مما تقولون) أي في قولكم أنهم آلهة وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات، وحذف القول، ونظيرها (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل)، إلى قوله (فقد جاءكم بشير ونذير) وقول القائل: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا وقال ابن زيد: المعنى قد كذبوكم أيها المؤمنون، هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﵌ وعلى هذا فمعنى بما تقولون: بما تقولونه من الحق وقرئ فقد كذبوكم مخففاً، وبما يقولون بالتحتية أي كذبوكم في قولهم. (فما تستطيعون) أيها الكفار (صرفاً) أي دفعاً للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وقيل حيلة (ولا نصراً) أي نصركم، وقرئ بالتحتية فالمعنى فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم، وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفاً للعذاب الذي عذبهم الله به ولا نصراً من الله وقال أبو عبيد: المعنى فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصراً لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم (ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحتهم الذين فيهم السياق دخولاً أولياً، والعذاب الكبير عذاب النار، وفسر الخلود فيها، وهو يليق بالمشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج. وقرئ يذقه بالتحتية وهذه الآية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة، وعن الحسن قال: الظلم هو الشرك، وقال ابن جريج: يظلم يشرك ثم يرجع سبحانه إلى

стр. 6258

خطاب رسوله موضحاً لبطلان ما تقدم من قولهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال:

стр. 6259

(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) قال الزجاج: الجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً منهم إلا آكلين وماشين فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك، وقال الفراء: لا محل لها من الإعراب إنما هي صلة لموصول محذوف والتقدير إلا من أنهم كما في قوله (إلا واردها) أي إلا من يردها، وبه قال الكسائي وقال الزجاج: هذا خطأ لأن من الموصولة لا يجوز حذفها، وقال ابن الأنباري: التقدير إلا وإنهم، وقرئ إنهم بكسر إن لوجود اللام في خبرها وهو مجمع عليه عند النحاة. وقال المبرد: يجوز فيه الفتح، قال النحاس: وأحسبه وهماً. وقرئ يمشون مخففاً ومثقلاً. قال قتادة: يقول إن الرسل قبل محمد ﷺ كانوا بهذه المنزلة يأكلون ويمشون. (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) هذا الخطاب عام للناس، وفيه تسلية له ﷺ أيضاً، فإنه أشرف الأشراف، وقد ابتلى بأخس الأخساء، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم، وبالبعض الثاني الرسل، ومعنى الفتنة الابتلاء، والمحنة. والأول أولى، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به فالمريض يقول لِمَ لم أجعل كالصحيح؟ وكذا صاحب كل آفة، والصحيح مبتلى بالمريض، فلا يضجر منه ولا يحقره، والغني مبتلى بالفقير يواسيه، والفقير مبتلى بالغنى يحسده، ونحوه هذا مثله. وقيل المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله، أنف وقال: لا أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل! فيقيم على كفره. فذلك افتتان بعضهم ببعض، واختار هذا الفراء والزجاج ولا وجه لقصر الآية على هذا، فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول فالاعتبار بعموم

стр. 6260

اللفظ لا بخصوص السبب. وقال الحسن: في الآية يقول الفقير لو شاء الله جعلني غنياً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان ويقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان. وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان بعضكم لبعض فتنة، وهو قوله تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) (١) " أسنده الثعلبي ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض فتنة للبعض: (أتصبرون) هذا الاستفهام للتقرير والتقدير: أتصبرون على ما ترون من هذه الحالة الشديدة والابتلاء العظيم فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم، وعليه جرى الأكثرون وقيل: معنى أتصبرون اصبروا مثل قوله (فهل أنتم منتهون) أي انتهوا، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم (٢) " ثم وعد الله الصابرين بقوله: (وكان ربك بصيراً) أي بكل من يصبر ومن لا يصبر فيجازي كُلاًّ منهما بما يستحقه (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة أي وقال: المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم بالشر، وهي لغة تهامة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنها وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه، ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول، قال الفراء: وضع الرجاء موضع الخوف. وقيل: لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث والحمل على المعنى الحقيقي أولى

стр. 6261

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)

стр. 6262

فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب. (لولا) هَلاَّ (أنزل علينا الملائكة) فيخبروننا أن محمداً ﷺ صادق، أو هَلاّ أنزلوا علينا رسلاً يرسلهم الله (أو نرى ربنا)؟ عياناً فيخبرنا بأن محمداً ﷺ رسول، ثم أجاب الله سبحانه عن شبهتهم هذه فقال: (لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً) أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله تعالى (إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) والعتو مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته قال ابن عباس: عتوا أي شدة الكفر، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغاً، هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدين له، وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى.

стр. 6263

(يوم) أي: اذكر يوم: (يرون الملائكة) أي ملائكة العذاب رؤية

стр. 6264

ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر، قال مجاهد: يوم القيامة، وعن عطية العوفي نحوه. (لا بشرى يومئذ للمجرمين) أي يمنعون البشرى يوم يرون، أو لا توجد لهم بشرى فيه، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى، بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة، قال الزجاج: المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله، وهو ظاهر في موضع مضمر، أو عام يتناولهم بعمومه، وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد: الكفار، لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات. (ويقولون) عند مشاهدتهم للملائكة: (حجراً) حراماً (محجوراً) هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو، وهجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقال للرجل: أتفعل كذا؟ فيقول: حجراً محجوراً أي حراماً عليك التعرض لي. والمعنى يطلبون من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقهم أي: يسأله أن يمنع ذلك منعاً، ويحجره حجراً. وقيل إن هذا من الملائكة أي يقولون للكفار: حراماً محرماً أن يدخل أحد منكم الجنة. وأن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين وقال أبو سعيد الخدري: حراماً محرماً أن نبشركم مما نبشر به المتقين، وعن الحسن. وقتادة قالا: هي كلمة كانت العرب تقولها عند الشدائد، وقال مجاهد: أي عوذاً معاذ الملائكة تقوله والحجر مصدر بمعنى الاستعاذة، والكسر والفتح لغتان وقرئ بهما، وقرئ الضم وهو لغة فيه وهو من حجره إذا منعه وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، هذه الكلمة، وجعلها من جملتها، وبه قال السمين، والبيضاوي. والحجر: العقل، لأنه يمنع صاحبه، ومحجوراً صفة مؤكدة للمعنى، كقولهم ذيل ذائل وموت مائت.

стр. 6265

(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) هذا وعيد آخر، وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صور الخير، من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام، وأمثالها ولم يمنع من الأثابة عليها إلا الكفر، الذي هم عليه فمثلت حالهم وأعمالهم، بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، فقدم إلى ما معهم من المتاع فأفسده، ولم يترك منه شيئاً، وإلا فلا قدوم هاهنا أو هو من الصفات، كالمجيء والنزول، فيجب الإيمان به من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل، كما هو مذهب السلف الصلحاء، وهو الحق. قال الواحدي: معنى قدمنا عمدنا، وقصدنا، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده، أو عمده، وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى والقصد في حق الله يرجع لمعنى الإرادة. (فجعلناه هباء منثوراً) أي باطلاً، لا ثواب له، لأنهم لم يعملوا لله ومنه الحديث الصحيح " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) والهباء واحده هباءة، والجمع أهباء. قال النضر بن شميل: الهباء التراب الذي تطيره الريح، كأنه دخان. وقال الزجاج: هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبه الغبار. وكذا قال الخليل، والأزهري. وقال ابن عرفة: الهباء، والهبوة التراب الدقيق. وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب، عند السير من الغبار، وعن علي قال: الهباء شعاع الشمس، الذي يخرج من الكوة، وعنه الهباء وهج الغبار، يسطع، ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء. وعن ابن عباس قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاًً، وعنه قال: هو ما تسفي الريح، وتبثه من

стр. 6266

التراب وحطام الشجر. وعنه هو الماء المهراق. والمعنى الأول هو الذي ثبت في لغة العرب، ونقله العارفون بها، والمنثور المفرق، والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد، وبالجملة هو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. إذ لا ثواب فيه، لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا. ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال:

стр. 6267

(أصحاب الجنة يومئذ) أي يوم القيامة (خير مستقراً) أي أفضل منزلاً في الجنة، من الكافرين في الدنيا (وأحسن مقيلاً) أي موضع قائلة فيها، أو هم خير منهم في الآخرة لو فرض أن يكون لهم ذلك، أو أفعل لمجرد الوصف من غير مفاضلة. عن ابن عباس قال: في الغرف من الجنة. قال النحاس: والكوفيون يجيزون " العسل أحلى من الخل ". قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن الله تعالى قال: (وأحسن مقيلاً) والجنة لا نوم فيها. وقال ابن عباس: الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى الغروب. والآية أشارت إلى أن كُلاًّ من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا، أي: استقروا في وقت القيلولة، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلق قد انقضى في هذا الوقت.

стр. 6268

(ويوم تشقق السماء بالغمام) وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق التفتح، قرئ بتخفيف الشين وأصله تشقق، وقرئ مشدداً على الإدغام، والمعنى أنها تتشقق عن الغمام لأن الباء وعن، تتعاقبان كما تقول رميت بالقوس. قال أبو علي الفارسي: تشقق السماء وعليها غمام كما تقول: ركب الأمير بسلاحه. أي: وعليه سلاحه، وخرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق، أبيض، مثل

стр. 6269

الضبابة. ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وقيل: إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس، والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء. وقيل: إنها تشقق لنزول الملائكة، كما قال سبحانه. (ونزل الملائكة تنزيلاً) وقيل: الباء للسببية يعني بسبب طلوع الغمام منها، كأنه الذي يتشقق به السماء، وقيل: أي متلبسة بالغمام، وقرئ ننزل مخففاً من الإنزال، مضارع أنزل، وقرئ نزل مشدداً ماضياً مبنياً للمفعول، وقرئ مبنياً للفاعل، وفاعله الله سبحانه، والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرئ أنزل، وقرئ تنزلت الملائكة، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلاً، يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم: هذا تنزيل رضا ورحمة، لا تنزيل سخط وعذاب. وعن ابن عباس (١) قال في الآية: يجمع الله الخلق يوم القيامة، في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير، وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض، من الجن والإنس، وجميع الخلق، فيحيطون بالإنس والجن وجميع الخلق. فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا؟ فيقولون لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء، إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن، وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. أخرجه الحاكم وابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهم.

стр. 6270

(الملك يومئذ الحق للرحمن) أي الملك الثابت الذي لا يزول ولا يشركه فيه أحد، للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي يزول وينقطع، ليس بملك في الحقيقة. ولأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهراً وباطناً بحيث لا زوال له أصلاً، لا يكون إلا الله تعالى. فالملك مبتدأ، والحق صفته، وللرحمن خبره، ويومئذ متعلق بالملك، وفائدة التقييد بالظرف. أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره أيضاً ملك في الصورة، وإن لم يكن حقيقياً. وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف، والحق نعت للملك. والمعنى الملك الثابت للرحمن خاصة في هذا اليوم، وقيل الملك مبتدأ، والحق خبره، وللرحمن متعلق بالحق. (وكان يوماً على الكافرين عسيراً) أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده، شديداً على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب، بعد تحقيق الحساب. وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. وجاء في الحديث " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ".
следующие страницы →