← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

التراب وحطام الشجر. وعنه هو الماء المهراق. والمعنى الأول هو الذي ثبت في لغة العرب، ونقله العارفون بها، والمنثور المفرق، والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد، وبالجملة هو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. إذ لا ثواب فيه، لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا. ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال:

стр. 6267

(أصحاب الجنة يومئذ) أي يوم القيامة (خير مستقراً) أي أفضل منزلاً في الجنة، من الكافرين في الدنيا (وأحسن مقيلاً) أي موضع قائلة فيها، أو هم خير منهم في الآخرة لو فرض أن يكون لهم ذلك، أو أفعل لمجرد الوصف من غير مفاضلة. عن ابن عباس قال: في الغرف من الجنة. قال النحاس: والكوفيون يجيزون " العسل أحلى من الخل ". قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن الله تعالى قال: (وأحسن مقيلاً) والجنة لا نوم فيها. وقال ابن عباس: الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى الغروب. والآية أشارت إلى أن كُلاًّ من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا، أي: استقروا في وقت القيلولة، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلق قد انقضى في هذا الوقت.

стр. 6268

(ويوم تشقق السماء بالغمام) وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق التفتح، قرئ بتخفيف الشين وأصله تشقق، وقرئ مشدداً على الإدغام، والمعنى أنها تتشقق عن الغمام لأن الباء وعن، تتعاقبان كما تقول رميت بالقوس. قال أبو علي الفارسي: تشقق السماء وعليها غمام كما تقول: ركب الأمير بسلاحه. أي: وعليه سلاحه، وخرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق، أبيض، مثل

стр. 6269

الضبابة. ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وقيل: إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس، والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء. وقيل: إنها تشقق لنزول الملائكة، كما قال سبحانه. (ونزل الملائكة تنزيلاً) وقيل: الباء للسببية يعني بسبب طلوع الغمام منها، كأنه الذي يتشقق به السماء، وقيل: أي متلبسة بالغمام، وقرئ ننزل مخففاً من الإنزال، مضارع أنزل، وقرئ نزل مشدداً ماضياً مبنياً للمفعول، وقرئ مبنياً للفاعل، وفاعله الله سبحانه، والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرئ أنزل، وقرئ تنزلت الملائكة، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلاً، يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم: هذا تنزيل رضا ورحمة، لا تنزيل سخط وعذاب. وعن ابن عباس (١) قال في الآية: يجمع الله الخلق يوم القيامة، في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير، وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض، من الجن والإنس، وجميع الخلق، فيحيطون بالإنس والجن وجميع الخلق. فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا؟ فيقولون لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء، إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن، وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. أخرجه الحاكم وابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهم.

стр. 6270

(الملك يومئذ الحق للرحمن) أي الملك الثابت الذي لا يزول ولا يشركه فيه أحد، للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي يزول وينقطع، ليس بملك في الحقيقة. ولأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهراً وباطناً بحيث لا زوال له أصلاً، لا يكون إلا الله تعالى. فالملك مبتدأ، والحق صفته، وللرحمن خبره، ويومئذ متعلق بالملك، وفائدة التقييد بالظرف. أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره أيضاً ملك في الصورة، وإن لم يكن حقيقياً. وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف، والحق نعت للملك. والمعنى الملك الثابت للرحمن خاصة في هذا اليوم، وقيل الملك مبتدأ، والحق خبره، وللرحمن متعلق بالحق. (وكان يوماً على الكافرين عسيراً) أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده، شديداً على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب، بعد تحقيق الحساب. وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. وجاء في الحديث " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ".

стр. 6271

(و) اذكر (يوم يعض الظالم على يديه) الظاهر أن العض هنا حقيقة ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله، قال عطاء: يأكل الظالم يديه، حتى يأكل مرفقيه، ثم ينبتان، ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتت يداه أكلهما تحسّراً على ما فعل، ذكره الخازن. وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة والأول أولى. والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعن ابن عباس قال في الآية: هو أبيّ بن خلف، وعقب: بن أبي معيط وهما الخليلان في جهنم. (يقول يا) قوم (ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً) أي طريقاً. وهو طريق الحق ومشيت فيه، حتى أخلص من هذه الأمور المضلة. والمراد اتباع النبي ﵌ فيما جاء به، يعني ليتني اتبعت محمداً صلى الله

стр. 6272

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) عليه وآله وسلم واتخذت في الدنيا معه طريقاً. إلى الهداية

стр. 6273

(يا ويلتى) وقرئ يا ويلي، بالياء الصريحة. وقرئ بالإمالة، وتركها أحسن. (ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً) دعا على نفسه بالويل والثبور وعلى مخاللة الكافر، الذي أضلّه في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال النيسابوري: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية. لا يقال جاءني فلان، ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم، وهو منصرف. وقيل كناية عن نكرة من يعقل من المذكور، وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان، والفلانة بالألف واللام فكناية عن غير العقلاء. وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة الشعر، وليس فل مرخماً من فلان خلافاً للفراء، وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك، وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل، وفي لامه وجهان؛ أحدهما: أنها واو. والثاني: أنها ياء، وحكم الآية عام في كل خليلين ومتحابين، اجتمعا على معصية الله . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:

стр. 6274

" يحشر المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه أبو داود والترمذي (١) ولهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: " لا تصاحب إلا مؤمناً. ولا يأكل طعامك إلا تقي " وروى الشيخان عن أبي (٢) موسى الأشعري عن النبي ﵌ أنه قال: " مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة " (٣)

стр. 6275

(لقد) أي: والله لقد (أضلني) هذا الذي اتخذته خليلاً، تعليل لتنمية المذكور، وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته. (عن الذكر) أي: القرآن أو كتاب الله، أو ذكره أو الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك. (بعد إذ جاءني) وتمكنت منه، وقدرت عليه بأن ردني عن الإيمان به (وكان الشيطان للإنسان خذولاً) بأن يتركه، ويتبرأ منه عند البلاء، والخذل: ترك الإغاثة، ومنه خذلان إبليس للمشركين، حيث يوالونه، ثم يتركهم عند استغاثتهم به، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله شيطاناً بعد أن جعله مضلاً، أو أراد بالشيطان إبليس، لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين.

стр. 6276

(وقال الرسول) أي: يقول في يوم القيامة بثاً وشكاية لله مما صنع

стр. 6277

قومه، أو هو حكاية لقوله ﵌ في الدنيا: (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن) الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به (مهجوراً) أي: متروكاً، لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه أو لم يعملوا به. وقيل من هجر إذا هذي، والمعنى أنهم اتخذوه هجراً وهذياناً. وقيل: المعنى مهجوراً فيه، وهجرهم فيه قولهم: إنه سحر، وشعر، وأساطير الأولين.

стр. 6278

(وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) هذا تسلية لرسول الله ﵌، والمعنى: أن الله جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى الله عدواً يعاديه من مجرمي قومه فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا. قال ابن عباس في الآية: كان عدو النبي ﵌ أبو جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى (وكفى بربك) الباء زائدة (هادياً) يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا (ونصيراً) ينصرهم على الأعداء.

стр. 6279

(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)؟ هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم، أي: هَلاَّ أنزل الله عليه الكتاب دفعة واحدة غير منجم، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود ﵈. واختلف في قائل هذه المقالة، فقيل كفار قريش، وقيل اليهود قالوا: هَلاَّ أتيتنا بالقرآن جملة واحدة؟ وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه، واعتراض منهم لا طائل تحته، لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقاً، مع أن للتفريق فوائد، منها أن نزوله بحسب الوقائع، يوجب مزيد بصيرة وغوص على المعنى ولأنه إذا نزل منجماً وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك في قوة

стр. 6280

قلبه، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة ثم رد الله سبحانه عليهم فقال: (كذلك) إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي مثل ذلك التنزيل المفرّق، الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه (لنثبت) لنقوي (به) أي بهذا التنزيل على هذه الصفة (فؤادك) فإن إنزاله مفرقاً منجماً، على حسب الحوادث، أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، وقرأ ليثبت بالتحتية أي الله سبحانه. وقيل قوله: (كذلك) هي من تمام كلام المشركين، والمعنى كذلك أي كالتوراة والإنجيل والزبور فيوقف على قوله: (كذلك) ثم يبتدأ بقوله: (لنثبت به فؤادك) على معنى أنزلناه عليك متفرقاً لهذا الغرض. قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن قال النحاس: وكان ذلك أي إنزال القرآن منجماً من إعلام النبوة لأنهم لا يسألونه عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم. قال ابن عباس: أي لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، والمعنى أنزلناه مفرقاً لتعيه وتحفظه. فإن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل القرآن على نبي إمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والنسوخ، ومنه ما هو جواب سؤال عن أمور تحدث في الأوقات المختلفة، ففرقناه ليكون أدعى لرسول الله ﵌ وأيسر على العامل به. (ورتلناه ترتيلاً) بديعاً، لا يقادر قدره ومعنى الترتيل أن تكون آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة. وقيل إن المعنى بيناه تبييناً، وقال السدي: فصلناه تفصيلاً، وقال ابن عباس: رسلناه ترسيلاً يقول شيئاًً بعد شيء وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض قال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين، وقيل قرأناه عليك بلسان جبريل شيئاًً بعد شيء في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل لتيسر فهمه وحفظه، ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال:

стр. 6281

وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)

стр. 6282

(ولا يأتونك) أي لا يأتيك يا محمد المشركون (بمثل) من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة في إبطال أمرك (إلا جئناك) في مقابلة مثلهم (بالحق) أي بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاؤوا به من المثل، ويدمغه ويدفعه. فالمراد بالمثل هنا السؤال، والاقتراح، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شهيته، ويحسم مادته، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والجملة في محل الحال. أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إيتائنا إياك ذلك. (وأحسن تفسيراً) أي جئناك بأحسن تفسير بياناً وتفصيلاً. وبما هو معنى ومؤدى من مثلهم، أي من سؤالهم، وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه، ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال

стр. 6283

(الذين يحشرون) كائنين (على وجوههم) ومعنى الحشر على الوجوه أنهم يسحبون عليها ويطؤون الأرض على رؤوسهم، مع ارتفاع أقدامهم، بقدرة الله، ويساقون ويجرون عليها. (إلى جهنم أولئك شر مكاناً) أي منزلاً، ومصيراً، ومسكناً وهو جهنم (وأضل سبيلاً) وأخطأ طريقاً من غيرهم، وهو كفرهم، وذلك لأنهم قد صلوا في النار. وهو من الإسناد المجازي. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سوره سبحان، وقد قيل: إن هذا متصل بقوله أصحاب الجنة يومئذ خيراً مستقراً وأحسن مقيلاً.

стр. 6284

(ولقد) أي والله لقد (آتينا موسى الكتاب) أي التوراة كما آتيناك القرآن ذكر سبحانه طرفاً من قصص الأولين تسلية له ﷺ بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد ﷺ (وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) أي عوناً وعضداً في الدعوة، وإعلاء الكلمة قاله قتادة، وقال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه، ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: كلا ولا وزر، وقد تقدم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً، وقد كان هارون في أول الأمر وزيراً لموسى ﵉، أو لاشتراكهما في النوبة لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه.

стр. 6285

(فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا) وهم فرعون وقومه، يعني القبط (بآياتنا) هي التسع المذكورة التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون، بالذهاب فيحمل الماضي على معنى الاستقبال أي سيكذبون بها. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله ﷺ بياناً لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين آلـ حالهم إلى أن كذبوا، وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري: وقوله تعالى في موضع آخر: (اذهب إلى فرعون إنه طغى). لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور، ويمكن أن يقال: إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعاً. (فدمرناهم تدميراً) في الكلام حذف، أي فذهبا إليهم فكذبوهما فأهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكاً عظيماً، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها، وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل. واستحقاق التدمير بتكذيبهم، وقيل إن المراد هنا الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة.

стр. 6286

(و) اذكر (قوم نوح لما كذبوا الرسل) أي كذبوا نوحاً وإنما جمع لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل في المعنى، أو كذبوه. وكذبوا من قبله من رسل الله، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد: قال الزجاج: من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. (أغرقناهم) بالطوفان، كما تقدم في هود (وجعلناهم) أي جعلنا إغراقهم، أو قصتهم (للناس) كلهم بعدهم (آية) أي عبرة يتعظ بها كل مشاهد لها، وسامع لخبرها (واعتدنا) في الآخرة (للظالمين) الكافرين أي قوم نوح خاصة، فيكون وضعاً للظاهر موضع الضمير تسجيلاً عليهم بوصف الظلم: ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب (عذاباً أليماً) هو عذاب الآخرة، سوى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا.

стр. 6287

(و) اذكر (عاداً) قوم هود (وثمود) قوم صالح، وقصتهما قد ذكرت فيما سبق، وثمود بالصرف على معنى الحي، وتركه على تأويله بالقبيلة قراءتان سبعيتان (وأصحاب الرسّ) هو في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية أي لم نبن بالحجارة والجمع رساس، كذا قال أبو عبيدة، وقيدها أهل اللغة، كصاحب القاموس، بأنها التي طويت، أي بنيت بالحجارة، فيؤخذ من مجموع النقلين أن الرسّ ابتداء الشيء، ومنه رسّ الحمى ورسيسها، والبئر المطوية بالحجارة انتهى قال السدي: هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، فنسبوا إليها، وهو صاحب يس الذي قال (يا قوم اتبعوا المرسلين)، وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم، فجفت أشجارهم، وزروعهم، فماتوا جوعاً وعطشاً. وقيل كانوا يعبدون الشجر وقيل كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم شعيباً ﵇ فكذبوه وآذوه، وقيل بئر بفلج اليمامة قرية عظيمة بناحية اليمن. أو موضع باليمن من مساكن عاد، وهم قوم أرسل الله إليهم نبياً فقتلوه وقيل هم أصحاب الأخدود؛ وقيل إن الرس هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها أو

стр. 6288

صحابها أهلها، وقال في الصحاح: الرس إسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل الرس ماء ونخل لبني أسد وقيل هو الثلج المتراكم في الجبال، أو الرس اسم واد قريب من البصرة قاله ابن كثير والرس أيضاً الإصلاح بين الناس، والإفساد بينهم فهو من الأضداد. وقيل الرس نهر بالشرق وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر فبينما هم حول الرس -وهي البئر غير المطوية- فانهارت فخسف بهم وبمنازلهم وديارهم، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف العنقاء قال ابن عباس: الرس قرية من ثمود وعنه بئر بأذربيجان وعنه أنه سأل كعباً عن أصحاب الرس قال: صاحب يس، وورد عن محمد بن كعب القرظي في صاحب الرس خبر طويل مرفوع فيه نكارة وغرابة ولعل فيه إدراجاً كما قال ابن كثير في تفسيره والحديث أيضاً مرسل. (وقروناً بين ذلك كثيراً) القرون جمع قرن أي أهل قرون يعني واذكر أقواماً، والقرن مائة سنة، قاله قتادة وقيل مائة وعشرون سنة قاله زرارة بن أوفى وقيل أربعون سنة وقيل سبعون سنة قاله قتادة أيضاً وقد روي مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال " القرن مائة سنة " وقال القرن خمسون سنة وقال القرن أربعون سنة، وما أظنه يصح شيء من ذلك وقد سمي الجماعة من الناس قرناً كما في الحديث الصحيح " خير القرون قرني " (١) وأخرج الحاكم في الكني عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول: " كذب النسابون، قال الله وقروناً بين ذلك كثيراً والإشارة بقوله (بين ذلك) إلى ما تقدم ذكره من الأمم أي بين عاد وأصحاب الرس. وهم جماعات فلذلك حسن دخول (بين) عليه وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت أي ذلك المحسوب، أو المعدود.

стр. 6289

وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)

стр. 6290

(وكُلاًّ) أي كل الأمم (ضربنا له الأمثال) أي القصص العجيبة من قصص الأولين التي تشبه الأمثال في الغرابة وبينا لهم الحجة فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة (وكُلاًّ تبرنا تتبيراً) التتبير الإهلاك بالعذاب، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة وقال المؤرج والأخفش: معناه دمرنا تدميراً أبدلت التاء، الباء من الدال والميم.

стр. 6291

(ولقد أتوا على القرية) مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم، وضمن أتى معنى مر لأنه يستعمل متعدياً بنفسه أو بإلى، والمعنى ولقد أتى مشركو مكة في أسفارهم إلى الشام، على قرية قوم لوط، وهي سدوم، وهي أعظم قرى قومه وكانت خمساً. أهلك الله أربعاً مع أهلها، وبقيت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعمل الخبائث. (التي أمطرت مطر السوء) وهو الحجارة، قاله ابن عباس، والأمطار معناه الرمي، أي: هلكت بالحجارة، التي أمطروا بها، ورميت رمي الحجارة، والمعنى أعطيتها وأوليتها، مطر السوء، أي أمطاراً مثل مطر السوء وقد تقدم، تفسير السوء في براءة (أفلم يكونوا يرونها) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي يرون القرية

стр. 6292

المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة. فإنهم يمرون بها مراراً أي: يرون آثارها، وآثار ما حل بأهلها، وقيل: للتقرير، أي: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، وهو ما بعد النفي، أي: ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها، والفاء للعطف على مقدر، أي لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها، أو كانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في الأول: ترك النظر وعدم الرؤية معاً، والمنكر في الثاني: عدم الرؤية مع تحقق النظر، الوجب لها. (بل كانوا لا يرجون) أي: لا يأملون (نشوراً) أي بعثاً أضرب سبحانه عما سبق، من عدم رؤيتهم لتلك الآثار، إلى عدم رجاء البعث منهم، المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، أو معنى يرجون يخافون، على اللغة التهامية

стр. 6293

(وإذا رأوك إن) أي: ما (يتخذونك إلا هزواً) أي مهزواً بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزواً، قيل نزلت في أبي جهل، كان إذا مر مع أصحابه قال مستهزياً (أهذا الذي بعث)؟ أي بعثه (الله رسولاً) أي مرسلاً في دعواه، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به آ

стр. 6294

(إن كاد) أي قالوا إنه كاد هذا الرسول (ليضلنا) ليصرفنا (عن آلهتنا) فنترك عبادتها بفرط اجتهاده والدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات. (لولا أن صبرنا عليها) أي حبسنا أنفسنا على عبادتها ثم إنه سبحانه أجاب عليهم بقوله: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب) عياناً، أي عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه، ويستوجبونه، لسبب كفرهم (من أضل سبيلاً) أي أبعد طريقاً عن الحق والهدى، أهم؟ أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد، وإتباع الهوى، فقال معجباً لرسوله:

стр. 6295

(أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قدم المفعول الثاني للعناية به كما تقول علمت منطلقاً زيداً قاله الزمخشري، أي أطاع هواه طاعة. كطاعة الإله، أي انظر إليه يا

стр. 6296

محمد، وتعجب منه والوجه الآخر أنه لا تقديم، ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف، قاله السمين فادعاء القلب ليس بجيد، لأنه من ضرورات الشعر وقال أبو السعود بالوجه الأول، ثم قال: ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويها في التعريف؛ فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة، أي أرأيت من جعل هواه إلهاً لنفسه، من غير أن يلاحظه، وبنى عليه أمر دينه، معرضاً عن استماع الحجة الباهرة، والبرهان النير بالكلية عن ابن عباس قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر، فأنزل الله الآية، وعنه قال: ذلك الكافر لا يهوى شيئاًً إلا اتبعه، وعن الحسن مثله. (أفأنت تكون عليه وكيلاً)؟ أي حفيظاً، وكفيلاً، حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر وتحفظه من اتباع الهوى، وعبادة ما يهواه من دون الله، والاستفهام للإنكار والاستبعاد، فالمعنى لست تقدر على ذلك، ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ، وقد قيل أن هذه الآية منسوخة بآية القتال. قاله الكلبي، ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال:

стр. 6297

(أم تحسب أن أكثرهم يسمعون)؟ " ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ سماع تفهم، واعتبار " (أو يعقلون) معاني ذلك ويفهمونه، حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع، ولا يعقل. وتخصيص الأكثر بالذكر، لأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق، وكابر استكباراً وخوفاً على الرياسة، ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادة الطمع فيهم فقال: (إن هم) أي ما هم في الانتفاع بما يسمعون (إلا كالأنعام) التي هي

стр. 6298

مسلوبة العقل والفهم، فلا تطمع فيهم فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم، ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك، كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم، بأنهم كالأنعام، إلى ما هو فوق ذلك؛ فقال: (بل هم أضل) من الأنعام (سبيلاً) أي طريقاً قال مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها ومشاربها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم؛ الذي خلقهم؛ ورزقهم، والمعنى أنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها، ولا ذم عليها، وهؤلاء مقصرون، ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة، لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان عناداً ومكابرة، وتعصباً. وغمطاً للحق. وقيل إن الأنعام تسجد وتسبح، والكفار لا يفعلون ذلك، وقيل الملائكة روح، وعقل، والبهائم نفس، وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء، فإن غلبته النفس والهوى، فضلته الأنعام، وإن غلبته الروح وضلالتهم، أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، وحاصل ما ذكر منها خمسة، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال:

стр. 6299

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)

стр. 6300

(ألم تر إلى ربك كيف) أي: على أي وجه (مد الظل)؟ هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك؟ أو ألم تبصر إلى الظل؟ كيف مده ربك؟ وإما قلبية، بمعنى العلم، فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد. قال الزجاج: (ألم تر): ألم تعلم؟ وهذا من رؤية القلب، قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك، يعني الظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه قال الحسن وقتادة. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها، قال القرطبي: والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر، وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب، وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. قال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئاً لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب، وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، وعن رؤبة. قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء، وظل، وما لم تكن

стр. 6301

عليه الشمس فهو ظل، انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، وأطيب الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت به الجنة في قوله: (وظل ممدود) قال أبو السعود، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فغير سديد، إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة الله ، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها، في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر؛ وإن كان في الحقيقة ظلاً للأفق الشرقي، لكنهم لا يعدونه ظلاً، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة، انتهى. وعن ابن عباس قال: كيف مد الظل أي: بعد الفجر، قبل أن تطلع الشمس، وعنه قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الظل. وعنه قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبه قال الجمهور، واعترض عليه بأنه لا يسمى ظلاً لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار، ومعنى الآية كيف أنشأ ظلاً لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتداً، وأنه تعالى مده، بعد أن لم يكن كذلك، كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم. (ولو شاء) سكونه (لجعله ساكناً) ثابتاً دائماً لا يزول، ومستقراً لا تنسخه الشمس، ولا يذهب عن وجه الأرض، وقيل: المعنى ولو شاء لمنع

стр. 6302

الشمس الطلوع، فلا يزول، أو جعلها مسلوبة الضوء، والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار شائع، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا إذا أقام به، واستقر فيه (ثم جعلنا الشمس عليه) أي على الظل بنسخها إياه عند مجيئها (دليلاً) أي: حجة وبرهاناً. وعلامة يستدل بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها، كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص والمعنى أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، فالأشياء تعرف بأضدادها، ولم يؤنث الدليل، وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق.

стр. 6303

(ثم قبضناه) أي: ذلك الظل الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس، موقعه بالتدريج حتى انتهت تلك الأظلال إلى العدم والاضمحلال، ومعنى (إلينا) أن مرجعه إليه سبحانه، كما أن حدوثه منه، وجاء بثم استعارة تبعية لتفاضل ما بين الأمور الثلاثة، مد الظل، وجعل الشمس عليه دليلاً وقبضه يسيراً، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، أو لتفاضل مبادي أوقات ظهورها، وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة قبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة، والأول أولى، وقيل: المعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً جزءاً فجزءاً، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله لمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاًً فشيئاًً قاله مالك وإبراهيم

стр. 6304

التيمي. وقيل: المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء. (قبضاً يسيراً) أي: قليلاً قليلاً على تدريج بقدر ارتفاع الشمس، لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، وقيل: يسيراً أي سريعاً، قاله الضحاك، وقيل: المعنى يسيراً علينا، ليس بعسير. وقال قتادة: أي خفيفاً، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة، وهو قول مجاهد.

стр. 6305

(وهو الذي جعل لكم الليل لباساً) شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشببها من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها (و) جعل (النوم سباتاً) أي: راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها، أي: نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة، وقيل للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة، وقيل السبت القطع - فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج: السبات النوم الخفيف، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أو ابتداؤه في الرأس، حتى يبلغ القلب، أي: جعلنا نومكم راحة لكم. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام، والراحة، وقيل السبات الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، هو كقوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) ويعضده ذكر النشور في مقابلته، ذكره الزمخشري، والنسفي (وجعل النهار نشوراً) أي: ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أي جعله زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر
следующие страницы →