← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

(أولئك) إشارة إلى المتّصفين بتلك الصفات المفصلة في حيز الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم بها وفيه دليل على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز ومنتظمون في سلك الأمور المشاهدة وهو مبتدأ وخبره ما بعده والجملة مستأنفة وقيل ذلك (يجزون الغرفة) أي الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وهي في الأصل كل بناء مرتفع والجمع غرف؛ وقال الضحاك: الغرفة الجنة أي يجزون الجنة، ووحد الغرفة لدلالتها على الجنس دليله قوله (وهم في الغرفات آمنون). وعن سهل بن سعد عن النبي ﵌ قال: " الغرفة من ياقوته حمراء وزبرجدة خضراء ودرة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم (١) " أخرجه الحكيم الترمذي (بما صبروا) أي بسبب صبرهم على مشاق التكليفات والطاعات ورفض الأهواء والشهوات وتحمل المجاهدات. (ويُلَقَّوْن فيها تحية وسلاماً) بضم الياء مشدداً، واختاره أبو عبيد، أي: يعطون، لقوله: (ولقاهم نضرة وسروراً) وقرئ يَلقَوْن بفتح الياء مخففاً، واختاره الفراء، ومعناه يجدون، ويصادفون، قال: لأن العرب تقول فلان يلقى بالسلام والتحية، والخير، وقلما يقولون يلقي، والمعنى أنه يحيي بعضهم بعضاً، ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام وقيل التحية البقاء الدائم، والملك العظيم وقيل هي بمعنى السلام، وقيل إن الملائكة تحييهم،

стр. 6372

وتسلم عليهم، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم ومن ذلك قوله سبحانه تحيتهم يوم يلقونه سلام. وقيل معنى التحية الدعاء لهم بطول الحياة والتعمير ومعنى السلام الدعاء لهم بالسلامة من الآفات وقيل المراد بالتحية إكرام الله تعالى لهم بالهدايا والتحف، وبالسلام سلامه عليهم بالقول.

стр. 6373

(خالدين) أي مقيمين (فيها) من غير موت ولا خروج (حسنت) الغرفة (مستقراً) أي موضع قرار يستقرون فيه (ومقاماً) يقيمون فيه، وهذا في مقابل ما تقدم من قوله ساءت مستقراً ومقاماً

стр. 6374

(قل ما يعبأ بكم ربي) بين سبحانه أنه غني عن طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت بفلان، أي ما بالميت به ولا له عندي قدر وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل: ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعي أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: ما يعبأ بكم ربي، يريد أي وزن يكون لكم عنده، أو ما يصنع بكم، أو بعذابكم والعبء الثقل و (ما) استفهامية أو نافية، وصرح الفراء بإنها استفهامية قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع (ما) نصب، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم؟ أي أيُّ مبالاة يبالي بكم؟ وأيُّ اعتداد يعتد بكم؟. (لولا دعاؤكم) أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، وجواب لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ويؤيد هذا قوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والخطاب لجميع الناس وعن ابن عباس في الآية قال، يقول لولا إيمانكم فأخبر الله سبحانه أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد.

стр. 6375

وقيل المعنى ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه وممن قال إن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي، قالا والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف أي لولا دعاؤكم لم يعذبكم، قال أبو السعود: أمر رسوله بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتد بهم أصلاً، يعني إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم لأجل عبادتهم وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث بهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيئاًً يبالي به قاله الزمخشري. ثم خصّ الكفار منهم فقال (فقد كذّبتم) وقرأ ابن الزبير فقد كذب الكافرون وبه قرأ ابن عباس وابن مسعود كما حكاه ابن جني وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس ويكون معنى فقد كذبتم على الأول فقد كذبتم ما دعيتم إليه وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد، ثم قال سبحانه (فسوف يكون لزاماً) أي يكون جزاء التكليف لازماً لكم، وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر، وبه قال ابن مسعود وقالت طائفة هو عذاب الآخرة، قال أبو عبيد: لزاماً فيصلاً بينكم وبين المؤمنين، وقال الزجاج: يكون تكذيبكم لزاماً يلزمكم فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسرة اللام من لزاماً قال ابن جرير: لزاماً عذاباً دائماً وهلاكاً مفنياً يلحق بعضكم بعضاً، وقرأ أبو السماك لزاماً بفتح اللام قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم والكسر أولى قال ابن عباس: لزاماً موتاً وقيل وبالاً. وفي الصحيحين عنه قال: " قد مضين " أي خمس علامات دالات (١) على قيام الساعة الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام.

стр. 6376

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الشعراء (مائتان وسبع وعشرون آية ومكيّة عند الجمهور) وبه قال ابن الزبير، وقال ابن عباس: سوى خمس آيات من آخرها نزلت بالمدينة وهي: والشعراء يتبعهم الغاوون إلى آخرها. وأخرج القرطبي في تفسيره عن البراء أن النبي ﷺ قال: " إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي ". وأخرج أيضاً عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت المفصل نافلة " قال ابن كثير: ووقع في تفسير مالك تسميتها بسورة الجمعة.

стр. 6377

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)

стр. 6378

(طسم) محله الرفع على الابتداء إن كان اسماً للسورة كما ذهب إليه الأكثر، أو على أنه خبر، ويجوز أن يكون في محل نصب، والتقدير: اذكر أو اقرأ، وأما إذا كان مسروداً على نمط التعديد كما تقدم مراراً فلا محل له من الإعراب، وقد قيل: إنه اسم من أسماء الله سبحانه، وقيل: إنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: اسم السورة، وقيل: أقسم بطوله وسنائه وملكه. وقال ابن عباس: طسم عجزت العلماء عن علم تفسيرها وهو الحق في المقام، ولذا قال المحلي: الله أعلم بمراده بذلك.

стр. 6379

(تلك) أي: السورة أو آيات هذه السورة (آيات الكتاب) أي: القرآن. (المبين) أي: المبين المظهر للحق من الباطل، أو المبين الظاهر إعجازه إن كان من أبان اللازم بمعنى بان وهذا المعنى أليق بالمقام: وأوفق للمرام، ولذا اقتصر عليه صاحب الكشاف.

стр. 6380

(لعلك باخع) أي: قاتل ومهلك (نفسك) لعل هنا للإشفاق أي: أشفق عليها بتخفيف هذا الغم، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح البخاع،

стр. 6381

وهو عرق في القفا، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف وقرئ باخع نفسك بالإضافة، والمعنى لعلك قاتل نفسك. (أن لا يكونوا) أي أهل مكة (مؤمنين) أي: لعدم إيمانهم بما جئت به، وفي هذا تسلية لرسول الله ﵌ لأنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم.

стр. 6382

(إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى ننزل آية تلجئهم إلى الإيمان ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للإهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. (فظلت أعناقهم لها خاضعين) أي أنهم صاروا منقادين لها أي فتظل أعناقهم، قيل: وأصله فظلوا لها خاضعين، فأقحمت (الأعناق) للتقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع. وقيل: إنها لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما يوصفون به. قال عيسى بن عمر: وخاضعين وخاضعة سواء واختاره المبرد، والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويخبر عن الثاني. وقال أبو عبيد والكسائي: إنّ المعنى خاضعيها هم وضعفه النحاس. وقال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم. قال النحاس: وهذا معروف في اللغة، يقال جاءني عنق من الناس، أي: رؤساء منهم وقال أبو زيد، والأخفش: أعناقهم جماعاتهم، يقال: جاءني عنق منهم أي: جماعة، وقال ابن عباس: خاضعين ذليلين.

стр. 6383

(وما يأتيهم من) مزيدة لتأكيد المعنى (ذكر من الرحمن) لابتداء الغاية (محدث) إنزاله، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول.

стр. 6384

(إلاّ كانوا عنه معرضين) أي إنه لا يجدد لهم موعظة وتذكيراً إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء والجملة حالية، والاستثناء مفرغ من أعم العام. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء.

стр. 6385

(فقد كذبوا) بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً صريحاً، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض. وقيل: إن الإعراض بمعنى التكذيب لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله فقد كذبه، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأول أولى. فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه. ثم انتقلوا عن هذا إلا ما هو أشد منه وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله: (فسيأتيهم أنباء) وهي ما يستحقونه من العقوبة آجلاً وعاجلاً، وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن وقال: (ما كانوا به يستهزءون) ولم يقل: ما كانوا عنه معرضين، أو: ما كانوا به يكذبون، لأن الاستهزاء أشد منهما، ومستلزم لهما، وفي هذا وعيد شديد، وقد مرّ تفسير مثل هذا في سورة الأنعام. ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية، التي يحصل بها للمتأمل فيها، والناظر إليها، والمستدل بها أعظم دليل، وأوضح برهان، وبيَّن أنه أظهر لهم أدلة تحدث في الأرض وقتاً بعد وقت تدل على توحيده، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر فقال:

стр. 6386

(أولم يروا) الهمزة للتوبيخ، والواو للعطف على مقدر، كما في نظائره (إلى الأرض) أي: إلى عجائبها وبينَّ بعضها بقوله (كم أنبتنا فيها) أي: كثيراً (من كل زوج كريم) فنبه سبحانه على عظمته وقدرته، وأن هؤلاء

стр. 6387

المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد، والمراد بالزوج هنا الصنف والنوع، وقال الفراء: هو اللون. وقال الزجاج: زوج نوع، وكريم محمود. والمعنى من كل زوج نافع، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين، إذ ما من نبت إلا وله النفع. والكريم في الأصل الحسن الشريف، يقال: نخلة كريمة، أي: كثيرة الثمرة، ورجل كريم، شريف فاضل، وكتاب كريم؛ إذا كان مرضياً في معانيه، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة أن كلمة كل تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و (كم) تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، وبه نبه على كمال قدرته. قاله الزمخشري، وإليه أشار في التقرير.

стр. 6388

(إن في ذلك لآية) أي: فيما ذكر من الإنبات، أو في كل واحد من تلك الأزواج لدلالة بينة وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، واللام زائدة في اسم إن المؤخر. وقد ذكرت هذه الآية في هذه السورة ثمان مرات، ثم أخبر سبحانه بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته، مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال: (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا، فلذلك لا تنفعهم أمثال هذه الآيات العظام. قال سيبويه: إن (كان) هنا صلة أي: زائدة.

стр. 6389

(وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي: الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم، مع كونه كثير الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو المعنى أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه.

стр. 6390

وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)

стр. 6391

(وإذ نادى ربك موسى) مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء وشروع في قصص سبع: أولها: قصة موسى. والثانية: قصة إبراهيم. والثالثة: قصة نوح. والرابعة: قصة هود. والخامسة: قصة صالح. والسادسة: قصة لوط. والسابعة: قصة شعيب، والتقدير: واتل إذ نادى أو اذكر يا محمد والنداء الدعاء أي: نادى حين رأى الشجرة والنار وكان النداء بكلام سمعه من كل الجهات من غير واسطة. (أن) مفسرة أو مصدرية، أي: بأن (ائت القوم الظالمين). وليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء، وأنما هو ما فصل في سورة طه من قوله: إني أنا ربك - إلى قوله لنريك من آياتنا الكبرى، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر

стр. 6392

الذي ظلموا به أنفسهم، وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم، كاستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفاً.

стр. 6393

(قوم فرعون) يعني القبط، عطف بيان. كان معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد. (ألا يتقون) أي: ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبته بطاعته. وقيل: المعنى قل لهم: ألا تتقون. وجاء بالتحتية لأنهم غيب وقت الخطاب. وقرئ بالفوقية أي قل لهم ذلك ومثله قل للذين كفروا ستغلبون بالتحتية والفوقية أو ائتهم زاجراً فقد آن لهم أن يتقوا، وهي كلمة حث وإغراء. وقيل: يظلمون غير متقين الله وعقابه، وعلى هذا حال من الضمير في الظالمين.

стр. 6394

(قال) موسى، واعتذر بثلاثة أعذار كل منها مرتب على ما قبله، وليس مراده الامتناع من الرسالة، بل إظهار العجز عن هذا الأمر الثقيل، وطلب المعونة عليه من الله. (رب إني أخاف أن يكذبون) في الرسالة، والخوف غم يلحق الإنسان لأمر سيقع.

стр. 6395

(ويضيق صدري) بتكذيبهم إياي. (ولا ينطلق لساني) أي بتأدية الرسالة لعقدة كانت على لسانه، قرئ يضيق وينطلق، بالرفع على العطف، أو على الاستئناف وبنصبهما. قال الفراء: كلتا القراءتين لها وجه. قال النحاس: الوجه الرفع، لأن النصف عطف على (يكذبون) وهذا بعيد. (فأرسل) جبريل بالوحي (إلى) أخي (هارون) ليكون معي رسولاً موازراً مظاهراً معاوناً، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع، كقوله في طه: (واجعل لي وزيراً من أهلي). وفي القصص: (أرسله معي ردءاً يصدقني). وكان هارون بمصر حين بعث موسى نبياً بالشام، وهذا من موسى ﵇ من باب طلب المعاونة له، والتماس العون في تبليغ الرسالة بإرسال

стр. 6396

أخيه، لا من باب الاستعفاء من الرسالة، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال، وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل لا على التقلل.

стр. 6397

(ولهم عليَّ ذنب) هو قتله للقبطي، قال قتادة: وسماه ذنباً بحسب زعمهم، أو كما سمى جزاء السيئة سيئة. (فأخاف أن يقتلون) به قصاصاً فيفوت المقصود من الرسالة: فهذا هو الخائف عليه، وليس هذا تعللاً أيضاً، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلاً عن الفضلاء، ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الرح. وطرف من الزجر.

стр. 6398

(قال كلا) أي لا يقتلونك كأنه قيل. ارتدع عما تظن (فاذهبا) أي أنت وأخوك (بآياتنا) وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما، وفيه تغليب الحاضر على الغائب، لأنه إذ ذاك كان بمصر. والإرسال والخطاب كان في الطور. (إنا معكم) وفي هذا تعليل للردع عن الخوف، وهو كقوله سبحانه: إنني معكما أسمع وأرى، وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما، وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما، وأجراهما مجرى الجمع فقال: (معكم) لكون الاثنين أقل الجمع على ما يذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه. ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل، أو تعظيماً لهما، ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة. (مستمعون) أي: سامعون ما تقولون وما يقال لكم، والاستماع في غير هذا، الإصغاء للسماع يقال: استُمع فلان حديثه أي: أصغي إليه، ولا يجوز حمله هاهنا على ذلك، فحمل على السماع، قاله النسفي.

стр. 6399

(فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. قال القرطبي: فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول عليه،

стр. 6400

ووحّد الرسول هنا، ولم يثنه كما في قوله إنا رسولا ربك، لأنه مصدر بمعنى رسالة والمصدر يوحد، وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع، قال أبو عبيدة رسول بمعنى رسالة، والتقدير على هذا إنا ذوو رسالة. وقال أبو عبيدة أيضاً يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي، ومنه قوله تعالى: فإنهم عدو لي. وقيل: إن معناه أن كل واحد منا رسول. وقيل: إنهما لما كانا متعاضدين متساعدين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد، وأن في قوله

стр. 6401

(أن أرسل معنا بني إسرائيل) مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خلهم، واطلقهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان قد استعبدهم أربعمائة سنة.

стр. 6402

(قال) فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به: (ألم نربّك فينا) أي في حجرنا ومنازلنا أراد بذلك المن عليه والاحتقار له أي: ربيناك لدينا (وليداً) أي: صغيراً قريباً من الولادة بعد فطامك، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال. (ولبثت فينا من عمرك سنين) فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ قيل: لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، ثم وبخه بقتل القبطي فقال:

стр. 6403

(وفعلت فعلتك التي فعلت) الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، كما قيل (١) الفعلة للمرة، والفعلة للحالة، وقرأ الشعبي بكسر الفاء. والفتح أولى، لأنها للمرة الواحدة لا للنوع، والمعنى إنه عدد عليه النعم، وذكر له ذنوبه، وأراد بالفعلة قتل القبطي ثم قال: (وأنت من الكافرين) للنعمة حيث قتلت رجلاً من أصحابي، وقيل: من الكافرين بأن فرعون إله، وقيل من الكافرين بالله في زعمه لأنه كان معهم على دينهم.

стр. 6404

قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)

стр. 6405

(قال) موسى مجيباً لفرعون (فعلتها إذاً) أي فعلت هذه الفعلة التي ذكرت وهي قتل القبطي (وأنا) إذ ذاك (من الضالين) أي: الجاهلين قاله ابن عباس فنفى ﵊ عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله، وقيل: المعنى من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل، وقال أبو عبيدة: من الناسين، وقيل: من المخطئين. قال ابن جرير: العرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال.

стр. 6406

(ففررت منكم) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص (لمّا خفتكم) أن تقتلوني وذلك حين قال له مؤمن من آل فرعون: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج، الآية. (فوهب لي ربي) أي نبوة أو علماً وفهماً، وقال الزجاج: المراد بالحكم تيعليمه التوراة التي فيها حكم الله. (وجعلني من المرسلين) أي من جملة رسله رد بذلك ما وبخه به فرعون قدحاً في نبوته وهو القتل بغير حق ووجه الرد أن موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة.

стр. 6407

(وتلك نعمة تمنها عليَّ) قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها عليَّ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، وبهذا

стр. 6408

قال الفراء وابن جرير. وقيل: هو من موسى على جهة الإنكار أي أتمنّ عليَّ بأن ربيتني وليداً، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم، وهم قومي قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار لأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في البحر، فكأنك تمنّ على ما كان بلاؤك سبباً له، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه. وقال المبرد: يقول. التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبّد، أي: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي. وقيلْ إن في الكلام تقدير الاستفهام، أي: أو تلك نعمة؛ قاله الأخفش وأنكره النحاس قال الفراء: ومن قال: إن الكلام إنكار قال: أو تلك نعمه؟ أي ليست هذه نعمة حتى تمنّ بها عليّ. ومعنى (أن عبدت بني إسرائيل) أن اتخذتهم عبيداً، يقال عبّدته وأعبدته بمعنى كذا قال الفراء، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من نعمة، والجر بإضمار الباء، والنصب بحذفها، وعن مجاهد قال: عبدّت بني إسرائيل وقهرتهم واستعملتهم. وفيه أوجه سبعة ذكرها السمين.

стр. 6409

(قال فرعون وما رب العالمين) أي لما سمع قول موسى وهارون (إنّا رسول رب العالمين) قال مستفسراً لهما عن ذلك، عازماً على الاعتراض لما قالاه، أي: أي شيء هو؟ وجاء في الاستفهام بـ (ما) التي يستفهم بها عن المجهول، ويطلب بها تعيين الجنس. وقيل: معناه وما صفته؟ تقول ما زيد؟ أي طويل أم قصير؟ فقيه أم طبيب؟ نص عليه صاحب الكشاف وغيره. فلما قال فرعون ذلك

стр. 6410

(قال) موسى: (رب السماوات والأرض وما بينهما) أي بيّن الجنسين فعيّن له ما أراد بالعالمين، وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأل عن جنس رب العالمين، ولا جنس له، فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل سامع أنه سبحانه الربّ ولا ربّ غيره، وفيه إبطال
следующие страницы →