← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

مخلوط بخلوط هي منافية للعلم مباينة له فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علماً. فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة وقد نفيت عن كل فرد لأن هذه القضية هي في قوة لا يحيط به فرد من الأفراد علماً فكل قول من أقوال المتكلفين صادر عن جهل إما من كل وجه أو من بعض الوجوه وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل ولا سيما إذا كان في ذات الله وصفاته فإن ذلك من المخاطرة بالدين، ما لم يكن في غيره من المسائل. وهذا يعلمه كل ذي علم ويعرفه كل عارف. ولم يحظ بفائدة هذه الآية ويقف عندها ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون للصفات على ظاهرها المريحون أنفسهم عن التكلفات والتعسفات والتأويلات والتحريفات وهم السلف الصالح كما عرفت فهم الذين اعترفوا بعدم الإحاطة وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته وماهية صفاته بل العلم كله له وقالوا كما قال من قال ممن اشتغل بطلب هذا المحال فلم يظفر بغير القيل والقال: العلم للرحمن ﷻ ... وسواه في جهلاته يتغمغم ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه مما قنع به السلف الصالح إلا بمجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين فقال: وقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام وتارة علم التوحيد وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة

стр. 6337

منهم ورمت الرجوع بفائدة والعودة بعائدة فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة. وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف على أني كنت من قبل ذلك عليه ولكن أردت أن ازداد منه بصيرة وبه شغفاً وقلت عند النظر في تلك المذاهب: وغاية ما حصلته من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير على أنني قد خضت منه غماره ... وما قنعت نفسي بدون التبحر وأما الكلمة الثانية، وهي: (ليس كمثله شيء) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة ويعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع. والبصير، وعند ذكر السمع، والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه القرآن والسنة فيتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط وهما المبالغة في الإثبات، المفضي إلى التجسيم، والمبالغة في النفي، المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين، وغلو الطرفين، حقية مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبت لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو فإنه القائل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). ومن جملة الصفات التي أمرها السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل، صفة الاستواء التي ذكرها السائل، فإنهم يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو، وفي كيفية لا يدري بها سواء، ولا نكلف أنفسنا غير هذا فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا يحبط عباده به علماً. وهكذا يقولون في مسألة الجهة التي ذكرها السائل وأشار إلى بعض ما فيه، دليل عليها. والأدلة في ذلك طويلة كثيرة، في الكتاب والسنة. وقد جمع أهل

стр. 6338

العلم منها لا سيما أهل الحديث مباحث طوّلوها بذكر آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة، وقد وقفت من ذلك على مؤلف بسيط. في مجلد جمعه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي، استوفى فيه كل ما فيه دلالة على الجهة. من كتاب أو سنة أو قول صاحب. والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل، ولكنها لما وقعت فيها تلك القلاقل، والزلازل الكائنة بين بعض الطوائف الإسلامية، كثر الكلام فيها، وفي مسئلة الاستواء، وطال خصوصاً بين الحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب، فلهم في ذلك تلك الفتن الكبرى، والملاحم العظمى، وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر، والحق هو ما عرفناك من مذهب السلف الصالح، فالاستواء على العرش، والكون في تلك الجهة، قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها، ويطول نشرها، وكذلك صرح به رسول الله ﵌ في غير حديث، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد المسلمين في نفسه، ويحسه في فطرته، وتجذبه إليه طبيعته كما تراه في كل من استغاث بالله سبحانه. والتجأ إليه. ووجه أدعيته إلى جنابه الرفيع وعزه المنيع، فإنه يشير عند ذلك بكفه أو يرمي إلى السماء بطرفه، ويستوي في ذلك عند عروض أسباب الدعاء وحدوث بواعث الاستغاثة ووجود مقتضيات الانزعاج، وظهور دواعي الالتجاء عالم الناس وجاهلهم والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل القائلين بأن الاستواء هو الاستيلاء، كما قاله جمهور المتأولين أو الإقبال كما قاله أحمد بن يحيى ثعلب، والزجاج، والفراء وغيرهم، أو كناية عن الملك والسلطان كما قاله آخرون. فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر، والإذعان بالاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف، ولا قيل ولا قال، ولا فضول في شيء من المقال. فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف، ولا

стр. 6339

واقف في طريق النجاة، ولا معتصم عن الخطأ. ولا سالك في طريق السلامة والاستقامة. وكما تقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة، فكذا تقول في مثل قوله سبحانه، (وهو معكم أينما كنتم) وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) وفي نحو إن الله مع الصابرين (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) إلى ما يشابه ذلك، ويماثله ويقاربه ويضارعه، فيقول في مثل هذه الآيات هكذا جاء القرآن أن الله سبحانه مع هؤلاء ولا نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية، هو كون العلم ومعيته فإن هذه شعبة من شعب التأويل، تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم. وإذا انتهيت إلى السلا ... مة في مداك فلا تجاوز وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بينات الطريق وقد هلك المتنطعون. ولا يهلك على الله إلا هالك ... وعلى نفسها براقش تجني وفي هذه الجملة وإن كانت قليلة ما يغني من يشح بدينه، ويحرص عليه من تطويل المقال، وتكثير ذيوله، وتوسيع دائرة فروعه وأصوله والمهدي من هداه الله والله أعلم انتهى. (الرحمن) خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، أو بدل من الضمير في استوى وقرئ بالجر على أنه نعت للحي، أو للموصول، وقيل أو مبتدأ وخبره (فاسأل به خبيراً) على رأى الأخفش. والضمير المجرور يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش والمعنى فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالاً من هذه الأمور عليماً. وقال الزجاج والأخفش: الباء بمعنى عن، أي فاسأل عنه كقوله: (سأل سائل بعذاب واقع) والمراد بالخبير الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو، وقيل جبريل ﵇: والأول أولى وما قيل: إن التقدير إن

стр. 6340

شككت فيه فاسأل به خبيراً، على أن الخطاب له ﵌، والمراد غيره فهو بمعزل من السداد؛ وقيل فاسأل به من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل إن الضمير للرحمن؛ أي إن أنكروا إطلاقه عليه سبحانه فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. وانتصاب خبيراً على المفعولية. أو على الحال المؤكدة واستضعف الحالية أبو البقاء. وقال ابن جرير: المعنى فاسأله حال كونه خبيراً وعلى هذا الباء في به زائدة وقيل قوله (به) يجري مجرى القسم كقوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به) والوجه الأول أقرب هذه الوجوه، ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال:

стр. 6341

(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)؟ قال المفسرون: إنهم قالوا: ما نعرف الرحمن. إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة قال الزجاج: الرحمن اسم من أسماء الله فلما سمعوه أنكروا فقالوا: وما الرحمن؟ (أنسجد) الاستفهام للإنكار أي: لا نسجد (لما تأمرنا) أي للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له، ومن قرأ بالتحتية فالمعنى أنسجد لما يأمرنا محمد، بالسجود له. قيل هذه السجدة من عزائم السجود فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند سماعها وقراءتها. (وزادهم) الأمر بالسجود (نفوراً) عن الدين وبعداً عنه. وقيل: زادهم ذكر الرحمن تباعداً من الإيمان، كذا قال مقاتل. والأول أولى، ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن، فقال:

стр. 6342

(تبارك الذي جعل في السماء بروجاً) المراد بها، بروج النجوم السبعة السيارة، أي منازلهم، ومحالها الاثنا عشر، التي تسير فيها. وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد: هي النجوم الكبار، سميت بروجاً لظهورها، والأول أولى وأصل البروج: القصور العالية. لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها،

стр. 6343

واشتقاق البروج من التبرج، وهو الظهور. وقال الزجاج: إن البرج كل مرتفع، فلا حاجة إلى التشبيه، أو النقل، قال ابن عباس في الآية: هي هذه الاثنا عشر برجاً، أولها الحمل، ويسمى بالكبش، ثم الثور، ثم الجوزاء، ثم السرطان، ثم الأسد، ويسمى بالليث، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم العقرب، ثم القوس، ثم الجدي، ثم الدلو، ويسمى بالدالي ثم الحوت وقد نظمها بعضهم وفي قوله: حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى الليث سنبل الميزان ورمى عقرب بقوس لجدي ... نزح الدلو بركة الحيتان وهي منازل الكواكب السيارة السبعة، المريخ وله الحمل، والعقرب، والزهرة ولها الثور، والميزان وعطارد، وله الجوزاء، والسنبلة والقمر، وله السرطان. والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس، والحوت وزحل وله الجدي والدلو قاله المحلى. وقد نظم بعضهم هذه السبعة بقوله: زحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الأقمار فزحل نجم في السماء السابعة، والمشتري نجم في السماء السادسة والمريخ (١) نجم في السماء الخامسة، والشمس في الرابعة والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية والقمر في الأولى والحاصل: إن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشرة بروج كل واحد أخذ اثنين وأن اثنين من السبعة وهما الشمس والقمر كل واحد منهما أخذ واحداً من البروج المذكورة.

стр. 6344

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) (وجعل فيها سراجاً) أي شمساً ومثله قوله (وجعل الشمس سراجاً) وقرئ سُرُجاً بالجمع أي النجوم العظام الوقادة ورجح الأولى أبو عبيدة وقال الزجاج في تأويل الثانية: أراد الشمس والكواكب (وقمراً منيراً) أي ينير الأرض إذا طلع، وقرئ قُمْراً بضم القاف وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفة شاذة وخص القمر بالذكر لنوع فضيلة عند العرب لأنها تبني السنة على الشهور القمرية.

стр. 6345

(وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) قال أبو عبيد: الخلفة كل شيء بعد شيء الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة الليل، لأن أحدهما يخلف الآخر، ويأتي بعده، ومنه خلفة النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف. قال الفراء: يقول: يذهب هذا، ويجيء هذا، وقال مجاهد وابن عباس: خلفة من الخلاف، هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى. وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان. وقيل: هو من باب حذف المضاف أي: جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي: اختلاف. قال ابن عباس وعمر والحسن: يقول من فاته شيء من الخير بالليل أن يعمله أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه الليل.

стр. 6346

وعن الحسن أن عمر أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاًً لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أنا أتمه أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية: (لمن أراد أن يذكر) مشدداً من التذكر لله وقرئ مخففاً من الذكر له. والمعنى أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لا بد في انقالهما من حال إلى حال من ناقل. وقيل: المعنى يتذكر، فيعلم أن الله لم يجعلهما كذلك عبثاً فيعتبر في مصنوعات الله ويشكره سبحانه على نعمه عليه في العقل، والفكر والفهم. قال الفراء: يذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد قال الله تعالى: (واذكروا ما فيه) وفي حرف عبد الله: ويذكروا ما فيه (أو أراد شكوراً أي: أراد أن يشكر الله على ما أودعه في الليل والنهار، من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة و (أو) للتقسيم والتنويع وهي مانعة خلو فتجوز الجمع.

стр. 6347

(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) هذا كلام مستأنف مسوق لبيان أوصاف صالحي عباد الله سبحانه وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال المنافقين قيل: هذه الإضافة للتخصيص والتشريف والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله. وهوناً مصدر وهو السكينة والتواضع والوقار. وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق بـ (يمشون) أي مشياً هوناً، قال ابن عطية: ويشبه أن يتأول هدأ على أن يكون أخلاق ذلك الماشي هوناً مناسبة لمشيه. وأما أن يكون المراد صفة الشي وحده فباطل لأنه رب ماش هوناً رويداً وهو ذئب أطلس. وقد كان رسول الله ﵌ يتكفَّأ في مشيه كأنما يمشي في صبب، قال ابن عباس في الآية: هم المؤمنون الذين يمشون على الأرض

стр. 6348

هوناً. أي بالطاعة والعفاف والتواضع، وقال أيضاً: هوناً، أي: علماً وحلماً، والمعنى: يمشون بالسكينة والوقار، متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين؛ بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ويمشي في الأسواق. (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون من يجهل، ولا يشافهون أهل السفه. قال النحاس: ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب: سلاماً، أي تسلماً منك، أي: براءة منك، يعني قالوا: سلمنا سلاماً، وهذا على قول سيبويه، أو مفعول به، أي قالوا: هذا اللفظ ورجحه ابن عطية، وقال مجاهد معنى: سلاماً سداداً، أي يقولون للجاهل، كلاماً يدفعه به برفق ولين، قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، لكنه على معنى قوله: تسلماً منكم ومتاركة، لا خير ولا شر. بيننا وبينكم، قال المبرد: كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم، ثم أمروا بحربهم. وقال محمد بن يزيد المبرد: أخطأ سيبويه في هذا، وأساء العبارة. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه: فنسختها آية السيف: وأقول هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه، بل أمروا بالصفح، والهجر الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ، وفي الخطيب عن أبي العالية نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى إدعاء النسخ بها ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء، وترك المقابلة، مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.

стр. 6349

وقال ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل. وقد كان ﵊ يقف على أنديتهم ويحييهم، ويدانيهم ولا يداهنهم. قال النضر بن شميل: حدثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا! استووا فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل: هو من قول الله ثم استوى إلى السماء فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاماً فلم ندر ما قال فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لا خير فيها، ولا شر. قال الخليل: هو من قول الله (وإذا خاطبهم الجاهلون، قالوا سلاماً). قال الحسن: هذا وصف نهارهم، ثم وصف ليلهم بقوله:

стр. 6350

(والذين يبيتون لربهم سجداً) على وجوههم (وقياماً) على أقدامهم بيان لحالهم في معاملة الخالق بعد بيان حالهم في معاملة الخلق، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمض، وأبعد عن الرياء، وتأخير القيام للفاصلة والبيتوتة، هي أن يدركك الليل، نمت أم لم تنم قال الزجاج: من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم، كما يقال بات فلان قلقاً، قال النسفي: والظاهر أنه وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

стр. 6351

(والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً) أي لزوماً كلياً في حق الكفار. ولزوماً بعده إطلاق إلى الجنة في الجنة في حق عصاة المؤمنين، أي هم مع طاعتهم، وحسن معاملتهم لخالقهم، وخلقه، لا يؤمنون مكر الله، بل هم مشفقون، وجلون، خائفون من عذابه، والغرام الشر اللازم الدائم قاله ابن زيد كما ورد مرفوعاً إليه ﵌، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال فلان مغرم بكذا، أي

стр. 6352

ملازم له، مولع به هذا معناه في كلام العرب، كما ذكره ابن الأعرابي، وابن عرفة، وغيرهما. وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب، وقال أبو عبيدة: هو الهلاك الدائم.

стр. 6353

(إنها ساءت) تعليل لما قبلها، أي بئست جهنم، أو أحزنت أصحابها وداخلها (مستقراً ومقاماً) المراد بهما جهنم، فلذلك جاز تأنيث فعله قيل هما مترادفان وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظهما. وقيل بل هما مختلفان معنى، فالمستقر للعصاة؛ فإنهم يخرجون، والمقام للكفار فإنهم يخلدون، والمخصوص بالذم محذوف، أي هي، ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويجوز أن يكون حكاية لكلامهم، ثم وصفهم سبحانه بالتوسط في الإنفاق فقال:

стр. 6354

(والذين إذا أنفقوا) على عيالهم (لم يسرفوا ولم يقتروا) بفتح التحتية وضم الفوقية من قتر يقتر كقعد يقعد وقرئ بفتح التحتية وكسر التاء، وهي لغة معروفة حسنة، وقرئ بضم التحتية وكسر الفوقية، قال أبو عبيدة: يقال قتر الرجل على عياله، يقتر ويقتر قتراً، وأقتر يقتر إقتاراً. ومعنى الجميع التضييف في الإنفاق. قال النحاس: من أحسن ما قيل في معنى الآية إن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام، وقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع، ولا يعرى، ولا ينفق نفقة - تقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن حبيب: أولئك أصحاب محمد، كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد. وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يبخلوا،

стр. 6355

كقوله (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط). قال ابن عباس: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله قال عمر بن الخطاب: كفى سرفاً أن لا يشتهي شيئاًً إلا اشتراه وأكله. وقيل الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق حتى يدخل في حد التبذير، والإقتار التقصير عما لا بد منه. (وكان بين ذلك قواماً) بفتح القاف وقرئ بكسرها فقيل هما بمعني، وقيل القوام بالكسر ما يدوم عليه الشيء، ويستقر بالفتح العدل والاستقامة، قاله ثعلب، قيل بالفتح بين الشيئين، وبالكسر ما يقال به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقيل: بالكسر السداد، والمبلغ واسم كان مقدر فيها، وخبرها قواماً قاله الفراء، أي كان إنفاقهم قصداً وسطاً بين الإسراف والإقتار، وحسنة بين السيئتين، وروي عن الفراء قول آخر، وهو أن اسم كان (بين ذلك) وتبنى (بين) على الفتح لأنها من الظروف المفتوحة وقال النحاس: ما أدرى ما وجه هذا لأن (بين) إذا كانت في موضع رفع رفعت.

стр. 6356

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)

стр. 6357

(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، والمعنى: لا يدعون معه رباً من الأرباب، ولا يشركون به شيئاً بل يوحدونه، ويخلصون له العبادة والدعوة. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﵌ أي: الذنب أكبر؟ قال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " قلت: ثم أي قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت: ثم أي قال: " أن تزاني بحليلة جارك " فأنزل الله تصديق ذلك والذين لا يدعون مع الله الآية (١). وأخرج الشيخان وغيرهما أيضاً عن ابن عباس، أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت: (والذين لا يدعون) الآية ونزلت: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) الآية (٢).

стр. 6358

(ولا يقتلون النفس التي حرم الله) قتلها بسبب من الأسباب (إلا بالحق) أي بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، أي بما يحق أن تقتل به النفوس، من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس (ولا يزنون) أي لا يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ولا ملك يمين. (ومن يفعل ذلك) أي شيئاًً مما ذكر (يلق أثاماً) هو في كلام العرب العقاب، قال الفراء: آثمه الله يوثمه آثاماً وأثاماً، أي جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم، أي مجزى جزاء الإثم. وقال عبد الله بن عمر وعكرمة ومجاهد: إن أثاماً واد في جهنم جعله الله عقاباً للكفرة وقال السدي: جبل فيها. وقرئ يلق بضم الياء وتشديد القاف، قال أبو مسلم: الأثام والإثم واحد. والمراد هنا جزاء الآثام. فأطلق اسم الشيء على جزائه، وقرأ الحسن أياماً جمع يوم يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، وما أظن هذه القراءة تصح عنه.

стр. 6359

(يضاعف) وقرئ يضعّف بالتشديد، وكل من القراءتين يجيء مع جزم الفعل، ورفعه فالقراءات أربع وكلها سبعية، وقرئ نُضَعّف بضم النون، وكسر العين المشددة والجزم. (له العذاب يوم القيامة) سبب المضاعفة أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك، يضاعف له العذاب على شركه ومعصيته (ويخلد) وقرئ بالفوقية، خطاباً للكافر، وقرئ يُخَلَّد بضم الياء وفتح اللام، قال أبو علي الفارسي: وهي غلط من جهة الرواية وضمير (فيه) راجع إلى العذاب المضاعف، وقرئ فيها بالإشباع مبالغة في الوعيد، والعرب تمد للمبالغة، مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع، (مهاناً) ذليلاً حقيراً جامعاً للعذاب الجسماني والروحاني. قال ابن عباس: قرأناها على عهد رسول الله ﷺ سنين ثم نزلت.

стр. 6360

(إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً) فما رأيت رسول الله ﷺ -

стр. 6361

فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه بـ (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً). قيل والاستثناء متصل من الضمير المستتر في يلق، أي إلا من تاب، فلا يلق أثاماً بل يزاد له في الإكرام بتبديل سيئاته حسنات. وقيل منقطع. قال أبو حيان: لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً. فلا يضاعف له العذاب. ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف، قال: والأولى عندي أن يكون منقطعاً، أي لكن من تاب. قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عام في الكافر، والزاني. واختلفوا في القاتل من المسلمين وقد تقدم بيانه في المائدة. والإشارة بقوله (فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات) إلى المذكورين سابقاً، ومعنى تبديلها حسنات أنه يمحو عنهم سوابق المعاصي بالتوبة، ويثبت لهم مكانها لأحق الطاعات. قال النحاس: من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع. قال الحسن: قوم يقولون هذا التبديل في الآخرة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا، يبدل الله لهم إيماناً مكان الشرك، وإخلاصاً مكان الشك، وإحصاناً مكان الفجور، وقتل المشرك مكان المؤمن. قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة، وقيل إن السيئات تبدل الحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. وقيل تبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس، بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها. وقيل التبديل عبارة عن الغفران، أي يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أنه يبدلها حسنات. قلت ولا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد، أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال ﷺ لمعاذ: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " (١) وقال ابن

стр. 6362

عباس: أبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم. وعنه قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وأخرج أحمد وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها، وينحى عنه كبارها، فيقال: عملت كذا وكذا وهو يقر ليس ينكر، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال اعطوه بكل سيئة عملها حسنة " (١) والأحاديث في تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات كثيرة. (وكان الله غفوراً رحيماً) مقررة لما قبلها من التبديل، وتكفير السيئات بالحسنات، أي لم يزل متصفاً بذلك.

стр. 6363

(ومن تاب) عن المعاصي بتركها، والندم عليها (وعمل صالحاً) يلافي به ما فرط (فإنه يتوب) يرجع (إلى الله متاباً) رجوعاً صحيحاً، مرضياً، قوياً عند الله، ماحياً للعقاب، محصلاً للثواب، أو متاباً إلى الله الذي يحب التائبين، ويحسن إليهم أو فإنه يرجع إلى الله. وإلى ثوابه مرجعاً حسناً، وهذا تعميم بعد تخصيص. قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال (إلا من تاب وآمن) ثم عطف عليه، ومن تاب من المسلمين وأتبع توبته عملاً صالحاً فله حكم التائبين أيضاً. وقيل أي من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله، فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحاً فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متاباً، أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذلك أكد بالمصدر ومعنى الآية من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى الله فالخبر في معنى الأمر كذا، قيل: لئلا يتحد الشرط والجزاء، فإنه لا يقال من تاب فإنه يتوب، وقيل: المعنى من تاب من الشرك وأدى الفرائض، ممن لم يقتل ولم يزن فإنه يعود إلى

стр. 6364

الله بعد الموت حسناً، يفضل على غيره، ممن قتل وزنا، فالتوبة الأولى رجوع عن الشرك، والثانية رجوع إلى الله، للجزاء والمكافاة. والأول أولى. ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات فقال:

стр. 6365

(والذين لا يشهدون الزور) أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة أو لا يحضرون الزور، وهو الكذب والباطل، ولا يشاهدونه، وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين قال الزجاج: الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الزور هاهنا بمعنى الشرك والحاصل أن (يشهدون) إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف، أي لا يشهدون شهادة الزور وإن كان من الشهود والحضور -كما ذهب إليه الجمهور- فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو والغناء. وقال ابن جريح: الكذب، وعن مجاهد أيضاً. وقيل ينفرون عن محاضر الكذابين، ومجالس الخطائين، فلا يقربونها تنزهاً عن مخالطة الشر، وأهله، وقيل أعياد المشركين، وقيل النوح، والأولى عدم التخصيص بنوع دون نوع من أنواع الزور بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائناً ما كان، وعن ابن عباس قال: إن الزور كان صنماً بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام. (وإذا مروا باللغو) على سبيل الاتفاق من غير قصد (مروا كراماً) أي معرضين عنه، غير ملتفتين إليه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، والخوض فيه. ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به قال ابن عباس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه آله وسلم إذا مروا به، يعني الصنم المذكور، مروا كراماً، لا ينظرون إليه، كقوله (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه). وقال الباقر: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. وقيل الشتم، والأذى

стр. 6366

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) واللغو، كل ساقط، من قول أو فعل. قال الحسن: اللغو المعاصي كلها، وقيل المراد مروا بذوي اللغو، يقال فلان يكرم عما يشينه، أي بتنزه، ويكرم نفسه، عن الدخول في اللغو، والاختلاط بأهله.

стр. 6367

(والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم) أي بالقرآن أو بما فيه من موعظة وعبرة (لم يخروا) أي لم يسقطوا، ولم يقعوا (عليها) حال كونهم (صماً وعمياناً) ولكنهم أكبوا عليها سامعين، مبصرين، بآذان واعية، وعيون راعية، وانتفعوا بها. قال ابن قتيبة: المعنى لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها قال ابن جرير: ليس ثَمَّ خرور، بل كما يقال قعد يبكي، وإن كان غير قاعد. قال ابن عطية: كأن المستمع للذكر قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خروراً، وهو السقوط على غير نظام: قيل المعنى إذا تليت عليهم آيات الله، وجلت قلوبهم، فخرّوا سجداً وبكياً، ولم يخروا عليهما صماً وعمياناً. قال الفراء بأي لم يقعدوا على حالهم الأول، كأن لم يسمعوا قال في الكشاف: ليس بنفي للخرور. وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد.

стр. 6368

(والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا) من ابتدائية، أو بيانية، قاله الزمخشري (وذرياتنا) قرئ بالجمع، وبالإفراد، وهما سبعيتان،

стр. 6369

والذرية تقع على الجمع، كما في قوله (ذرية ضعافاً) وتقع على الفرد كما في قوله ذرية طيبة. (قرة أعين) يقال: قرت عينه قرة. قال الزجاج: يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما تحبه وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال، أحدها برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حره دليل الحزن والغم، والثاني نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن، والثالث حصول الرضا قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة فإنه ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله ، فيطمع أن يحلّوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك. (واجعلنا للمتقين إماماً) أي قدوة يقتدي بنا في الخير وإقامة مراسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل الصالح. وإنما قال إماماً ولم يقل أئمة لأنه أريد الجنس، كقوله (ثم يخرجكم طفلاً) قال الفراء: قال إماماً، ولم يقل أئمة كما للاثنين (إنا رسول رب العالمين) يعني أنه من الواحد الذي أريد به الجمع وقال الأخفش: الإمام جمع أم من أم يؤم جمع على فعال نحو صاحب وصحاب وقائم وقيام، وقيل إن إماماً مصدر، يقال أم فلان فلاناً إماماً مثل الصيام والقيام، وقيل أرادوا اجعل كل واحد منا إماماً، وقيل أرادوا اجعلنا إماماً واحداً، لاتحاد كلمتنا واتفاق طريقتنا وقيل: إنه من الكلام المقلوب وأن المعنى واجعل المتقين لنا إماماً. وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماماً ولكنها حكيت عبارات القوم بصيغة المتكلم، مع الغير لقصد الإيجاز، كقوله: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)، وفي هذا إبقاء إماماً على حاله قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين. ومثله البينة، يقال هؤلاء بينة فلان، قال الحفناوي: ولفظ إمام يستوي فيه الجمع وغيره، فالمطابقة حاصلة.

стр. 6370

قال النيسابوري: قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم وقال ابن عباس في الآية: أئمة هدى يهتدي بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) ولأهل الشقاوة (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار).

стр. 6371

(أولئك) إشارة إلى المتّصفين بتلك الصفات المفصلة في حيز الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم بها وفيه دليل على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز ومنتظمون في سلك الأمور المشاهدة وهو مبتدأ وخبره ما بعده والجملة مستأنفة وقيل ذلك (يجزون الغرفة) أي الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وهي في الأصل كل بناء مرتفع والجمع غرف؛ وقال الضحاك: الغرفة الجنة أي يجزون الجنة، ووحد الغرفة لدلالتها على الجنس دليله قوله (وهم في الغرفات آمنون). وعن سهل بن سعد عن النبي ﵌ قال: " الغرفة من ياقوته حمراء وزبرجدة خضراء ودرة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم (١) " أخرجه الحكيم الترمذي (بما صبروا) أي بسبب صبرهم على مشاق التكليفات والطاعات ورفض الأهواء والشهوات وتحمل المجاهدات. (ويُلَقَّوْن فيها تحية وسلاماً) بضم الياء مشدداً، واختاره أبو عبيد، أي: يعطون، لقوله: (ولقاهم نضرة وسروراً) وقرئ يَلقَوْن بفتح الياء مخففاً، واختاره الفراء، ومعناه يجدون، ويصادفون، قال: لأن العرب تقول فلان يلقى بالسلام والتحية، والخير، وقلما يقولون يلقي، والمعنى أنه يحيي بعضهم بعضاً، ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام وقيل التحية البقاء الدائم، والملك العظيم وقيل هي بمعنى السلام، وقيل إن الملائكة تحييهم،

стр. 6372

وتسلم عليهم، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم ومن ذلك قوله سبحانه تحيتهم يوم يلقونه سلام. وقيل معنى التحية الدعاء لهم بطول الحياة والتعمير ومعنى السلام الدعاء لهم بالسلامة من الآفات وقيل المراد بالتحية إكرام الله تعالى لهم بالهدايا والتحف، وبالسلام سلامه عليهم بالقول.

стр. 6373

(خالدين) أي مقيمين (فيها) من غير موت ولا خروج (حسنت) الغرفة (مستقراً) أي موضع قرار يستقرون فيه (ومقاماً) يقيمون فيه، وهذا في مقابل ما تقدم من قوله ساءت مستقراً ومقاماً

стр. 6374

(قل ما يعبأ بكم ربي) بين سبحانه أنه غني عن طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت بفلان، أي ما بالميت به ولا له عندي قدر وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل: ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعي أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: ما يعبأ بكم ربي، يريد أي وزن يكون لكم عنده، أو ما يصنع بكم، أو بعذابكم والعبء الثقل و (ما) استفهامية أو نافية، وصرح الفراء بإنها استفهامية قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع (ما) نصب، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم؟ أي أيُّ مبالاة يبالي بكم؟ وأيُّ اعتداد يعتد بكم؟. (لولا دعاؤكم) أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، وجواب لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ويؤيد هذا قوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والخطاب لجميع الناس وعن ابن عباس في الآية قال، يقول لولا إيمانكم فأخبر الله سبحانه أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد.

стр. 6375

وقيل المعنى ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه وممن قال إن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي، قالا والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف أي لولا دعاؤكم لم يعذبكم، قال أبو السعود: أمر رسوله بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتد بهم أصلاً، يعني إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم لأجل عبادتهم وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث بهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيئاًً يبالي به قاله الزمخشري. ثم خصّ الكفار منهم فقال (فقد كذّبتم) وقرأ ابن الزبير فقد كذب الكافرون وبه قرأ ابن عباس وابن مسعود كما حكاه ابن جني وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس ويكون معنى فقد كذبتم على الأول فقد كذبتم ما دعيتم إليه وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد، ثم قال سبحانه (فسوف يكون لزاماً) أي يكون جزاء التكليف لازماً لكم، وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر، وبه قال ابن مسعود وقالت طائفة هو عذاب الآخرة، قال أبو عبيد: لزاماً فيصلاً بينكم وبين المؤمنين، وقال الزجاج: يكون تكذيبكم لزاماً يلزمكم فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسرة اللام من لزاماً قال ابن جرير: لزاماً عذاباً دائماً وهلاكاً مفنياً يلحق بعضكم بعضاً، وقرأ أبو السماك لزاماً بفتح اللام قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم والكسر أولى قال ابن عباس: لزاماً موتاً وقيل وبالاً. وفي الصحيحين عنه قال: " قد مضين " أي خمس علامات دالات (١) على قيام الساعة الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام.
следующие страницы →