(فنجيناه وأهله) أي أهل بيته ومن تابعه على دينه (أجمعين).
стр. 6582
(إلا عجوزاً) هي امرأة لوط، وكانت راضية بذلك؛ والراضي بالمعصية في حكم العاصي، واستثناء الكافرة من الأهل وهم مؤمنون للإشتراك في هذا الاسم، وإن لم تشاركهم في الإيمان (في الغابرين) أي من الباقين في العذاب، وقال أبو عبيدة من الباقين في الهرم، أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس يقال للذاهب عابر وللباقي غابر، والأغبار بقية الألبان: وتقول العرب ما مضى وما غبر، أي ما بقي. قال قتادة هي امرأة لوط غبرت في عذاب الله.
(وأمطرنا عليهم) أي على من كان منهم ذلك الوقت خارج المقرى لسفر أو غيره (مطراً) يعني الحجارة، وقيل الكبريت والنار.
(فساء مطر المنذَرين) المخصوص بالذم محذوف والتقدير مطرهم، ولم يرد بهم قوماً بأعيانهم، بل جنس الكافرين،
стр. 6586
وقد تقدم تفسير قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) في هذه السورة.
стр. 6587
(كذب أصحاب الأيكة الرسلين) الأيكة الشجر الملتف، وهي الغيضة وقرئ (ليكة) بلام واحدة وفتح التاء، وجعلوه اسماً غير معرف بأل مضافاً إليه (أصحاب) و (ليكة) اسم المقرية وأنكره الزمخشري، وهو غير جهد.
وقيل هما بمعنى واحد اسم للغيضة. قال القرطبي فأما ما حكاه أبو عبيدة من أن ليكة اسم القرية التي كانوا فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله، فشيء لم يثبت ولم يعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر، لأن أهل العلم جميعاً على خلافه.
стр. 6588
قال أبو علي الفارسي الأيكة تعريف أيكة، فإذا حذفت تخفيفاً ألقيت حركتها على اللام. قال الخليل الأيكة الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. قال مجاهد ليكة هي الأيكة، وقد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات، في الحجر، وفي ق، وما هنا، وفي ص، والأولان بأل والجر والآخران يقرآن بأل وبالجر وبحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء مع أن الكل مجرورات بإضافة لفظ أصحاب إليها وقال ابن عباس كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى مدين.
стр. 6589
(إذ قال لهم شعيب ألا تتقون)؟ ولم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء قبله، لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب؛ فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيباً لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف، وبعث الله شعيباً إلى أمتين، أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة؛ وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين.
стр. 6590
(إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على تقوى الله وطاعته والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
стр. 6591
(أوفوا الكيل) أي أتمّوه لمن أراده وعامل به (ولا تكونوا من المخسرين) أي الناقصين للكيل والوزن يقال أخسرت الكيل والوزن أي نقصته، ومنه قوله تعالى (وإذ كالوهم أو وزنوهم يخسرون) قال النسفي الكيل واف وهو مأمور به، وطفيف وهو منهي عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، فتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعل فلا شيء عليه ثم زاد سبحانه في البيان فقال:
стр. 6592
(وزنوا بالقسطاس المستقيم) أي أعطوا الحق بالميزان السوي وقد مر بيان تفسير هذا في سورة سبحان، وقرئ (القسطاس) مضموم القاف ومكسورها، وهي الميزان أو القبان، فإن كان من القسط وهو العدل، وجعلت العين مكررة، فوزنه فعلان وإلا فهو رباعي.
стр. 6593
(ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس النقص يقال: بخسه حقه إذا نقصه، أي: لا تنقصوا حقوقهم التي لهم وهذا تعميم بعد التخصيص. وقيل: دراهمهم ودنانيرهم بقطع أطرافها. وقد تقدم تفسيره في سورة هود.
وتقدم أيضاً تفسير: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) فيها وفي غيرها أي لا تبالغوا فيها بالفساد نحو قطع الطريق، والغارة وإهلاك الزرع، وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثا في الأرض إذا أفسد، وبابه سما، وعثى بالكسر، وعثى بفتحتين بوزن فتى قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء وقد دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية، وفي القاموس: عثى كسعى ورمى ورضى.
стр. 6594
(واتقوا) الله (الذي خلقكم) أي من نطفة، وإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله (والجبلّة الأولين) الذين أهلكوا بالمعاصي، كقوم لوط كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة قرئ الجبلة بكسر الجيم والباء وتشديد اللام وقرئ بضمهما وتشديد اللام، وقرئ بفتح الجيم مع سكون الباء والجبلة الخليقة قاله مجاهد وغيره، يعني الأمم المتقدمة يقال: جبل فلان على كذا أي خلق.
قال النحاس: الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام فيهما، وبضم الجيم وسكون الباء وضمه وفتحها قال الهروي الجبلة والجبلة والجبل والجبل لغات وهو الجمع والعدد الكثير من الناس. ومنه قوله تعالى (جِبِلًّا كَثِيرًا) أي خلقاً كثيراً.
(وما أنت إلا بشر مثلنا) إدخال الواو هنا يفيد معنيين كلاهما مناف للرسالة عندهم، التسحير والبشرية، يعني أن كُلاًّ منهما كاف فكيف إذا اجتمعا، وترك الواو في قصة ثمود ليفيد معنى واحداًً، وهو كونه مسحراً، وقد تقدم تفسيره في هذه السورة.
(وإن نظنك لمن الكاذبين) فيما تدعيه علينا من الرسالة وقيل ما نظنك إلا من الكاذبين، والأول أولى.
стр. 6598
(فأسقط علينا كسفاً) كان شعيب ﵇ يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا له هذا القول تعنتاً واستبعاداً وتعجيزاً، قال أبو عبيد الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة، قال الجوهري الكسفة القطعة من الشيء يقال اعطني كسفة من ثوبك. والجمع كسف وكسف، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان (من السماء) أي السحاب أو الظلة (إن كنت من الصادقين) في دعواك.
стр. 6599
(قال ربي أعلم بما تفعلون) من الشرك والمعاصي فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، وفي هذا تهديد شديد
стр. 6600
(فكذبوه) فاستمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك.
стр. 6601
(فأخذهم عذاب يوم الظلة) هي السحاب أقامها الله فوق رؤوسهم، فأمطرت عليهم ناراً فهلكوا، وقد أصابهم الله بما اقترحوه لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، وإن أرادوا بها القطعة من السماء فقد نزل عليهم العذاب من جهتها. قال ابن عباس أرسل الله إليهم سموماً من جهنم فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين، والسموم معهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فغشيتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعاً أطبقت عليهم فهلكوا، ونجى الله شعيباً والذين آمنوا معه.
وعنه أيضاً أنه سئل عن قوله فأخذهم عذاب إلى آخره فقال فخرجوا من البيوت هرباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذة فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم ناراً، فذلك عذاب يوم الظلة، وعنه قال: من حدثك من العلماء عذاب يوم الظلة فكذبه، (أقول) فما نقول له ﵁ فيما حدثنا به من ذلك مما نقلناه عنه هاهنا. وقد رواه عنه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم. ويمكن أن يقال: أنه لما كان هو البحر الذي علمه الله تأويل كتابه بدعوة نبيه ﵌: كان مختصاً بمعرفة هذا الحديث دون غيره من أهل العلم، فمن حدث بحديث عذاب يوم الظلة على وجه غير هذا الوجه الذي حدثنا به فقد وصانا بتكذيبه، لأنه قد علمه ولم يعلمه غيره، والله أعلم. وأضاف العذاب إلى يوم الظلة، لا إلى الظلة تنبيهاً على أن لهم في ذلك اليوم عذاباً غير عذاب يوم الظلة (١) كذا قيل، ثم وصف
стр. 6602
سبحانه هذا العذاب الذي أصابهم بقوله:
(إنه كان عذاب يوم عظيم) لما فيه من الشدة عليهم التي لا يقادر قدرها
стр. 6603
وقد تقدم تفسير قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) في هذه السورة مستوفى فلا نعيده، وقد تقدم الكلام على هذه القصص في سورتي الأعراف وهود، فأغنى عن الإعادة هنا، وفي هذا التكرير لهذه الكلمات في آخر هذه القصص السبع من التهديد والزجر، والتقرير والتأكيد، ما لا يخفى على من يفهم مواقع الكلام، ويعرف أساليبه.
وقال النسفي: قد كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر تقريراً لمعانيها في الصدور، وليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها فكانت جديرة بأن تفتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختم بما اختتمت به.
стр. 6604
(وإنّه) الضمير يرجع إلى ما نزله عليه من الأخبار، أي وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، وبه قال قتادة (لتنزيل رب العالمين) أي: فليس بشعر ولا سحر، ولا أساطير، ولا غير ذلك مما قالوه فيه.
стр. 6605
(نزل) قرئ مخففاً ومشدداً (به الروح الأمين) هو جبريل، كما في قوله قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك وبه قال قتادة وابن عباس؛ وعنه مرفوعاً قال: الروح الأمين جبريل، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس!! أخرجه أبو الشيخ، وسماه روحاً لأنه خلق من الروح، وسماه أميناً لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه.
стр. 6606
(على قلبك) أي: أنه تلاه على قلبك حتى تعيه وتفهمه ولا تنساه، ووجه تخصيص القلب أنه أول مدرك من الحواس الباطنة، قال الكرخي خصه
стр. 6607
بالذكر ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير، ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة، لأنه موضع التمييز والعقل والاختبار، وسائر الأعضاء مسخرة له.
ويدل عليه القرآن والحديث والمعقول أما القرآن فقوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) والحديث قوله ﷺ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب أخرجاه في الصحيحين. وأما المعقول فإن القلب إذا غشى عليه، وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور، وأذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات، وعبارة الخازن، ومن المعقول أن موضع الفرح والسرور، والغم والحزن، هو القلب، فإذا فرح القلب أو حزن يتغير حال سائر الأعضاء، فكان القلب كالرئيس لها، ومنه: إن موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين، فإذا ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق، وهو المكلف لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم انتهى.
(لتكون من المنذرين) علة للإنزال أي: أنزله عليك لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والإنذارات والعقوبات
стр. 6608
(بلسان عربي مبين) أي: لتكون من المنذرين الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم هود وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام، أو متعلق بـ (نزل) أي أنزله بلسان عربي لتنذر به.
وقال أبو البقاء: بلسان عربي، أي برسالة أو لغة. وقال أبو السعود باللغة العربية، وإنما جعل الله سبحانه القرآن عربياً بلسان الرسول العربي، لئلا يقول مشركو العرب: لو نزل بالأعجمي لسنا نفهم ما تقوله بغير لساننا فقطع بذلك حجتهم، وأزاح علتهم ودفع معذرتهم. قال ابن عباس: أي بلسان قريش، ولو كان غير عربي ما فهموه، وعن بريدة قال بلسان جُرْهُم.
(وإنه) أي: إن هذا القرآن باعتبار أحكامه التي أجمعت عليها الشرائع، أو ذكره، وقيل: الضمير لرسول الله ﷺ (لفي زبر الأولين) من الأنبياء كالتوراة والإنجيل، والزبر الكتب، الواحد زبور، وقد تقدم الكلام على تفسير مثل هذا، وقيل المراد بكون القرآن فيها أنه مذكور فيها هو نفسه لا ما اشتمل عليه من الأحكام، وفيه دليل على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية كالفارسية وغيرها، والأول أولى، وقد قيل أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة أن القرآن هو النظم والمعنى معاً قاله الشهاب.
стр. 6611
(أولم يكن لهم آية)؟ الهمزة للإنكار. والواو للعطف على مقدر، كما تقدم مراراً، والآية العلامة والدلالة أي. ألم تكن لهؤلاء أي لكفار مكة علامة دالة على أن القرآن حق، وأنه تنزيل رب العالمين وأنه في زبر الأولين (أن يعلمه علماء بني إسرائيل) على العموم، أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وأسد، وأسيد، وثعلبة، وابن يامين فهؤلاء الخمسة من علماء اليهود وقد حسن إسلامهم فإنهم يخبرون بذلك، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدقونهم. قال الزجاج المعنى أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن محمداً ﷺ نبي حق، علامة ودلالة على نبوته، لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم.
стр. 6612
وكذا قال الفراء عن ابن عباس قال كان عبد الله بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم، فآمن بكتاب محمد فقال لهم الله أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل.
стр. 6613
(ولو نزلناه) أي هذا القرآن على الصفة التي هو عليها (على بعض) رجل من (الأعجمين) جمع أعجمي، قاله صاحب التحرير، أو جمع أعجم قاله ابن عطية، يقال رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح اللسان، وإن كان عربياً، ورجل عجمي إذا كان أصله من العجم، وإن كان فصيحاً، إلا أنّ الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي، بمعنى أعجمي وقرئ (على بعض الأعجميين) على الأصل، وقال الزمخشري الأعجم الذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة أو استعجام، والأعجمي مثله إلا أن فيه زيادة ياء النسب توكيداً.
стр. 6614
(فقرأه عليهم) قراءة صحيحة (ما كانوا به مؤمنين) أنفة من اتباعه، مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجمي للكلام العربي، أي القرآن أو المعنى أن الأعجمي لا يتهم باكتسابه أصلاً، ولا باختراعه، لفقد الفصاحة فيه، ولكونه ليس لغته. وقيل المعنى ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم، فقرأه عليهم بلغته لم يؤمنوا به، وقالوا ما نفقه هذا ولا نفهمه، ومثل هذا قوله تعالى (ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصّلت آياته) وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع.
стр. 6615
(كذلك) أي مثل ذلك السلك (سلكناه) أي أدخلنا القرآن (في قلوب المجرمين) أي كفار مكة بقراءة النبي ﷺ حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته، وأنه معجز. وقال الحسن وغيره سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين، وقال عكرمة سلكنا القسوة، والأول أولى، لأن السياق في القرآن، وفيه حجة على المعتزلة، في خلق أفعال العباد خيرها وشرها.
стр. 6616
(لا يؤمنون به) أي بالقرآن (حتى يروا العذاب الأليم) أي إلى هذه
стр. 6617
الغاية، وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم والمراد معاينة الموت عند الموت، ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم، والجملة مستأنفة أو حالية.
стр. 6618
(فيأتيهم) أي العذاب (بغتة) أي فجاة والفاء للترتيب الرتبي دون الزماني كما في الكشاف والمعنى حتى يروا العذاب فما هو أشد من رؤيته، وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه وهو سؤالهم الإنظار مع القطع بامتناعه كما يأتي (وهم) أي والحال أنهم (لا يشعرون) بإتيانه وقرأ الحسن فتأتيهم بالفوقية أي الساعة، وإن لم يتقدم لها ذكر لكنه قد دل العذاب عليها فيرونه.
стр. 6619
(فيقولوا هل نحن منظرون)؟ أي مؤخرون وممهلون عن الهلاك ولو طرفة عين لنؤمن، قالوا هذا تحسر على ما فات من الإيمان، وطمعاً في المحال وهو إمهالهم بعد مجيء العذاب، وتمنياً للرجعة إلى الدنيا لإستدراك ما فرط منهم، فيقال لهم لا تأخير ولا إمهال، وقيل المراد بقولهم هذا الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله:
стр. 6620
(أفبعذابنا يستعجلون)؟ ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر فإن معنى (هل نحن منظرون) طلب النظرة والإمهال، وأما قوله (أفبعذابنا) الخ فالمراد به الرد عليهم، والإنكار لما وقع منهم من قولهم (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقولهم: (فائتنا بما تعدنا) حيث استعجلوا ما فيه ضررهم، وحتف أنفسهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيكون حالهم كما ذكر عند نزول العذاب؟ فيستعجلون به وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد، أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل.