← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

(لا يؤمنون به) أي بالقرآن (حتى يروا العذاب الأليم) أي إلى هذه

стр. 6617

الغاية، وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم والمراد معاينة الموت عند الموت، ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم، والجملة مستأنفة أو حالية.

стр. 6618

(فيأتيهم) أي العذاب (بغتة) أي فجاة والفاء للترتيب الرتبي دون الزماني كما في الكشاف والمعنى حتى يروا العذاب فما هو أشد من رؤيته، وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه وهو سؤالهم الإنظار مع القطع بامتناعه كما يأتي (وهم) أي والحال أنهم (لا يشعرون) بإتيانه وقرأ الحسن فتأتيهم بالفوقية أي الساعة، وإن لم يتقدم لها ذكر لكنه قد دل العذاب عليها فيرونه.

стр. 6619

(فيقولوا هل نحن منظرون)؟ أي مؤخرون وممهلون عن الهلاك ولو طرفة عين لنؤمن، قالوا هذا تحسر على ما فات من الإيمان، وطمعاً في المحال وهو إمهالهم بعد مجيء العذاب، وتمنياً للرجعة إلى الدنيا لإستدراك ما فرط منهم، فيقال لهم لا تأخير ولا إمهال، وقيل المراد بقولهم هذا الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله:

стр. 6620

(أفبعذابنا يستعجلون)؟ ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر فإن معنى (هل نحن منظرون) طلب النظرة والإمهال، وأما قوله (أفبعذابنا) الخ فالمراد به الرد عليهم، والإنكار لما وقع منهم من قولهم (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقولهم: (فائتنا بما تعدنا) حيث استعجلوا ما فيه ضررهم، وحتف أنفسهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيكون حالهم كما ذكر عند نزول العذاب؟ فيستعجلون به وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد، أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل.

стр. 6621

(أفرأيت) الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام ومعنى رأيت أخبرني والخطاب لكل من يصلح له (إن متعناهم سنين) في الدنيا متطاولة، وطولنا لهم الأعمار

стр. 6622

(ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) من العذاب والهلاك.

стр. 6623

مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)

стр. 6624

(ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) أي أيُّ شيء أو أيُّ إغناء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل المديد، والاستفهام للإنكار التقريري و (ما) في (ما كانوا) مصدرية أو موصولة، وقيل (ما) الأولى نافية والثانية مصدرية أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب، وتخفيفه وقرئ يمتعون من أمتع الله زيداً بكذا. وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون قد وعظت فأبلغت وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرأها عند جلوسه للحكم.

стр. 6625

(وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) من مزيدة للتأكيد، أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد الإنذار والإعذار بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب

стр. 6626

(ذكرى) بمعنى تذكرة أي يذكرون ذكرى، قال النحاس وهذا قول صحيح لأن معنى إلا لها منذرون إلا لها مذكرون، أو التقدير إنذارنا ذكرى، أو ذلك ذكرى قال ابن الأنباري هي ذكرى، أو نذكرهم ذكرى وقيل ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل التذكرة، وبه صرح أبو البقاء أي تنذرهم لأجل تذكيرهم بالعواقب، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية.

стр. 6627

(وما كنا ظالمين) في تعذيبهم وليس من شأننا الظلم وقد قدمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم.

стр. 6628

(وما تنزلت به) أي بالقرآن (الشياطين) وقرئ بالواو والنون إجراء له مجرى جمع السلامة. قال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين، قال المبرد وهذا غلط من العلماء، وبه قال الفراء، وقال المؤرج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لهذه القراءة وجه، وقال يونس بن حبيب سمعت أعرابياً يقول: دخلنا بساتين من ورائها بساتون، وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين، فلا يكون سحراً أو كهانة أو شعراً أو أضغاث أحلام كما يقولون.

стр. 6629

(وما ينبغي لهم) ذلك وما يصح منهم ولا يصلح أن ينزلوا به (وما يستطيعون) في ما نسبه الكفار إليهم أصلاً ولا يمكنهم

стр. 6630

(إنهم عن السمع) للقرآن أو لكلام الملائكة (لمعزولون) أي لمحجوبون مرجومون بالشهب، ثم لما قرر الله سبحانه حقية القرآن، وأنه منزل من عنده أمر نبيه ﷺ بدعاء الله وحده فقال:

стр. 6631

(فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين) إن فعلت ذلك الذي دعوك إليه، وخطاب النبي ﷺ بهذا مع كونه منزهاً عنه معصوماً منه، لحث العباد على التوحيد، ونهيهم عن شوائب الشرك، وكأنه قال: أنت أكرم الخلق عليّ وأعزهم عندي، ولو اتخذت معي إلهاً لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد؟ قال في حاشية الجمل: الخطاب له والمقصود غيره.

стр. 6632

(وأنذر عشيرتك الأقربين) خصهم لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقدم، قيل هم قريش، وقيل: بنو عبد مناف، وقيل: بنو هاشم وقد ثبت في البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية

стр. 6633

دعا رسول الله ﷺ قريشاً وعم وخص، فقال: " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملكم لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا فاطمة بنت محمد أنقدي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً، ألا إن لكم رحماً وسأبلها ببلالها "، وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة فذلك منه ﷺ بيان لعشيرة الأقربين وإنذاره لهم جهاراً.

стр. 6634

(واخفض جناحك) أي جانبك، يقال: خفض جناحه إذا ألانه، وفيه استعارة حسنة، والمعنى ألن جناحك وتواضع (لمن اتبعك من المؤمنين) الموحدين من عشيرتك وغيرهم، وأظهر لهم المحبة والكرامة، وتجاوز عنهم.

стр. 6635

(فإن عصوك) أي خالفوا أمرك ولم يتبعوك (فقل) لهم (إني بريء مما تعملون) أي من عملكم أو من الذي تعملونه من عبادة غير الله، وهذا يدل على أنّ المراد بالمؤمنين الشارفون للإيمان المصدقون باللسان، لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه ولا يخالفونه، ثم بين له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له فقال:

стр. 6636

(وتوكل على العزيز الرحيم) أي فوِّض جميع أمورك إليه فإنه القادر على قهر الأعداء وهو الرحيم للأولياء، قرئ فتوكل بالفاء والواو وهما قراءتان سبعيتان فعلى الأولى يكون ما بعدها كالجزاء مما قبلها مترتباً عليه، وعلى الثانية يكون ما بعد الواو معطوفاً على ما قبلها عطف جملة على جملة من غير ترتيب

стр. 6637

(الذي يراك حين تقوم) إلى الصلاة وحدك منفرداً في قول أكثر المفسرين وقال مجاهد حين تقوم حيثما كنت.

стр. 6638

وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)

стр. 6639

(وتقلبك في الساجدين) المصلين، أي ويراك إن صليت في الجماعة راكعاً وقائماً وساجداً، كذا قال أكثر المفسرين وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة رحمهما الله هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن قال لا يحضرني فتلا له هذه الآية، وقيل: يراك في أصلاب الرجال الموحدين من نبي إلى نبي من لدن آدم وحواء إلى عبد الله وآمنة، حتى أخرجك في هذه الأمة؛ فجميع أصوله رجالاً ونساء مؤمنون. وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم فإنه كافر بمقتضى الآيات وأجاب بعضهم بأنه كان عم إبراهيم لا أباه، وفيه ضعف بين. وأجاب بعضهم أن قولهم أصول محمد ﷺ لم يدخلهم الشرك، محله ما دام النور المحمدي في الذكر وفي الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم، وأما قبل انتقاله فلم يعبد غير الله، قاله الحفناوي. وقيل، المراد بـ (تقوم) قيامه إلى التهجد، وبالتقلب تردده في تفحص أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب بصره فيهم؛ كذا قال مجاهد. قال ابن عباس: تقلبك أي قيامك وركوعك وسجودك، وعنه قال يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم، وعنه قال: كان النبي ﷺ إذا قام

стр. 6640

إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ومنه الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : هل ترون قبلتي هاهنا فوالله ما يخفى على خشوعكم ولا ركوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري.

стр. 6641

(إنه هو السميع) لما تقوله (العليم) به، ثم أكد سبحانه معنى قوله (وما تنزلت به الشياطين) وبينه فقال:

стр. 6642

(هل أنبئكم) يا كفار مكة (على من تنزل الشياطين)؟ أي تتنزل فحذف إحدى التاءين، وفيه بيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله ﷺ -

стр. 6643

(تنزل على كل أفاك أثيم) الأفاك الكثير الإفك، والأثيم كثير الإثم، والمراد به كل من كان كاهناً، فإن الشياطين كانت تسترق السمع، ثم يأتون إليهم فيلقونه إليهم مثل مسيلمة من المتنبئة، وكسطيح من الكهنة، وهو معنى قوله:

стр. 6644

(يلقون السمع) أي: ما يسمعونه مما يسترقونه، فالمعنى حال كون الشياطين ملقين السمع، أي: ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى الكهان، ويجوز أن يكون المعنى أن الشياطين يلقون السمع، أي: يصغون إلى الملأ الأعلى ليسترقوا منهم شيئاًً ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول المسموع، وعلى الوجه الثاني نفس حاسة السمع. ويجوز أن تكون جملة يلقون السمع راجعة إلى كل أفاك أثيم، على أنها صفة أو مستأنفة، ومعنى الإلقاء أنهم يسمعون ما تلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التي تصدق الواحدة منها، وتكذب المائة الكلمة، ويلقونها إلى عوام الخلق. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: سأل أناس النبي ﷺ عن الكهان فقال: إنهم ليسوا بشيء، قالوا يا رسول الله إنهم يحدثون أحياناً بشيء يكون حقاً قال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة. وفي لفظ البخاري فيزيدون معها

стр. 6645

مائة كذبة. (و) جملة (أكثرهم كاذبون) راجعة إلى كل أفاك أثيم، أي وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين، لأنهم يضمون إلى ما يسمعونه كثيراً من أكاذيبهم المختلقة أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من السمع أي المسموع من الشياطين، إلى الناس، أو هذه الجملة راجعة إلى الشياطين أي أكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى الكهنة مما يسمعونه، فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيراً من الكذب، وكان هذا قبل أن حجبت الشياطين عن السماء. وقد قيل: كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون، بعد ما وصفوا جميعاً بالإفك؛ وأجيب بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب، لا الذي لا ينطق إلا بالكذب، فالمراد بقوله: (وأكثرهم كاذبون) أنه قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الشياطين، والغرض الذي سيق لأجله هذا الكلام رد ما كان يزعمه المشركون من كون النبي ﷺ من جملة من يلقي إليه الشيطان السمع من الكهنة؛ ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب، ولم يظهر من أحوال محمد ﷺ إلا الصدق. فكيف يكون كما زعموا؟ ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين، وهذا النبي المرسل من عند الله برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم، ويأمر بالتعوذ منهم. ثم لما كان قد قال قائل من المشركين: إن النبي ﷺ شاعر، بيَّن سبحانه حال الشعراء ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبي ﷺ فقال:

стр. 6646

(والشعراء يتبعهم) مشدداً ومخففاً أي: يجاريهم وشملك مسلكهم ويكون من جملتهم (الغاوون) أي الضالون عن الحق، والشعراء جمع شاعر والغاوون جمع غاو، وهم ضلال الجن والإنس، قاله ابن عباس. وقيل الزائلون عن الحق، وقيل: المشركون، وقيل: الشياطين، وقيل: الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لا يجوز.

стр. 6647

وقيل: المراد شعراء الكفار خاصة منهم عبد الله بن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل، وقالوا نحن نقول مثل ما يقول محمد، وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي ﷺ وأصحابه ويروون عنهم قولهم. فذلك قوله تعالى هذا. قال الزجاج: إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون، وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون، والمعنى لا يتبعهم على كذبهم وباطلهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والطعن في الأحساب، ومدح من لا يستحق المدح وذم من لا يستحق الذم. ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون. عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله ﷺ أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، فأنزل الله هذه الآية ثم بين سبحانه قبائح شعراء الباطل فقال:

стр. 6648

(ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)؟ تقرير لما قبله والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، يقال: هام يهيم هيماً وهيماناً. إذا ذهب على وجهه، والهيام أن يذهب على وجهه من عشق وغيره، وهو تمثيل كما في الكشاف، والمعنى ألم تر أنهم في كل فن من فنون الكذب يخوضون؛ وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون، فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء، وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ويستقبحه العقل، وتارة يخوضون في بحر السفاهة والوقاحة، ويذمون الحق ويمدحون الباطل، ويرغبون في فعل المحرمات ويدعون الناس إلى فعل المنكرات، كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة. كيف وأكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلماتهم في التشبيب بالحرام والغزل والابتهار، والقدح في الأنساب والطعن في الأحساب والوعد الكاذب، والإفتخار الباطل، ومدح من لا يستحقه؛ والإطراء فيه،

стр. 6649

قاله البيضاوي، وغيره، وهذا من باب الاستعارة البليغة والتمثيل الرائع شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم والتشبيب وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق، والهائم هو الذي يخبط في طريقه ولا يقصد موضعاً معيناً. والهائم العاشق، والهيمان العطشان؛ والهيام داء يأخذ الإبل من العطش، وجمل أهيم، وناقة هيماء والجمع فيهما هيم قال تعالى فشاربون شرب الهيم. قال ابن عباس في الآية: في كل لغو يخوضون، وقيل: يمدحون بالباطل ويهجون بالباطل، وقيل: إنهم يمدحون الشيء ثم يذمونه لا يطلبون الحق والصدق؛ فالوادي مثل لفنون الكلام وطرقه، والغوص في المعاني والقوافي ثم قال سبحانه:

стр. 6650

(وإنهم يقولون ما لا يفعلون) أي يقولون فعلنا وفعلنا، وهم كذبة في ذلك ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه، فقد يحثون بكلامهم على الكرم والخير، ولا يفعلونه وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشر ما لا يقدرون على فعله، كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة، والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات، وأنهم فعلوا بهن كذا وكذا وذلك كذب محض وافتراء بحت ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحرّي الحق والصدق، وكانوا يجيبون شعراء الكفار ويهجون وينافحون عن النبي ﷺ وأصحابه فقال:

стр. 6651

(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي دخلوا في حزب المؤمنين، وعملوا بأعمالهم الصالحات (وذكروا الله كثيراً) في أشعارهم ولم يشغلهم الشعر عن ذكر الله كابن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك وكعب ابن زهير رضي الله تعالى عنهم. وعن عروة، قال: لما نزلت والشعراء إلى قوله ما لا يفعلون، قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله قد علم الله أني منهم

стр. 6652

فأنزل الله إلا الذين آمنوا إلى قوله ينقلبون وروي نحو هذا من طرق. (وانتصروا من بعد ما ظلموا) كمن يهجو منهم من هجاه أو ينتصر لعالم أو فاضل، كما كان يقع من شعراء النبي ﷺ فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم. ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة، وكافح أهل البدعة وزيف ما يقول شعراؤهم من مدح بدعتهم، وهجو السنة المطهرة كما يقع ذلك كثيراً من شعراء الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل الله المنتصرين لدين الله القائمين بما أمر الله بالقيام به. واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام. وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب، وقد وردت أحاديث في ذمه وذم الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته وتجويزه، والكلام في تحقيق ذلك يطول. وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ : " إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال: إن المؤمن يجاهد نفسه بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترموهم به نضح النبل ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي ﷺ : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً ". وأخرج الديلمي مرفوعاً عن ابن مسعود: الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار.

стр. 6653

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من الشعر لحكمة ". قال: وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت، فقالوا: إنا نقول الشعر وقد نزلت هذه الآية فقال رسول الله ﷺ : " اقرأوا " فقرأوا والشعراء إلى قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقال: أنتم هم وذكروا الله كثيراً، فقال " أنتم هم "، وانتصروا من بعد ما ظلموا فقال: " أنتم هم ". وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: أهج المشركين فإن جبريل معك. وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فنظر إليه فقال قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك فسكت ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم. وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من الشعر حكماً ". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً ". وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً ". وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً ". قال في الصحاح ورى القيح جوفه يريه ورياً إذا أكله. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " حسن الشعر كحسن الكلام وقبيح الشعر كقبيح الكلام ". قال القرطبي: رواه إسماعيل عن

стр. 6654

عبد الله بن عوف الشامي؛ وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره. وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ فقال: " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ " قلت نعم، قال: " هيه "، فأنشدته بيتاً فقال: " هيه ". ثم أنشدته بيتاً، فقال: " هيه "، حتى أنشدته مائة بيت. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان عليّ أشعر من الثلاثة. وعن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ويستنشده في المسجد فروى أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده قصيدة فأنشده إياها؛ وهي قريب من تسعين بيتاً، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها وكان حفظها من مرة واحدة. وروى البخاري عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة " وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح، فخذ الحسن ودع القبيح ولآزاد البلجرامي ﵀ في بيان حكم الشعر كلام لطيف في كتابه تسلية الفؤاد، إن شئت فارجع إليه، ثم ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال: (وسيعلم) وفيه تهديد شديد؛ وتهويل عظيم؛ وكذا في إطلاق (الذين ظلموا) وإبهام (أي منقلب ينقلبون)؟ بعد الموت، وخص بعضهم هذه الآية بالشعراء؛ ولا وجه لذلك، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، وقد تلاها أبو بكر لعمر حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. قال ابن عطاء سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا. والمعنى ينقلبون منقلباً أي منقلب، والمراد جهنم. وقدم (أي) لتضمنه معنى الاستفهام. قال أبو البقاء: ولا يعمل فيه (سيعلم) لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، بل هو معلق عن العمل فيه وهذا الذي قاله مردود بأن أيا الواقعة صفة لا

стр. 6655

تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة، بل هما قسمان كل منهما قسم برأسه و (أي) تنقسم إلى أقسام كثيرة. قال النحاس وحقيقة القول في ذلك الاستفهام معنى، وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبلها لدخل بعض المعاني في بعض، والله أعلم. وقال القرطبي: معناه أي مصير يصيرون؟ وأي مرجع يرجعون؟ لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب، وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه؛ والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلباً، وليس كل منقلب مرجعاً ذكره الماوردي. والمعنى عند الحسن وابن عباس أنّ الظالمين يطمعون في الانقلاب من عذاب الله، والانفكاك منه، ولا يقدرون على ذلك. وعن فضالة بن عبيد في الآية قال هؤلاء الذين يخربون البيت. والْحَمدُ لله رَب العَالَمِينَ
следующие страницы →