← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) أي في زمرة الراسخين في الصلاح، وهذا أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى الأنبياء ﵈، قال سليمان ﵇: (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) وقال يوسف ﵇: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وقيل: لندخلنهم في مدخل الصالحين وهو الجنة. كذا قيل والأول أولى ومعنى إدخالهم فيهم كونهم معدودين من جملتهم لا اتصافهم أي نحشرهم معهم اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين وارزقنا لسان صدق في الآخرين.

стр. 7002

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)

стр. 7003

(ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي) أي أصابه بلاء من الناس أو أذى من الكفار (في الله) أي في دين الله وسبيله ولأجله، كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات وأصحاب البدع مع أصحاب السنة وأهل التقليد مع أهل الاتباع بل كل مبطل مع كل محق من إيقاع أنواع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به من كتاب وسنة. (جعل فتنة الناس) التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى وجزع من أذاهم فلم يصبر عليه وجعله في الشدة والعظم (كعذاب الله) فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عقابه، وقيل: وهو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر وكان يمكنه أن يصبر على الأذى إلى حد الإكراه، ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان، فجعل المنافقون فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، فعذاب الناس له دافع وعذاب الله ما له من دافع،

стр. 7004

وأيضاً عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده عقاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب النفس لها، ولا تعدها عذاباً. قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله. أخرج أحمد والترمذي، وصححه، وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان، والبيهقي وغيرهم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال ". (ولئن جاء نصر من ربك) أي فتح من الله للمؤمنين وغلبة على الأعداء وغنيمة يغنمونها منهم (ليقولن) بضم اللام حملاً على المعنى بعد الحمل على اللفظ، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرئ بالفتح جرياً على مراعاة لفظها أيضاً وقراءة العامة أحسن لقوله: (إنا كنا معكم) في دينكم فأشركونا في الغنيمة، فالمراد المعية في الإيمان دون الصحبة في القتال لأنها غير واقعة، قاله الشهاب فكذبهم الله فقال: (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين)؟ من الإيمان به أي هو سبحانه أعلم بما فيها من خير وشر فكيف يدعون هذه الدعاوى الكاذبة، قيل: هم قوم ممن كان في إيمانهم ضعف. كانوا إذا مسهم الأذى من الكفار أو لم يجدوا من قوة الإسلام ونصر الله المؤمنين في موطن من المواطن قالوا: إنا كنا معكم يرضون بهذا وما قبله المنافقون، قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بالله بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، وقيل: نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى بدر، والظاهر أن هذا النظم من قوله: ومن الناس من يقول، إلى قوله: وقال الذين كفروا، نازلٌ في المنافقين لما يظهر من السياق، ولقوله.

стр. 7005

(وليعلمن الله الذين آمنوا) بقلوبهم أي صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء (وليعلمن المنافقين) بترك الإيمان عند البلاء فإنه لتقرير ما قبله وتأكيده واللام في الفعلين لام قسم أي والله ليميزن الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين فيجازي الفريقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى ويصبر في الله حق الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم، وكفر بالله ؛ وإن خفقت ريح الإسلام، وطلع نصره، ولاح فتحه رجع إلى الإسلام وزعم أنه من المسلمين وتغيير الأسلوب حيما عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني باسم الفاعل تفنن لرعاية الفاصلة. قيل: هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السورة مكي. قاله يحيى بن سلام.

стр. 7006

(وقال الذين كفروا) من أهل مكة كأبي سفيان وأتباعه (للذين آمنوا) اللام لام التبليغ أي قالوا مخاطبين لهم سبق بيانه في غير موضع، أي قالوا لهم: (اتبعوا سبيلنا) أي اسلكوا طريقتنا، أو ادخلوا في ديننا (ولنحمل خطاياكم) أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث والنشور كما تقولون فلنحمل ذلك عنكم فنؤاخذ بها دونكم، قال مقاتل: يعني قولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله واللام في لنحمل لام الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك. وقال الزمخشري: الأمر بمعنى الخبر وقرئ بكسر اللام وهو لغة الحجاز، ثم رد عليهم بقوله: (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء) (من) الأولى بيانية، والثانية مزيدة للاستغراق، أي وما هم بحاملين شيئاًً من خطيئاتهم التي التزموا بها، وضمنوا لهم حملها، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال: (إنهم لكاذبون) فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم، قال المهدوي هذا

стр. 7007

التكذيب لهم من الله حمل على المعنى، لأن المعنى أن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر.

стр. 7008

(وليحملن أثقالهم) أي: أوزارهم التي عملوها، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان بأنها ذنوب عظيمة (وأثقالاً مع أثقالهم) أي أوزاراً مع أوزارهم وهي أوزار من أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة، ومثله قوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ). ومثله قوله ﷺ : " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " كما في حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره. (وليسألن يوم القيامة) سؤال تقريع وتوبيخ (عما كانوا يفترون) أي: يختلقونه من الأكاذيب والأباطيل التي كانوا يأتون بها في الدنيا وأضلوهم بها، ومن جملتها هذا الوعد.

стр. 7009

(ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) وعمره أربعون سنة أو أكثر، وبينه وبين آدم (١) ألف سنة، أجمل سبحانه قصة نوح تصديقاً لقوله في أول السورة (ولقد فتنا الذين من قبلهم) (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) فيه تثبيت للنبي ﷺ كأنه قيل له: إن نوحاً لبث هذه المدة الكثيرة يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك، وكثرة عدد أمتك، قيل: ووقع في النظم: (إلا خمسين عاماً) ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين، لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني فقد يطلق على ما يقرب منه وذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وجيء بالمميز أولاً بالسنة، ثم بالعام لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذاناً بأن نبي الله لما استراح منهم بقي في زمن حسن، والعرب

стр. 7010

تعبر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة. وقد اختلف في مقدار عمر نوح ﵇، وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة، وهي لا تدل على أنها جميع عمره، فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم، وقد تلبث في الأرض من بعد هلاكهم بالطوفان، فقال ابن عباس: بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس، وفشوا. وعن عكرمة قال: كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه، وبعد ما بعث ألفا وسبعمائة سنة، وعن عوف بن شداد قال: إن الله أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين سنة وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألفاً إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة، وقال أبو السعود: عاش نوح بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفاً ومائتين سنة وأربعين وعن أنس ابن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال كرجل دخل بيتاً له بابان فقال (١) في وسط البيت هنية ثم خرج من الباب الآخر. (فأخذهم الطوفان) أي الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا، وارتفع على أعلى جبل أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر حتى غرق كل شيء غير من في السفينة والفاء للتعقيب، أي أخذهم عقب تمام المدة المذكورة، والطوفان يقال لكل شيء كثير، مطيف بجمع: محيط بهم، من مطر أو قتل أو موت، قاله النحاس. وقال سعيد بن جبير، وقتادة والسدي: هو المطر، وقال الضحاك: الغرق، وقيل: الموت، قال الشهاب: ولكنه غلب في الماء كما هو المراد هنا. (وهم ظالمون) أي مستمرون على الظلم والشرك ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح وذكرهم هذه المدة بطولها.

стр. 7011

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)

стр. 7012

(فأنجيناه وأصحاب السفينة) أي أنجينا نوحاً، وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه، واختلف في عددهم على أقوال، قيل: كانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح، سام، وحام، ويافث ونساؤهم. (وجعلناها) أي السفينة (آية للعالمين) أي عبرة عظيمة لهم ولمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم، وفي كونها آية وجوه: أحدها: أنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة، كذا قال قتادة. وثانيها: إن الله سلم السفينة بأن جعلها آية وقيل: إن الضمير راجع في جعلناها إلى الواقعة أو القصة أو الحادثة أو إلى النجاة أو إلى العقوبة بالغرق.

стр. 7013

(وإبراهيم) انتصابه بالعطف على (نوحاً) وقال الكسائي: هو معطوف على الهاء في (جعلناها) وقيل: منصوب بمقدر، أي واذكر، وقرأ إبراهيم: النخعي، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهما (وإبراهيم) بالرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم.

стр. 7014

(إذ قال) منصوب على الظرفية، أي وأرسلنا إبراهيم وقت قوله أو وجعلنا إبراهيم آية وقت قوله، أو اذكر إبراهيم وقت قوله (لقومه اعبدوا الله) أي أطيعوه وأفردوه بالعبادة وخصوه بها ووحدوه، وفيه إشارة إلى إثبات الإله (واتقوه) أن تشركوا به شيئاًً وفيه إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه فقد أتى بأعظم الجرائم، وقيل: اعبدوا الله إشارة إلى الإتيان بالواجبات، وقوله: اتقوه إشارة إلى الامتناع من المحرمات، ثم يدخل في الأول الاعتراف بالله، وفي الثاني الامتناع من الشرك. (ذلكم) أي عبادة الله وتقواه (خير لكم) من الشرك ولا خير في الشرك أبداً، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم، وقيل: خير من كل شيء لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل، إذ المراد بكل شيء كل شيء فيه خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل (إن كنتم تعلمون) شيئاًً من العلم أو تعلمون علماً تميزون به بين ما هو خير وما هو شر وأن من المرسلين إبراهيم ثم ذكر إبراهيم بطلان مذهبهم بأبلغ وجه بقوله:

стр. 7015

(إنما تعبدون من دون الله أوثاناً) وبيَّن لهم أنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر، والأوثان هي الأصنام، وقال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس: والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة، وقال الجوهري: الوثن الصنم والجمع أوثان. (وتخلقون إفكاً) أي وتكذبون كذباً على أن معنى تخلقون تكذبون قال الحسن: معنى تخلقون تنحون، أي إنما تعبدون أوثاناً وأنتم تصنعونها وهذا على قراءة الجمهور بفتح الفوقية وسكون الخاء وضم اللام مضارع خلق؛ وإفكاً بكسر الهمزة وسكون الفاء وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي والسلمي وقتادة بفتح الخاء واللام مشددة، والأصل تتخلقون، وروي عن زيد بن علي أنه

стр. 7016

قرأ بضم التاء وتشديد اللام مكسورة، وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن ورقان: أَفِكاً بفتح الهمزة وكسر الفاء وهو مصدر كالكذب، أو صفة لمصدر محذوف، أي خلقاً أفكاً. (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً) أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئاًً من الرزق (فابتغوا عند الله الرزق) أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فهو الذي عنده الرزق كله، فاسألوه، واطلبوه من فضله. (واعبدوه) أي وحدوه دون غيره (واشكروا له) على نعمائه ذكرهما بعد طلب الرزق لأن الأول أي العبادة سبب لحدوث الرزق والثاني أي الشكر موجب لبقائه وسبب لمزيد عليه، يقال شكرته وشكرت له. (إليه) أي إلى محل جزائه تعالى (ترجعون) بالموت ثم بالبعث لا إلى غيره، فاستعدوا للقائه بعبادته: والشكر له على أنعمه، ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد وقال:

стр. 7017

(وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) أي وإن تكذبوني فقد وقع ذلك لغيري ممن قبلكم فهو من قول إبراهيم، وقيل: هو من قول الله سبحانه، أي وإن تكذبوا محمد ﷺ فذلك عادة الكفار مع من سلف كقوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وقيل: هذا اعتراض متصل إلى قوله عذاب أليم، وقع تذكيراً لأهل مكة، وتحذيراً لهم. (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) لقومه الذين أرسل إليهم وليس عليه هدايتهم، وليس ذلك في وسعه، ولما بين الله تعالى الأصل الأول، وهو التوحيد وأشار إلى الثاني وهو الرسالة بقوله: ما على الرسول الخ شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي فقال:

стр. 7018

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)

стр. 7019

(أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده)؟ قرئ بالتحتية على الخبر قال أبو عبيدة: كأنه قال أولم يَرَ الأمم، وقرئ بالفوقية على الخطاب من إبراهيم لقومه، وقيل هو خطاب من الله لقريش، وقرئ يبدي من أبدى يبدي ومن بدأ يبدئ، وقرئ (كيف بدأ) والمعنى: ألم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة، ثم علقة، ثم مضغة ثم ينفخ فيهم الروح، ثم يخرجهم إلى الدنيا ثم يتوفاهم بعد ذلك. ثم هو يعيدهم كما بدأهم، وكذلك سائر الحيوانات وسائر النباتات. فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم، والواو للعطف على مقدر، والمراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول فهو من الله. (إن ذلك) أي الخلق الأول والثاني (على الله يسير) لأنه إذا أراد أمراً قال له كن فيكون، فكيف ينكرون الثاني، ثم أمر سبحانه إبراهيم أن يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ويعتبروا، فقال:

стр. 7020

(قل) لمنكري البعث (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) على كثرتهم؛ واختلاف ألوانهم وطبائعهم، وألسنتهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية، والأمم الخالية، وآثارهم، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله، فإن من قدر على إنشائها بدءاً يقدر على إعادتهم، وقيل: إن المعنى قل لهم يا محمد سيروا ومعنى قوله (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) إن الله الذي بدأ النشأة الأولى وخلقها على تلك الكيفية، ينشئها نشأة ثانية عند البعث، أي فكما لم يتعذر عليه إحداثهم مبدئاً كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيداً بعد الموت. ثانياً وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحد منهما إنشاء أي ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والجملة عطف على جملة: سيروا في الأرض داخلة معها في حيز القول. قال ابن عباس: النشأة الآخرة: هي الحياة بعد الموت وهو النشور، قرئ النشأة بالقصر وسكون الشين، وبالمد وفتح الشين وهما لغتان كالرأفة والرآفة، وهي منتصبة على المصدرية بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة أو على حذف العامل أي ينشئ فينشئون النشأة (إن الله على كل شيء) من البداءة والإعادة (قدير) والجملة تعليل لما قبلها.

стр. 7021

(يعذب من يشاء) تعذيبه بعد النشأة الآخرة بالخذلان، وهم الكفار والعصاة (ويرحم) بالهداية (من يشاء) رحمته وهم المؤمنون به، المصدقون لرسله، العاملون بأوامره ونواهيه، أو المعنى: يعذب بالحرص، ويرحم بالقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله، وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع، وبملازمة السنة، وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب أولاً لسبق ذكر مستحقيه (وإليه) لا إلى غيره (تقلبون) أي ترجعون وتردون.

стр. 7022

(وما أنتم) الخطاب لبني آدم وهم من أهل الأرض وليس في وسعهم الهرب في السماء لكن المقصود امتناع الفوات على جميع الأحوال (بمعجزين) ربكم عن إدراككم (في الأرض) الفسيحة (ولا في السماء) التي هي أفسح منها، قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها قال: وهو كما في قول حسان: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه وينصره سواء، ومثله قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم) أي إلا من له مقام معلوم، والمعنى أنه لا يعجزه سبحانه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء، إن عصوه. وقال قطرب: إن معنى الآية ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة، يعني ولا بالبصرة ولو صار إليها، وقال المبرد: المعنى ولا من في السماء، على أن من ليست موصولة بل نكرة، وفي السماء صفة لها فأقيمت مقام الموصوف ورده الأخفش ورجح ما قاله قطرب. والمقصود بيان امتناع الفوات على جميع التقادير، ممكناً كان أو مستحيلاً وهذا إن حملت الأرض والسماء على المشهور من معناهما، ويجوز أن يراد بهما جهة السفل وجهة العلو، وقال هنا: (في الأرض ولا في السماء)، واقتصر في الشورى على الأرض لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود الذي حاول الصعود إلى السماء، وقد حذفا معاً للاختصار في قوله في الزمر: (وما هم بمعجزين). (وما لكم من دون الله) أي غيره (من ولي ولا نصير) من مزيدة للتأكيد، أي: ليس له ولي يواليه، ولا نصير ينصره، ويدفع عنه عذاب الله.

стр. 7023

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)

стр. 7024

(والذين كفروا بآيات الله) أي التنزيلية أو التكوينية، أو جميعهما (ولقائه) أي أنكروا البعث وما بعده، ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله سبحانه، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الكافرين بالآيات واللقاء. (يئسوا من رحمتي) في الدنيا، ولم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله، وقيل: المعنى أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله وهي الجنة، وصيغة الماضي لدلالة علمه على تحقق وقوعه، وأضاف الرحمة إلى نفسه، ولم يضف العذاب إليها لسبق رحمته، وإعلاماً لعباده بعمومها لهم. (وأولئك لهم عذاب أليم) تكرير الإشارة للتأكيد، ووُصف العذاب

стр. 7025

بكونه أليماً للدلالة على أنه في غاية الشدة وهذا آخر الآيات في تذكير أهل مكة، وقوله:

стр. 7026

(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض بما تقدم من خطاب محمد ﷺ على قول من قال: إن قوله: (قل سيروا في الأرض) خطاب لمحمد ﷺ ، وأما على قول من قال: إنه خطاب لإبراهيم ﵇، فالكلام في سياقه سابقاً ولاحقاً: أي قال بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم: لا تجيبوا عن براهينه الثلاثة الدالة على الأصول وهي التوحيد والنبوة والحشر، وافعلوا بإبراهيم أحد الأمرين. (اقتلوه) بالسيف أو نحوه فتستريحوا منه عاجلاً (أو حرقوه) بالنار فإما أن يرجع إلى دينكم إذا أوجعته النار، وإما أن يموت بها إذا أصر على قوله ودينه وإنما أجابوا بذلك لعدم قدرتهم على الجواب الصحيح، ثم اتفقوا على تحريقه فقذفوه في النار. (فأنجاه الله من النار) بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، قيل: إن ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار، وذلك لذهاب حرها (إن في ذلك) أي في إنجاء الله لإبراهيم بعد إلقائه في النار (لآيات) أي: دلالات واضحة وعلامات ظاهرة، على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، حيث أضرموا تلك النار العظيمة، وألقوه فيها، ولم تحرقه، ولا أثرت فيه أثراً، بل صارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها، من الحرارة والإحراق. قال المحلي: هي عدم تأثيرها فيه، وإخمادها، وإنشاء روض مكانها في زمن يسير، انتهى. أي مقدار طرفة عين بحيث إنها لم تؤذه. ولكن أحرقت وثاقه لينحل. (لقوم يؤمنون) أي يصدقون بتوحيد الله وقدرته، وإنما خص المؤمنون لأنهم الذين يعتبرون بآيات الله سبحانه، وينتفعون بها، وأما من عداهم فهم عن ذلك غافلون.

стр. 7027

(وقال) إبراهيم لقومه بعد الإنجاء من النار، ولم يحصل له منهم رعب ولا مهابة (إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم) أي للتودد بينكم والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ذهاب المودة فيما بينكم إن تركتم عبادتها، قرئ برفع مودة، وإضافتها إلى بينكم، وبالنصب منونة، ونصب بينكم على الظرفية (في الحياة الدنيا) أي ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة. (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) أي يكفر بعض هؤلاء المتخذين للأوثان العابدين لها بالبعض الآخر منهم، فيتبرأ القادة من الأتباع والأتباع من القادة، وقيل: المعنى يتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان، والأوثان من العابدين لها، يقولون، لا نعرفكم. (ويلعن بعضكم بعضاً) أي كل فريق الآخر على التفسيرين المذكورين (ومأواكم النار) أي مأوى الكفار جميعاً، وقيل: يدخل في ذلك الأوثان (وما لكم من ناصرين) يخلصونكم منها بنصرتهم لكم.

стр. 7028

(فآمن له) أي لإبراهيم (لوط) فصدقه في جميع ما جاء به، وقيل: إنه لم يؤمن به إلا حين رأى النار لا تحرقه، وكأن لوط ابن أخي إبراهيم هاران، وقيل: ابن أخته، والأول أولى قال ابن عباس: آمن أي: صدق برسالته. (وقال إني مهاجر إلى ربي) قال النخعي، وقتادة: الذي قال إني مهاجر هو إبراهيم. قيل: هو أول من هاجر إلى الله وترك بلده، وسار إلى حيث أمره الله بالمهاجرة إليه، قيل: هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال قتادة: هاجر من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران، ثم منها إلى فلسطين، وهي برية الشام، ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط، وامرأته سارة، وقد تزوجها ومن ثم قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان، والمعنى إني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي.

стр. 7029

عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي ﷺ صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط أخرجه أبو يعلى، وابن مردويه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي ﷺ : " إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط " أخرجه ابن منده؛ وابن عساكر، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : " ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط، مهاجر "، أخرجه الطبراني، والحاكم في الكنى وابن عساكر. (إنه هو العزيز الحكيم) أي: الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة، وقيل: إن القائل: إني مهاجر إلى ربي هو لوط، والأول أولى لرجوع الضمير في قوله: (

стр. 7030

وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) إلى إبراهيم وكذا الضمير في قوله: قوله: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا) فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف، يعني منَّ الله عليه بالأولاد فوهب له بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة إسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لولده إسحق، وقول ابن عباس: هما ولدا إبراهيم لعله يريد ولده وولد ولده، لأن ولد الولد بمنزلة الولد، ومثل هذا لا يخفى على مثل ابن عباس، وهو حبر الأمة، وهذه عنه من رواية العوفي. وفي الصحيحين: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ﵇ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وجعل من ذريته النبوة فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من صلبه ونسله ". ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب، والمراد التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومعنى إيتاء الأجر في الدنيا أنه أعطي فيها

стр. 7031

الأولاد في غير أوانه وأخبر الله باستمرار النبوة فيهم، وذلك مما تقر به عينه، ويزداد به سروره. وقيل: أجره في الدنيا: إن أهل الملل كلها تدعيه، وتقول: هو منهم، ويثنون عليه الثناء الحسن، ويذكره أهل الإسلام في آخر كل تشهد إلى آخر الدهر، وقيل: أعطاه في الدنيا عملاً صالحاً، وعاقبة حسنة، وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا. وعن ابن عباس قال: إن الله وصى أهل الأديان بدينه، فليس من أهل الأديان دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به، وقال: أجر الدنيا الذكر الحسن، وقال أيضاً: الولد الصالح والثناء. (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة، وكثرة العطاء، والفوز بالدرجات العلا من الرب سبحانه

стр. 7032

(و) اذكر (لوطاً) وقال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطاً، أو أرسلنا لوطاً (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي الخصلة المتناهية في القبح، وهي اللواطة قرئ بالاستفهام وبغيره. (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) الإنس والجن، مستأنفة مقررة لكمال قبح هذه الخصلة، وأنهم منفردون بذلك لم يسبق إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم قيل: لم ينز (١) ذكر على ذكر قبل قوم لوط من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع، وتحاشت عنه النفوس، حتى قدموا عليها لخبث طينتهم. وهذه الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة، لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة، وقد قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) هذا وإن كان قياساً إلا أن الجامع مستفاد من الآية، قاله الرازي، ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال:

стр. 7033

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)

стр. 7034

(أئنكم لتأتون الرجال) أي: تلوطون بهم (وتقطعون السبيل) قيل: إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل بهذا السبب، قال الفراء: كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث. وقيل: كانوا يقطعون الطريق على المارة: بقتلهم ونهبهم، والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سبباً لقطع الطريق، من غير تقييد بسبب خاص، وقيل: إن معنى قطع الطريق قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال. (وتأتون في ناديكم المنكر) النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحللهم، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله، واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه، فقيل: كانوا يحذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب. وعن أم هاني بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية قال: " كانوا يجلسون بالطريق، فيخذفون أبناء السبيل، ويسخرون منهم ". أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وقال: لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي ﷺ : " نهى عن الخذف "، وهو قول الله سبحانه (وتأتون في ناديكم المنكر) وعن ابن عمر قال: في

стр. 7035

الآية هو الخذف، وعن ابن عباس مثله. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم قالته عائشة، وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم، وبعضهم يرى بعضاً، وقيل: كانوا يلعبون بالحمام، وقيل: كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش وقيل: يبزق بعضهم على بعض، ويلعبون بالنرد والشطرنج، ويلبسون المصبغات، وكان من أخلاقهم مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات، قال الزجاج: في هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر، وأن لا يجتمعوا على الهزء والمناهي، ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلون أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) أي: فما أجابوا بشيء إلا بهذا القول، رجوعاً منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وقد تقدم في سورة النمل (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم) وتقدم في الأعراف: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد ومكرراً للنهي لهم، والوعيد عليهم، فقالوا له أولاً، إئتنا بعذاب الله، كما في هذه الآية. فلما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوهم كما في الأعراف والنمل، وقيل: أنهم قالوا أولاً أخرجوهم من قريتكم؛ ثم قالوا ثانياً: إئتنا بعذاب الله، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة عليهم من الله سبحانه. و

стр. 7036

(قال رب انصرني على القوم المفسدين) بإنزال عذابك عليهم، وتحقيق قولي: إن العذاب نازل بهم. وإفسادهم هو ما سبق من إتيان الرجال، وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب الله سبحانه دعاءه، وبعث لعذابهم ملائكة، وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم ولهذا قال:

стр. 7037

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)

стр. 7038

(ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي: بالبشارة بالولد وهو إسحاق وبولد الولد وهو يعقوب (قالوا) لإبراهيم: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) وهي سدوم التي كان فيها قوم لوط قيل: كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم ﵇ (إن أهلها كانوا ظالمين) تعليل للإهلاك أي: إهلاكنا لهم بهذا السبب.

стр. 7039

(قال) لهم إبراهيم (إن فيها) أي: في هذه القرية (لوطاً) وهو غير ظالم فكيف تهلكونها؟ (قالوا نحن أعلم بمن فيها) من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط (لننجينه وأهله) من العذاب، قرئ لننجينه بالتخفيف والتشديد، وهما قراءتان سبعيتان. (إلا امرأته كانت) في علم الله وحكمه الأزلي (من الغابرين) أي الباقين في العذاب، المنغمسين فيه، الذين لم يخلصوا منه بسبب أن الدال على الشر له نصيب كفاعله كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط فصارت واحدة منهم، بسبب الدلالة وقيل: المعنى من الباقين في

стр. 7040

القرية التي سينزل بها العذاب فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا، والغابر لفظ مشترك بين الماضي والباقي وقد تقدم تحقيقه.
следующие страницы →