← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

(قال رب انصرني على القوم المفسدين) بإنزال عذابك عليهم، وتحقيق قولي: إن العذاب نازل بهم. وإفسادهم هو ما سبق من إتيان الرجال، وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب الله سبحانه دعاءه، وبعث لعذابهم ملائكة، وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم ولهذا قال:

стр. 7037

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)

стр. 7038

(ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي: بالبشارة بالولد وهو إسحاق وبولد الولد وهو يعقوب (قالوا) لإبراهيم: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) وهي سدوم التي كان فيها قوم لوط قيل: كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم ﵇ (إن أهلها كانوا ظالمين) تعليل للإهلاك أي: إهلاكنا لهم بهذا السبب.

стр. 7039

(قال) لهم إبراهيم (إن فيها) أي: في هذه القرية (لوطاً) وهو غير ظالم فكيف تهلكونها؟ (قالوا نحن أعلم بمن فيها) من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط (لننجينه وأهله) من العذاب، قرئ لننجينه بالتخفيف والتشديد، وهما قراءتان سبعيتان. (إلا امرأته كانت) في علم الله وحكمه الأزلي (من الغابرين) أي الباقين في العذاب، المنغمسين فيه، الذين لم يخلصوا منه بسبب أن الدال على الشر له نصيب كفاعله كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط فصارت واحدة منهم، بسبب الدلالة وقيل: المعنى من الباقين في

стр. 7040

القرية التي سينزل بها العذاب فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا، والغابر لفظ مشترك بين الماضي والباقي وقد تقدم تحقيقه.

стр. 7041

(ولما أن جاءت رسلنا لوطاً) بعد مفارقتهم إبراهيم و (أن) زائدة وهو مطرد (سيء بهم) أي: جاءه ما ساءه وأخافه، لأنه ظنهم من البشر فخاف عليهم من قومه لكونهم في أحسن صورة من الصور البشرية. (وضاق بهم ذرعاً) أي: عجز عن تدبيرهم، وحزن وضاق صدره وضيق الذراع كناية عن العجز وفقد الطاقة، كما يقال في الكناية عن الفقر: ضاقت يده، ومقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في هود، ولما شاهدت الملائكة ما حل به من الحزن والتضجر. (قالوا لا تخف) علينا من قومك (ولا تحزن) فإنهم لا يقدرون علينا (إنا منجوك وأهلك) من العذاب الذي أمرنا الله بأن ننزله بهم، قرئ منجوك بالتخفيف والتشديد، قال المبرد: التقدير وننجي أهلك (إلا امرأتك كانت من الغابرين) في العذاب.

стр. 7042

(إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء) مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص التنجية به وبأهله، والرجز العذاب، أي: عذاباً من السماء، وهو الرمي بالحجارة، وقيل: إحراقهم بنار نازلة من السماء وقيل: هو الخسف والحصب كما في غير هذا الموضع، ومعنى كون الخسف من السماء: إن الأمر به نزل من السماء: وسمي العذاب بالرجز لأنه يقلق المعذب من قولهم: ارتجز إذا ارتجس، أي اضطرب، قرأ ابن عباس: منزلون بالتشديد وقرئ بالتخفيف (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم.

стр. 7043

وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)

стр. 7044

(ولقد تركنا منها آية بينة) أي أبقينا من القرية علامة ودلالة بينة وهي الآثار التي بها من الحجارة التي رجموا بها، حتى أدركها أوائل هذه الأمة وخراب الديار، وآثار منازلهم الخربة: وقال مجاهد: هو الماء الأسود الباقي على وجه أرضهم، ولا مانع من حمل الآية. على جميع ما ذكر (لقوم) متعلق بتركنا أو بآية أو بينة وهو أظهر (يعقلون) أي: يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، وخص من يعقل لأنه الذي يفهم أن تلك الآثار عبرة يعتبر بها من يراها.

стр. 7045

(وإلى مدين) هو اسم رجل، وقيل: اسم المدينة، فعلى الأول المعنى وأرسلنا إلى مدين وأولاده؛ وعلى الثاني: أرسلنا إلى أهل مدين (أخاهم شعيباً) قد تقدم ذكره، وذكر نسبه، وذكر قومه في سورة الأعراف وسورة هود، وأضيف شعيب هنا إليهم، بخلافه في قصة نوح وإبراهيم ولوط حيث ذكر قوم مؤخراً عنهم، معرفاً بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم، لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الله لا يبعث رسولاً إلى غير معين. غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة

стр. 7046

مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بالإضافة لنبيهم، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب، وهود وصالح، فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله، فقال: وإلى مدين أخاهم شعيباً، وإلى عاد أخاهم هوداً ذكره الرازي. (فقال يا قوم اعبدوا الله) أي: أفردوه بالعبادة وخصوه بها، ولم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك لأن لوطاً كان في زمن إبراهيم، وإبراهيم سبقه بذلك حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة وأما غيره فجاءوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد؛ فأمروا به. (وارجوا اليوم الآخر) أي: توقعوه وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم، قال يونس النحوي: معناه اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال وخافوه (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) حال مؤكدة لعاملها، والعثو، والعثي أشد الفساد، وقد تقدم تفسيره.

стр. 7047

(فكذبوه) والتكذيب راجع إلى الإخبارات الضمنية، كأنه قال: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه فلا يقال: إنه لا يكذب الآمر ولا الناهي وإنما يكذب المخبر. (فأخذتهم الرجفة) أي: الزلزلة الشديدة وكذا في الأعراف، وقال في سورة هود: الصيحة، والقصة واحدة، قال ابن عباس: أي صيحة جبريل، وهي سبب الرجفة فرجفت الأرض من صيحته، والقلوب رجفت بها والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. (فأصبحوا في دارهم) أي في بلدهم وأرضهم أو منازلهم (جاثمين) أي: باركين على الركب ميتين.

стр. 7048

(وعاداً وثمود) بالصرف وتركه، بمعنى الحي والقبيلة، قال الكسائي: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عاداً

стр. 7049

وثمود، قال: وأحب إلي أن يكون معطوفاً على: فأخذتهم الرجفة، أي: وأخذت عاداً وثمود، وقال الزجاج التقدير: وأهلكنا عاداً وثمود. وقيل: المعنى اذكر عاداً وثمود إذا أرسلنا إليهم هوداً وصالحاً. (وقد تبين) أي: ظهر (لكم) يا معشر الكفار، ويا أهل مكة (من مساكنهم) أي منازلهم الكائنة بالحجر والأحقاف واليمن آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها، وكانوا يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها. (وزين لهم الشيطان أعمالهم) التي يعملونها من الكفر ومعاصي الله (فصدهم) بهذا التنزيين (عن السبيل) أي: الطريق الواضح الموصل إلى الحق (وكانوا مستبصرين) بواسطة الرسل؛ يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبيل قاله الرازي. وقيل: مستبصرين في الضلالة، قاله ابن عباس، أي أهل بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق بالاستدلال لكنهم لم يفعلوا. وقال الفراء: كانوا عقلاء ألباء ذوي بصائر في أمور الدنيا، فلم ينفعهم بصائرهم، وقيل: المعنى كانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى، ويرون أن أمرهم حق، فوصفهم بالاستبصار على هذا باعتبار ما عند أنفسهم، أو متبينين أن العذاب لاحق لهم بإخبار الرسل لهم، ولكنهم لجوا حتى هلكوا.

стр. 7050

(وقارون وفرعون وهامان) قال الكسائي: إن شئت كان معطوفاً على عاد، وكان فيه ما فيه؛ وإن شئت كان على: (فصدهم عن السبيل) أي وصد قارون الخ. وقيل: التقدير: وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل. وقدم قارون على فرعون، لشرف نسبه بقرابته من موسى، لكونه ابن عمه، وهامان هو وزير فرعون. (ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي بالحجج الظاهرات، والدلالات الواضحات الباهرات (فاستكبروا في الأرض) عن عبادة الله (وما كانوا سابقين) أي فائتين عذابنا، فارين منه، يقال: سبق طالبه إذ فاته، وقيل: سابقين في الكفر، بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة.

стр. 7051

فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)

стр. 7052

(فكُلاًّ) من المذكورين (أخذنا بذنبه) أي عاقبنا بسبب كفره وتكذيبه، قال الكسائي: أي فأخذنا كُلاًّ بذنبه وفيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب. (فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً) أي ريحاً تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار فترجمهم بها. وهم قوم لوط، قاله ابن عباس. (ومنهم من أخذته الصيحة) وهو ثمود وأهل مدين، قاله ابن عباس. (ومنهم من خسفنا به الأرض) وهو قارون وأصحابه. قاله ابن عباس. (ومنهم من أغرقنا) وهم قوم نوح؛ وفرعون قاله ابن عباس. (وما كان الله ليظلمهم) بما فعل بهم فيعذبهم بغير ذنب لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل إليهم كتبه (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) باستمرارهم على الكفر، وتكذيبهم للرسل، وعملهم بمعاصي الله وارتكابهم الذنوب.

стр. 7053

(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) يوالونهم، ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، ومن الأحياء أو من الأموات (كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) لنفسها، تأوي إليه، وإن بيتها في

стр. 7054

غاية الضعف والوهن، لا يغني عنها شيئاًً لا في حر، ولا قر، ولا مطر كذلك ما اتخذوه ولياً من دون الله. فإنه لا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ولا يغني عنهم شيئاًً شبه حال من اتخذ الأصنام والأوثان والأحبار والرهبان أولياء وعبدها، واعتمد عليها، راجياً لنفعها وشفاعتها، بحال العنكبوت التي اتخذت بيتاً لا يغني عنها في مطر ولا أذى. قال الفراء: هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً. قال: ولا يحسن الوقف على العنكبوت، لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به، وقد جوز الوقف على العنكبوت الأخفش وغلطه ابن الأنباري، قال لأن (اتخذ) صلة للعنكبوت. كأنه قال: كمثل العنكبوت التي اتخذت بيتاً، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول. والعنكبوت تقع على الواحد والجمع؛ والمذكر والمؤنث، ونونه أصلية والواو والتاء مزيدتان، بدليل قولهم في الجمع عناكيب وفي التصغير عنيكيب، وهذا مطرد في أسماء الأجناس؛ ويجمع على عكاب وعكبة وأعكاب وعناكب. وعنكبوتات أيضاً وهي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجاً رقيقاً، وقد يقال لها عنكبات، والغالب في استعماله التأنيث. (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) لا بيت أضعف منه، مما يتخذه الهوام بيتاً، ولا يدانيه في الوهن، والوهن شيء من ذلك، فإن الريح إذا هبت عليه أو لمسه لامس فلا يبقى له عين ولا أثر فكما أن أوهن البيوت بيته كذلك أضعف الأديان دين عبدة الأوثان، ومن يعبد غير الله أو يتخذه ولياً وأرباباً من دونه كمقتدي الأحبار والرهبان ومقلديهم. (لو كانوا يعلمون) أن اتخاذهم الأولياء من دون الله كاتخاذ العنكبوت بيتاً، وأن أمر دينهم بلغ هذه الغاية من الوهن ما عبدوها، أو لو كانوا يعلمون شيئاًً من العلم لعلموا بهذا. قال ابن عباس في الآية: ذاك مثل

стр. 7055

ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت العنكبوت. وأخرج أبو داود في مراسيله. عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله ﷺ : " العنكبوت شيطان مسخه الله، فمن وجدها فليقتلها " وعن يزيد بن ميسرة قال " العنكبوت شيطان ". وأخرج الخطيب عن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : " دخلت أنا وأبو بكر الغار، فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن ". وروى القرطبي في تفسيره عن عليّ أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، وعن عطاء الخراساني قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود ﵇، ومرة على النبي ﷺ .

стр. 7056

(إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء) ما استفهامية، أو نافية أو موصولة، ومن للتبيين، أو مزيدة للتأكيد. وقيل: التقدير قل للكافرين إن الله يعلم أي شيء تدعون من دونه من إنس وجن وملك وحبر، وراهب وغير ذلك، وجزم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل: يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء يعني ما تدعونه ليس بشيء وهذا تأكيد للمثل وزيادة عليه، وعلى تقدير الموصولة: إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، وهذا أظهر الأوجه فيها، كما قال الكرخي ويجوز أن تكون (ما) مصدرية و (من شيء) عبارة عن المصدر، وقرئ يدعون بالتحتية لذكر الأمم قبل هذه الآية وقرئ بالفوقية على الخطاب. (وهو العزيز) الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جماداً وحيواناً لا علم له، ولا قدرة، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء (الحكيم) الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير.

стр. 7057

وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)

стр. 7058

(وتلك الأمثال) أي هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن (نضربها للناس) تنبيهاً لهم وتقريباً لما بعد من أفهامهم (وما يعقلها) أي: ما يفهم صحتها وحسنها وفائدتها، ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله (إلا العالمون) بالله وبأسمائه وصفاته، الراسخون في العلم، المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم، وما يشاهدونه. لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه بين حال المشرك وحال الموحد، ودلت الآية على فضل العلم على العقل ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان، وأظهر الحق بالبرهان، ولم يأت الكفار بما أمرهم، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل، وحصل يأس الناس عنهم سلى المؤمنين بقوله:

стр. 7059

(خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي: خلقهما متلبساً بالعدل والقسط مراعياً في خلقهما مصالح عباده، غير قاصد به باطلاً. وقيل: المراد بالحق كلامه وقدرته، والأول أولى، لأن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته، كما أشار له بقوله: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته؛ وتفرده بالإلهية وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك بخلاف الكافرين، أي: فإن لم يؤمنوا فلا يضر ذلك في يقينكم وإيمانكم.

стр. 7060

(اتل ما أوحي إليك من الكتاب) أي القرآن وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن، والمحافظة على قراءته تقرباً إليه مع التدبر لآياته، والتفكر في معانيه من الأوامر والنواهي. (وأقم الصلاة) أي دم على إقامتها وجملة (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) تعليل لما قبلها، كأنه قيل: صل بهم إن الصلاة الخ والفحشاء ما قبح من العمل، كالزنا مثلاً؛ والمنكر ما لا يعرف في الشريعة أي تمنعه عن معاصي الله، وتبعده منها، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سبباً للانتهاء عنهما، والمراد هنا الصلوات المفروضة المكتوبة، المؤداة بالجماعة قال ابن عباس وابن مسعودة في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي. أخرج ابن مردويه، وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله هذا فقال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ". وأخرج الطبراني، وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً ". وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ". أخرجه عبد بن حميده، وابن جرير، والبيهقي، وأخرج الخطب عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وغيره عن ابن مسعود مرفوعاً نحوه. قال السيوطي: وسنده ضعيف. قال ابن كثير في تفسيره: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم. وقيل: من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله ﷺ ، ثم لم يدع من الفواحش شيئاًً إلا ركبه فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن صلاته ستنهاه يوماً، فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله.

стр. 7061

وقيل: معنى الآية أنه ما دام في صلاته فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومنه قوله: إن في الصلاة لشغلاً، وقيل: تنهى عنهما مطلقاً في سائر الأوقات لأن الصلاة تشغل جميع بدن المصلي، فإذا دخل في المحراب خشع، وأخبت لربه، وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه، وأنه تعالى مطلع عليه، وأنه يراه فصلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيئتها، ولو بعد خروجه منها، ولم يكد يفتر عن ذلك حتى تظله صلاة أخرى، يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذه الآية، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، فهو أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرد معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك، فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن صلاته قاصرة على الإجزاء، أي إسقاط الطلب عن المكلف، ولا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل كصلاتنا، فتلك تنزل صاحبها من منزلته حيث كان. فإن كان مرتكباً للمعاصي قد بعد من الله بسببها، فتلك الصلاة تتركه يتمادى على بعده. وقيل لابن مسعود: إن فلاناً كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، ذكره القرطبي. ويل: أراد بالصلاة القرآن، وفيه ضعف، لتقدم ذكر القرآن، والأول أولى، وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها. (ولذكر الله) بسائر أنواعه من تحميد، وتهليل، وتسبيح، وغير ذلك (أكبر) من كل شيء أي: أفضل من العبادات كلها بغير ذكر، وقد نقل القرطبي هذا التقييد عن ابن زيد وقتادة. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى

стр. 7062

ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا ممن ذكر الله مراقباً له وقيل: ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، مع المداومة عليه، قال الفراء وابن قتيبة: المرد بالذكر هنا الصلاة، والصلاة أكبر من سائر الطاعات وعبر عنها بالذكر كما في قوله فاسعوا إلى ذكر الله للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات، وكونها ناهية عن السيئات وقيل: عبر عنها بالذكر ليستقل بالتعليل كأنه قال: والصلاة أكبر لأنها ذكر الله. وقيل: المعنى ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، واختار هذا ابن جرير، ويؤيده حديث من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وقال ابن عباس: يقول ولذكر الله لعباده إذ ذكروه أكبر من ذكرهم إياه. وعن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس عن قول الله ولذكر الله أكبر فقلت: ذكر الله بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، قال: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قال اذكروني اذكركم. وعن ابن مسعود قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله، وعن ابن عمر نحوه، وعن ابن عباس أيضاً قال لها وجهان ذكر الله أكبر مما سواه، (وفي لفظ ذكر الله عندما حرمه)، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وعن معاذ بن جبل قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال لا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن الله يقول في كتابه العزيز (ولذكر الله أكبر). وعن عنترة قال: قلت لابن عباس أي العمل أفضل؟ قال ذكر الله. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم؟ وأرفعها في درجاتكم؟ وخير لكم من إعطاء الذهب

стр. 7063

والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ذكر الله " أخرجه الترمذي. وله عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: " الذاكرون الله كثيراً، قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منه درجة ". وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ". وأخرج البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يقعد قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ". وروي أن أعرابياً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: " تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله " وفي الباب أحاديث كثيرة لا نطول بذكرها. قال ابن عطاء: أكبر أي أن تبقى معه معصية، وقيل: ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقيل: لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى أو ذكره أكبر من أن تحويه أفهامكم وعنولكم، والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم، وإقبال القلب وتفرغه مما سوى الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى. (والله يعلم ما تصنعون) من الذكر ومن سائر الطاعات لا يخفى عليه من ذلك خافية فهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً، ثم شرع سبحانه في بيان إرشاد أهل الكتاب بعد بيان إرشاد أهل الشرك فقال:

стр. 7064

وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)

стр. 7065

(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وذلك على سبيار الدعاء لهم إلى الله ، والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وعن ابن عباس قال: بالتي هي أحسن، بلا إله إلا الله. (إلا الذين ظلموا منهم) بأن أفرطوا في المجادلة، ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم، والتخشين في مجادلتهم، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقيل: معنى الآية لا تجادلوا من آمن بمحمد ﷺ . من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وسائر من آمن منهم إلا بالتي هي أحسن، يعني بالموافقة فيما حدثوكم به، من أخبار أهل الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا هم الباقون على كفرهم. قال مجاهد: هذه الآية محكمة فيجوز مجادلتهم بها، وقيل: هي منسوخة بآية القتال، وبذلك قال قتادة ومقاتل، قال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية ولا غير ذلك. وقول مجاهد حسن، لأن أحكام الله لا يقال فيها إنها منسوخة، إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا

стр. 7066

القول ابن العربي. قال سعيد بن جبير ومجاهد: المراد بالذين ظلموا منهم الذين نصبوا القتال للمسلمين، وآذوا رسول الله ﷺ فجادلهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك فيدخل فيه أهل الشرك وعبدة الأوثان، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين وعلى جواز تعلم علم الكفار الذي به تتحقق المجادلة الحقة بالتي هي أحسن، قال السمين: الاستثناء متصل وفيه معنيان: أحدهما: إلا الظلمة، فلا تجادلوهم البتة بل جادلوهم بالسيف والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي: اغلظوا لهم كما اغلظوا عليكم وقرأ ابن عباس (ألا) حرف تنبيه أي: فجادلوهم: (وقولوا) هذا تبيين لمجادلتهم بالتي هي أحسن: (آمنا بالذي أنزل إلينا) من القرآن (وأنزل إليكم) من التوراة والإنجيل، أي بأنهما منزلان من عند الله وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه. أخرج البخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وإليكم ". وأخرج البيهقي وأبو نصر السجزي في الإبانة عن جابر ابن عبد الله قال: قال: رسول الله ﷺ : " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ". وعن ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب، وذكر نحو حديث جابر، ثم قال: فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه،

стр. 7067

وما خالف كتاب الله فدعوه وهذه الآية من جنس المجادلة بالأحسن. (وإلهنا وإلهكم واحد) لا شريك له، ولا ند، ولا ضد (ونحن له مسلمون) أي: ونحن معاشر أمة محمد ﷺ مطيعون له خاصة لم نقل عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا أرباباً من دون الله، ويحتمل أن يراد ونحن جميعاً منقادون له، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب، وطاعتهم أبلغ من طاعتهم.

стр. 7068

(وكذلك أنزلنا) هذا خطاب لرسول الله ﷺ والإشارة إلى مصدر الفعل كما بيناه في مواضع كثيرة أي ومثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا (إليك الكتاب) وهو القرآن، وقيل: المعنى كما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك القرآن. (فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) يعني مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، وخصهم بإيتائهم الكتاب لكونهم العاملين به، وكأن غيرهم لم يؤتوه لعدم عملهم بما فيه، وجحدهم لصفات رسول الله ﷺ المذكورة فيه، وكان إسلامهم بالمدينة والسورة مكيّة، فهذا من قبيل الإخبار بالغيب أخبره تعالى بحالهم قبل وقوعه. (ومن هؤلاء) إشارة إلى أهل مكة، والمراد أن منهم وهو من قد أسلم (من يؤمن به) أي بالقرآن، وقيل: إشارة إلى جميع العرب (وما يجحد بآياتنا) أي القرآن، والجحود إنما يكون بعد المعرفة، وعبر عن الكتاب بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها، وغاية التشنيع على من يجحد بها. (إلا الكافرون) المصممون على كفرهم المتوغلون فيه من المشركين، ومن أهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأضرابه فإن ذلك يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيقتها.

стр. 7069

وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)

стр. 7070

(وما كنت) يا محمد (تتلو من قبله من كتاب) أي من قبل القرآن كتاباً، ولا تقدر على ذلك، لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب. و (من) زائدة. (ولا تخطه بيمينك) أي ولا تكتبه لأنك لا تقدر على الكتابة، وخص اليمين لأن الكتابة، غالباً تكون باليمين، أي ولا كنت كاتباً، قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً ﷺ لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية قال النحاس: وذلك دليل على نبوته لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم. قال ابن عباس: لم يكن رسول الله ﷺ يقرأ ولا يكتب، وكان أمياً، قال الحافظ بن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: قال البغوي في التهذيب: هل كان النبي ﷺ يحسن الخط ولا يكتب ويحسن الشعر ولا يقوله أو لا؟ والأصح أنه كان لا يحسنهما ولكن كان يميز بين رديء الشعر وجيده، ذكره الشهاب وما أحسن ما قال آزاد ﵀: ما كان يعرف ألواحاً ولا قلماً ... وكان يعرف ما في اللوح والقلم وهذا شروع في الدليل على كون القرآن معجزاً (إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط لقالوا لعله وجد ما يتلوه علينا من كتب الله السابقة من الكتب المدونة في أخبار الأمم، فلما كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب لم يكن هناك موضع للريبة، ولا محل للشك أبداً، بل إنكار من أنكر وكفر من كفر، مجرد عناد وجحود بلا شبهة، وسماهم المبطلين لأن ارتيابهم

стр. 7071

على تقدير أنه ﷺ يقرأ ويكتب ظلم منهم، لظهور نزاهته، ووضوح معجزاته.

стр. 7072

(بل هو) أي القرآن الذي جئت به (آيات بينات) وقال قتادة ومقاتل: إن الضمير يرجع إلى النبي ﷺ أي بل محمد آيات، أي ذو آيات، وقرأ ابن مسعود: بل هي آيات بينات، قال الفراء معنى هذه القراءة بل آيات القرآن آيات بينات، واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما قالاه بقراءة ابن السميفع بل هذا آيات بينات، ولا دليل في هذه على ذلك، لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن كما جاز أن تكون إلى النبي ﷺ ، بل رجوعها إلى القرآن أظهر لعدم احتياج ذلك إلى التأويل؛ وهو إضراب عن ارتيابهم أي ليس القرآن مما يرتاب فيه لكونه محفوظاً. (في صدور الذين أوتوا العلم) يعني العلماء المؤمنين الذين حفظوا القرآن على عهده ﷺ ، وحفظوه بعده عن ظهر قلب، وهذا من خصائص القرآن بخلاف سائر الكتب فإنها لم تكن معجزات، ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة صدورهم أناجيلهم، ولذلك لا يقدرون على تحريفه ولا تغييره، والمراد أنهم يحفظونه تلقيناً منك، وبعضهم من بعض، وأنت تلقيته عن جبريل عن اللوح المحفوظ فلم تأخذه من كتاب بطريق تلقيه منه. (وما يجحد بآياتنا) أي القرآن الكريم (إلا الظالمون) أي المجاوزون للحد، والمتوغلون في الظلم،

стр. 7073

(وقالوا) أي المشركون (لولا أنزل عليه آيات من ربه) المعنى هَلا أنزلت عليه آيات كآيات الأنبياء وذلك كآيات موسى، وناقة صالح، وإحياء المسيح للموتى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال: (قل إنما الآيات عند الله) ينزلها على من يشاء من عباده، ولا قدرة لأحد على ذلك (وإنما أنا نذير مبين) أنذركم بما أمرت وأبين لكم كما ينبغي ليس في قدرتي غير ذلك.

стр. 7074

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)

стр. 7075

(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) مستأنفة للرد على اقتراحهم، وبيان بطلانه أي أو لم يكف المشركين من الآيات التي اقترحوها هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا ولو أتيتهم بآيات موسى أو بآيات غيره من الأنبياء لقالوا: سحر، ونحن لا نعرف السحر والكلام مقدور لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة ولما آمنوا كما لم يؤمنوا بالقرآن الذي يتلى عليهم في كل زمان ومكان فلا تزال معهم آية ثابتة لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون مكان، والمعنى أن القرآن معجزة أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء، مغنية عن سائر الآيات، لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تضمحل كغيرها من الآيات. (إن في ذلك) الكتاب الموجود في كل مكان وزمان إلى آخر الدهور الموصوف بما ذكر (لرحمة) عظيمة في الدنيا والآخرة (وذكرى) في الدنيا يتذكرون بها وترشدهم إلى الحق (لقوم يؤمنون) أي لقوم يصدقون بما جئت به من عند الله فإنهم هم الذين ينتفعون بذلك. أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله وغيرهما. عن يحيى بن جعدة قال: جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : " كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم، فنزلت، أو لم يكفهم الآية ". وعن الزهري: إن حفصة جاءت إلى النبي ﵌ بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه، والنبي ﷺ يتلون وجهه
следующие страницы →