← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

(والذين جاهدوا) أي: أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم، على ما دل عليه بالمفاعلة (فينا) أي: في شأن الله لطلب مرضاته، ورجاء ما عنده من الخير وقيل: في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا، ومراقبتنا، خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار، وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه، بالقول والفعل، في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا. (لنهدينهم سبلنا) أي سبل السير والطريق الموصل إلينا وقيل: لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير، وتوفيقاً. وعن ابن عطاء: جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان، وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، قال ابن عطية: هي مكيّة نزلت قبل فرض الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله، وطلب مرضاته. وقيل: الآية هذه نزلت في العباد، قال سفيان بن عيينة إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: والذين جاهدوا فينا الخ وقيل: المجاهدة الصبر على الطاعات، والمخالفة للهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا فينا أي: في طلب العلم لنهدينهم سبل العلم والعمل به. وقال سهل بن عبد الله: الذين جاهدوا بإقامة السنة وإماتة البدعة لنهدينهم سبل الجنة، وقال ابن عباس: الذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وقال أبو سليمان الداراني: الذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا أو عن بعضهم: من عمل بما علم وفق لعلم ما لم يعلم.

стр. 7107

وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون، وقال الداراني أيضاً: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين، وقمع الظالمين وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله. قال ابن عيينة: مثل السنة في الدنيا، كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم، فكذلك من لزم السنة في الدنيا سلم وظاهر الآية. العموم فيدخل تحته كل ذلك، قال النسفي: أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول، ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس، والشيطان، وأعداء الدين. (وإن الله لمع المحسنين) بالنصر والعون في دنياهم والمغفرة في عقباهم، وثوابهم الجنة في الآخرة، ومن كان الله معه لا يخذل أبداً ودخلت لام التوكيد على (مع) بتأويل كونها اسماً أو على أنها حرف ودخلت عليها لإفادة معنى الاستقرار، كما تقول: إن زيداً لفي الدار والبحث مقرر في علم النحو، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر إظهاراً لشرفهم بوصف الإحسان.

стр. 7108

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الروم (هي ستون أو تسع وخمسون آية) قال القرطبي: كلها مكيّة بلا خلاف، قال ابن عباس: نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وقال البيضاوي، إلا قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)، والأول أولى. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد -قال السيوطي بسند حسن- عن رجل من الصحابة: أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ فيها سورة الروم، وأخرج البزار عن أغر المزني مثله، وعن عبد الملك بن عمير أن النبي ﷺ قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد بن قانع من طريق ابن عمير مثل حديث الرجل الذي من الصحابة، وزاد فتردد فيها فلما انصرف قال: " إنما يلبس علينا في صلاتنا قوم يحضرون الصلاة بغير طهور، من شهد الصلاة فليحسن الطهور ".

стр. 7109

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)

стр. 7110

(الم) قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة، والله أعلم بمراده بذلك.

стр. 7111

(غلبت الروم) قرئ مبنياً للمفعول وللفاعل. قال النحاس: قراءة الناس بضم الغين وكسر اللام، قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، فقالوا: نحن أيضاً نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، أي: نصارى، فهم أقرب إلى الإسلام، والفرس مجوس فهم أقرب إلى كفار قريش وفارس اسم أعجمي علم على تلك القبيلة، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، بل والعجمة، وعن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت الم غلبت الروم، وقرأها على البناء للفاعل، ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وعن أبي الدرداء قال: سيجيء أقوام يقرأون الم غَلبت يعني بالفتح وإنما هي غُلبت يعني بالضم، والروم اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم (١) بن عيصو بن

стр. 7112

إسحاق ابن إبراهيم قاله ابن جزي في تفسيره، وسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه: فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، كذا قيل والله أعلم، قيل: وكانت هذه الحروب بين أذرعات وبصرى، والملك بفارس يومئذ كسرى أبرويز.

стр. 7113

(في أدنى الأرض) متعلق بغلبت أي أقرب أرض من أرض العرب، أو في أقرب أرض العرب منهم. قيل: هي أرض الجزيرة، وقيل: أذرعات وقيل: كسكر، وقيل الأردن، وقيل فلسطين (١) وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من غيرها، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهودة في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب، وقيل: إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه، والتقدير في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى في أقرب أرض الروم من العرب إلى فارس، والمراد بالجزيرة ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب وحدها على ما روي عن الأصمعي: أنها من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضاً. وسبب تسميتها جزيرة، إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة وبحر فارس، ودجلة والفرات. وقال ابن جزي في تفسيره: الجزيرة بين الشام

стр. 7114

والعراق. وهي أول الروم إلى فارس. قال ابن عطية: إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم. وعن ابن عباس قال: كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم لأنهم كانوا أصحاب أوثان؛ وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " أما إنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا؛ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلاً خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال: ألا جعلته أراه قال دون العشرة، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله: الم غلبت الروم، فغلبت ثم غلبت بعد. قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. وعن البراء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس ساء النبي ﷺ ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه، وقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: تصديقاً دته ولرسوله، فقال: تعرض لهم وأعظم الخطة، واجعله إلى بضع سنين، فأتاهم أبو بكر فقال: هل لكم في العود، فإن العود أحمد، قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن، وبنوا رومية فقمر (١) أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا السحت تصدق به. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد: إن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة والقصة حجة عليهما، لا لهما لأنها كانت قبل تحريم القمار، وفيه: هذه السحت تصدق به.

стр. 7115

(وهم من بعد غلبهم) أي: والروم من بعد غلب فارس إياهم (سيغلبون) أهل فارس، والغلب والغلبة لغتان

стр. 7116

(في بضع سنين) قد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد هنا: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسع، وقيل: إلى السبع، وقيل: ما دون العشرة، وإنما أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوماً لنبيه ﷺ لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من تفسير الفخر الرازي. أخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: الم غلبت الروم الآية، كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك يقول الله: ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الخ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: الم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذلك بيننا وبينكم، يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ فقال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ فسم بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين فمضت الست قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين، لأن الله قال في بضع سنين، فأسلم عند ذلك ناس كثير. وأخرج الترمذي وحسنه، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: " ألا احتطت يا أبا بكر؟ فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع ". وأخرج

стр. 7117

البخاري عنه في تاريخه نحوه، وفي الباب روايات. وما ذكرنا يغني عما سواه. (لله الأمر) أي هو المتفرد بالقدرة وإنفاذ الأحكام (من قبل ومن بعد) أي من وقت المغلوبية ووقت الغالبية. فهو لف ونشر مرتب على الآية وقال أبو السعود: أي في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا، وحين يغلبون والمعنى أن كُلاًّ من كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخراً، ليس إلا بأمر الله تعالى وقضائه، وتلك الأيام نداولها بين الناس انتهى. قرئ بضم الظرفين لكونهما مقطوعين عن الإضافة أي من قبل الغلب، ومن بعده، أو من قبل كل أمر وبعده. قال الزجاج: معنى الآية من متقدم ومن متأخر، وحكى الكسائي. من قبل ومن بعد، بكسر الأول منوناً وضم الثاني بلا تنوين. وحكى الفراء بكسرهما من غير تنوين، وغلطه النحاس، وقال: إنما يجوز مكسوراً منوناً، تلت وقد قرئ بذلك، ووجهه أنه لم ينو إضافتهما فأعربهما وقال شهاب الدين: وقد قرئ بكسرهما منونين. (ويومئذ) أي ويوم أن تغلب الروم على فارس، ويحل ما وعد الله من غلبتهم (يفرح المؤمنون

стр. 7118

بنصر الله) للروم على فارس لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين. أهل كتاب بخلاف فارس فإنهم لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم، وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، والأول أولى، قال: الزجاج هذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله، لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه. (ينصر من يشاء) أن ينصره (وهو العزيز) الغالب القاهر (الرحيم) الكثير الرحمة لعباده المؤمنين، وقيل المراد بالرحمة هنا الدنيوية وهي شاملة للمسلم والكافر

стр. 7119

(وعد الله لا يخلف الله وعده) أي وعد الله وعداً لا يخلفه وهو ظهور الروم على فارس (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بجهلهم وعدم تفكرهم إن الله لا يخلف وعده؛ وهم الكفار. وقيل: كفار مكة على الخصوص نفى عنهم العلم النافع للآخرة، وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا فقال:

стр. 7120

يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)

стр. 7121

(يعلمون) بدل من لا يعلمون، وهذا أحسن من قول الحوفي: إنها مستأنفة من حيث المعنى، إلا أن الصناعة لا تساعد عليه، لأن بدل فعل مثبت من فعل منفي لا يصح، والضمير للأكثر وكذا يقال فيما بعده، وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا. (ظاهراً من الحياة الدنيا) أي ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها، وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل: الظاهر الباطل، وقيل: يعني معايشهم كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون. قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه لا يخطئ وهو لا يحسن يصلي. وقيل: يعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها، وقيل: لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارها ومتاعبها. وأفادت الآية الكريمة أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة، وبالأعمال الصالحة، وتنكير الظاهر، يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها. (وهم عن الآخرة) التي هي النعمة الدائمة واللذة الخالصة (هم غافلون) لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما تحتاج إليه؛ أو غافلون عن الإيمان بها، والتصديق بمجيئها، وفيه أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها، وإعادة

стр. 7122

لفظ (هم) الثانية للتأكيد.

стр. 7123

(أولم يتفكروا)؟ الهمزة للإنكار عليهم، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره (في أنفسهم) ظرف للتفكر وليس معفولاً للتفكر، والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي لعلموا وحدانيته تعالى وصدق أنبيائه، وقيل إنها مفعول التفكر. والمعنى أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئاًً. والأول أولى، لأن المعنى أولم يتفكروا في قلوبهم الفارغة من الفكر التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله ظاهراً وباطناً من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت يجازى فيه على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها، جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت. (ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما) متعلق بالقول المحذوف، معناه: أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه فيعلموا لأن في الكلام دليلاً عليه، (وما) في (ما خلق) نافية أي لم يخلقها (إلا بالحق) الثابت الذي يحق ثبوته أو هي اسم في محل نصب على إسقاط الخافض، أي: بما خلق الله ويضعف أن تكون استفهامية، بمعنى النفي، والباء للسببية، أو هي ومجرورها في محل النصب على الحال، أي متلبسة بالحق. قال الفراء: معناه إلا للحق، أي للثواب والعقاب، وقيل: بالحق بالعدل، وقيل: بالحكمة، وقيل: إنه هو الحق، وللحق خلقها. (وأجل مسمى) للسموات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا تنبيه على الفناء وأن لكل مخلوق أجلاً لا يجاوزه، وقيل: معناه أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشيء (وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم) أي بالبعث بعد الموت (لكافرون) واللام هي المؤكدة والمراد بهؤلاء الكفار على الإطلاق أو كفار مكة.

стр. 7124

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)

стр. 7125

(أولم يسيروا في الأرض فينظروا) الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار، والمعنى أنهم قد ساروا وشاهدوا (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) من طوائف الكفار والأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق، وتكذيبهم للرسل. (كانوا أشد منهم قوة) كعاد وثمود، والجملة مبينة للكيفية التي كانوا عليها وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية؛ وقال ابن عمر: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل، أخرجه ابن مردويه (وأثاروا الأرض) أي حرثوها وقلبوها للزراعة، وزاولوا أسباب ذلك، ولم يكن أهل مكة أهل حرث. (وعمروها) عمارة (أكثر مما عمروها) لأن أولئك كانوا أطول منهم أعماراً وأقوى أجساماً، وأكثر تحصيلاً لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس (وجاءتهم رسلهم بالبينات) أي: المعجزات والحجج الظاهرات وقيل: بالأحكام الشرعية (فما كان الله ليظلمهم) بتعذيبهم على غير ذنب، وإهلاكهم بغير جرم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بالكفر والتكذيب للرسل.

стр. 7126

(ثم كان عاقبة الذين أساءوا) أي: عملوا السيئات من الشرك والمعاصي (السُّوأَى) هي فعلى من السوء تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات. وقيل: هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، أو مصدر كاليسرى، والذكرى، وصفت به العقوبة مبالغة، وقرئ عاقبة بالرفع على أنها اسم كان، والخبر السوأى، أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى، ومن القائلين بأن السوأى جهنم، الفراء والزجاج وابن قتيبة، وأكثر المفسرين. وسميت سوأى لأنها تسوء صاحبها. (أن كذبوا) أي: لأن كذبوا (بآيات الله) التي أنزلها على رسوله، أو بأن كذبوا، قال الزجاج: المعنى ثم كان عاقبة الذين أشركوا تكذيبهم بآيات الله واستهزاؤهم بها (وكانوا بها يستهزئون) عطف على كذبوا، داخل معه في حكم العلية أو في حكم الاسمية لكان أو الخبرية لهما.

стр. 7127

(الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي يخلقهم أولاً ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا (ثم إليه ترجعون) أي إلى موقف الحساب؛ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وأفرد الضمير في (يعيده) باعتبار لفظ الخلق وجمعه في (ترجعون) باعتبار معناه وقرئ يرجعون بالتحتية والفوقية على الخطاب والالتفات المؤذن بالمبالغة.

стр. 7128

(ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) قرئ يبلس على البناء للفاعل يقال: أبلس الرجل إذا سكت، وانقطعت حجته؛ فهو قاصر لا يتعدى، قال الفراء والزجاج: المبلس الساكت المنقطع في حجته، الذي أيس أن يهتدي إليها، وقرئ مبنياً للمفعول، وفيه بعد، لأن أبلس لا يتعدى وقال الكلبي: أي يأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقدمنا تفسير الإبلاس عند قوله: فإذا هم مبلسون، وقال ابن عباس: يبلس يبتئس، وعنه يكتئب وعنه الإبلاس الفضيحة.

стр. 7129

وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)

стр. 7130

(ولم يكن لهم) أي لا يكون للمشركين يوم تقوم الساعة (من شركائهم) الذين عبدوهم من دون الله، وأشركوهم، وهم الأصنام ليشفعوا لهم (شفعاء) يجيرونهم من عذاب الله (وكانوا) في ذلك الوقت (بشركائهم) أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله (كافرين) أي جاحدين لكونهم آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون، وقيل: إن معنى الآية كانوا كافرين في الدنيا بسبب عبادتهم، والأول أولى.

стр. 7131

(ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) أي يتفرق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله؛ الله يبدأ الخلق والمراد بالتفرق أن كل طائفة تنفرد، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس المراد تفرق كل فرد منهم عن الآخر، ومثله قوله فريق في الجنة وفريق في السعير، وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبداً، ثم بينَّ الله سبحانه كيفية تفرقهم فقال:

стр. 7132

(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال النحاس: سمعت الزجاج يقول معنى (أما) دع ما كنا فيه وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه إن معناها مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنا فيه.

стр. 7133

(فهم في روضة) الروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة؛ وقيل: البستان الذي هو في غاية النضارة قال المفسرون: والمراد بها هنا الجنة، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيم شأنها قال أبو عبيد: الروضة ما كان في سفل، فإذا كان مرتفعاً فهو ترعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في مكان مرتفع. (يحبرون) الحبور والحبرة السرور، أي فهم في رياض الجنة ينعمون وقال ابن عباس: يحبرون يكرمون. وقال النحاس: حكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته، وقيل: يحلون، والأولى تفسير يحبرون بالسرور، كما هو المعنى العربي، ونفس دخول الجنة يستلزم الإكرام، والنعيم، وفي السرور زيادة على ذلك، وقيل: التحبير التحسين فمعنى يحبرون يحسن إليهم، وقيل: هو السماع الذي يسمعون في الجنة، وقيل: غير ذلك والوجه ما ذكرناه. وأخرج الديلمي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم، فيميزون في كثب المسك والعنبر، ثم يقول للملائكة اسمعوهم من تسبيحي، وتحميدي، وتهليلي، قال فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط ". وعن مجاهد قال: ينادي مناد يوم القيامة فذكر نحوه. وعن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح: في الجنة شجر على ساق، قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم، ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا، وعن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر.

стр. 7134

(وأما الذين كفروا) بالله (وكذبوا بآياتنا) أي القرآن (ولقاء الآخرة) أي البعث، والجنة والنار (فأولئك) المتصفون بهذه الصفات (في العذاب

стр. 7135

محضرون) أي مقيمون فيه لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم، كقوله (وما هم بخارجين منها) وقيل: مجموعون. وقيل نازلون. وقيل: معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام عذابهم، ثم لمّا بين عاقبة طائفة المؤمنين، وطائفة الكافرين، أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، والخير العام؛ فقال:

стр. 7136

(فسبحان الله) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا عملتم ذلك فسبحوا الله، أي نزهوه عما لا يليق به، وصفوه بصفات الكمال، وهذا أولى، وقيل: صلوا كما سيأتي (حين تمسون وحين تصبحون) أي في وقت الصباح والمساء، وفي العشي، وفي وقت الظهيرة، وعلى أن المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس، فقوله " حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء، وقوله حين تصبحون صلاة الفجر.

стр. 7137

(وله الحمد في السماوات والأرض) معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح، كما في قوله سبحانه: فسبح بحمد ربك وقوله: ونحن نسبح بحمدك، وقيل: معنى وله الحمد الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد والأول أولى. (وعشياً) عطف على حين، وفيه صلاة العصر، والعشي من صلاة المغرب إلى العتمة، قاله الجوهري، وقال قوم: هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، أي الحمد له يكون في السماوات والأرض (وحين تظهرون) أي تصفون صلاة الظهر، كذا قال الضحاك، وسعيد بن جبير، وغيرهما قال الواحدي: قال المفسرون: إن معنى فسبحان الله فصلو الله، قال النحاس: أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات الخمس، قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح يكون في الصلاة وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وعنه قال: جمعت هذه الآية

стр. 7138

مواقيت الصلاة، فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء، وحين تصبحون الفجر وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر. وقد وردت أحاديث صحاح في فضل التسبيح، وثواب المسبح، وأخرج أحمد، وابن السني والطبراني، وغيرهم، عن معاذ بن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون، وحين تصبحون، وله الحمد الآية " وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أبو داود، والطبراني، وابن السني وغيرهم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : " من قال حين يصبح: سبحان الله إلى قوله وكذلك تخرجون، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " وإسناده ضعيف.

стр. 7139

(يخرج الحي من الميت) كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر (ويخرج الميت من الحي) كالنطفة والبيضة من الإنسان والطير، والكافر من المؤمن، وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران قيل: ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود، وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة، إلى النوم. (ويحي الأرض) بالنبات (بعد موتها) باليباس، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت (وكذلك) الإخراج (تخرجون) من قبوركم قرئ على البناء للمفعول والفاعل فأسند الخروج إليهم كقوله: يخرجون من الأجداث، والمعنى أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي وعكسه.

стр. 7140

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)

стр. 7141

(ومن آياته) الباهرة الدالة على البعث، وذكر لفظ من آياته ست مرات، تنتهي عند قوله: إذا أنتم تخرجون. ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية، إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآية بقيام السماوات والأرض لكونه من العوارض اللازمة، لأن كُلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين: خلقكم وخلق لكم من أنفسكم، وذكر من الآفاق السماء والأرض وذكر من لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف اللون، وذكر من عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمهما قيام السماء وقيام الأرض كذا في النهر، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء: اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق: اثنان أصول، واثنان لوازم واثنان عوارض. (أن خلقكم) أي خلق أباكم آدم (من تراب) وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من الأصل، ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الأنعام. (ثم إذا أنتم بشر) الترتيب والمهلة هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشراً بعد أطوار كثيرة و (إذا) هي الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع من كونه نطفة، ثم علقة، ثم

стр. 7142

مضغة، ثم عظماً مكسواً لحماً فاجأ البشرية والانتشار (تنتشرون) أي تنصرفون فيما هو قوام معايشكم، وتنبسطون في الأرض.

стр. 7143

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم) أي من جنسكم في البشرية والإنسانية (أزواجاً) وقيل: المراد حواء فإنه خلقها من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ونطف النساء (لتسكنوا) أي: تألفوا وتميلوا (إليها) أي إلى الأزواج فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه. (وجعل بينكم مودة ورحمة) أي: وداداً وترحماً بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم من قبل ذلك معرفة فضلاً عن مودة ورحمة، وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن وابن عباس، وقال السدي: المودة المحبة، والرحمة: الشفقة وقيل: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء وقيل: المودة للشابة، والرحمة: للعجوز وقيل: المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان، أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة. (إن في ذلك) المذكور سابقاً (لآيات) عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة البرهان على قدرته سبحانه على البعث والنشور (لقوم يتفكرون) أن قوام الدنيا بوجود التناسل، لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له، يتحصل عنه، أو لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التأنس والتجانس بين الأشياء كالزوجين وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام.

стр. 7144

(ومن آياته) الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الجزاء (خلق السماوات والأرض) فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة بلا مادة مساعدة لها وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم

стр. 7145

من قبوركم. وقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة، لأن الأرض تنبت وتخضر بالمطر. (واختلاف ألسنتكم) أي: لغاتكم من عرب، وعجم، وترك، وروم، وغير ذلك، بأن علم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس النطق وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه. (وألوانكم) من البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والشقرة، والزرقة، والخضرة، مع كونكم أولاد رجل واحد، وأم واحدة، يجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم، لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق، يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلا العالمون، ولا يفهمه إلا المتفكرون ولو اتفقت الأصوات، والصور، وتشاكلت، وكانت ضرباً واحداً لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، ولم يعرف العدو من الصديق، ولا القريب من البعيد؛ فسبحان من خلق الخلق على ما أراد، وكيف أراد، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السماوات والأرض، مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام، في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم؛ للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم. (إن في ذلك لآيات) لدلالات على قدرته تعالى (للعالمين) لعموم العلم فيهم، قرئ بكسر اللام وبفتحها وهما سبعيتان. وقال الفراء للكسرة وجه جيد لأنه قد قال: لآيات لقوم يعقلون، لآيات لأولي الألباب، وما يعقلها إلا العالمون.
следующие страницы →