← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

(ومن آياته) الباهرة الدالة على البعث، وذكر لفظ من آياته ست مرات، تنتهي عند قوله: إذا أنتم تخرجون. ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية، إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآية بقيام السماوات والأرض لكونه من العوارض اللازمة، لأن كُلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين: خلقكم وخلق لكم من أنفسكم، وذكر من الآفاق السماء والأرض وذكر من لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف اللون، وذكر من عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمهما قيام السماء وقيام الأرض كذا في النهر، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء: اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق: اثنان أصول، واثنان لوازم واثنان عوارض. (أن خلقكم) أي خلق أباكم آدم (من تراب) وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من الأصل، ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الأنعام. (ثم إذا أنتم بشر) الترتيب والمهلة هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشراً بعد أطوار كثيرة و (إذا) هي الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع من كونه نطفة، ثم علقة، ثم

стр. 7142

مضغة، ثم عظماً مكسواً لحماً فاجأ البشرية والانتشار (تنتشرون) أي تنصرفون فيما هو قوام معايشكم، وتنبسطون في الأرض.

стр. 7143

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم) أي من جنسكم في البشرية والإنسانية (أزواجاً) وقيل: المراد حواء فإنه خلقها من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ونطف النساء (لتسكنوا) أي: تألفوا وتميلوا (إليها) أي إلى الأزواج فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه. (وجعل بينكم مودة ورحمة) أي: وداداً وترحماً بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم من قبل ذلك معرفة فضلاً عن مودة ورحمة، وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن وابن عباس، وقال السدي: المودة المحبة، والرحمة: الشفقة وقيل: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء وقيل: المودة للشابة، والرحمة: للعجوز وقيل: المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان، أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة. (إن في ذلك) المذكور سابقاً (لآيات) عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة البرهان على قدرته سبحانه على البعث والنشور (لقوم يتفكرون) أن قوام الدنيا بوجود التناسل، لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له، يتحصل عنه، أو لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التأنس والتجانس بين الأشياء كالزوجين وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام.

стр. 7144

(ومن آياته) الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الجزاء (خلق السماوات والأرض) فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة بلا مادة مساعدة لها وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم

стр. 7145

من قبوركم. وقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة، لأن الأرض تنبت وتخضر بالمطر. (واختلاف ألسنتكم) أي: لغاتكم من عرب، وعجم، وترك، وروم، وغير ذلك، بأن علم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس النطق وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه. (وألوانكم) من البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والشقرة، والزرقة، والخضرة، مع كونكم أولاد رجل واحد، وأم واحدة، يجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم، لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق، يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلا العالمون، ولا يفهمه إلا المتفكرون ولو اتفقت الأصوات، والصور، وتشاكلت، وكانت ضرباً واحداً لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، ولم يعرف العدو من الصديق، ولا القريب من البعيد؛ فسبحان من خلق الخلق على ما أراد، وكيف أراد، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السماوات والأرض، مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام، في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم؛ للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم. (إن في ذلك لآيات) لدلالات على قدرته تعالى (للعالمين) لعموم العلم فيهم، قرئ بكسر اللام وبفتحها وهما سبعيتان. وقال الفراء للكسرة وجه جيد لأنه قد قال: لآيات لقوم يعقلون، لآيات لأولي الألباب، وما يعقلها إلا العالمون.

стр. 7146

وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)

стр. 7147

(ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) قيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وقيل: المعنى الصحيح من دون تقديم وتأخير، أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة، كوقت القيلولة، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في البلاد الحارة، وابتغاؤكم من فضله فيهما. فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار أكثر، والأول هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى، والآخر هو المناسب للنظم القرآني هاهنا، ووجه ذكر النوم والابتغاء هاهنا وجعلهما من جملة الأدلة على البعث أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت. (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) الآيات والمواعظ سماع متفكر متدبر بآذان واعية فيستدلون بذلك على البعث.

стр. 7148

(ومن آياته يريكم البرق) المعنى أن يريكم، ومنه المثل المشهور " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " وقيل: ويريكم البرق من آياته، وقيل: من آياته آية يريكم بها وفيها البرق، وقيل: التقدير: ومن آياته سحاب يريكم البرق (خوفا وطمعاً) من آياته قال قتادة: خوفاً للمسافر، وطمعاً

стр. 7149

للمقيم. وقال الضحاك: خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث. وقال يحيى ابن سلام: خوفاً أن يكون البرق برقاً خلباً لا يمطر، وطمعاً أن يكون ممطراً (وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها) باليباس بأن تنبت. (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك آية يستدل بها على القدرة الباهرة، كيف؟ والعقل ملاك الأمر. وهو المؤدي إلى العلم فيما ذكر وغيره، وإنما قال هنا: يعقلون، وفيما تقدم: يتفكرون، لأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف؛ كان يتطرق إلى الأوهام القاصرة أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف، والبرق والمطر ليس أمراً مطرداً غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قوياً وتارة يكون ضعيفاً فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار. فقال: هو آية لمن له عقل وإن لم يتفكر تفكراً تاماً، قاله الكرخي.

стр. 7150

(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض) هذا شروع في بيان بقائهما وثباتهما بعد بيان إيجادهما في قوله: ومن آياته خلق السماوات والأرض، وأظهر كلمة (أن) هنا التي هي علم الاستقبال لأن القيام هنا يعني البقاء لا الإيجاد، وهو مستقبل باعتبار أواخره وما بعد نزول هذه الآيات. (بأمره) أي: قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه، وقدرته بلا عمد يعمدهما، ولا مستقر يستقران عليه. قال الفراء: يقول أن تدوما قائمتين بأمره، وإنما ذكر قوله: إن في ذلك لآيات، في أربع مواضع، ولم يذكره في الأول، وهو قوله: ومن آياته أن خلقكم من تراب، ولا في الأخيرة وهي هذا لأن في الأول خلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد، وهو الإيجاد فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة. وأما قيام السماوات والأرض الذي هو الأخير فلأن في

стр. 7151

الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين، ولقوم يسمعون؛ ولقوم يعقلون، لظهورها، فلما كان في أول الأمر ظاهراً ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر؛ فلم يميز أحداً عن أحد وذكر ما هو مدلوله؛ وهو قدرته على الإعادة قاله الرازي. (ثم) أي بعد موتكم ومصيركم في القبور (إذا دعاكم دعوة) واحدة (من الأرض) التي أنتم فيها كما يقال: دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي وقيل: أي خرجتم من الأرض ولا يجوز أن يتعلق بـ (تخرجون) لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها وهذه الدعوة هي نفخة إسرافيل الآخرة في الصور على ما تقدم بيانه (إذا أنتم تخرجون) أي فاجأتم الخروج منها بسرعة من غير تلبث ولا توقف كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع وإذا الفجائية تقوم مقام الفاء في جواب الشرط، وقال هنا: إذا أنتم، وقال في خلق الإنسان: ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، لأن هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلاً للحياة فتنفخ فيه الروح فإذا هو بشر وأما في الإعادة فلا يكون تدريج بل يكون بدء وخروج فلم يقل هنا (ثم) ذكره الكرخي، وقد أجمع القراء على فتح التاء في (تخرجون) هنا وإنما قرئ بضمها في الأعراف

стр. 7152

(وله من في السماوات والأرض) من جميع المخلوقات ملكاً وتصرفاً وخلقاً ليس لغيره في ذلك شيء. (كل له قانتون) مطيعون طاعة انقياد قاله النحاس، وقيل: مقرون بالعبودية إما بالمقال وإما بالدلالة قاله عكرمة وأبو مالك والسدي وقيل: مصلون وقيل: قائمون يوم القيامة، كقوله: يوم يقوم الناس لرب العالمين أي للحساب قاله الربيع بن أنس، وقيل: بالشهادة أنهم عباده قال الحسن وقيل مطيعون لأفعاله لا يمتنع عليه شيء يريد فعله بهم، من حياة وموت ومرض وصحة فهي طاعة الإرادة، لا طاعة العبادة وقيل: مخلصون قاله سعيد بن جبير وقال ابن عباس: مطيعون في الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما سوى ذلك من العبادة.

стр. 7153

وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)

стр. 7154

(وهو الذي يبدأ الخلق) للناس (ثم يعيده) بعد الموت فيحيييه الحياة الدائمة (وهو) أي البعث أو الإعادة نظراً إلى المعنى دون اللفظ وهو رجعة أو ردة أو تذكيره باعتبار الخبر (أهون عليه) أي هين لا يستصعبه أو أهون عليه بالنسبة إلى قدرتكم وعلى ما يقوله بعضكم لبعض وإلا فلا شيء في قدرته بعضه أهون من بعض بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله كن فيكون قال أبو عبيد: من جعل أهون عبارة عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله (وكان ذلك على الله يسيراً) وبقوله (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) والعرب تحمل أفعل على فاعل كثيراً كما في قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول أي عزيزة طويلة. وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك: تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي بواحد، وكقولهم: الله أكبر، أي كبير، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقرأ ابن مسعود: وهو عليه هين. وقال مجاهد، وعكرمة، والضحاك: إن الإعادة أهون على الله من البداءة أي أيسر وإن كان جميعه هيناً وقيل: المراد أن الإعادة فيما بين الخلق أهون من البداءة، وقيل: الضمير في عليه للخلق أي: والعود أهون على الخلق، أي أسرع واقصر عليه وأيسر وأقل انتقالاً من طور إلى طور لأنه يصاح بهم صيحة واحدة، فيقومون ويقال لهم:

стр. 7155

كونوا فيكونون، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى آخر النشأة. وقال ابن عباس: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون، وابتداء الخلقة من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة. (وله المثل الأعلى) أي: الوصف الأعلى العجيب الشأن من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال، والجلال، والجمال، التي ليس لغيره ما يدانيها فضلاً عما يساويها، وقال الخليل: المثل الصفة أي: وله الوصف الأعلى قول: لا إله إلا الله أي الوحدانية، وبه قال قتادة وقال الزجاج: وله المثل الأعلى. (في السماوات والأرض) مرتبط بما قبله، وهو قوله: وهو أهون عليه، قد ضربه لكم مثلاً فيما يصعب ويسهل، وقيل: مرتبط بما بعده من قوله " ضرب لكم مثلاً من أنفسكم " وقيل: المثل الأعلى هو أنه ليس كمثله شيء، قاله ابن عباس. وقيل: هو أن ما أراده كان بقول: كن، والمعنى أنه سبحانه عرف بالمثل الأعلى ووصف به في السماوات والأرض، أي في هاتين الجهتين؛ وقيل: غير ذلك (وهو العزيز) في ملكه القادر الذي لا يغالب (الحكيم) في أفعاله وأقواله.

стр. 7156

(ضرب لكم) أيها المشركون (مثلاً) قد تقدم تحقيق معنى المثل (من أنفسكم) من لابتداء الغاية أي مثلاً منتزعاً كائناً ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم وأبين من غيرها عندكم فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً ثم بين المثل المذكور فقال: (هل لكم مما ملكت أيمانكم)؟ من للتبعيض أي من مماليككم وفي قوله (من شركاء) زائدة للتأكيد، والمعنى هل لكم شركاء؟ (فيما زرقناكم) من الأموال وغيرها كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم، وهم العبيد والإماء؟ والاستفهام للإنكار. قال ابن عباس في

стр. 7157

الآية: كان يلبي أهل الشرك: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله هذه الآية. (فأنتم) وهم (فيه سواء) أي مستوون في التصرف فيه على عادة الشركاء، وهذا جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحقق لنفي الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، والمعنى هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية أن يساووكم في التصرف بما رزقناكم من الأموال؟ ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم؟ (تخافونهم) خيفة (كخيفتكم أنفسكم) أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال، وجواز التصرف. والمراد نفي الأشياء الثلاثة، الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم: ما تأتينا فتحدثنا. والمراد إقامة الحجة على المشركين فإنهم لا بد أن يقولوا: لا نرضى بذلك، فيقال لهم: فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم؟ وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟ فإذا بطلت الشركة. بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، لم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له. قرئ أنفسكم بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وبالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله. (كذلك نفصل الآيات) تفصيلاً واضحاً وبياناً جلياً لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها (لقوم يعقلون) لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية، والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها، ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضرب لهم من المثل فقال:

стр. 7158

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)

стр. 7159

(بل اتبع الذين ظلموا) بالإشراك، وفيه الإضراب مع الالتفات وأقيم الظاهر مقام الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم (أهواءهم بغير علم) أي: لم يعقلوا الآيات بل اتبعوا أهواءهم الزائغة، وآراءهم الفاسدة الزائفة، والمعنى جاهلين بأنهم على ضلالة. (فمن يهدي من أضل الله) أي: لا أحد يقدر على هدايته، لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته (وما لهم) أي: ما لهؤلاء الذين أضلهم الله، والجمع باعتبار معنى من (من ناصرين) ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه؛ ثم أمر رسول الله ﷺ بتوحيده وعبادته كما أمره فقال:

стр. 7160

(فأقم وجهك للدين حنيفاً) شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه، وإقباله عليه، أي مائلاً إليه مستقيماً عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة فإن من اهتم بالشيء عند عليه طرفه وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه مقبلاً عليه.

стр. 7161

(فطرة الله التي فطر الناس عليها) الفطرة في الأصل الخلقة، والمراد بها هنا الملة وهي الإسلام والتوحيد. قال الواحدي: هذا قول المفسرين في الفطرة وقيل: المراد بها قابلية الدين والتهيوء له، وترسم الفطرت بالتاء المجرورة، وليس في القرآن غيرها، والمراد بالناس هنا الذين فطرهم الله على الإسلام، لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن كان خاصاً برسول الله ﷺ فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي: باتفاق من أهل التأويل، والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعاً مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم، فيبقون بسببها على الكفر، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة " وفي رواية: على هذه الملة، ولكن أبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) وفي رواية: حتى تكونوا أنتم تجدعونها. أخرج أحمد والنسائي، والحاكم، وصححه، وغيرهم، عن أسود بن سريع: إن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين فانتهى القتل إلى الذرية. فلما جاءوا قال النبي ﷺ : " ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين، قال: وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفسي بيده، ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يُعْرِبَ عنها لسانها ". وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه، إما شاكراً وإما كفوراً " وروى الإمام أحمد في المسند عن عياش بن حماد أن رسول الله ﷺ -

стр. 7162

خطب يوماً فقال في خطبته حاكياً عن الله سبحانه وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم الحديث. وهذا معاضد لحديث أبي هريرة المتقدم، فكل فرد من أفراد الناس مفطور، أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان. وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم وقول جماعة من المفسرين، وهو الحق. والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف، قال آخرون: هي البداءة التي ابتدأهم عليها فإنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة، والفاطر في كلام العرب: هو المبتدئ، وهذا مصير من القائلين به إلى معنى الفطرة لغة. وإهمال معناها شرعاً، والمعنى الشرعي مقدم على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو السنة في بعض المواضع مراداً بها اللغوي. كقوله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما ومبتديهما، وكقوله: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في المعنى الشرعي للفطرة، وهو ما ذكره الأولون كما بيناه. وانتصاب فطرة على أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها. وقال الزجاج: منصوب بمعنى اتبع فطرة الله، قال: لأن معنى فأقم وجهك للدين: اتبع الدين واتبع فطرة الله: وقال ابن جرير: هي مصدر من معنى فأقم وجهك، لأن معنى ذلك فطرة الله الناس على الدين. وقيل: هي منصوبة على الإغراء، أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، ورد هذا الوجه أبو حيان، وقال: إن كلمة الإغراء لا تضمر، إذ هي عوض عن الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض والمعوض عنه، وهو إجحاف، وأجيب بأن هذا رأي البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك. (لا تبديل لخلق الله) أي لما جبلكم وطبعكم عليه من قبول الحق، وهذا تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة. أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس

стр. 7163

عليها. لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه، أو تعليل لوجوب الامتثال له، أي لا صحة ولا استقامة لتبديله بالإخلال بموجبه، وعدم ترتيب مقتضاه عليه باتباع الهوى، وقبول وسوسة الشياطين. وقيل: لا يقدر أحد أن يغيره، فلا بد حينئذ من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأساً، ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق، والتمكن من إدراكه ضرورة أن التبديل بالمعنى الأول مقدور، بل واقع قطعاً، فالتعليل حينئذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة في كل أحد، فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإخلال به بما ذكر من اتباع الهوى، وخطوات الشيطان، ذكره أبو السعود. وقيل: هو نفي؛ معناه: النهي. أي: لا تبدلوا خلق الله، قال مجاهد وإبراهيم النخعي: معناه لا تبديل لدين الله، قال قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد: هذا في المعتقدات، وقال عكرمة: إن المعنى لا تغيير لخلق الله في البهائم، بأن تخصى فحولها. وقيل: لا تبدلوا التوحيد بالشرك، والسنة بالبدعة، وقيل: لا تبديل لما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة، فلا يصير السعيد شقياً، ولا الشقي سعيداً. (ذلك) الدين المأمور بإقامة الوجه له هو (الدين القيم) أو لزوم الفطرة هو الدين القيم، أي: المستقيم. وقال ابن عباس: الدين: القضاء (ولكن أكثر الناس) أي: كفار مكة (لا يعلمون) ذلك حتى يفعلوه ويعملوا به.

стр. 7164

(منيبين) أي: راجعين (إليه) بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ونواهيه. قال الجوهري: أناب إليّ أي: أقبل وتاب. قال الفراء: فأقم وجهك. ومن معك، منيبين، وكذا قال الزجاج. وقال تقديره: فأقم وجهك وأمتك، فالحال من الجميع، وقيل: كونوا منيبين إليه، لدلالة ولا تكونوا من المشركين، على ذلك، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم

стр. 7165

بالإنابة فقال (واتقوه) أي: خافوه باجتناب معاصيه. (وأقيموا الصلاة) التي أمرتم بها (ولا تكونوا من المشركين) بالله أي ممن يشرك به غيره في العبادة وقوله

стр. 7166

(من الذين فرقوا دينهم) باختلافهم فيما يعبدونه، وهو بدل مما قبله بإعادة الجار. (وكانوا شيعاً) الشيع: الفرق، أي لا تكونوا من الذين تفرقوا فرقاً في الدين، يشايع بعضهم بعضاً، من أهل البدع والأهواء، وقيل المراد بهم اليهود والنصارى، وقرئ فرقوا دينهم، أي الذي يجب اتباعه وهو التوحيد، وهي سبعية، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام. (كل حزب) أي كل فريق منهم (بما لديهم) من الدين المبني على غير الصواب (فرحون) أي مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق وليس بأيديهم منه شيء، والجملة اعتراض مقرر لا قبله من تفريقهم دينهم، وكونهم شيعاً.

стр. 7167

(وإذا مس الناس) أي: كفار مكة وغيرهم (ضر) أي قحط وشدة، أو هزال، أو مرض (دعوا ربهم) أن يرفع ذلك عنهم واستعانوا به (منيبين) أي راجعين ملتجئين (إليه) لا يعولون على غيره، وقيل: مقبلين عليه بكل قلوبهم. (ثم إذا أذاقهم منه رحمة) بإجابة دعائهم، ورفع تلك الشدائد عنهم (إذا فريق منهم بربهم يشركون) إذا: هي الفجائية وقعت جواباً للشرط؛ كأنها كالفاء في إفادة التعقيب، أي: فاجأ فريق منهم بالإشراك، وهم الذين دعوه فخلصهم مما كانوا فيه، وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم، وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم، وفيه مراعاة معنى لفظ الفريق وكذا في قوله.

стр. 7168

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)

стр. 7169

(ليكفروا بما آتيناهم) أي بنعمة الله عليهم، واللام لام كي، وقيل: لام الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل: هي لام العاقبة التي تقتضي المهلة، سميت لام المآل، والشرك والكفران متقارنان، لا مهلة بينهما، ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع فقال: (فتمتعوا) أريد به التهديد أيضاً، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لأجل المبالغة في زجرهم، وقرئ فتمتعوا على الخطاب، وبالتحتية على البناء للمفعول؛ وفي مصحف ابن مسعود: فليتمتعوا (فسوف تعلمون) ما يتعقب هذا التمتع الزائل من العذاب الأليم.

стр. 7170

(أم أنزلنا عليهم سلطاناً) أم، هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار، على مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنها بمعنى بل والهمزة. والسلطان: الحجة الظاهرة، وفيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بالإعراض عنهم وبعدهم عن ساحة الخطاب، قال الفراء: إن العرب تؤنث السلطان، يقولون: قضت به عليك السلطان، فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وجاء به القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة، وقيل: المراد بالسلطان هنا: الملك. (فهو يتكلم) أي يدل، كما في قوله: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وهو في حيز النفي المستفاد من أم (بما كانوا يشركون) أي ينطق بإشراكهم

стр. 7171

بالله سبحانه أو المعنى بالأمر الذي كانوا بسببه يشركون.

стр. 7172

(وإذا أذقنا الناس) أي كفار مكة وغيرهم (رحمة) أي خصباً ومطراً؛ ونعمة وسعة وصحة وعافية (فرحوا بها) فرح بطر وأشر، لا فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم، كما دل عليه قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ثم قال سبحانه: (وإن تصيبهم سيئة) أي بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض أو شدة على أي صفة (بما قدمت أيديهم) أي بسبب شؤم ذنوبهم (إذا هم يقنطون) القنوط الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور؛ وقال الحسن: القنوط ترك فرائض الله سبحانه؛ وقرئ يقنطون بفتح النون وبكسرها؛ وهما سبعيتان، وبابه ضرب وتعب؛ والمعنى إذا هم ييأسون، وهذا خلاف وصف المؤمنين؛ فإن من شأنهم أن يشكروا عند النعمة؛ ويرجوا ربهم عند الشدة أو يقال: الدعاء اللساني بناء على مجرد العادة لا ينافي القنوط القلبي، وقد يشاهد مثل ذلك في كثير من الناس، فلا يخالف هذا قوله: (دعوا ربهم منيبين إليه) أو المراد يفعلون فعل القانطين، كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء، قاله الكرخي.

стр. 7173

(أولم يروا) أي فما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء، كالمؤمنين ولم يعلموا (أن الله يبسط الرزق) أي يوسعه (لمن يشاء) من عباده امتحاناً هل يشكر أم يطغى فيكفر؟ (ويقدر) أي يضيق على من يشاء ابتلاء هل يصبر أم يضيق ذرعاً فيكفر (إن في ذلك) البسط والقبض (لآيات لقوم يؤمنون) فيستدلون بها على الحق لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع وغريب الخلق والحكمة، ولما بين سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة القرابة وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه فقال:

стр. 7174

(فآت ذا القربى حقه) الخطاب للنبي ﵌ وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال وسع الذ به عليه وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير الصدقة ما كان على قريب فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها،

стр. 7175

والمراد الإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر سواء كانوا في مخمصة أولم يكونوا وقيل فيه دليل على وجوب النفقة للمحارم (وبه قالت الحنفية، وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة يدل على أن ذلك في صدقة التطوع) وقاس الشافعي سائر الأقارب ما عدا الفروع والأصول على ابن العم، لأنه لا ولادة بينهم، ولا يصح حمل الصدقة على الواجبة وهي الزكاة لأن السورة مكية، والزكاة ما فرضت إلا في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة وللقريب الفقير في مال قريبه الغني حق واجب، وبه قال مجاهد وقتادة، قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج وقيل: المراد بالقربى: النبي ﵌ قال القرطبي: والأول أصح، فإن حقهم مبين في كتاب الله في قوله (فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) وقال الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القرب للندب. (والمسكين وابن السبيل) أي آتهما حقهما الذي يستحقانه، ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر الأصناف، ولكون ذلك واجباً لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول، سواء كان زكوياً أو لم يكن، وسواء كان قبل الحول أو بعده، لأن المقصود هنا الشفقة العامة وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، والفقير داخل في المسكين، لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضاً وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف، رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع قال مقاتل: حق المسكين أن يتصدق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة، وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقيل: هي منسوخة بآية المواريث، وقيل محكمة. (ذلك خير للذين يريدون وجه الله) أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرب إلى الله سبحانه، ويقصد بمعروفه إياه خالصاً (وأولئك هم المفلحون) أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالاً لأمره.

стр. 7176

وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)

стр. 7177

(وما آتيتم) بالمد بمعنى: أعطيتنم، وقرئ بالقصر بمعنى: ما فعلتم، وهما سبعيتان، وقيل بالقصر بمعنى: ما جئتم به من إعطاء ربا، وهو يؤول من حيث المعنى إلى القراءة المشهورة، لأنه يقال: آتى معروفاً، وأتى قبيحاً إذا فعلهما. (من ربا) وأجمعوا على الأولى في قوله: وما آتيتم من زكاة، أصل الربا الزيادة والمعني: ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض بأن تعطوا شيئاًً هبة أو هدية. (ليربوا في أموال الناس) أي ليزيد ويزكو في أموالهم (فلا يربو عند الله) قرئ بالتحتية، على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا، وقرئ بالفوقية مضمومة خطاباً للجماعة، بمعنى لتكونوا ذوي زيادات، وقرئ لتربوها، ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله ولا يثيب عليه، لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه خالصاً، قال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، أي لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه وهكذا قال قتادة والضحاك قال الواحدي: وهذا قول جماعة المفسرين قال الزجاج: يعني دفع الرجل الشيء ليعوض أكثر منه، وذلك ليس بحرام ولكنه لا ثواب فيه لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه.

стр. 7178

وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم به الإنسان أحداً لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجري به الخدمة، لا يربو عند الله وقيل: هذا كان حراماً على النبي ﵌ على الخصوص، لقوله سبحانه (ولا تمنن تستكثر) ومعناها: إن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضاً عنه وحرم عليه تشريفاً له، وقيل: إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب، وبه قال ابن عباس وابن جبير، وطاوس، ومجاهد، قال ابن عطية وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره، وهو وإن كان لا إثم فيه، فلا أجر ولا زيادة عند الله. قال عكرمة: الربا ربوان، فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه، يعني كما في هذه الآية. وقيل: إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرم، فمعنى لا يربو عند الله على هذا القول: لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه، قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله مثل ذلك، مثل هبة الفقير للغني، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي ﵀. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي ﵀ الآخر. وعن عليّ قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. قال ابن عباس: في الآية الربا ربوان، ربا لا بأس به، وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به، فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها وإضعافها، وعنه قال: هذا هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى النبي ﷺ خاصة فقال: ولا تمنن تستكثر. (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) أي: وما أعطيتم من صدقة

стр. 7179

تطوع لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله (فأولئك هم المضعفون) أي ذوو الأضعاف من الحسنات، الذين يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء: هو نحو قولهم: مسمن، ومعطش، ومضعف إذا كانت له إبل سمان وعطاش وضعيفة، وقرئ بفتح العين اسم مفعول وفيه التفات حسن عن الخطاب، لأنه يفيد التعظيم، كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفاً لحالهم، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون أو للتعميم لغير المخاطبين، كأنه قال: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين، وكان مقتضى ظاهر المقابلة أن يقال: فيربو عند الله فغير عبارة الربا إلى الإضعاف ونظم الفعلية إلى الإسمية الدال على الدوام، المشتملة على ضمير الفصل، المفيد للحصر، والمعنى: المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى ما الموصولة.

стр. 7180

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق الرازق، المميت المحيي، أي المختص بالخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء؛ ثم قال على جهة الاستفهام: (هل من شركائكم) أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة ويجعلون لهم نصيباً من أموالهم. (من يفعل من ذلكم)؟ أي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء (من شيء) أي شيئاًً من هذه الأفعال؟ ومعلوم أنهم يقولون: ليس فيهم من يفعل شيئاًً من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، و (من) الأولى والثانية لبيان شروع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، ثم نزه سبحانه نفسه فقال: (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي نزهوه تنزيهاً، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك.
следующие страницы →