← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

(يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (٢٢)) ْ

стр. 7387

(يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب أي قريشاً وغطفان واليهود باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم، ولم ينهزموا ففروا إلى داخل المدينة، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع والفرق والجبن. (وإن يأت الأحزاب) مرة أخرى بعد هذه المرة، والذهاب (يودوا لو أنهم بادون في الأعراب) أي يتمنون لو أنهم كانوا في بادية لما حل بهم من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال: بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية وسكنها. (يسألون عن أنبائكم) وأخباركم وما آل إليه أمركم، وما جرى لكم، كل قادم عليهم من جهتكم، أو يسأل بعضهم بعضاً عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب، ورسول الله ﷺ ، والمعنى أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال، لفرط جبنهم وضعف نياتهم (ولو كانوا فيكم) أي معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال (ما قاتلوا) معكم (إلا) قتالاً (قليلاً) خوفاً من العار وحمية على الديار، أو رياء من غير احتساب.

стр. 7388

(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) أي قدوة صالحة، يقال: لي في فلان أسوة أي لي به اقتداء، والأسوة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء اسم يوضع موضع المصدر يقال: ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به، قال الجوهري: الأسوة والإِسوة بالضم والكسر والجمع أسى وإسى، وقد قرىء بهما وهما سبعيتان وهما أيضاًً لغتان كما قال الفراء وغيره. وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله ﷺ أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة، والمعنى اقتدوا به اقتداء حسناً، وهو أن تنصروا دين الله وتوازروا رسوله، ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته، وجرح وشج وجهه، وجاع بطنه، وقتل عمه حمزة، وأوذي بضروب الأذى فصبر، وواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضاًً، واستنوا بسنته، وهذه الآية وإن كان سببها خاصاً فهي عامة في كل شيء؛ ومثلها: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله: (قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). عن ابن عمر قال في الآية: هذا في جوع رسول الله ﷺ وقد استدل بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما نحن بصدده، نعم فيه دلالة على لزوم الاتباع، وترك التقليد الحادث الذي أصيب به الإسلام، أي مصيبة وهل هذه الأسوة على الإيجاب أو على الاستحباب، فيه قولان، قال القرطبي يحتمل أن تحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. (لمن كان يرجو الله) أي حسنة كائنة لمن يرجو الله والمراد أنهم الذين يرجون الله ويخافون عذابه، يعني يرجون ثوابه ولقاءه (واليوم الآخر) أي أنهم يرجون رحمة الله فيه أو يصدقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى.

стр. 7389

(وذكر الله) أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكراً (كثيراً) وجمع بين الرجاء لله والذكر له فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول الله ﷺ ، ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال:

стр. 7390

(ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) الإشارة بهذا إلى ما رأوه من الجيوش أو إلى الخطب الذي نزل، والبلاء الذي دهم، وهذا القول منهم قالوه استبشاراً بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه الجنود وأن يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله، و (ما) في (ما وعدنا) هي الموصولة أو المصدرية، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم: (وصدق الله ورسوله) أي ظهر صدق خبرهما ووجه إظهار الاسم الشريف والرسول بعد قوله (ما وعدنا الله ورسوله)، هو قصد التعظيم، وأيضاًً لو أضمرهما لجمع بين ضميري الله ورسوله في لفظ واحد وقال صدقاً، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث [بئس خطيب القوم أنت]، لمن قال ومن يعصهما فقد غوى، وأما قوله ﷺ [من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما]، فالجواب أنه ﷺ أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقول، قاله السمين. (وما زادهم) ما رأوه من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم (إلا إيماناً) بالله (وتسليماً) لأمره، قال الفراء: ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا ذلك قال علي بن سليمان رأي يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية غير حقيقي؛ والمعنى ما زادهم الرؤية إلا إيماناً بالرب؛ وتسليماً للقضاء، ولو قال ما زادتهم لجاز، وعن ابن عباس قال: في الآية أن الله قال لهم في سورة البقرة (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء)، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً.

стр. 7391

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (٢٥)

стр. 7392

(من المؤمنين) المخلصين (رجال صدقوا) أي أتوا بالصدق من صدقني إذا قال الصدق (ما عاهدوا الله عليه) أي وفِّوا بما عاهدوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة من الثبات معه والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده وخان الله ورسوله، وهم المنافقون، وقيل هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله ﷺ ثبتوا له ولم يفروا. أخرج البخاري وغيره عن أنس قال: [نرى هذه الآية نزلت في أنس ابن النضر]، وأخرج ابن سعد، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال: " غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه؟ لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ قال يا أبا عمرو أين؟ قال واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين طعنة وضربة ورمية، ونزلت هذه الآية، وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. وقد روي عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه، والنسائي وغيرهما.

стр. 7393

وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ثم قال: أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه، وقد تعقب الحاكم، في تصحيحه الذهبي، كما ذكر ذلك السيوطي. ولكنه قد أخرج الحاكم حديثاً آخر وصححه، وأخرجه أيضاًً البيهقي في الدلائل عن أبي ذر قال لما فرغ رسول الله ﷺ يوم أحد مر على مصعب بن عمير مقتولاً على طريقه، فقرأ (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية وأخرج ابن مردويه من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة، ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما وعدوا الله ورسوله، وقسمهم إلى قسمين فقال: (فمنهم من قضى نحبه) أي فرغ من نذره، ووفّى بعهده، وصبر على الجهاد حتى استشهد، وقال ابن عمر: أي مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان. والنحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به وأوجبه على نفسه، والقتل، والموت. قال ابن قتيبة قضى نحبه أي: قتل. وأصل النحب: النذر كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله لهم فقتلوا، فقيل: فلان قضى نحبه، أي قتل. والنحب أيضاًً الحاجة وإدراك الأمنية يقول قائلهم: مالي عندهم نحب، والنحب العهد، ومعنى الآية أن من المؤمنين رجالاً أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم، ووفّوا بنذرهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. أخرج الترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي،

стр. 7394

فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني طلعت من باب المسجد فقال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي أنا قال: هذا ممن قضى نحبه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن معاوية قال سمعت رسول الله ﵌ يقول " طلحة ممن قضى نحبه ". وعن عائشة أن رسول الله ﵌ قال: " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة ". أخرجه سعيد بن منصور، وأبو يعلى، وأبو نعيم، وابن المنذر وغيرهم. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله، وأخرج ابن منده وابن عساكر من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن عليّ إن هذه الآية نزلت في طلحة. وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد قال قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا. (ومنهم من ينتظر) قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وأمثالهم فإنهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله ﷺ ، والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل، وإدراك فضل الشهادة. (وما بدلوا تبديلاً) أي ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتاً مستمراً، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا بدلوا.

стр. 7395

(ليجزي الله) اللام يجوز أن يتعلق بصدقوا أو بزادهم أو بما بدلوا أو بمحذوف كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله (الصادقين بصدقهم) بوفائهم بالعهد. (ويعذب المنافقين إن شاء) إذا لم يتوبوا (أو يتوب عليهم) بما صدر عنهم من التغيير والتبديل إن تابوا، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بسبب تبديلهم وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبة من الثواب والعقاب، فكأنما استويا في طلبها والسعي لتحصيلها، ومفعول إن شاء وجوابها محذوفان أي إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق، ولم يتركوه ولم يتوبوا عنه. (إن الله كان غفوراً) لمن تاب منهم بقبول التوبة (رحيما) بمن أقلع عما كان عليه من النفاق بعفو الحوبه ثم رجع سبحانه، إلى حكاية بقية القصة وما امتن به على رسوله والمؤمنين من النعمة فقال:

стр. 7396

(وردَّ الله الذين كفروا) وهم الأحزاب كأنه قيل؛ وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا (بغيظهم) الباء للسببية (لم ينالوا خيراً) المعنى أن الله ردهم بغيظهم لم يشف صدورهم، ولا نالوا خيراً في اعتقادهم وهو الظفر بالمسلمين، أولم ينالوا خيراً أي خير، بل رجعوا خاسرين لم يربحوا إلا عناء السفر، وغرم النفقة. (وكفى الله المؤمنين القتال) بما أرسله من الريح والجنود من الملائكة (وكان الله قوياً) على كل ما يريده إذا قال له: كن فيكون (عزيزاً) قاهراً غالباً لا يغالبه أحد من خلقه: ولا يعارضه معارض في سلطانه وجبروته. روى البخاري عن سلمان بن صرد قال سمعت رسول الله ﷺ حين انجلى الأحزاب يقول: " الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم ".

стр. 7397

وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩)

стр. 7398

(وأنزل الذين ظاهروهم) أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله ﷺ (من أهل الكتاب) وهم بنو قريظة فإنهم عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وصاروا يداً واحدة مع الأحزاب وكانت في آخر ذي (١) القعدة سنة خمس. وقيل: سنة أربع (من صياصيهم) جمع صيصية وهي الحصون، وكل شيء يتحصن به فهو صيصية؛ ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة التي في رجله وصياصي البقر والظباء: قرونها لأنها تمنع بها، ويقال لشوكة الحائك الذي يسوي بها السدي واللحمة: صيصية. وأخرج أحمد، وابن مردوول، وابن أبي شيبة عن عائشة خرجت يوم الخندق أقفو الناس فإذا أنا بسعد بن معاذ رماه رجل من قريش يقال له ابن الفرقة بسهم فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى

стр. 7399

تقر عيني من قريظة. فبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال، ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامه؛ ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر ببقية من أدم فضربت على سعد في المسجد. قالت فجاء جبريل وإن على ثناياه لوقع الغبار، فقال أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح. أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم فلبس رسول الله ﷺ لأْمَته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة. فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء عليهم قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ . قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فأتى به على حمار فقال رسول الله ﷺ : أحكم فيهم. قال فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله. (وقذف في قلوبهم الرعب) أي: الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي، وهي معنى قوله: (فريقاً تقتلون) هو منهم. (وتأسرون فريقاً) قرىء الفعلان بالتحتية وبالفوقية فيهما على الخطاب وبالفوقية في الأول وبالتحتية في الثاني فالفريق الأول هم الرجال والفريق الثاني هم النساء، والذرية. والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم، ووجه تقديم المفعول في الأول وتأخيره في الثاني. أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة وكان الوارد عليهم أشد الأمرين وهو القتل كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام.

стр. 7400

وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين فقيل: كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة، وقيل سبعمائة، وقيل ثمانمائة، وقيل تسعمائة وكان المأسورون سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة.

стр. 7401

(وأورثكم أرضهم) أي عقارهم وخيلهم (وديارهم) أي منازلهم وحصونهم (وأموالهم) أي الحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير والنقود والأمتعة. (و) أورثكم (أرضاً لم تطؤها) بعد لقصد القتال، واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة فقال يزيد بن رومان وابن زيد، ومقاتل إنها خيبر، أولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها فوعدهم الله بها. قال سليمان الجمل: وأُخذت بعد قريظة بسنتين أو ثلاث لأن خيبر كانت في السابعة في المحرم وهي مدينة كبيرة ذات حصون ثمانية وذات مزارع ونخل كثير، بينها وبين المدينة الشريفة أربع مراحل. انتهى ملخصاً وتمام هذه القصة في سيرة الحلبي. وقال قتادة: كنا نتحدث أنها مكة، وقال الحسن: فارس والروم، وقال عكرمة هي كل أرض تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة والمضي (١) لتحقق وقوعه (وكان الله على كل شيء قديراً) أي هو سبحانه قدير على كل ما أراده من خير وشر، ونعمة ونقمة، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح للمسلمين.

стр. 7402

(يا أيها النبي قل لأزواجك) قيل هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من المنع من إيذاء النبي ﷺ ، وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قال الواحدي قال المفسرون: إن أزواج النبي صلى الله عليه

стр. 7403

وسلم سألنه شيئاًً من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله ﷺ منهن شهراً وأنزل الله آية التخيير هذه، وكن يومئذ تسعاً: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وسودة، وهؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف في عدة أزواجه ﷺ وترتيبهن وعدة من مات منهن قبله، ومن مات هو عنهن، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه، والمتفق على دخوله بهن إحدى عشرة امرأة، كذا في المواهب وقد بسط الكلام عليهن في المقصد الثاني منه جداً فارجع إليه إن شئت. (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها) أي سعتها ونضارتها ورفاهيتها وكثرة الأموال والتنعم فيها (فتعالين) أي أقبلن إليّ بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين. (امتّعْكن) أي أعطيكن المتعة (وأسرحكن) أي أطلقكن قرأ الجمهور في الفعلين بالجزم جواباً للأمر. وقيل أن جزمهما على أنهما جواب الشرط، وعلى هذا يكون قوله فتعالين اعتراضاً بين الشرط والجزاء، وقرىء بالرفع فيهما على الاستئناف (سراحاً جميلاً) المراد به هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة.

стр. 7404

(وإن كنتن تردن الله ورسوله) أي تردن رسوله، وذكر الله للإيذان بجلالة محمد ﷺ عنده تعالى (والدار الآخرة) أي الجنة ونعيمها (فإن الله أعد للمحسنات منكن) أي اللاتي عملن عملاً صالحاً (وأجراً عظيماً) لا يمكن وصفه، ولا يقادر قدره، وذلك بسبب إحسانهن وبمقابلة صالح عملهن.

стр. 7405

وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي ﷺ أزواجه على قولين: الأول أنه خيرهن بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري وربيعة. والثاني: أنه إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، وبهذا قال علي والحسن وقتادة، والراجح الأول. واختلفوا أيضاًً في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يحسب مجرد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكون التخيير مع اختيار المرأة لزوجها طلاقا، لا واحدة ولا أكثر. وقال علي وزيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وبه قال الحسن والليث وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. والراجح الأول، لحديث عائشة الثابت في الصحيحين قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعده طلاقاً، ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقاً. ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة بمجرد التخيير، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها بيدها، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة. واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية؟ أو بائنة؟. فقال بالأول عمر وابن مسعود وابن عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي. وقال بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك، والراجح الأول؛ لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله ﷺ نساءه على خلاف ما أمره الله به. وقد أمره بقوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وروي عن زيد بن ثابت: أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات، وليس لهذا القول وجه.

стр. 7406

وقد روي عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء وإذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. وقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك فقال عمر. يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت في عنقها؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ( ﷺ ) ما ليس عنده؟ فنهاهما رسول الله ( ﷺ ) فقلن نساؤه: " والله لا نسأل رسول الله ( ﷺ ) بعد هذا المجلس ما ليس عنده "، وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة فقال: إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي. فيه حتى تستأمري أبويك قالت ما هو؟ فتلا عليها (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية فقالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل اختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لنسائك ما اخترت فقال إن الله لم يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله ( ﷺ ) جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت فبدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال: يا أيها النبي قل لأزواجك إلى تمام الآية، فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي ( ﷺ ) مثل ما فعلت، ثم لما اختار نساء رسول الله ( ﷺ ) إياه أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيماً لحقهن فقال:

стр. 7407

(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢))

стр. 7408

(يا نساء النبي من يأت منكن) من بيانية لأنهن كلهن محسنات (بفاحشة) أي معصية (مبينة) أي ظاهرة القبح، واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن فهو كقوله تعالى: لئن اشركت ليحبطن عملك، وقيل: المراد بالفاحشة: النشوز وسوء الخلق، وقال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عنوق الزوج، وفساد عشرته. وقالت فرقة: قوله هذا يعم جميع المعاصي، وكذلك الفاحشة كيف وردت. (يضاعف لها العذاب ضعفين) أي يعذبهن الله مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن، وارتفاع منزلتهن، ولأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أقبح، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ( ﷺ )، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد. وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع

стр. 7409

الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات. وقرىء يضعف على البناء للمفعول، وفرق أبو عمرو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف فقالا: يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف عذابين قال النحاس: هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة، والمعنى في: يضاعف ويضعف واحد، أي يجعل ضعفين، وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير. قال قوم: لو قدر الله الزنا من واحدة -وقد أعاذهن الله عن ذلك- لكانت تحد حدَّين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحد قال تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)، وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرئين، وقال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة، كما إن إيتاء الأجر مرتين في الآخرة وهذا حسن لأن نساء النبي ﷺ لم يأتين بفاحشة توجب حداً. وقد قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما خانتا في الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعدن به ضعفين هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وكذلك الأجر. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، اللهم إلا أن تكون أزواج النبي ( ﷺ ) لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة على ما هو حال الناس عليه بحكم حديث عبادة بن الصامت، وهذا أمر لم يرد في أزواج النبي ( ﷺ ) ولا حفظ تقريره. (وكان ذلك) أي تضعيف العذاب (على الله يسيراً) هيناً لا يتعاظمه ولا يصعب عليه، فليس كونكن تحت النبي ( ﷺ ) وكونكن جليلات شريفات مما يدفع العذاب عنكن، وليس أمر الله كأمر الخلق حتى يتعذر عليه تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهن وأعوانهن أو شفعائهن وإخوانهن.

стр. 7410

(ومن يقنت) قرىء بالتحتية وكذا يأت منكن حملاً على لفظ من في

стр. 7411

الموضعين، وقرىء بالفوقية حملاً على المعنى، والقنوت الطاعة أي يطع. (منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين) يعني أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلاً ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة وفي هذا دليل قوي على أن معنى يضاعف لها العذاب ضعفين أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثاً، لأن المراد إظهار شرفهن ومرتبتهن في الطاعة والمعصية، يكون حسنتهن كحسنتين وسيئتهن كسيئتين ولو كانت كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهن كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن، قيل الحسنة بعشرين حسنة، وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين. (وأعتدنا لها) زيادة على الأجر مرتين (رزقاً كريماً) جليل القدر، قال المفسرون: هو نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس، ثم أظهر سبحانه فضيلتهن على سائر النساء تصريحاً فقال:

стр. 7412

(يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) قال الزجاج: لم يقل كواحدة من النساء لأن (أحد) لفظ عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة، وقد يقال على ما ليس بآدمي، كما يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف. قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي، ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال:

стр. 7413

(إن اتقيتن) الله فأطعتنه فإن الأكرم عند الله هو الأتقى، فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون بملازمتهن للتقوى لا لمجرد اتصالهن بالنبي ﷺ وقد وقعت منهن ولله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء. وقيل إن جوابه قوله: (فلا تخضعن بالقول) والأول أولى، والمعنى: لا تُلِن القول عند فخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء، لا ترققن الكلام قال ابن عباس يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام. وعنه قال: مقارنة الرجال بالقول فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة وهي قوله: (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور وشهوة أو شك وريبة، أو نفاق. والمعنى لا تقلن قولاً يجد المنافق والفاجر به سبيلاً إلى الطمع فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع فيهن. (وقلن قولاً معروفاً) عند الناس أي حسناً مع كونه خشناً بعيداً من الريبة على سنن الشرع لا ينكر منه سامعه شيئاًً، ولا يطمع فيكن أهل الفسق والفجور بسببه، أو قولاً يوجبه الإسلام والدين عند الحاجة إليه ببيان من غير خضوع. وقيل: القول المعروف ذكر الله تعالى والأول أولى.

стр. 7414

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) (وقرن في بيوتكن) قرأ الجمهور بكسر القاف من وقر يقر وقاراً أي سكن والأمر منه قر بكسر القاف وللنساء قرن مثل عدن وزن، وقال المبرد هو من القرار لا من الوقار؛ تقول قررت بالمكان -بفتح الراء- والأصل اقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفاً كما قالوا في ظللت ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف واستغني عن ألف الوصل بتحريك القاف. وقال أبو علي الفارسي: أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف؛ كما أبدلت في قيراط ودينار وصارت الياء حركة الحرف الذي أبدلت منه، والتقدير: أقيرن ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن، وقرىء بفتح القاف وأصله قررت بالمكان إذا أقمت فيه بكسر الراء أقر بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز، ذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج وغيره. قال الفراء: هو كما تقول: هل حسست صاحبك أي هل أحسسته، قال أبو عبيد: كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف: وذلك لأن قررت بالمكان أقر لا يجوزه كثير من أهل العربية، والصحيح قررت أقر بالكسر، ومعنى الآية الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن، وأن لا يخرجن. وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من أجل مشايخه، وقد

стр. 7415

وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال: أن قرن بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب قال النحاس: قد خولف أبو حاتم في قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب بل فيه مذهبان أحدهما حكاه الكسائي والآخر عن علي بن سليمان، فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه من رواية أبي عبيدة عنه وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان فقال: إنه من قررت به عيناً أقر، وقيل المعنى وأقررن به عيناً في بيوتكن. قال النحاس: وهو وجه حسن، وأقول ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها أمرهن بالسكون والاستقرار في بيوتهن، وليس من قرة العين أي الزمن بيوتكن، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي ﷺ " مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك "؟ فقالت " قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت " قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها ". (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) التبرج أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل، وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور، قال المبرد هو مأخوذ من السعة؛ يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة، والمعنى إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال. وقيل التبرج هو التغنج والتبختر، والتكسر في المشي، وهذا ضعيف جداً، والأول أولى. وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى فقيل ما بين آدم ونوح أو زمن داود وسليمان. وقيل ما بين نوح وإدريس قاله ابن عباس، وكانت ألف سنة وقيل: ما بين نوح وإبراهيم. وقيل ما بين موسى وعيسى أو ما بين عيسى ومحمد قاله ابن عباس. وقيل ما قبل الإسلام والجاهلية الأخرى قوم يفعلون

стр. 7416

مثل فعلهم في آخر الزمان، أو الأولى جاهلية الكفر والأخرى جاهلية الفسوق، والفجور في الإسلام وقد بين حكمها في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن الخ. وقيل نذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى. وقال المبرد: الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، قال: وكان نساء الجاهلية يظهرون ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها فيتفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى ويتفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. قال ابن عطية والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها وأدركنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم فكان أمر النساء دون حجبة وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه؛ وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى كذا قال، وهو قول حسن، ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجاً مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن، أي لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. وعن عائشة قالت: الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى يبتل خمارها، رواه مسروق. (وأقمن الصلاة) الواجبة (وآتين الزكاة) المفروضة (وأطعن الله ورسوله) فيما أمر وفيما نهى، وخص الصلاة والزكاة ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ولأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما. (إنما يريد الله) أي إنما أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت، وعدم التبرج

стр. 7417

وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة. (ليذهب عنكم الرجس) والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للإعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه فيدخل في ذلك كل ما ليس فيه رضا الله وقيل: الرجس الشك، وقيل: السوء، وقيل: عمل الشيطان والعموم أولى (أهل البيت) نصبه على النداء أو المدح. (ويطهركم) من الأرجاس والأدناس (تطهيراً) كاملاً وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ، وزجر لفاعلها شديد. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في الآية هم زوجات النبي ﷺ خاصة قالوا: والمراد بالبيت بيت النبي ﷺ ومساكن زوجاته، لقوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) وأيضاًً السياق في الزوجات من قوله: يا أيها النبي قل لأزواجك إلى قوله لطيفاً خبيراً، وقاله أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة. وروي عن الكلبي إن أهل البيت المذكورين في الآية هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله عنكم، وليطهركم، ولو كان للنساء خاصة لقال عنكن، وليطهركن، وأجاب الأولون عن هذا بأن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول هم بخير. ولنذكر ههنا ما تمسك به كل فريق: أما الأولون فتمسكوا بالسياق فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في نساء النبي ( ﷺ ) خاصة. وقال عكرمة

стр. 7418

من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي ( ﷺ ) وروي هذا عنه بطرق، وأمّا ما تمسك به الآخرون فأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت إنما يريد الله الآية، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله ( ﷺ ) بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة أيضاًً أن النبي ( ﷺ ) كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله ( ﷺ ) ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي ﷺ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً فأخذ النبي ( ﷺ ) بفضلة كسائه فغشاهم إياها ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالها ثلاث مرات، قالت أم سلمة فأدخلت رأسي في الستر فقلت يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال: إنك إلي خير مرتين وأخرجه أحمد أيضاًً من حديثها وفي إسناده مجهول وهو شيخ عطاء وبقية رجاله ثقات، وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقاً كثيرة في مسند أحمد وغيره، وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر ابن أبي سلمة ربيب النبي ( ﷺ ) قال لما نزلت هذه الآية على النبي ( ﷺ ) وذكر نحو حديث أم سلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم

стр. 7419

عن عائشة قالت خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال: إنما يريد الله الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن وائلة ابن الأسقع قال: جاء رسول الله ﷺ إلى فاطمة ومعه علي وحسن وحسين حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلسن حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قلت: يا رسول الله وأنا من أهلك؟ قال. وأنت من أهلي، قال وائلة: إنه لأرجى ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد. وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، ويطهركم تطهيراً. وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال أذكركم الله في أهل بيتي فقيل لزيد: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين؛ وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثاً

стр. 7420

فجعلني في خيرها ثلثاً فذلك قوله (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة إنما يريد الله الآية وفي إسناده أبو داود الأعمى وهو وضاع كذاب، وفي الباب أحاديث وآثار، وقد ذكرنا ههنا ما يصلح للتمسك دون ما لا يصلح، وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات فلكَونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما قدمنا، ولكونهنَ الساكنات في بيوته ( ﷺ ) النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره، وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله، وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما. وقال جماعة: هم بنو هاشم واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عباس، ويقول زيد بن أرقم المتقدم حيث قال: ولكن آله من حرم الصدقة بعده: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، فهؤلاء ذهبوا إلى أن المراد بالبيت بيت النسب.

стр. 7421

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)

стр. 7422

(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) أي اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة أو اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة، قال القرطبي: قال أهل التأويل؛ آيات الله هي القرآن، والحكمة السنة، وقال مقاتل المراد بالآيات والحكمة أمره ونهيه في القرآن. وقيل: إن القرآن جامع بين كونه آيات بينات دالة على التوحيد، وصدق النبوة، وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من العلوم والشرائع. وقال قتادة في الآية القرآن والسنة يمنن بذلك عليهن. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل في الآية قال كان رسول الله ﷺ يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.

стр. 7423

(إن الله كان لطيفاً)، بأوليائه (خبيراً) بجميع خلقه وجميع ما يصدر منهم من خير وشر وطاعة ومعصية فهو يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

стр. 7424

(إن المسلمين والمسلمات) بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح إن النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإسلام قال: هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، ثم عطف على المسلمين المسلمات تشريفاً لهن بالذكر وهكذا فيما بعد إن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك، ثم ذكر: (والمؤمنين والمؤمنات) وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله ﷺ (والقانتين والقانتات) القانت المطيع العابد، وكذا القانتة، وقيل المداومين على العبادة والطاعة. (والصادقين والصادقات) هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه. (والصابرين والصابرات) هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف. (والخاشعين والخاشعات) أي المتواضعين لله الخائفين منه الخاضعين في عبادتهم لله.

стр. 7425

(والمتصدقين والمتصدقات) هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه، وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل. (والصائمين والصائمات) قيل: ذلك مختص بالفرض، وقيل هو أعم. (والحافظين فروجهم والحافظات) فروجهن عن الحرام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال. (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) الله كثيراً هما من يذكر الله على جميع أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان والخبر لجميع ما تقدم هو قوله: (أعد الله لهم مغفرة) لذنوبهم التي أذنبوها (وأجراً عظيماً على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر، ووصف الأجر بالعظيم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا. وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله فما لنا لا نذكر في القرآن كما تذكر الرجال فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: " إن الله يقول إن المسلمين والمسلمات الآية وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ( ﷺ ) فقالت ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية، وعن ابن عباس قال: قالت النساء يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات فنزلت هذه الآية أخرجه الطبراني وابن جرير وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي: حسن.
следующие страницы →