← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)

стр. 7422

(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) أي اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة أو اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة، قال القرطبي: قال أهل التأويل؛ آيات الله هي القرآن، والحكمة السنة، وقال مقاتل المراد بالآيات والحكمة أمره ونهيه في القرآن. وقيل: إن القرآن جامع بين كونه آيات بينات دالة على التوحيد، وصدق النبوة، وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من العلوم والشرائع. وقال قتادة في الآية القرآن والسنة يمنن بذلك عليهن. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل في الآية قال كان رسول الله ﷺ يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.

стр. 7423

(إن الله كان لطيفاً)، بأوليائه (خبيراً) بجميع خلقه وجميع ما يصدر منهم من خير وشر وطاعة ومعصية فهو يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

стр. 7424

(إن المسلمين والمسلمات) بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح إن النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإسلام قال: هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، ثم عطف على المسلمين المسلمات تشريفاً لهن بالذكر وهكذا فيما بعد إن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك، ثم ذكر: (والمؤمنين والمؤمنات) وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله ﷺ (والقانتين والقانتات) القانت المطيع العابد، وكذا القانتة، وقيل المداومين على العبادة والطاعة. (والصادقين والصادقات) هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه. (والصابرين والصابرات) هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف. (والخاشعين والخاشعات) أي المتواضعين لله الخائفين منه الخاضعين في عبادتهم لله.

стр. 7425

(والمتصدقين والمتصدقات) هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه، وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل. (والصائمين والصائمات) قيل: ذلك مختص بالفرض، وقيل هو أعم. (والحافظين فروجهم والحافظات) فروجهن عن الحرام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال. (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) الله كثيراً هما من يذكر الله على جميع أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان والخبر لجميع ما تقدم هو قوله: (أعد الله لهم مغفرة) لذنوبهم التي أذنبوها (وأجراً عظيماً على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر، ووصف الأجر بالعظيم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا. وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله فما لنا لا نذكر في القرآن كما تذكر الرجال فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: " إن الله يقول إن المسلمين والمسلمات الآية وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ( ﷺ ) فقالت ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية، وعن ابن عباس قال: قالت النساء يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات فنزلت هذه الآية أخرجه الطبراني وابن جرير وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي: حسن.

стр. 7426

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) (وَمَا كَانَ) أي ما صح وما استقام (لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) قال القرطبي: لفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها الحظر والمنع من الشيء والإخبار بأنه لا يحل شرعاً أن يكون، وقد يكون لما يمتنع عقلاً كقوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)، ومعنى الآية: أنه لا يحل لمن يؤمن بالله -إذا قضى الله أمراً- أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه، واختاره له، ويجعل رأيه تبعاً لرأيه. وجمع الضمير في قوله لهم ومن أمرهم؛ لأن مؤمناً ومؤمنة وقعا في سياق النفي، فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة، قرىء أن يكون بالتحتية؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله: لهم مع كون التأنيث غير حقيقي، وقرىء بالفوقية لكونه مسنداً إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظاً والخيرة مصدر بمعنى الاختيار، ودل ذلك على أن الأمر للوجوب، وقرىء بسكون التحتية وبتحريكها، ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره فقال: (ومن يعص الله ورسوله) في أمر من الأمور ومن ذلك عدم الرضاء بالقضاء (فقد ضل ضلالاً مبيناً) أي ضل عن طريق الحق ضلالاً ظاهراً واضحاً لا يخفى. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق. عن ابن عباس قال: " إن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها. قالت: لست بناكحته

стр. 7427

قال: بلى فانكحيه. قالت: يا رسول الله أؤامر نفسي؛ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم قالت: إذن لا أعصي رسول الله ( ﷺ ) قد أنكحته نفسي " أخرجه ابن جرير وابن مردويه، وعنه قال: قال رسول الله ( ﷺ ) لزينب: إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك. قالت: يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيّم قومي، وبنت عمتك، فلم أكن لأفعل فنزلت هذه الآية: (وما كان لمؤمن) يعني: زيداً (ولا مؤمنة) يعني زينب (إذا قضى الله ورسوله أمراً) يعني النكاح في هذا الموضع (أن تكون لهم الخيرة من أمرهم)، يقول: ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به، قالت: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيداً ودخل عليها أخرجه ابن مردويه. وعن ابن زيد قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقب بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبي ( ﷺ ) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله ( ﷺ ) فزوجها عبده، وكان تزوج زيد بزينب قبل الهجرة بنحو ثمان سنين، وبعد ما طلق زيد زينب زوجه ( ﷺ ) أم كلثوم بنت عقب: بن أبي معيط وكانت وهبت نفسها للنبي ( ﷺ ) فزوجها من زيد، وكان زوجه قبلها أم أيمن وولدت له أسامة، وكانت ولادته بعد البعثة بثلاث سنين، وقيل بخمس، وفي شرح المواهب أن أم أيمن، هي بركة الحبشية بنت ثعلبة أعتقها عبد الله أبو النبي ( ﷺ )، وقيل بل اعتقها هو ( ﷺ ) وقيل: كانت لأمه أسلمت قديماً وهاجرت الهجرتين ماتت بعده ( ﷺ ) بخمسة أشهر، وقيل بستة، ودلت الآية على لزوم اتباع قضاء الكتاب والسنة، وذم التقليد والرأي، وعدم خيرة الأمر في مقابلة النص من الله ورسوله ( ﷺ ) وإن كان السبب خاصاً فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لما زوج رسول الله ﷺ زيد بن حارثة بزينب بنت جحش كما مر أنزل الله سبحانه:

стр. 7428

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)

стр. 7429

(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) هو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه رسول الله ﷺ بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله ﷺ في الجاهلية وأعتقه وتبناه، وسيأتي في سبب نزول الآية ما يوضح المراد منها. قال القرطبي: وقد اختلف في تأويل هذه الآية فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير والطبري وغيره: إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد وكان حريصاً على أن يطلقها زيد. فيتزوجها هو. ثم إن زيداً لما أخبره بأنه يريد فراقها وشكا منها غلظة القول وعصيان الأمر والأذى باللسان والتعظم بالشرف قال له: اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك زينب، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه فعل ما يجب عليه من الأمر بالمعروف. قال علماؤنا ﵏: وهذا القول أحسن ما قيل في هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي أبي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، انتهى ما قاله القرطبي ملخصاً. (واتق الله) في أمرها ولا تعجل بطلاقها (وتخفي) الواو للحال أي والحال أنك تخفي (في نفسك ما الله مبديه) هو نكاحها إن طلقها زيد،

стр. 7430

وقيل: حبها. (وتخشى الناس) أي تستحييهم أو تخاف من تعييرهم أن يقولوا: أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوجها (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) في كل حال وتخاف منه وتستحييه ولا تأمر زيداً بإمساكه زوجته بعد أن أعلمك الله أنها تكون زوجتك فعاتبه الله على هذا، قال بعضهم: وما ذكروه في تفسير هذه الآية من وقوع محبتها في قلب النبي ﷺ ، وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم الحرج، وما لا يليق بمنصبه ﷺ وإقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي ( ﷺ ) وبفضله، وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كانت النساء يحتجبن منه ﷺ وهو زوجها لزيد، فلا يشك في تنزيه النبي ( ﷺ ) عن أن يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها قال: وأصح ما في هذا الباب ما قاله علي ابن الحسين: إن الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وإن زيداً سيطلقها؛ فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها، قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى، وقال: لم قلت أمسك عليك زوجك؟ وقد أعلمتك أنها ستكون زوجتك. قال الخطيب: وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة، لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال تعالى: زوجناكها. فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر الله أنه يظهره، ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله من أنها ستكون زوجته، وإنما ذلك استحياء أن يخبر زيداً أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي. قال الكرخي: وهذا القول هو المنصور المعول عليه عند الجمهور. وقال البغوي: وهذا هو الأولى، وإن كان الآخر -وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها- لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء، ما لم يقصد فيه المأثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر انتهى. ولهذا قال ابن عباس: كان في قلبه حبها. وقال قتادة: ود أنه لو

стр. 7431

طلقها زيد. قال الخازن: وهذا قول حسن مرضي، وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلّماً إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين، وهو إنما جعل طلاق زيد لها وتزويج النبي ﷺ إياها؛ لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال تعالى: (لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم). (فلما قضى زيد منها وطراً) قضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء يقال قضى وطراً منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة، وتقاصرت عنه همته وطابت عنها نفسه. وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. وقال المبرد: الوطر الشهوة والمحبة. وقال أبو عبيدة الوطر الأرب والحاجة. قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي: كان يقال زيد بن محمد: حتى نزل " أدعوهم لآبائهم " فقال: أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أنا زيد بن محمد: فلما نزع هذا الشرف وهذا الفخر منه، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يختص بها أحد من أصحاب النبي ﷺ وهو أنه سمّاه في القرآن أي في هذه الآية، فذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم، حتى صار اسمه قرآناً يتلى في المحاريب، ونوه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد ﷺ ، ألا ترى إلى قول أُبي بن كعب؟ حين قال له النبي ( ﷺ ) " إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا فبكى " وقال: أذكرت هنالك، وكان بكاؤه من الفرح - حيث إن الله تعالى ذكره فكيف بمن صار اسمه قرآناً يتلى مخلداً لا يبلى؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرأوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبداً لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكوراً على الخصوص عند رب العالمين، إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد. فاسم زيد في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة يذكره في تلاوتهم السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من اسماء المؤمنين إلا لنبي من

стр. 7432

الأنبياء ولزيد بن حارثة تعويضاً من الله له مما نزع منه، وزاد في الآية أن قال: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) أي بالإيمان فدل على أنه من أهل الجنة علم ذلك قبل أن يموت وهذه فضيلة أخرى رضي الله تعالى عنه انتهى. (زوجناكها) وقرىء زوجتكها، يعني ولم نحوجك إلا ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفاً لك ولها، فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته، وهذا من خصوصياته ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين، وكان تزوجه بزينب سنة خمس من الهجرة. وقيل سنة ثلاث. وهي أول من مات بعده من زوجاته الشريفات المطهرات ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة، وقيل المراد به الأمر له بأن يتزوجها والأول أولى وبه جاءت الأخبار الصحيحة. وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال: " جاء زيد ابن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله ﷺ فجعل رسول الله ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، فنزلت: وتخفي في نفسك ما الله مبديه فتزوجها رسول الله ﷺ ، فما أوْلَم على امرأة من نسائه ما أوْلَم عليها؛ ذبح شاة وأطعم الناس خبزاً ولحماً حتى تركوه، فكانت تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وكانت تقول لرسول الله ﷺ جدي وجدك واحد، وليس من نسائك من هي كذلك غيري، وقد أنكحنيك الله والسفير في ذلك جبريل " قاله الخازن. وقال عمر وابن مسعود ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية. وقال أنس: فلو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاًً لكتم هذه الآية، وكذا روي عن عائشة.

стр. 7433

(لكيلا يكون على المؤمنين حرج) أي ضيق ومشقة؛ علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل (في أزواج أدعيائهم) أي في التزوج بأزواج من يجعلونه ابناً كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا يتبنون من يريدون، وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة وكان يقال له زيد بن محمد حتى نزول قوله سبحانه (أدعوهم لأبائهم)، وكانت العرب تعتقد أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه كما يحرم عليهم نساء أبنائهم حقيقة، والأدعياء جمع دعي؛ وهو الذي يدعى ابناً من غير أن يكون ابناً على الحقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم. (إذا قضوا منهن وطراً) بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها. (وكان أمر الله مفعولاً) أي قضاؤه في أمر زينب أن يتزوجها رسول الله ﷺ قضاء ماضياً موجوداً في الخارج لا محالة. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب قالوا تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). وكان رسول الله ﷺ تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد؛ فأنزل الله (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) يعني أعدل أخرجه الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وغيرهم. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها، عليّ فانطلق. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري؛ فقلت: يا زينب أبشري. أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاًً حتى أُؤآمر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القران، وجاء رسول الله ﷺ ، ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله

стр. 7434

صلى الله عليه وسلم؛ أطعمنا الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام؛ فخرج رسول الله ﷺ واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك؛ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) الآية، ثم بينّ سبحانه أنه لم يكن على رسول الله ﷺ حرج في هذا النكاح فقال:

стр. 7435

(ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) أي فيما أحل الله له وقدره وقضاه، يقال: فرض له كذا أي قدر له (سنة الله) أي سن الله ذلك سنة، أو اسم وضع موضع المصدر؛ قاله الزمخشري أو مصدر كصنع الله ووعد الله. (في الذين خلوا من قبل) أي أن هذا هو السنن الأقوم في الأنبياء والأمم الماضية أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره، توسعة عليهم، فكان لهم الحرائر والسراري. عن كعب القرظي قال: يعني يتزوج من النساء ما شاء هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ألف امرأة منها ثلثمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة. وقال ابن جريج: الذين خلوا هم داود والمرأة التي نكح زوجها واسمها: اليسية؛ فذلك سنة في محمد وزينب. (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) أي قضاء مقضياً، وحكماً مبتوتاً، وهو كظل ظليل وليل أليل وروض أريض في قصد التأكيد، والقضاء: الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر عبارة عن إيجاده إياها على تقدير مخصوص معين، لكن كلاً منهما يستعمل بمعنى الآخر، فالمراد إيجاد ما تعلقت به الإرادة قاله الشهاب، ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم فقال:

стр. 7436

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)

стр. 7437

(الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه) مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول (ولا يخشون أحداً إلا الله) أي سواه ولا يبالون بقول الناس ولا بتعييرهم فيما أحل الله لهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه. (وكفى بالله حسيباً) حاضراً في كل مكان، حافظاً لأعمال خلقه يكفي عباده كل ما يخافونه أو محاسباً لهم في كل شيء، ولما تزوج ﷺ زينب قال الناس امرأة ابنه فأنزل الله:

стр. 7438

(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أي ليس هو ﷺ بأب لزيد بن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده، قال الواحدي: قال المفسرون لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور إبراهيم، والقاسم، والطيب والمطهر. قال القرطبي: ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلاً، قال وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له. قال النسفي: وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه كحكمهم، والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير. (ولكن رسول الله) قال الأخفش والفراء: ولكن كان رسول الله، وأجاز الرفع وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على معنى: ولكن هو رسول الله.

стр. 7439

(وخاتم النبيين) وقرأ الجمهور بتخفيف لكن ونصب رسول وخاتم ووجه النصب على خبرية كان المقدرة كما تقدم، ويجوز أن يكون بالعطف على (أبا أحد) قرىء بتشديد (لكن)، ونصب رسول، على أنه اسمها، وخبرها محذوف أي ولكن رسول الله هو، وقرأ الجمهور: وخاتم بكسر التاء، وقرىء بفتحها ومعنى الأولى أنه ختمهم أي جاء آخرهم ومعنى الثانية أنه صار كالخاتم لهم الذي يختمون به ويتزينون بكونه منهم، وقيل: كسر التاء وفتحها لغتان، قال أبو عبيدة: الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم، وأنه قال: أنا خاتم النبيين وخاتم الشيء آخره، ومنه قولهم: خاتمه المسك. وقال الحسن: الخاتم هو الذي ختم به، والمعنى: ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده ولا معه. قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون بعده نبياً، وعنه أن الله لما حكم أن لا نبي بعده؛ لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً، وعيسى ممن نبىء قبله: وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد ﷺ كأنه بعض أمته. (وكان الله بكل شيء عليماً) قد أحاط علمه بكل شيء، ومن جملة معلوماته هذه الأحكام التي ذكرت هنا. أخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً فانتهى إلى لبنة واحدة فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة؛ فكان من دخلها فنظر إليها قال ما أحسنها إلا موضع اللبنة فأنا موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء ". وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة نحوه.

стр. 7440

وأخرج أحمد والترمذي وصححه، من حديث أبي ابن كعب نحوه أيضاًً.

стр. 7441

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح وكل ما هو ذكر لله تعالى، قال مجاهد: هو أن لا ينساه أبداً، وقال الكلبي: ويقال ذكراً كثيراً بالصلوات الخمس، وقال مقاتل: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال، وقال ابن عباس في الآية لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها أجلاً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله؛ فقال: (اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم) بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال، وقد ورد في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة. وقد صنف في الأذكار المتعلقة بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، وقد نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر، ولذكر الله أكبر، وقد ورد أنه أفضل من الجهاد كما في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي والبيهقي: " أن رسول الله ﷺ سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيراً. قلت: يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويتخضب دماً لكان الذاكرون أفضل منه درجة، وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا وما هو يا رسول الله؟ قال: ذكر الله وأخرجه أيضاًً الترمذي وابن ماجة. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول

стр. 7442

الله ﷺ سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ( ﷺ ) قال: أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون.

стр. 7443

(وسبحوه بكرة وأصيلاً) أي نزهوه عما لا يليق به في وقت البكرة ووقت الأصيل، وهما أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما، وخص التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله: اذكروا الله تنبيهاً على مزيد شرفه وأنافة ثوابه على غيره من الأذكار، وقيل المراد بالتسبيح بكرة: فصلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلاً صلاة المغرب، وقال قتادة وابن جرير: المراد صلاة الغداة وصلاة العصر، وقال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلاً: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال المبرد: والأصيل العشي، وجمعه أصائل، وقد ورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في يوم مائة مرة سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ". وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع رسول الله ﷺ ؛ فقال لنا: أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة. فقال رجل: كيف يكتسب أحدنا ألف حسنة؟. قال: يسبح الله مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة وقيل معنى سبحوه قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. زاد في نسخة: العلي العظيم؛ فعبر بالتسبيح عن أخواته. والمراد بقوله: كثيراً هذه الكلمات يقولها الطاهر، والجنب، والحائض، والمحدث.

стр. 7444

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)

стр. 7445

(هو الذي يصلي عليكم وملائكته) الصلاة من الله على العباد رحمة لهم وبركةٌ عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال: (ويستغفرون للذين آمنوا) قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: المعنى ويأمر ملائكته بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر بالذكر والتسبيح. وقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل في عباده، وقيل الثناء عليه، وعطف ملائكته على الضمير المستكن في يصلي لوقوع الفصل بقوله (عليكم) فأغنى ذلك عن التأكيد بالضمير المنفصل، والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعم صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة الملائكة بمعنى الدعاء، لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام في قوله: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) متعلق بيُصلي، أي يعتني بأموركم هو وملائكته ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهداية، ومعنى الآية تثبيت المؤمنين على الهداية، ودوامهم عليها؛ لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية، قال الحفناوي: جمع الأول لتعدد أنواع الكفر، وأفرد الثاني لأن الإيمان شيء واحد لا تعدد فيه،

стр. 7446

ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيساً لهم وتثبيتاً فقال: (وكان بالمؤمنين رحيماً) وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدمها، ثم بين سبحانه أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب، بل هي عامة لهم، ولمن بعدهم، وفي الدار الآخرة فقال:

стр. 7447

(تحيتهم يوم يلقونه سلام) أي تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت، أو عند البعث، وعند دخول الجنة هي التسليم عليهم منه ، يقول الله ﵎: السلام عليكم، وقيل: المراد تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم: سلام، وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيماً، فلما شملتهم رحمته وأمنوا من عقابه، حيا بعضهم بعضاً سروراً واستبشاراً، والمعنى: سلامة لنا من عذاب النار. قال الزجاج: المعنى فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه، وقيل: الضمير في يلقونه راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم كما ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه، قاله البراء بن عازب، وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، وقال مقاتل: هو تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب كما في قوله: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم). (وأعد لهم أجراً كريماً) أي في الجنة، أو أعد لهم في الجنة رزقاً حسناً؛ ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، وهذا بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك، ثم ذكر سبحانه صفات رسول الله ﷺ التي أرسله لها فقال:

стр. 7448

(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً) أي على أمته يشهد لمن صدقه وآمن به، وعلى من كَذَّبه وكفر به، قال مجاهد شاهداً على أمته بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم.

стр. 7449

(ومبشراً) للمؤمنين برحمة الله وبالجنة، وبما أعدَّهُ لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر (ونذيراً) للكافرين والعصاة بالنار وبما أعدّه الله لهم من أليم العقاب.

стр. 7450

(وداعياً إلى الله) يدعو عباد الله إلى التوحيد والإيمان بما جاء به والعمل بما شرعه لهم. ومعنى (بإذنه) بأمره بذلك وتقديره. وقيل: بتيسيره قاله الكرخي وغيره. (وسراجاً منيراً) يستضاء به في ظلم الضلالة كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. قال الزجاج: (وسراجاً) أي ذا سراج منير أي كتاب نير، وهو القرآن، وإنما شبه الله نبيه ﷺ بالسراج دون الشمس مع أنها أتم لأن المراد بالسراج هنا الشمس؛ كما قال تعالى: وجعل الشمس سراجاً، أو شبه بالسراج لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء؛ كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى بخلاف الشمس.

стр. 7451

(وبشر المؤمنين) عطف على مقدر يقتضيه المقام؛ كأنه قيل: فراقب أحوال الناس، وبشر المؤمنين من أمتك (بأن لهم من الله فضلاً كبيراً) على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف، وزيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان، وقد بين ذلك سبحانه بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ). عن ابن عباس قال: لما نزلت: (يا أيها النبي) الآية، وقد كان ﷺ أمر علياً ومعاذاً أن يسيرا إلى اليمن فقال: " انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا " فإنها قد أنزلت عليّ (يا أيها النبي إنا أرسلناك) الآية. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما: عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله

стр. 7452

ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوارة، قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً) وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح " وزاد أحمد: ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا الحديث فقال: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام ولم يقل: عبد الله بن عمرو، وهذا أولى فعبد الله بن سلام هو الذي كان يسأل عن التوراة فيخبر بما فيها، ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال:

стр. 7453

(ولا تطع الكافرين والمنافقين) فيما يشيرون به عليك من المداهنة في الدين، والمداراة في أمر الدعوة، ومن استعمال لين الجانب في التبليغ. وفي الآية تعريض لغيره من أمته لأنه ﷺ معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في أول السورة (ودع أذاهم) أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب تصلبك في دين الله وشدتك على أعدائه، أو دع أن تؤذيهم أنت مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك؛ فالمصدر على الأول مضاف إلى الفاعل، وعلى الثاني مضاف إلى المفعول، قيل: هي منسوخة بآية السيف. (وتوكل على الله) في كل شؤونك (وكفى بالله وكيلاً) توكل إليه الأمور وتفوض إليه الشؤون فمن فوض إليه أموره كفاه، ومن وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه، ولما ذكر سبحانه قصة زيد وطلاقه لزينب وكان قد دخل بها وخطبها النبي ﷺ بعد انقضاء عدتها كما تقدم، خاطب المؤمنين مبيناً لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول فقال:

стр. 7454

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات) أي عقدتم بهن عقد النكاح أو بالكتابيات، وإنما خص المؤمنات بالذكر للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً للنطفة، وقد اختلف في لفظ النكاح، هل هو حقيقة في الوطء؟ أو في العقد؟ أو فيهما على طريقة الاشتراك؟ وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال: النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما. (ثم) التراخي ليس قيداً، وفائدة التعبير بثم إزالة ما عسى أن يتوهم من أن تراخي الطلاق بقدر إمكان الإصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة (طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي تجامعوهن، فكنى عن ذلك بلفظ المس ومن آداب القرآن الكناية عن الوطء بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والغشي والإتيان. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وبه قال علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار ومجاهد والشعبي وقتادة وأكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي، وذهب ابن مسعود ومالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال: إذا تزوجت فلانة فهي طالق فتطلق إذا تزوجها، وبه قال النخعي وأصحاب الرأي، وقال ربيعة والأوزاعي: إن عينّ امرأة وقع وإن عمّم

стр. 7455

فلا يقع، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك، أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه. وعن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح أخرجه البخاري. (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) أي تحصونها بالاقراء والأشهر، أجمع العلماء على أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة، وذهب أحمد إلى أن الخلوة توجب العدة والصداق، وقد حكى ذلك الإجماع القرطبي وابن كثير، والمعنى: تستوفون عددها؛ من عددت الدراهم فأعتدها، وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده قوله: (فما لكم) وقرىء: تعتدونها بتشديد الدال وبتخفيفها، وفي هذه وجهان أحدهما: أن يكون بمعنى الأولى مأخوذ من الاعتداد أي تستوفون عددها ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف، قال الرازي: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف؛ لأن الاعتداء يتعدى بعلى، وقيل من الاعتداء بحذف حرف الجر أي تعتدون عليها أي على العدة مجازاً. والوجه الثاني: أن يكون المعنى تعتدون فيها والمراد بالاعتداء هذا هو ما في قوله: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) فيكون معنى الآية على القراءة الأخرى: فما لكم عليهن من عدة تعتدون عليهن فيها بالمضارة وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير، وقال: إن البزي غلط عليه وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ولقوله: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر). (فمتعوهن) أي أعطوهن ما يستمتعن به، والمتعة المذكورة هنا قد تقدم الكلام عليها في البقرة. وقال سعيد بن جبير: هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي في قوله: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم)، وقيل المتعة هنا: هي أعم من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمي لها فمع التسمية

стр. 7456

للصداق تستحق نصف المسمى عملاً بقوله (فنصف ما فرضتم)، ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملاً بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى (ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، وهذا الجمع لا بد منه، وهو مقدم على الترجيح وعلى دعوى النسخ، ويخصص من هذه الآية من توفي عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتد أربعة أشهر وعشراً، قال ابن كثير بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع. (وسرحوهن سراحاً جميلاً) أي أخرجوهن من غير إضرار ولا منع حق من منازلكم، إذ ليس لكم عليهن عدة، والسراح الجميل الذي لا ضرار فيه وقيل: هو أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، وقيل هو هنا كناية عن الطلاق وهو بعيد، لأنه قد تقدم ذكر الطلاق، ورتب عليه التمتع، وعطف عليه السراح الجميل، فلا بد أن يراد به معنى غير الطلاق. وعن ابن عباس في الآية قال: هذا في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدة عليها تتزوج من شاءت ثم قال: (فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً)، يقول: إن كان سمى لها صداقاً فليس لها إلا النصف وإن لم يكن سمى لها صداقاً متعها على قدر عسره، ويسره وهو السراح الجميل. وعن ابن عمر قال: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) منسوخة نسختها التي في البقرة (فنصف ما فرضتم)، وعن سعيد بن المسيب نحوه، وعن الحسن وأبي العالية قالا: ليست بمنسوخة لها نصف الصداق، ولها المتاع وعن ابن جريج قال بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس: أخطأ في هذا إن الله يقول: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. وعن ابن عباس أنه تلا هذه الآية وقال: لا يكون طلاق حتى يكون نكاح، وقد وردت أحاديث فيها: أنه لا طلاق إلا بعد نكاح وهي معروفة.

стр. 7457

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)

стр. 7458

(يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن أجورهن أي مهورهن فإن المهور أجور الإبضاع، ولهذا قال الكرخي: إن النكاح بلفظ الإجارة جائز. وقال أهل الرأي: التأبيد من شرط النكاح، والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة، وإيتاء الأجور إما تسليمها معجلة، أو فرضها أو تسميتها في العقد، واختلف في معنى الآية فقال ابن زيد والضحاك: إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها؛ فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم، وقال الجمهور: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله: أحللنا وآتيت ماضيان؛ وتقييد الاحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه؛ لأنه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه. فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل. (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي السراري اللاتي دخلن في ملكك بالغنيمة. والمعنى: مما رده الله عليك من الكفار بالغنيمة من نسائهم

стр. 7459

المأخوذات على وجه القهر والغلبة مثل: صفيه وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة؛ فإنها تحل السرية المشتراة والموهوبة ونحوهما ولكنه خرج مخرج الغالب وأشار به إلى ما هو الأفضل كالقيد الأول المصرح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله: (وبنات عمك وبنات عماتك) أي نساء قريش (وبنات خالك وبنات خالاتك) أي نساء بني زهرة (اللاتي هاجرن معك) فإنه للإشارة إلى ما هو الأفضل، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر، أي أحللنا لك ذلك زائداً على الأزواج اللاتي آتيت أجورهن على قول الجمهور، لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها لما قال بعد ذلك: وبنات عمك وبنات عماتك، لأن ذلك داخل فيما تقدم، والأول أولى والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها. قال النسفي: ليس (مع) للقران، بل لوجودها فحسب، كقوله: وأسلمتُ مع سليمان. وقيل إن هذا القيد أعني المهاجرة معتبر، وإنها لا تحل له من لم تهاجر من هؤلاء كما في قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، ويؤيد هذا حديث أم هانىء وسيأتي. ووجه إفراد العم والخال، وجمع العمة والخالة، ما ذكره القرطبي إن العم والخال في الإطلاق اسم جنس؛ كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة قال وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان، وحكاه عن ابن العربي وقال ابن كثير إنه وحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله: عن اليمين وعن الشمائل، وقوله يخرجهم: (من الظلمات إلى النور)، وجعل: (الظلمات والنور) وله نظائر كثيرة انتهى. وقال النيسابوري: وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن

стр. 7460

هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة تسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة؛ على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة أيضاًً؛ قال الشهاب. وقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم والخال دون العمة والخالة حتى أن السبكي صنف جزءاً فيه سماه بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة. وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة، كقول الرازي: إن العم والخال على زنة المصدر ويستوي فيه المفرد والجمع بخلاف العمة والخالة وقيل: إنهما يعمان إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة انتهى. أخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، والطبراني وغيرهم عن أم هانيء بنت أبي طالب قالت: (خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله هاجرن معك) قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت: نزلت في هذه الآية: (وبنات عماتك اللاتي هاجرن معك) أراد النبي أن يتزوجني فنهي عني إذ لم أهاجر. وعن ابن عباس في قوله: (إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله: (خالصة لك) قال فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه. وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل: إني حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه. (وامرأة مؤمنة) أي: وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد، وهذا يدل
следующие страницы →