(كما فعل بأشياعهم من قبل) أي بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية الذين كانوا قبلهم في الدنيا سابقين عليهم في الزمان، والأشياع جمع شيع، وشيع: جمع شيعة، وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض، فهم شيع فالأشياع جمع الجمع.
(إنهم كانوا في شك مريب) تعليل لما قبله أي في شك موقع في الريبة أو ذي ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من الدين، يقال: أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب، وقيل هو من الريب الذي هو الشك والتهمة، فهو كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر وهذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم.
стр. 7632
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة فاطر
(وتسمى سورة الملائكة، وهي خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية).
قال القرطبي: في قول الجميع، وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس: أنزلت سورة فاطر بمكة، وهذه السورة ختام السورة المفتتحة بالحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء، قاله الخطيب.
(الحمد لله فاطر السموات والأرض) أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وعلى غير مادة كذا قال المفسرون، والظاهر أن هذا ليس من معنى الفطر لغة، وإنما أخذوه من المعنى وسياق الكلام، وأصل الفطر في اللغة الشق عن الشيء مطلقاً، يقال: فطرته فانفطر ومنه فطر ناب البعير إذا طلع فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء تشقق، وقيل: الشق طولاً فكأنه شق العدم بإخراجهما منه، وبابه نصر كما في المختار، والفطر أيضاًً الابتداء والاختراع، وهو المراد هنا.
عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول ابتدأتها وعنه الفاطر البديع، والمعنى: الحمد لله مبدع السموات والأرض ومخترعهما، والمقصود من هذا إن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم فهو قادر على الإِعادة وإنما حمد نفسه بذلك تعظيماً له وتعليماً لعباده كيفية الثناء عليه تعالى، قرىء فاطر على صيغة اسم الفاعل، وفطر على صيغة الفعل الماضي.
(جاعل الملائكة رسلاً) إلى عبادة يجوز فيه الوجهان كما تقدم والرسل من الملائكة هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (١) فالمراد
стр. 7635
بالملائكة بعضهم إذ ليس كلهم رسلاً كما هو معلوم، صرح الطيبي بأن جاعل هنا للاستمرار فباعتبار أنه يدل على المضي يصلح كونه صفة للمعرفة، وباعتبار أنه يدل على الحال والاستقبال يصلح للعمل. وقرىء: رسْلاً بسكون السين، هي لغة تميم، قال يحيى بن سلام: يرسلهم الله إلى الأنبياء يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة، وقال السدي: إلى العباد بنعمة أو نقمة أو يوصلون إليهم آثار صنعته.
(أولي) أي ذوي اسم جمع لذو (أجنحة) جمع جناح نعت لرسلاً وهو جيد لفظاً لتوافقهما تنكيراً، أو للملائكة وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهي صفة كاشفة، والمسوغ للتخلف في التعريف جعل أل جنسية.
(مثنى وثلاث ورباع) صفات لأجنحة والقصد بها التكثير واختلافهم في عدد الأجنحة لا الحصر، وإلا فبعضهم له ستمائة وغير ذلك، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أُخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير، وقيل للعدل والوصف والتعويل عليه، وقد تقدم الكلام عليها في النساء. قال قتادة: بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة وبعضهم له أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. أقول: الأصل جناحان لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه (١).
(يزيد في الخلق ما يشاء) مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة والمعنى أنه يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء، وهو قول أكثر المفسرين، واختاره الفراء والزجاج قال ابن مسعود: رأى النبي ﷺ جبريل في صورته له ستمائة جناح، وقيل إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة، فقال الزهري وابن جريج: إنها حسن الصوت، وقال قتادة:
стр. 7636
الملاحة في العينين، والحسن في الأنف والحلاوة في الفم، وقيل الوجه الحسن وقيل الخط الحسن، وقيل الشعر الجعد، وقيل العقل والتمييز، وقيل العلوم والصنائع، وقيل الصوت الحسن وجودة العقل ومتانته.
ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص، بل يتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، ولباقة في التكلم وحسن تأن في مزاولة الأمور، وذلاقة في اللسان، ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف، وبه قال الزمخشري (إن الله على كل شيء قدير) تعليل لما قبله من أنه يزيد في الخلق ما يشاء.
стр. 7637
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) أي ليس لك من الأمر شيء فما يأتيهم الله به من مطر ورزق ونعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما لا يحاط به لا يقدر أحد أن يمسكه.
قال ابن عباس: ما يفتح الله للناس من باب توبة فلا ممسك لها، هم يتوبون إن شاءوا وإن أبوا، وما أمسك من باب توبة فلا مرسل له من بعده، وهم لا يتوبون، واستعير الفتح للإِطلاق والإِرسال إيذاناً بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون، وأعزها منالاً، وتنكير الرحمة للإشاعة والإِبهام كأنه قيل: أي رحمة كانت سماوية أو أرضية والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجتزي فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات، ومن في موضع الحال، وقيل: المعنى إن الرسل بعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله، وقيل: هو الدعاء وقيل التوبة وقيل التوفيق والهداية ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى كل ما يفتحه الله للناس من خزائن رحمته فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه.
(وما يمسك) من ذلك (فلا مرسل له من بعده) أي لا يقدر أحد
стр. 7638
أن يرسله من بعد إمساكه والإمساك يتناول كل شيء يمنعه الله من نعمه فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي سواه، ولا منعم غيره (وهو العزيز الحكيم) فيما أمسك وفيما أرسل على مقتضى حكمته، ثم أمر الله سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى، كما قال: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فقال:
стр. 7639
(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم) قيل: الخطاب لأهل مكة ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم، وقيل: لجميع الناس، ونعمة الله عليهم هي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه، وزلفة لديه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق، ومعنى هذا الذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها، ليس المراد ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد ذكرها به وبالقلب، أي لا تنسوها، والنعمة هنا بمعنى الإنعام، وعليه درج الجلال. وقيل: إنها بمعنى النعم به، ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله:
(هل من خالق غير الله) من زائدة مؤكدة أي لا خالق إلا الله سبحانه وهو استفهام تقرير وإنكار وتوبيخ (يرزقكم من السماء والأرض) خبر المبتدأ أو جملة مستأنفة أو صفة أخرى لخالق وخبره محذوف، والرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك.
(لا إله إلا هو) مستأنفة مسوقة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام (فأنى تؤفكون) أي فكيف تصرفون وهو مأخوذ من الإفك بالفتح وهو الصرف يقال: ما أفكك عن كذا أي ما صرفك عنه.
وقيل: هو مأخوذ من الإفك بالكسر وهو الكذب، لأنه مصروف عن الصدق، قال الزجاج: أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم؟ ثم عزى الله نبيه ﷺ فقال:
(وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ليتأسىّ بمن قبله من الأنبياء ويتسلى عن تكذيب كفار العرب له، ولهذا نكّر " رسلاً " أي: رسل ذوو عدد كثير، وأولو آيات ونذر، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم، لأنه أسلى له، وجواب الشرط محذوف أي فاصبر كما صبر وأدل عليه قوله: فقد كذبت الخ.
(وإلى الله) لا إلى غيره (ترجع الأمور) فيجازي كُلاَّ بما يستحقه قرىء: ترجع بفتح التاء على البناء للفاعل وبضمها على البناء للمفعول.
стр. 7642
(يا أيها الناس إن وعد الله) بالبعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار (حق) كما أشير إليه بقوله: وإلى الله ترجع الأمور (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) بزخرفها ونعيمها، والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن توجه النهي صورة إليها كما في قولهم: بعين ما لا أرينك ههنا. قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي والمعنى لا تخدعنكم الدنيا، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند الله تعالى.
стр. 7643
(ولا يغرنكم بالله) في حلمه وإمهاله (الغرور) بفتح الغين أي المبالغ في الغرور وهو الشيطان قاله ابن السكيت وأبو حاتم.
ويجوز أن يكون مصدراً واستبعده الزجاج لأن غررته متعد ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضرباً، إلا في أشياء يسيرة معروفة لا يقاس عليها، ومعنى الآية: لا يغرنكم الشيطان بالله فيقول لكم إن الله يتجاوز عنكم ويغفر لكم بفضله عليكم، أو لسعة رحمته لكم، وقرىء بضم الغين وهو الباطل، قال ابن السكيت: والغرور بالضم ما يغر من متاع الدنيا وقال الزجاج: يجوز أن يكون الغرور بالضم جمع غار مثل قاعد وقعود، قيل: ويجوز أن يكون مصدر غره كاللزوم والنهوك، وفيه ما تقدم عن الزجاج من الاستبعاد، ثم حذر سبحانه عباده من الشيطان فقال:
стр. 7644
(إن الشيطان لكم عدو) ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله والتنكير للتعظيم أي عدو عظيم لأن عداوته عامة قديمة، والعموم يفهم من قوله: لكم حيث لم يخص ببعض دون بعض، والقدم من الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار.
(فاتخذوه عدواً) أي فعادوه بطاعة الله ولا تطيعوه في معاصي الله، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم وأفعالكم وعقائدكم عن صميم قلوبكم وإذا فعلتم فعلاً فتفطنوا له فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح قال القشيري: ولا يتعزى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب، فإنه لا يغفل عن عداوتكم فلا تغفلوا أنتم عن مولاكم لحظة. ذكره الخطيب، ثم بين الله سبحانه لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم وحذرهم عن طاعته فقال:
(إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) أي إنما يدعو أشياعه وأتباعه والمطيعين له إلى معاصي الله سبحانه لأجل أن يكونوا من أهل النار
стр. 7645
واللام للتعليل ومحل الموصول في قوله
стр. 7646
(الذين كفروا) الرفع على الابتداء وقوله:
(لهم عذاب شديد) خبره أو الرفع على البدل من فاعل يكونوا أو النصب على البدل من حزبه أو الجر على البدل من أصحاب، والرفع على الابتداء أقوى الوجوه لأنه سبحانه بعد ذكر عداوة الشيطان ودعائه لحزبه ذكر حال الفريقين من المطيعين له والعاصين عليه، فالفريق الأول قال: لهم عذاب شديد، والفريق الثاني قال فيه:
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير) أي يغفر الله لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ويعطيهم أجراً كبيراً وهو الجنة، قال ابن جريج: كل شيء في القرآن لهم مغفرة وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة.
стр. 7647
(أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً) هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين عاقبتي الفريقين ومن في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف. قال الكسائي: والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: ويدل عليه قوله فلا تذهب الخ. قال: وهذا كلام عربي ظريف لا يعرفه إلا القليل وقال الزجاج: تقديره كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم يزين له، وهذا أولى لموافقته لفظاً ومعنى، وقد وهم صاحب الكشاف فحكى عن الزجاج ما قاله الكسائي. قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله نهى نبيه ﵌ عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال: فلعلك باخع نفسك قبل التقدير: أفمن زين الخ تريد أن تهديه إنما ذلك إلى الله لا إليك والذي إليك هو التبليغ.
وقال قتادة والحسن: الشيطان زين لهم هي والله الضلالات وقيل نفسه الأمارة وهواه القبيح، وهو من إضافة الصفة للموصوف أي عمله السىء قال
стр. 7648
ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة، وقيل: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع ومنهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم لأنهم يعتقدون تحريمها مع ارتكابهم إياها.
(فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) مقررة لما قبلها ومحققة للحق ببيان أن الكل بمشيئته أي يضل من يشاء أن يضله ويهدي من يشاء أن يهديه وهذه الآية ترد على القدرية قولهم.
(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) أي لا تحزن عليهم. قرىء: بفتح الفوقية والهاء مسنداً إلى النفس فيكون من باب لا أرينك ههنا أي لا تتعاط أسباب ذلك، وقرىء بضم التاء وكسر الهاء ونصب نفسك أي فلا تهلكها عليهم أي على عدم إيمانهم.
وقوله حسرات مفعول لأجله والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه على كثرة قبائحهم الموجبة للتأسف والتحسر عليهم، ويجوز أن ينتصب حسرات على الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر، كما روي عن سيبويه، وقال المبرد: إنها تمييز، وعليهم صلة لتذهب كما يقال: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً والحسرة شدة الحزن وهم النفس على ما فات من الأمر وأشد التلهف على الشيء الفائت، تقول: حسر على الشيء من باب طرب وحسره أيضاًً فهو حسير.
(إن الله عليم بما يصنعون) لا تخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية؛ والجملة تعليل لما قبلها مع ما تضمنته من الوعيد الشديد، ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه وعظيم قدرته ليتفكروا في ذلك وليعتبروا به فقال:
(والله الذي أرسل الرياح) قرأ الجمهور بالجمع وقرىء: الريح بالأفراد وهي سبعية عن ابن مسعود قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق الله في السموات والأرض إلا من شاء الله إلا مات ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ هذه الآية:
(فتثير سحاباً (١)) جاء بالمضارع بعد الماضي استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة لأن ذلك أدخل في اعتبار المعتبرين. والمعنى: أنها تزعجه وتحركه من حيث هو.
(فسقناه) فيه التفات عن الغيبة، وقال أبو عبيدة: سبيله فتسوقه لأنه قال: فتثير سحاباً. قيل: النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على التحقق
стр. 7651
(إلى بلد) هو يذكر ويؤنث والبلدة البلد (ميت) أي أرض ليس بها نبات ولا مرعى. قال المبرد: ميت وميت واحد، وقال: هذا قول البصريين.
(فأحيينا به الأرض) أي أحيينا بالمطر النازل منه الأرض بإنبات النبات فيها، وإن لم يتقدم ذكر المطر فالسحاب يدل عليه، أو أحيينا بالسحاب لأنه سبب المطر (بعد موتها) أي بعد يبسها استعار الأحياء للنبات والموت لليبس.
(كذلك النشور) أي كذلك يحيي الله العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها والنشور والبعث من نشر الإنسان نشوراً أي مثل إحياء موات الأرض في صحة المقدور به وسهولة التأتي إحياء الأموات إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه، وذلك لا مدخل له فيها فكيف تنكرونه؟، وقد شاهدتم غير مرة ما هو مثله وشبيه به.
عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: " يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال أما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قلت: بلى، قال: كذلك يحيي الله الموتى، وكذلك النشور ". أخرجه أحمد والبيهقي والطيالسي وغيرهم.
стр. 7652
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) فليطلبها منه لا من غيره قال الفراء: معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فإنها لله جميعاً، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، فجعل معنى لله العزة الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي فليطلبه من عنده، وقال الزجاج: تقديره من كان يريد بعبادة الله العزة فالعزة له سبحانه، فإن الله يعزه في الدنيا والآخرة.
وقيل: المراد به المشركون فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، وقيل: المراد الذين كانوا
стр. 7653
يتعززون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة؟ والظاهر في معنى الآية: أن من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من الله فلله العزة جميعاً ليس لغيره منها شيء، فتشمل الآية كل من طلب العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة وتستحق، ومن أي جهة تطلب فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة.
(إليه) تعالى لا إلى غيره (يصعد الكلم الطيب) الصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضاًً وموضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، ومعنى صعوده إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبناء الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيباً من ذكر الله وأمر بمعروف ونهي عن منكر وتلاوة وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد أو بالتحميد والتمجيد، وقيل: المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا، وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم، وفيه دليل على علوّه تعالى فوق الخلق وكونه بائناً عنه بذاته الكريمة، كما تدل له الآيات الأخرى الصريحة والأحاديث المستفيضة الصحيحة، وقيل: المراد بصعوده علم الله به والأولى ما ذكرناه آنفاً.
(والعمل الصالح يرفعه) أي يرفع الكلم الطيب كما قال الحسن وشهر ابن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك، ووجهه: أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. وقيل: إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب، ومفعوله العمل الصالح، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان، وقيل: إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى الله ، والمعنى أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل
стр. 7654
يحقق الكلام، وقيل: العمل الصالح يرفع صاحبه وهو الذي أراد العزة، وقال قتادة: المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه أي يقبله فيكون قوله والعمل الصالح مبتدأ وخبره يرفع، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه، قرأ الجمهور يصعد من صعد الثلاثي، والكلم بالرفع على الفاعلية، وقرأ علي وابن مسعود يصعد بضم حرف المضارعة من أصعد، والكلم بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول وقرأ الجمهور الكلم وقرأ أبو عبد الرحمن الكلام وقرأوا العمل بالرفع على العطف أو على الابتداء وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال.
وعن ابن مسعود في الآية قال: " إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله سبحانه إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفر لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال: أداء الفرائض فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وكان عمله أولى به ". أخرجه الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه وغيرهم.
(والذين يمكرون السيئات) ليس مفعولاً به لأن مكر لازم فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف أي يمكرون المكرات السيئات ويجوز أن يضمن يمكرون معنى يكسبون فيكون السيئات مفعولاً به. قال مجاهد وقتادة: هم أهل الربا.
وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي ﷺ لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: هم الذين يعملون السيئات في الدنيا. وقال مقاتل: هم المشركون (لهم عذاب شديد) أي بالغ الغاية في الشدة.
стр. 7655
(ومكر أولئك هو يبور) أي يهلك ويفسد ويبطل ومنه: وكنتم قوماً بوراً، وقد أبارهم الله إبارة بسبب مكرانهم، حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب، فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه بواحدة منها، والمكر في الأصل الخديعة والاحتيال والإشارة بقوله " أولئك " إلى الذين مكروا السيئات على اختلاف الأقوال في تفسير مكرهم وجملة هو يبور خبر مكر أولئك ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين. واشتهارهم بذلك، ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على صحة البعث والنشور فقال:
стр. 7656
(والله خلقكم) ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم (من تراب) وقال قتادة: يعني آدم والتقدير على هذا خلق أباكم الأول وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب.
(ثم من نطفة) أخرجها من ظهر أبيكم (ثم جعلكم أزواجاً) أي زوج بعضكم ببعض فالذكر زوج الأنثى أو جعلكم أصنافاً ذكراناً وإناثاً (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) أي لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به فلا يخرج شيء من علمه وتدبيره، ومن زائدة.
(وما يعمّر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) قرىء ينقص مبنياً للمفعول وللفاعل ومن عمره بضم الميم وبسكونها والمعنى ما يطول عمر أحد ولا ينقص من عمره إلا في اللوح المحفوظ، قال الفراء: يريد آخر غير الأول فكنى عنه بالضمير، كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر، قيل: إنما سمى معمراً باعتبار مصيره إليه والمعنى ما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمر أحد لكن لا على معنى: ولا ينقص من عمره بعد كونه زائداً، بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء ناقصاً إلا وهو في كتاب. قال سعيد بن
стр. 7657
جبير وما يعمر من معمر إلا كتب عمره كم هو سنة؟ كم هو شهراً؟ كم هو يوماً؟ كم هو ساعة؟ ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة، حتى يستوفي أجله فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره.
قال النسفي: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس يقولون: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق، أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره، فذلك نقصان عمره انتهى. وقال قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين، وقيل المعنى: أن الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع ودونه إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب، والضمير على هذا يرجع إلى معمر، وقيل المعنى: وما يعمر من معمر إلى الهرم ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب الله، أي بقضاء الله قاله الضحاك، واختاره النحاس قال وهو أشبهها بظاهر التنزل، والأولى أن يقال: ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي التقصير فمن أسباب التطويل ما ورد في صلة الرحم عن النبي ﷺ مثل قوله " من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، أي يؤخر في عمره فليصل رحمه ". ونحو ذلك.
ومن أسباب التقصير: الاستكثار من معاصي الله سبحانه فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلاً سبعين سنة فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان والكل في كتاب مبين، فلا تخالف بين هذه الآية وبين قوله سبحانه: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون
стр. 7658
ساعة ولا يستقدمون) ويؤيد هذا قوله سبحانه: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحاً وبياناً.
قال ابن عباس في الآية يقول: ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت له ذلك فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت عليه أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له فذلك قوله: ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، يقول: كل ذلك في كتاب عنده.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو عوانة وابن حبان والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: " قال رسول الله ﷺ يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ".
وأخرج ابن أبيِ شيبة ومسلم والنسائي أبو الشيخ عن ابن مسعود قال قالت أم حبيبة: اللهم امتعني بزوجي النبي، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي ﷺ " إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئاًً قبل حله أو يؤخر شيئاًً ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل ". وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر فلا معارضة بين الأدلة كما قدمنا.
(إن ذلك) أي ما سبق من الخلق وما بعده (على الله يسير) لا يصعب عليه منه شيء، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل، ولا كبير ولا صغير، ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من بديع صنعه، وعجيب قدرته، فقال:
(وما يستوي البحران هذا) أي أحدهما (عذب فرات) شديد العذوبة (سائغ شرابه) مريء يسهل انحداره في الحلق لعذوبته (وهذا ملح أجاج) شديد الملوحة، وقيل هو الذي يحرق الحلق بملوحته فالمراد بالبحرين: العذب والمالح، فالعذب الفرات: الحلو، والأجاج: المر، وقرىء سيغ مشدداً وقرىء ملح بفتح الميم، وقيل: المقصود من الآية ضرب مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر.
(ومن كل) منهما (تأكلون لحماً طرياً) وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل، وهذا وما بعد ذلك إما استطراداً في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع، وإما تكملة للتمثيل، والمعنى كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما متفاوتان فيما هو المقصود بالذات من الماء، لما خالط أحدهما ما أفسده، وغيره عن كمال فطرته، كذلك لا يساوي الكافر المؤمن، وإن شاركه في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ونحوهما لتباينهما فيما هو الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصيلة وحيازته لكماله اللائق دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر من حيث إنه يشارك العذب في منافع كثيرة، والكافر
стр. 7661
خلو من المنافع بالكلية على طريقة قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) الخ. قاله أبو السعود.
(وتستخرجون حلية) وهي اللؤلؤ والمرجان، وهو صغار اللؤلؤ، وقال الطرطوشي: هو عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيراً انتهى. والظاهر أن المعنى وتستخرجون منهما حلية، وقال المبرد: إنما تستخرج الحلية من المالح، وروي عن الزجاج أنه قال: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل واحد منهما على انفراده ورجح النحاس قول المبرد، ومعنى.
(تلبسونها) تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما.
(وترى الفلك فيه) أي في كل واحد من البحرين، وقال النحاس: الضمير يعود إلى المالح خاصة ولولا ذلك لقال: فيهما (مواخر) يقال: مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء بجريها فيه فالمعنى: وترى السفن في البحرين شواق للماء. بعضها مقبلة وبعضها مدبرة، بريح واحدة، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل (لتبتغوا من فضله) أي فعل ذلك لتبتغوا، قال مجاهد ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في المدة القريبة كما تقدم في البقرة.
(ولعلكم تشكرون) الله على ما أنعم به عليكم من ذلك.
стр. 7662
(يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) أي يضيف بعض أجزائهما إلى الآخر فيزيد في أحدهما بالنقص في الآخر وقد تقدم تفسيره في آل عمران وفي مواضع من الكتاب العزيز.
стр. 7663
(وسخر الشمس والقمر) عطف على يولج واختلاف الصيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حيناً فحيناً وأما تسخير النيرين فأمر لا تجدد ولا تعدد فيه، وإنما المتعدد المتجدد آثاره.
(كل) منهما (يجري) في فلكه (لأجل مسمى) قدره الله لجريانهما وهو يوم القيامة، وقيل: هو المدة التي يقطعان في مثلها الفلك وهو سنة للشمس وشهر للقمر، وقيل: المراد به جري الشمس في اليوم والقمر في الليلة، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة لقمان.
(ذلكم) أي الفاعل لهذه الأفعال المتقدمة من أول السورة إلى هنا وهو مبتدأ وخبره.
(الله ربكم له الملك) أي هذا الذي من صنعته ما تقدم هو الخالق المقدر والقادر والمقتدر المالك للعالم والمتصرف فيه، ويجوز أن يكون قوله: له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله:
(والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه، والقطمير: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة كاللفافة لها، وقال المبرد: هو شق النواة، وقال قتادة هو القمع الذي على رأس النواة. قال الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة، وقال ابن عباس: القطمير القشر. وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة ومعلوم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل وهو ما في شق النواة، والقطمير: وهو اللفافة، والثفروق: وهو ما بين القمع والنواة، والنقير: وهو ما في ظهرها. ثم بين سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله بأنهم لا ينفعون ولا يضرون فقال:
(إن تدعوهم) أي إن تستغيثوا بهم في النوائب (لا يسمعوا دعاءكم) لكونها جمادات لا تدرك شيئاًً من المدركات.
(ولو سمعوا) فرضاً وتقديراً (ما استجابوا لكم) لعجزهم عن ذلك. قال قتادة: المعنى ولو سمعوا لم ينفعوكم، وقيل المعنى لو جعلنا لهم سماعاً وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتهم إليه من الكفر.
(ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي يتبرأون من عبادتكم لهم، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون، ويجوز أن يرجع: والذين تدعون من دونه وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار، وهم الملائكة والجن والشياطين والمعنى: أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاً وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر الله عن عيسى بقوله: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)، قال القرطبي: ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضاًً أي: يحييها الله حتى تخبر بأنها ليست أهلاً للعبادة.
(ولا ينبئك مثل خبير) أي لا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور مثل
стр. 7666
من هو خبير بالأشياء، عالم بخبايا الأمور، وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال:
стр. 7667
(يا أيها الناس أنتم الفقراء) المحتاجون (إلى الله) في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق في أنفسهم وفيما يعرض لهم من سائر الأمور وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به ولذلك قال: (وخلق الإنسان ضعيفاً)، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بك للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغنى الذي هو مطمع الأغنياء فقال:
(والله هو الغني) على الإطلاق (الحميد) المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤهم عنهم فقال:
стр. 7668
(إن يشأ يذهبكم) كلكم إلى العدم ويفنيكم وفيه بلاغة كاملة أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته ثم زاد على بيان الاستغناء بقوله: (ويأت) بدلكم (بخلق جديد) يطيعونه ولا يعصونه أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العوالم غير ما تعرفون.
стр. 7669
(وما ذلك) الإذهاب بكم والإتيان بآخرين (على الله بعزيز) أي بممتنع ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم.