Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
من هو خبير بالأشياء، عالم بخبايا الأمور، وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال:
стр. 7667
(يا أيها الناس أنتم الفقراء) المحتاجون (إلى الله) في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق في أنفسهم وفيما يعرض لهم من سائر الأمور وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به ولذلك قال: (وخلق الإنسان ضعيفاً)، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بك للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغنى الذي هو مطمع الأغنياء فقال:
(والله هو الغني) على الإطلاق (الحميد) المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤهم عنهم فقال:
стр. 7668
(إن يشأ يذهبكم) كلكم إلى العدم ويفنيكم وفيه بلاغة كاملة أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته ثم زاد على بيان الاستغناء بقوله: (ويأت) بدلكم (بخلق جديد) يطيعونه ولا يعصونه أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العوالم غير ما تعرفون.
стр. 7669
(وما ذلك) الإذهاب بكم والإتيان بآخرين (على الله بعزيز) أي بممتنع ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم.
стр. 7670
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)
стр. 7671
(ولا تزر) أي ولا تحمل نفس (وازرة) آثمة (وزر) إثم نفس (أخرى) فحذف الموصوف للعلم به بل كل نفس تحمل وزرها ولا تخالف هذه الآية قوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم)، لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، والكل من أوزارهم لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا: حديث " من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "، فإن الذي سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله ﵌ قال في حجة الوداع: " ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده ".
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم عن أبي رمثة قال: " انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﵌ فلما رأيته قال لأبي: ابنك هذا؟ قال أي ورب الكعبة. قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ". ثم قرأ رسول الله ﵌ هذه الآية. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم الابن فيقولان له: يا بني احمل عنا بعض ذنوبنا فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي.
(وإن تدع مثقلة إلى حملها) قال الفراء: أي نفس مثقلة بالذنوب
стр. 7672
قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنساناً إلى حملها وهو ذنوبها. والحمل بالكسر ما يحمل على الظهر ونحوه، والجمع أحمال وحمول وحملت المتاع حملاً من باب ضرب فأنا حامل والأنثى حاملة بالتاء لأنها صفة مشتركة. قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر ما كان على ظهر أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب وهو قول الأصمعي. وقال: امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى.
(لا يحمل منه) أي من حملها (شيء) قال ابن عباس: لكونه عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاًً (ولو كان ذا قربى) أي، ولو كان الذي تدعوه ذا قرابة لها لم يحمل من حملها شيئاًً، ومعنى الآية وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفساً أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئاًً، ولو كانت قريبة لها من النسب كالأب والأم والابن والأخ فكيف بغيرها ممن لا قرابة بينها وبين الداعية لها.
وقرىء: ذو قربى على أن كان تامة. كقوله: (وإن كان ذو عسرة)، قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن المعنى على أن المثقلة إذا دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه ولو كان مدعوها ذا قربى، وهو ملتئم. ولو قلت: ولو وجد ذو قربى لخرج عن التئامه اهـ.
(إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار، أي أنهم يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم، ويخشونه في الخلوات عن الناس. قال الزجاج: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار كقوله: (إنما أنت منذر من يخشاها)، وقوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب).
(وأقاموا الصلاة) أي احتفلوا بأمرها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما
стр. 7673
يلهيهم وأداموها (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وقرىء من أزكى فإنما يزكى لنفسه، والتزكي: التطهر من أدناس الشرك والفواحش والمعنى أن من تطهر بترك المعاصي واستكثر من العمل الصالح فإنما يتطهر لنفسه لأن نفع ذلك مختص به كما أن وزر من تدنس لا يكون إلا عليه لا على غيره.
(وإلى الله المصير) لا إلى غيره، ذكر سبحانه أولاً: أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانياً: أن المذنب إن دعا غيره وإن كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمله، ثم ذكر ثالثاً: أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء، ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافي وقد قرر ببيان التنامي أولاً بين ذاتيهما، وثانياً بين وصفيهما، وثالثاً بين مستقريهما، ودار بهما في الآخرة فقال:
стр. 7674
(وما يستوي الأعمى) أي المسلوب حاسة البصر واستوى من الأفعال التي لا يكفي فيها واحد، فلو قلت استوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل، أو تعدده (والبصير) الذي له ملكة البصر فشبه الكافر بالأعمى وشبه المؤمن بالبصير، وقيل: مثل للجاهل والعالم.
стр. 7675
(ولا) تستوي (الظلمات ولا النور) فشبه الباطل بالظلمات وشبه الحق بالنور، وقيل: إنما جمع الظلمات وأفرد النور لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق.
стр. 7676
(ولا الظل ولا الحرور) بالفتح شدة حر الشمس وهو خلاف البرد يقال: حر اليوم والطعام يحر من باب تعب وحر حراً وحروراً من بابي ضرب وقعد لغة، والاسم: الحرارة، فهو حار وحرت النار تحر من باب تعب توقّدت واستعرت، والحرة بالفتح: أرض ذات حجارة سود والجمع حرار مثل كلبة وكلاب، والحرور على وزن رسول: الريح الحارة. قال الأخفش: لا يكون الحرور إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل: عكسه. وقال رؤبة بن العجاج: الحرور يكون بالليل خاصة والسموم يكون بالنهار خاصة
стр. 7677
وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار والحرور يكون فيهما. قال النحاس: وهذا أصح، وقال قطرب: الحرور: الحر، والظل: البرد، والمعنى أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه ولا أذى، والحر الذي يؤذي قيل: أراد الثواب والعقاب، وسمي الحر حروراً مبالغة في شدة الحر، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال الكلبي: أراد بالظل الجنة، وبالحرور النار. وقال عطاء: يعني ظل الليل وشمس النهار ثم ذكر سبحانه تمثيلاً آخر للمؤمن والكافر، وهو أبلغ من الأول فقال:
стр. 7678
(وما يستوي الأحياء ولا الأموات) فشبه المؤمنين بالأحياء وشبه الكافرين بالأموات وهو أبلغ من الأول لكمال التنافي بين الحي والميت، ولذلك أعيد الفعل، وأما التنافي بين الأعمى والبصير فليس تاماً لإمكان اشتراكهما في كثير من الإدراكات.
وقال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء والأموات الجهال. قال قتادة هذه كلها أمثال أي: كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، وقد زيدت (لا) في المواضع الثلاثة خمس مرات اثنتين في الأولى واثنتين في الثانية وواحدة في الثالثة. والكل لتأكيد نفي الاستواء فالزيادة شاملة لأصل زيادتهما كالأولى من الجملة الأولى ولتكريرها كالثانية منها.
(إن الله يسمع من يشاء) أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفقهم لطاعته، وهذا شروع في تسلية النبي ﷺ . وتنتهي بقوله: فكيف كان نكير. والمراد من قوله: يسمع بها ويوصل من شاء وصوله وهدايته فيحييه بالإيمان.
(وما أنت بمسمع من في القبور) يعني الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي كما لا يسمع من مات كذلك لا يسمع من مات قلبه. قرىء: بتنوين مسمع وقطعه عن الإضافة وبإضافته.
стр. 7679
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)
стр. 7680
(إن أنت إلا نذير) أي ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ وليس لك من الهدى شيء إنما الهدى والضلالة بيد الله .
стр. 7681
(إنا أرسلناك بالحق) أي محقين أو محقاً أو إرسالاً متلبساً بالحق أي بالهدى (بشيراً) بالوعد الحق (ونذيراً) بالوعيد الحق أو بشيراً لأهل الطاعة ونذيراً لأهل المعصية.
(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها، والأمة الجماعة الكثيرة، وتقال لكل أهل عصر، والمراد هنا أهل العصر، واقتصر على ذكر النذير دون البشير لأنه ألصق بالمقام.
فإن قلت: كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ لم يخل فيها نذير؟ قلت: إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلا أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى ﵇ بعث الله محمداً ﷺ ، وآثار نذارته باقية إلى يوم القيامة لأنه لا نبي بعده، فهل من مدّكر، وهذا يقتضي أن أهل الفترة مكلفون لبقاء آثار الرسل المتقدمة فيهم، وهو خلاف ما في شرح ابن حجر على الهمزية أن أهل الفترة من أهل الجنة وإن غيروا وبدلوا وعبدوا غير الله، لأنه لم يرسل إليهم رسولاً لأن من قبلهم من الرسل انتهت رسالته بموته إذ لم يعلم لأحد من الرسل استمرار رسالته بعد الموت إلا نبينا ﷺ ، فهم غير مكلفين بما يفعلونه ولو كان صورة معصية.
стр. 7682
لكن ورد النص بتعذيب بعض أهل الفترة كعمرو ابن لحي فيتلقى، ويعتقد فيمن ورد فيهم بخصوصهم، لا لأن ما فعلوه كفر بل لحكمة يعلمها الله تعالى لم نطلع عليها. انتهى ملخصاً. وحينئذ فالظاهر أنه لا يحصل الاتصال بين الآية وبين ما تقرر إلا بأن يلزم أن جملة العرب أمة ويصدق تقدم النذير فيها بتقدم إسماعيل وإن بني إسرائيل أمة، ويصدق تقدم النذير فيهم بتقدم عيسى ومن قبله فتأمل ثم سلى سبحانه نبيه ﷺ وعزاه فقال:
стр. 7683
(وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم) من الأمم الماضية أنبياءهم (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة (وبالزبر) أي الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم وهي ثلاثون، وكصحف موسى قبل التوراة وهي عشرة. وكصحف شيت وهي ستون فجملة الصحف مائة تضم لها الكتب الأربعة فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة. قاله الحفناوي.
(وبالكتاب المنير) كالتوراة والإنجيل، قيل: الكتاب المنير داخل تحت الزبر، وتحت البينات، والعطف لتغاير المفهومات وإن كانت متحدة في الصدق، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام، وجواب الشرط محذوف، أي فاصبر كما صبروا، وأن المذكور دليل له.
стр. 7684
(ثم أخذت الذين كفروا) وضع الظاهر موضع المضمر يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة ويشعر بعلة الأخذ (فكيف كان نكير) الاستفهام تقريري كما قاله الكرخي، وينبغي أن يتأمل فيه، أي فكيف كان نكيري عليهم؟ وعقوبتي لهم؟ والنكير بمعنى الإنكار، وهو تغيير المنكر وقد مضى بيان هذا قريباً، ثم ذكر سبحانه نوعاً من أنواع قدرته الباهرة وخلقاً من مخلوفاته البديعة فقال:
стр. 7685
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)
стр. 7686
(ألم تر) والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، وهذه الرؤية هي القلبية أي: ألم تعلم (أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به) أي بالماء يعني المطر، والنكتة في هذا الالتفات إظهار كمال العناية بالفعل، لما فيه من الصنع البديع، ولأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء.
(ثمرات مختلفاً ألوانها) المراد بالألوان الأجناس والأصناف من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها أي بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر وبعضها أسود، قال ابن عباس: أي الأبيض والأحمر والأسود.
(ومن الجبال جدد) الجدد جمع جدة بالضم وهي الطريق. قال: الأخفش ولو كان جمع جديد لقال: جدد بضم الجيم والدال نحو: سرير وسرر، وقرأ الزهري: جدد بضم الجيم والدال: جمع جديدة يقال جديدة وجدد وجدائد، وقال أبو الفضل: معناها آثار جديدة واضحة الألوان، وقرىء بفتحهما.
وقد رد أبو حاتم هذه القراءة من حيث النقل والمعنى وقد صححها غيره وقال الجدد: الطريق الواضح البين، وقيل الجدد: القطع مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال الجوهري: الجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجدة الطريق، والجمع جدد وجدائد. قال
стр. 7687
المبرد: جدد طرائق وخطوط، قال الواحدي: ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد. وقال الفراء: هي الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر واحدها جدة.
(بيض وحمر) وصفر (مختلف ألوانها) بالشدة والضعف، والمعنى أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال وهي طرائقها أو الخطوط التي فيها بأن لون بعضها البياض ولون بعضها الحمرة.
(وغرابيب سود) الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب قال الجوهري: تقول هذا أسود غربيب، أي شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود جعلت السود بدلاً من غرابيب، قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب، وقلما يقال: غربيب أسود، وقيل الغربيب تأكيد للأسود كالقاني للأحمر، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد وإنما قدم للمبالغة والمعنى من الجبال جدد بيض وحمر ومن الجبال غرابيب على لون واحد وهو السواد، أو من الجبال جدد بيض وحمر وسود وقيل التقدير: ومن الجبال ذو جدد لأن الجدد إنما هي في ألوان بعضها.
стр. 7688
(ومن الناس والدواب) وقرىء بتخفيف الباء (والأنعام) أي ومنهم نف أو نوع أو بعض.
(مختلف ألوانه) بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة قال الفراء أي: خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه.
(كذلك) أي مختلفاً مثل ذلك الاختلاف، والتقدير مختلف ألوانه اختلافاً كائناً كذلك أي كاختلاف الجبال والثمار، وقال ابن عطية: متعلق بما بعده أي مثل ذلك النظر والاعتبار في مخلوقات الله، واختلاف ألوانها (إنما يخشى
стр. 7689
الله من عباده العلماء)، وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها، والراجح الوجه الأول والوقف على كذلك تام، ثم استأنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله:
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) وهو من تتمة قوله: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشيته، وهم العلماء به، وبعظيم قدرته قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله ، ومثله عن الشعبي.
وقال مسروق: كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار جهلاً، وعن ابن مسعود نحوه فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية ولو أخر لانعكس الأمر، وقرىء: برفع الاسم الشريف ونصب العلماء ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة. قال في الكشاف: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى أنه يجلهم ويعظهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس.
قال ابن عباس: العلماء بالله الذين يخافونه، وعنه قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وعن ابن مسعود قال: ليس العلم من كثرة الحديث، لكن العلم من الخشية، وفي لفظ بكثرة الرواية وعن حذيفة بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله.
وعن عائشة قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئاًً فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله، ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " أخرجه البخاري ومسلم.
(إن الله عزيز غفور) تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب لى معصيته غافر لمن تاب من عباده.
стр. 7690
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)
стр. 7691
(إن الذين يتلون كتاب الله) أي يستمرون على تلاوته ويداومونها، الكتاب هو القرآن العظيم ولا وجه لما قيل: إن المراد به جنس كتب الله.
(وأقاموا الصلاة) أي فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها، وأذكارها، عن ابن عباس قال: نزلت في حصين بن الحرث بن عبد المطلب بن عبد مناف.
(وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية) فيه حث على الإنفاق كيفما تهيأ فإن تهيأ سراً فهو أفضل، وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بالسر الصدقة المطلقة. وبالعلانية الزكاة، وإليه أشار في التقرير قاله الكرخي. وقيل: السر في المسنونة والعلانية في المفروضة.
(يرجون تجارة) أي ثواب الطاعة (لن تبور) أي لن تكسد ولن تهلك والأخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم واللام في قوله:
стр. 7692
(ليوفيهم أجورهم) متعلقة بلن تبور على معنى أنها لن تكسد لأجل أن نوفيهم أجور أعمالهم الصالحة ومثل هذه الآية قوله سبحانه: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وقيل إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق أي فعلوا ذلك ليوفيهم ومعنى:
(ويزيدهم من فضله) أنه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم، قيل بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم، أو بتضعيف حسناتهم، أو بتحقيق وعد لقائه (إنه غفور شكور) تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة، أي غفور لذنوبهم شكور لطاعاتهم.
стр. 7693
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)
стр. 7694
(والذي أوحينا إليك من الكتاب) يعني القرآن وقيل اللوح المحفوظ على أن من تبعيضية أو ابتدائية (هو الحق مصدقاً لما بين يديه) أي موافقاً لما تقدمه من الكتب (إن الله بعباده لخبير بصير) أي محيط بجميع أمورهم الباطنة والظاهرة.
стр. 7695
(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) إنما قدم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب والمعنى ثم أورثنا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، وهو القرآن، أي قضينا وقدرنا أن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي نزلناه عليك، فأورثنا استعارة تبعية سمى إعطاء الكتاب إياهم من غير كد وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث.
و (من) للبيان أو للتبعيض، والمراد بعبادنا أمة الإجابة سواء حفظوه أو لا فهو عطية لجميعهم حتى من لم يحفظه لأنه قدوته، وفيه هدايته وبركته، ومعنى اصطفائهم: اختيارهم واستخلاصهم. ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة قد شرفهم الله على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء وسيد ولد آدم عليه وعليهم الصلاة والسلام، وخصهم بحمل أفضل الكتب، قال مقاتل: يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفيناهم من عبادنا، وقيل: إن المعنى أورثناه من الأمم السالفة أي أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، والأول أولى.
стр. 7696
ثم قسم سبحانه هؤلاء الذين أورثهم كتابه واصطفاهم من عباده إلى لاثة أقسام فقال:
(فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) وفي قوله: (بإذن الله) تنبيه على عزة منال هذه الرتبة، وصعوبة مأخذها أي بأمره أو بعلمه، أو بتوفيقه (ذلك) أي توريث الكتاب والاصطفاء وقيل السبق إلى الخيرات، والأول أولى، وهو مبتدأ وخبره.
(هو الفضل الكبير) أي الفضل الذي لا يقادر قدره، وقد استشكل كثير من أهل العلم معنى هذه الآية لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم لنفسه من ذلك المقسم، وهو من اصطفاهم من العباد فكيف يكون من اصطفاه الله ظالماً لنفسه، فقيل: إن التقسيم هو راجع إلى العباد أي فمن عبادنا ظالم لنفسه، وهو الكافر ويكون ضمير يدخلونها عائداً إلى المقتصد والسابق، وقيل: المراد بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به، وهو المرجى لأمر الله، وليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته لقوله: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وهذا فيه نظر، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء.
وقيل الظالم لنفسه هو الذي عمل الصغائر، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة، وهذا هو الراجح لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة ووجه كونه ظالاً لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظ عظيم وقيل الظالم هو صاحب الكبائر، قلت: ومنشأ الإشكال هو من جعل الوارثين هم العلماء من أمة محمد ﷺ ، إذ لو جعلت الوراثة لجميع الأمة زال الإشكال للقطع بأن منهم ظالماً لنفسه، ولا ينافي الاصطفاء لكونهم فضلوا الأمم الآخرة، وقد ورد في ذلك شيء كثير كما لا يخفى ويؤيده ما سيأتي آخر البحث والله أعلم.
стр. 7697
وقد اختلف السلف في تفسير السابق والمقتصد فقال عكرمة وقتادة والضحاك: إن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق وبه قال الفراء. وقال مجاهد في تفسير الآية: فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة ومنهم مقتصد أصحاب الميمنة ومنهم سابق بالخيرات السابقون من الناس كلهم، وقال المبرد: إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها.
وقال الحسن الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته والسابق من رجحت حسناته على سيئاته، وقال مقاتل: الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة. وحكى النحاس: أن الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته فيكون قوله الآتي:
стр. 7698
(جنات عدن يدخلونها) للذين سبقوا بالخيرات لا غير. قال: وهذا قول جماعة من أهل النظر لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى.
وقال الضحاك: فمنهم ظالم لنفسه أي من ذريتهم ظالم لنفسه وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم والمقتصد المتعلم، والظالم لنفسه الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال والمقتصد صاحب الأفعال والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا والمقتصد الذي يحب الله من أجل العقبى والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق.
وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار والمقتصد الذي يعبده طمعاً في الجنة والسابق الذي يعبده لا لسبب. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق: الذي يحب ربه، وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد: الذي ينصف وينتصف، والسابق: الذي ينصف ولا ينتصف وقيل: الظالم هو المرجىء لأمر الله، والمقتصد هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر
стр. 7699
سيئاً.
قال النسفي: وهنا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) الآية، وقال بعده: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) الآية وقال بعده: وآخرون مرجون لأمر الله) انتهى.
وقال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق المجتنب لهما، وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال كلهم مؤمنون وأما صفة الكفار فبعد هذا. وهو قوله: (والذين كفروا لهم نار جهنم)، وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور، وقيل الظالم من كان ظاهره خيراً من باطنه والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولم يعمل به، والمقتصد: التالي له العالم به والسابق القارىء له العالم به لعامل بما فيه.
وقد ذكر الثعلبي وغيره أقوالاً كثيرة ولا شك أن المعاني اللغوية للظالم والمقتصد والسابق معروفة، وهو يصدق الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ وتفويت ما هو خير لها، فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوقها من الثواب وإن كان قائماً بما أوجب الله عليه تاركاً لما نهاه عنه.
فهو من هذه الحيثية ممن اصطفاه الله ومن أهل الجنة فلا إشكال في الآية، ومن هذا قول آدم ﵇ (ربنا ظلمنا أنفسنا) وقول يونس (إني كنت من الظالمين) ومعنى المقتصد: هو من يتوسط في أمر الدين، ولا يميل إلى جانب الإفراط ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة، وأما السابق: فهو الذي سبق غيره في أمور الدين وهو خير الثلاثة، وقد استشكل تقديم الظالم على المقتصد وتقديمهما على السابق مع كون المقتصد أفضل من الظالم لنفسه، والسابق أفضل منهما فقيل: إن التقديم لا يقتضي التشريف كما في قوله: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، ونحوها من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشر على أهل الخير وتقديم المفضولين على الفاضلين.
стр. 7700
وقيل: وجه التقديم هنا أن الظالمين كثير وأن المقتصدين بالنسبة إلى أهل المعاصي قليل والسابقين بالنسبة إلى الفريقين أقل قليل، فقدم الأكثر على الأقل والأول أولى، فإن الكثرة بمجردها لا تقتضي تقديم الذكر.
وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله، وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه، وقيل: إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة. وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبار بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقد قيل في وجه التقديم غير ما ذكرناه مما لا حاجة إلى التطويل به.
وعن ابن عباس في الآية قال: هم أمة محمد ﷺ ، ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم يدخلون الجنة "، وفي إسناده رجلان مجهولان.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وغيرهم عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله: (ثم أورثنا الكتاب) الآية فأما الذين سبقوا وأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). الآية. قال البيهقي: إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً انتهى. وفي إسناد أحمد: محمد بن
стр. 7701
إسحق وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل مجهول.
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ " قال: أمتي ثلاثة أثلاث فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب وهي التي قال الله: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وتصديقها في التي ذكر في الملائكة قال الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) فجعلهم ثلاثة أفواج فمنهم ظالم لنفسه فهذا الذي يكشف ويمحص ومنهم مقتصد وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً ومنهم سابق بالخيرات فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب بإذن الله يدخلون الجنة جميعاً ". قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث: غريب جداً انتهى.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، ويجب المصير إليها ويدفع بها قول ن حمل الظالم لنفسه على الكافر.
ويؤيدها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أسامة بن زيد: فمنهم ظالم لنفسه الآية قال: قال رسول الله ﷺ : " كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة ". وما أخرجه الطيالسي وعبد ابن حميد والطبراني وغيرهم عن عقبة بن صهبان قال: قلت لعائشة أرأيت قول الله: ثم أورثنا الكتاب الآية؟ قالت: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله ﷺ فشهد له بالجنة، أما المقتصد فمن تبع أثارهم، فعمل بمثل عملهم حتى لحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، ومن اتبعنا، وكل في الجنة. وعن ابن مسعود قال: هذه ثلاثة أثلاث يوم القيامة. ثلث يدخلون الجنة جميعاً بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. ثم قرأ: (ثم أورثنا الكتاب) الآية.
стр. 7702
وأخرج سعيد ابن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا مر بهذه الآية (ثم أورثنا الكتاب) قال: ألا. إن سابقنا سابق. ومقتصدنا، ناج وظالمنا مغفور له، وأخرجه البيهقي وغيره عنه من وجه آخر مرفوعاً، وأخرجه ابن النجار من حديث أنس مرفوعاً.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله. والظالم لنفسه أصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ .
وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية ثم قال: ألا إن سابقنا أهل جهادنا. ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا. ألا وإن ظالمنا أهل بدونا.
وأخرج البيهقي في البعث عن البراء بن عازب قال: أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعاً، وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عنه قال قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية قال: [أكلهم ناج وهي هذه الأمة].
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال هي مثل التي في الواقعة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة والسابقون، صنفان ناجيان، وصنف هالك، وعنه قال: هو الكافر، والمقتصد أصحاب اليمين، وهذا المروى عنه ﵁ لا يطابق ما هو الظاهر من النظم القرآني، ولا يوافق ما قدمنا من الروايات عن رسول الله ﵌.
وعن جماعة من الصحابة، وعن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن هذه الآية فقال: نجوا كلهم، ثم قال تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وقد قدمنا عن ابن عباس ما يفيد أن الظالم لنفسه من الناجين فتعارضت الأقوال عنه.
стр. 7703
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)
وقوله (جنات عدن) مبتدأ وخبره (يدخلونها) والضمير يعود إلى الأصناف الثلاثة فلا وجه لقصره على الصنف الأخير وقرىء: جنة بالإفراد وقرىء: جنات بالنصب على الاشتغال، وقرىء: يدخلونها على البناء للمفعول (يحلون فيها) هو من حليت المرأة فهي حال، وفيه إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول، فلما قال: يحلون فيها أشار إلى أن دخولهم على وجه السرعة.
(من أساور من ذهب) من الأولى تبعيضية، والثانية بيانية أي يحلون بعض أساور كائنة من ذهب. والأساور جمع أسورة جمع سوار (ولؤلؤاً) منصوب بالعطف على محل من أساور، وقرىء بالجر عطفاً على ذهب أي مرصعاً بلؤلؤ أو يحلون أساوراً ولؤلؤاً وهو الأولى.
أخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﵌ تلا قول الله: (جنات عدن يدخلونها) الآية فقال: " إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة لتضيء ما بين المشرق والمغرب ". (ولباسهم فيها حرير) لما فيه من اللذة والزينة، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الحج.
стр. 7704
(وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) بفتحتين وقرىء بضم الحاء وسكون الزاي والمعنى أنهم يقولون هذه المقالة إذا دخلوا الجنة، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق. قال قتادة: حزن الموت، وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات، وقال ابن عباس: حزن النار وقال القاسم حزن زوال النعم وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: همّ الخبز في الدنيا، وقيل: همّ المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد وهذا أرجح الأقوال فإن الدنيا وإن بلغ نعيمها أي مبلغ لا يخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان وخصوصاً أهل الإيمان فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب الله خائفين من عقابه مضطربين القلوب في كل حين، هل تقبل أعمالهم؟ أو ترد؟ حذرين من عاقبة السوء وخاتمة الشر، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة، وأما أهل العصيان فهم وإن نفس عن خناقهم قليلاً في الحياة الدنيا التي هي دار الغرور، وتناسوا دار القرار يوماً من دهرهم، فلا بد أن يشتد وجلهم وتعظم مصيبتهم، وتغلي مراجل أحزانهم إذا شارفوا الموت، وقربوا من منازل الآخرة، ثم إذا قبضت أرواحهم ولاح لهم ما يسوؤهم من جزاء أعمالهم ازدادوا غماً وحزناً. فإن تفضل الله عليهم بالمغفرة وأدخلهم الجنة فقد أذهب عنهم أحزانهم وأزال غمومهم وهمومهم.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هم قوم في الدنيا يخافون الله ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت فعندها قالوا: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
стр. 7705
وروى البغوي بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
(إن ربنا لغفور شكور) غفر لنا العظيم وشكر لنا القليل من أعمالنا أو يغفر الجنايات ويقبل الطاعات، وقيل: غفور لمن عصاه شكور لمن أطاعه
следующие страницы →