(هذا) أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو هذا ذكر فيوقف على هذا، قال ابن الأنباري: وهذا وقف حسن، قال ابن الأثير هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو خير من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام إلى كلام آخر، أي خذ هذا كيت وكيت، وفيه بحث إذ يلزم حينئذ عطف الإخبار على الإنشاء، ولذا لم يذكر الزمخشري هذا التقدير ثم ذكر سبحانه ما لأهل الشر بعد أن ذكر ما لأهل الخير فقال:
(وإن للطاغين) الذين طغوا على الله وكذبوا رسله (لشر مآب) أي لشر منقلب ينقلبون إليه ثم بين ذلك فقال:
стр. 8263
(جهنم) بدل أو عطف بيان.
(يصلونها) أي يصلون جهنم، ويدخلونها (فبئس المهاد) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم وهو الفراش، مأخوذ من مهد الصبي، أو المراد بالمهد الموضع: والمخصوص بالذم محذوف، أي بئس الهاد هي كما في قوله: (لهم من جهنم مهاد) شبه الله سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالهاد.
стр. 8264
(وهذا فليذوقوه حميم وغساق) أي هذا حميم وغساق ليذوقوه، قاله الفراء والزجاج، أي يقال لهم في ذلك اليوم هذه المقالة، والحميم الماء الحار الذي قد انتهى حره، والغساق ما سال من جلود أهل النار من القيح، ومن الصديد، من قولهم: غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان الانصباب، قال
стр. 8265
النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وارتفاع حميم وغساق على أنهما خبران لمبتدأ محذوف، أي هو حميم وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل يفسره ما بعده، أي ليذوقوا هذا فليذوقوه ويجوز أن يكون حميم مرتفعاً على الابتداء، وخبره مقدر قبله أي منه حميم ومنه غساق، وقيل: الغساق ما قتل برده، ومنه قيل الليل غاسق لأنه أبرد من النهار؛ وقيل: هو الزمهرير وقيل الغساق المنتن، وقيل هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب وقال قتادة هو ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم.
وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار، وقال السدي: الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد، وقال مجاهد ومقاتل. هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده، وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب وأنسب أيضاًً بمقابلة الحميم، قرأ أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين من غساق، وقرىء بالتشديد وهما لغتان بمعنى واحد، كما قال الأخفش، وقيل معناهما مختلف فمن خفف فهو اسم مثل عذاب وجواب وصواب، ومن شدد قال هو اسم فاعل للمبالغة نحو ضراب وقتال.
وقال ابن عباس غساق الزمهرير وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن دلوا من غساق يهرق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " قال الترمذي بعد إخراجه لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، قلت ورشدين فيه مقال معروف.
стр. 8266
(وآخر من شكله) قرأ الجمهور وآخر مفرداً مذكراً، وقرىء آخر بضم الهمزة على أنه جمع وأنكر الأولى لقوله (أزواج) وأنكر عاصم
стр. 8267
والجحدري الثانية، وقال لو كانت أخر لقال من شكلها، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ، وخبره أزواج، ويجوز أن يكون من شكله خبراً مقدماً، وأزواج مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر آخر، ويجوز أن يكون خبر آخر مقدراً أي ولهم آخر ومن شكله أزواج جملة مستقلة، ومعنى الآية على الأولى وعذاب آخر، أو مذوق آخر أو نوع آخر من شكل ذلك العذاب، أو المذوق أو النوع الأول، والشكل المثل وعلى الثانية ومذوقات أخر وأنواع أخر من شكل ذلك الذوق أو النوع المتقدم، وإفراد الضمير في شكله على تأويل المذكور أي من شكل المذكور، ومعنى أزواج أجناس وأنواع وأشباه وحاصل معنى الآية أن لأهل النار حميماً وغساقاً وأنواعاً من العذاب من مثل الحميم والغساق، قال الواحدي: قال المفسرون: هو الزمهرير، ولا يتم هذا الذي حكاه عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة، وأجناس متفاوتة ليطابق معنى أزواج أو على تقدير أن لكل فرد من أهل النار زمهريراً.
وجملة
стр. 8268
(هذا فوج) حكاية لقول الملائكة، هم خزنة النار، وذلك أن القادة والرؤساء إذا دخلوا النار ودخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة: هذا فوج يعنون الأتباع (مقتحم معكم) أي داخل معكم إلى النار بشدة، والاقتحام الإلقاء في الشيء بشدة فإنهم يضربون بمقامع من حديد حتى يقتحموها بأنفسهم خوفاً من تلك المقامع، وقيل: الاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها، وفي المختار قحم في الأمر رمى بنفسه فيه من غير روية، وبابه خضع، وأقحم فرسه النهر فانقحم، أي أدخله فدخل واقتحم الفرس النهر دخله.
وقوله (لا مرحباً بهم) من قول القادة والرؤساء لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا لا مرحباً بهم أي لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب السعة، والمعنى لا كرامة لهم، وهذا إخبار من الله سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار، وأن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة. وجملة لا مرحباً بهم دعائية لا محل لها من الإعراب، وقال السمين في مرحباً وجهان أظهرهما أنه مفعول بفعل مقدر
стр. 8269
أي لا أتيتم مرحباً أو لا سمعتم مرحباً، والثاني أنه منصوب على المصدر، قال أبو البقاء أي لا رحبتكم داركم مرحباً. بل ضيقاً، والجملة المنفية إما مستأنفة سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان، وقوله: بهم بيان للمدعو عليهم، وإما حالية، وقد يعترض عليه بأنه دعاء، والدعاء لا يقع حالاً، والجواب أنه على إضمار القول أي مقولاً في حقهم لا مرحباً بهم، وقيل إنها من تمام قوله الخزنة، والأول أولى، كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي:
(إنهم صالوا النار) تعليل من جهة القائلين لا مرحباً بهم، أي إنهم صالوا النار كما صليناها ومستحقون لها كما استحققناها.
стр. 8270
(قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم) مستأنفة جواب سؤال مقدر أي قال الأتباع عند سماع ما قاله الرؤساء لهم: بل أنتم أحق بما قلتم لنا ثم عللوا ذلك بقولهم: (أنتم قدمتموه لنا) أي العذاب أو الصلي لنا وأوقعتمونا فيه، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحق ما أنتم عليه، وأن الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به.
(فبئس القرار) أي بئس المقر جهنم لنا ولكم، ثم حكى عن الأتباع أيضاًً أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر وهو:
стр. 8271
(قالوا ربنا من قدم لنا هذا) أي من دعانا إليه وسوغه لنا، قال الفراء المعنى من سوغ لنا هذا وسنه، وقيل معناه من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى الكفر.
(فزده عذاباً ضعفاً في النار) أي عذاباً بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفاً، ومثله قوله سبحانه (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) وقوله: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب)، والضعف أن يزيد عليه مثله، وقيل المراد بالضعف هنا الحيات والعقارب، قال ابن مسعود: أي أفاعي وحيات.
(وَقَالُوا) أي كفار مكة كأبي جهل وأمية بن خلف وأصحاب القليب وهم في النار. (مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ) أي الأراذل الذين لا خير لهم ولا جدوى، وقيل: إنما سموهم أشراراً لأنهم كانوا على خلاف دينهم، قيل: هو من قول الرؤساء، وقيل من قول الطاغين المذكورين سابقاً قال الكلبي: ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ذلك قالوا هذا القول، وقيل يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسالم وسلمان، وقيل أرادوا أصحاب محمد ﷺ على العموم.
стр. 8274
(أتخذناهم سخرياً) في الدنيا فأخطأنا (أم زاغت عنهم الأبصار) فلم نعلم مكانهم، قاله مجاهد والإنكار المفهوم من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من الأمرين، قال الحسن كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم، قال الفراء والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب، قرىء بحذف همزة اتخذناهم في الوصل، وعلى هذا يحتمل أن يكون الكلام خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية لرجالاً، وأن يكون المراد الاستفهام وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأول منقطعة بمعنى بل والهمزة أي بل أزاغت عنهم الأبصار؟ على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار ثم الإضراب والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير،
стр. 8275
وعلى الثاني أم هي المتصلة، وقرىء بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل ولا محل للجملة حينئذ، وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعاً لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية، وقرىء سخرياً بضم السين وبكسرها، قال أبو عبيدة من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخر.
стр. 8276
(إن ذلك) أي ما تقدم من حكاية حالهم (لحق) أي لواقع ثابت في الدار الآخرة لا يتخلف البتة (تخاصم أهل النار) خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور برفع تخاصم والمعنى أن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق لا بد أن يتكلموا به. وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع. وما قالته الأتباع لهم والجملة بيان لاسم الإشارة وفي الإبهام أولاً والتبيين ثانياً مزيد تقرير له قرأ ابن أبيّ بنصب تخاصم على أنه بدل من ذلك أو بإضمار أعني وقرىء تخاصم بصيغة الماضي فتكون جملة مستأنفة وإنما سماه تخاصماً لأن قول القادة للأتباع: لا مرحباً بكم وقول الأتباع للقادة بل أنتم لا مرحباً بكم من باب الخصومة ثم أمر الله سبحانه رسوله الله ﷺ أن يقول قولاً جامعاً بين التخويف والإرشاد إلى التوحيد فقال:
стр. 8277
(قل إنما أنا منذر) أي مخوف لكم من عذاب الله وعقابه لا ساحر ولا شاعر كما ادعيتم وإنما اقتصر على الإنذار لأنه إنما يناسبهم الإنذار (وما من إله) يستحق العبادة (إلا الله الواحد) الذي لا شريك له (القهار) لكل شيء سواه
стр. 8278
(رب السموات والأرض وما بينهما) من المخلوقات (العزيز) الذي لا يغالبه مغالب (الغفار) لمن أطاعه، وقيل معنى العزيز المنيع الذي لا مثل له، ومعنى الغفار الستار لذنوب خلقه، ثم أمره الله سبحانه أن يبالغ في إنذارهم، ويبين لهم عظم الأمر وجلالته فقال:
стр. 8279
(قل هو نبأ عظيم) أي ما أنذرتكم به من العقاب، وما بينته لكم من التوحيد هو خبر عظيم ونبأ جليل، من شأنه العناية به والتعظيم له
стр. 8280
والاعتناء به أمراً وائتماراً، وعدم الاستخفاف به ومثل هذه الآية قوله (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)؟ وقال مجاهد وقتادة ومقاتل هو القرآن. فإنه نبأ عظيم لأنه كلام الله، قال الزجاج قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم، يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه ونبوته، لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله.
стр. 8281
(أنتم عنه معرضون) صفة ثانية للنبأ أو جملة مستأنفة، وهذا توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم يتفكروا فيه، فيعلموا صدقه، ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث.
стр. 8282
(ما كان لي من علم بالملأ الأعلى) استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، وارد من جهته تعالى، يذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به، ولا مباشرة سبب من أسبابها المعتادة، فإن ذلك حجة بينة دالة على أن ذلك بطريق الوحي من عند الله تعالى، وإن سائر أنبائه أيضاًً كذلك، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب أصلاً، إلا ما يوحى إليهم من جهته ، والملأ الأعلى هم الملائكة وزاد أبو السعود وآدم ﵇ وإبليس عليه اللعنة.
(إذ يختصمون) أي ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى، وقت اختصامهم والضمير راجع إلى الملإ الأعلى والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم، قال ابن عباس: قال الملائكة حين شوروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة، وعنه قال هي الخصومة في شأن آدم حيث قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن نصر في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني الليلة ربي في أحسن صورة أحسبه قال: في المنام.
قال يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا، فوضع يده
стр. 8283
بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، أو في نحري، فعلمت ما في السموات والأرض، ثم قال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات والكفارات المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره " (١) الحديث.
وأخرج الترمذي وصححه ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه وقال " وإسباغ الوضوء في السبرات " (٢) وأخرج الطبراني وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه، وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث، وقيل: الضمير لقريش أي يختصمون فيهم بعضهم يقول: بنات الله، وبعضهم يقول غير ذلك والأول أولى.
стр. 8284
(إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين) جملة معترضة بين اختصامهم المجمل، وبين تفصيله بقوله
стр. 8285
(إذ قال ربك للملائكة)، والمعنى ما يوحى إليّ إلا أنني نذير أبين لكم ما تأتون من الفرائض والسنن وما تدعون من الحرام والمعصية، قاله الفراء وقال: كأنك قلت ما أوحى إليّ إلا الإنذار قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما في حيزها في محل رفع، لقيامها مقام الفاعل أي ما يوحى إليّ إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيراً مبيناً، أو في محل نصب أوحى بعد إسقاط لام العلة، والقائم مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور، وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة لأن في الوحي معنى القول وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية كأنه قيل ما يوحي إليّ هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين والقصر هنا إضافي أي لا ساحر ولا كذاب كما زعمتم، وخصه بالذكر لأن الكلام مع المشركين وحاله معهم مقصور على الإنذار ولما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالاً فيما تقدم ذكر ههنا تفصيلاًْ فقال:
стр. 8286
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)
(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ) إذ هذه بدل من (إذ يختصمون) لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة، وقيل هي منصوبة بإضمار اذكر، والأول أولى إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض.
وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدم ذكره فالثاني أولى (إني خالق) أي فيما سيأتي من الزمن (بشراً) أي جسماً من جنس البشر وهو آدم ﵇ مأخوذ من مباشرته للأرض أو من كونه بادي البشرة أي ظاهر الجلد ليس على جلده صوف ولا شعر ولا وبر ولا ريش ولا قشر.
وقوله (من طين) متعلق بمحذوف هو صفة لـ (بشراً) أو بـ (خالق) ومعنى
стр. 8287
(فإذا سويته) صورته على صورة البشر وصارت أجزاؤه مستوية وأتممته.
(ونفخت) أي أجريت (فيه من روحي) أي من الروح الذي أملكه، ولا يملكه غيري وقيل هو تمثيل ولا نفخ ولا منفوخ فيه، والمراد جعله حياً بعد أن كان جماداً لا حياة فيه، ويأباه ظاهر النظم الكريم فالأول أولى، وقد مر الكلام عليه في سورة النساء والنفخ إجراء الروح إلى تجويف تجسم صالح لإمساكها وإضافة الروح إليه تشريف لآدم ﵇ والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه وبه قال جمهور المتكلمين قاله الكرخي؛ وقال النووي في شرح مسلم إنه الأصح عند أصحابنا، وهو مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وقال كثير منهم إنها عرض وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حياً، وقال الفلاسفة وكثير من الصوفية إنها ليست بجسم ولا
стр. 8288
عرض، بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز، متعلق للبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه ووافقهم على ذلك الغزالي والراغب.
واحتج للأول بوصفها في الأخبار بالهبوط والعروج والتردد في البرزخ أهـ.
وقيل جوهر شريف قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء أو كسريان النار في الفحم، ذكره الخازن، وأقول علم الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يعلمه أحد من خلاقه كائناً من كان، والخوض في معرفته من فضول الأعمال ولغو الكلام، وقد قال الله (قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).
(فقعوا له ساجدين) هو أمر من وقع يقع، والسجود هنا هو سجود التحية لا سجود العبادة، وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد الانحناء كما قيل، أي اسقطوا له ساجدين، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة.
стр. 8289
(فسجد الملائكة) في الكلام حذف تدل عليه الفاء والتقدير: فخلقه فسواه ونفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة (كلهم) يفيد أنهم سجدوا جميعاً ولم يبق منهم أحد وقوله (أجمعون) يفيد أنهم أجتمعوا على السجود في وقت واحد فالأول لقصد الإحاطة والثاني لقصد الاجتماع، قال في الكشاف فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، أنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد، غير متفرقين في أوقات وقيل إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة أو بعده قولان.
стр. 8290
(إلا إبليس) الاستثناء متصل على تقدير أنه كان متصفاً بصفات الملائكة داخلاً في عدادهم فغلبوا عليه، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم، أي لكن إبليس (استكبر) أي أنف من المسجود جهلاً منه بأنه طاعة لله (و) كان استكباره استكبار كفر فلذلك (كان من الكافرين) أي
стр. 8291
صار منهم لمخالفته لأمر الله، واستكباره عن طاعته، أو كان من الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في سورة البقرة والأعراف وبني إسرائيل والكهف وطه.
ثم إن الله سبحانه سأله عن سبب تركه للسجود الذي أمره به فـ
стр. 8292
(قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) وقرىء بالإفراد أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة أب وأم وأضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له وتشريفاً، مع أنه سبحانه خالق كل شيء، كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد.
قال مجاهد: اليد هنا لمعنى التأكيد والصلة مجازاً، كقوله: (ويبقى وجه ربك) وقيل أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، أي قدرة، وقيل: التثنية في اليد للدلالة على أنها ليست بمعنى القوة والقدرة، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه، وهو الأولى، وقيل: التثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه ﵇ المستدعي لإجلاله وتعظيمه قصداً إلى تأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ، ما في قوله (لما خلقت) هي المصدرية أو الموصولة، وقرىء لما بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى حين، كما قال أبو علي الفارسي.
وعن عبد الله بن عمر قال: " خلق الله أربعاً بيده العرش وجنة عدن والقلم وآدم " أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي، وعن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ " خلق الله ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده "، أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات.
(أستكبرت) قرىء بهمزة الاستفهام وهو استفهام توبيخ وتقريع فتكون أم في قوله: (أم كنت) متصلة أي أتركت السجود لاستكبارك الحادث أم لاستكبارك القديم المستمر؟ وقرىء بألف الوصل فتكون أم منقطعة
стр. 8293
والمعنى أستكبرت عن السجود الذي أمرت به؟ بل أكنت (من العالين) أي المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وجملة:
стр. 8294
(قال أنا خير منه) مستأنفة جواب سؤال مقدر، ادعى اللعين لنفسه أنه خير من آدم، أي ولو كنت مساوياً له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له، فكيف وأنا خير منه، وفي ضمن كلامه هذا أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن، ثم علل ما ادعاه من كونه خيراً منه بقوله:
(خلقتني من نار وخلقته من طين) وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين وأفضل منه، لأن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك، والأرض أبعدها منه، وأيضاً النار لطيفة نورانية والأرض كثيفة ظلمانية، وهما خير منهما، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعى الخادم، وإن استغنى عنها طردت، وأيضاًً فالطين يستولي على النار فيطفيها وأيضاً فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر الأرض وأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به، والطين أصل كل ما هو نام نابت كالإنسان والشجرة.
ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من الرماد وأفضل، وعلى كل حال فقد شرف آدم بشرف وكرم بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر، وذلك أن الله تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، وأمر بالسجود له والجواهر في أنفسها متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها.
стр. 8295
(قال فاخرج منها) مستأنفة كالتي قبلها أي فاخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة، وقيل من الخلقة التي كنت عليها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته واسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعد ما كان حسناً، وأظلم بعد ما كان نورانياً، وهذا يدل على أنه لم يكن كافراً حين كان بين الملائكة، ولأن الله تعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود، فهذا دليل على أنه صار كافراً حين لم يسجد، ذكره الطيبي، ثم علل أمره بالخروج بقوله:
(فإنك رجيم) أي مرجوم بالكواكب، مطرود من كل خير، ملعون بترك أمره.
(وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) أي طردي لك عن الرحمة وإبعادي لك منها إلى يوم الجزاء فأخبر الله أن تلك اللعنة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبداً ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه.
стр. 8298
(قال رب فأنظرني) مستأنفة كما تقدم فيما قبلها أي أمهلني وأخرني ولا تعاجلني (إلى يوم يبعثون) يعني آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم، وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره
стр. 8299
(قال فإنك من المنظرين) أي الممهلين.
стр. 8300
(إلى يوم الوقت المعلوم) الذي قدره الله لفناء الخلائق وهو عند النفخة الآخرة، وقيل: هو النفخة الأولى قيل إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت، فأجيب بما يبطل مراده وينقض عليه مقصده وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو الذي يعلمه الله ولا يعلمه غيره، فلما سمع اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت.