(وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) أي طردي لك عن الرحمة وإبعادي لك منها إلى يوم الجزاء فأخبر الله أن تلك اللعنة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبداً ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه.
стр. 8298
(قال رب فأنظرني) مستأنفة كما تقدم فيما قبلها أي أمهلني وأخرني ولا تعاجلني (إلى يوم يبعثون) يعني آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم، وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره
стр. 8299
(قال فإنك من المنظرين) أي الممهلين.
стр. 8300
(إلى يوم الوقت المعلوم) الذي قدره الله لفناء الخلائق وهو عند النفخة الآخرة، وقيل: هو النفخة الأولى قيل إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت، فأجيب بما يبطل مراده وينقض عليه مقصده وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو الذي يعلمه الله ولا يعلمه غيره، فلما سمع اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت.
стр. 8301
(قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) فأقسم بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات والمعاصي لهم، وإدخال الشُّبهَ عليهم حتى يصيروا غاوين جميعاً، ولا ينافيه قوله تعالى: (فيما أغويتني) فإن إغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته، وحكم من أحكام قهره وسلطنته، فمآل الإقسام بهما واحد، ولعل اللعين أقسم بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بإحداهما وأخرى بأخرى.
ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه وأحزابه من أهل الكفر والمعاصي استثنى من لا يقدر على إضلاله ولا يجد السبيل إلى إغوائه فقال
стр. 8302
(إلا عبادك منهم المخلصين) أي الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم مني، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر وغيرها.
стр. 8303
(قال فالحق والحق أقول) مستأنفة كالجمل التي قبلها قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين، على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء أي الزموا الحق أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله:
стр. 8304
(لأملأن جهنم) وقرىء برفع الأول ونصب الثاني، فرفع الأول على أنه مبتدأ وخبره مقدر، أي فالحق مني أو فالحق أنا أو خبره لأملأن أو هو خبر مبتدأ محذوف، وأما نصب الثاني فبالفعل المذكور بعده، أي وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون منصوباً بمعنى حقاً لأملأن جهنم واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها، وروي عن الفراء وسيبويه أيضاًً أن المعنى فالحق أن أملأ جهنم وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قرأ برفعهما فرفع الأول على ما تقدم؛ ورفع الثاني بالابتداء؛ وخبره الجملة المذكورة بعده والعائد محذوف.
وقرىء بخفضهما على تقدير حرف القسم، قال الفراء: كما يقول الله لأفعلن كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب، وقال: لا يجوز الخفض
стр. 8305
بحذف مضمر، وقيل: جملة لأملأن جواب القسم على قراءة الجمهور، وجملة والحق أقول معترضة بين القسم وجوابه.
(منك) أي من جنسك من الشياطين (وممن تبعك منهم) أي من ذرية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلالة والغواية، و (أجمعين) تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيداً للضمير في منهم خاصة، أي لأملأن جهنم من الشياطين ومن تبعهم من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس، ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يخبرهم بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله امتثال أمره، لا عرض الدنيا الزائل فقال:
стр. 8306
(قل ما أسألكم عليه من أجر) الضمير في عليه راجع إلى تبليغ الوحي ولم يتقدم له ذكر ولكنه مفهوم من السياق، وقيل هو عائد إلى ما تقدم من قوله (أأنزل عليه الذكر من بيننا) وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقيل إلى الدعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن وغيره من الوحي، ومن قول الرسول الله ﷺ ، والمعنى ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه قال ابن عباس قل يا محمد: ما أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر عرض دنيا.
(وما أنا من المتكلفين) أي المتصنعين بما ليسوا من أهله حتى انتحل النبوة وأتقول القرآن من تلقاء نفسي وأقول ما لا أعلم أو أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوة إليه، والتكلف التصنع.
وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في المسجد فقال فيما يقول (يوم تأتي السماء بدخان مبين) قال: دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال قمنا حتى دخلنا على عبد الله وهو في بيته وكان متكئاً فاستوى قاعداً فقال يا أيها الناس من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم: الله أعلم قال الله تعالى لرسوله صلى الله
стр. 8307
عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين).
وأخرج البخاري عن عمر قال: " نهينا عن التكلف "، وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي عن سلمان قال: " نهانا رسول الله ﷺ أن نتكلف للضَيف " (١).
стр. 8308
(إن هو إلا ذكر للعالمين) أي ما هذا القرآن أو الوحي أو ما أدعوكم إليه إلا ذكر من الله للجن والإنس العقلاء دون الملائكة، لأن المراد بالذكر الموعظة والتخويف، وتذكير العواقب، وهذا إنما يناسب المكلفين، وهم الثقلان فقط، تأمل.
стр. 8309
(ولتعلمن) أيها الكفار (نبأه) أي ما أنبأ به من الوعد والوعيد وغيرهما أو ما أخبر به من الدعاء إلى الله وتوحيده، والترغيب إلى الجنة، والتحذير من النار.
(بعد حين) قال قتادة والزجاج والفراء بعد الموت، وقال عكرمة وابن زيد: يوم القيامة، وقال الكلبي من بقي علم ذلك لما ظهر أمره وعلا، ومن مات علمه بعد الموت، وقال السدي وذلك يوم بدر وقيل عند ظهور الإسلام وفشوه، وكان الحسن يقول يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين، وفيه من التهديد ما لا يخفى.
стр. 8310
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الزمر
ويقال لها سورة الغرف
(وهي اثنتان وسبعون آية، وقيل خمس وسبعون آية وهي مكية)
في قول الحسن وعكرمة وجابر بن زيد، وأخرج النحاس في ناسخة عن ابن عباس قال: نزلت بمكة، سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي، قاتل حمزة: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الثلاث الآيات، وقال آخرون إلا سبع آيات: من قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ) إلى آخر السبع، وأخرج النسائي عن عائشة قالت: " كان يصوم رسول الله ﷺ حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر " (١)، وأخرجه الترمذي عنها بلفظ " كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل ".
تنزيل الكتاب) ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو اسم إشارة أي هذا تنزيل، وقال أبو حيان إن المبتدأ المقدر لفظ هو ليعود على قوله (إن هو إلا ذكر للعالمين) كأنه قيل وهذا الذكر ما هو؟ فقيل هو تنزيل الخ، وقيل ارتفاعه على أنه مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده، أي تنزيل كائن من الله العزيز، وإلى هذا ذهب الزجاج والفراء، وأجاز الفراء والكسائي النصب على أنه مفعول به لفعل مقدر، أي اتبعوا أو اقرأوا تنزيل الكتاب، وقال الفراء يجوز نصبه على الإغراء أي الزموا والكتاب هو القرآن.
(من الله العزيز الحكيم) صلة للتنزيل، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو متعلق بمحذوف على أنه حال عمل فيه اسم الإشارة المقدر.
стр. 8313
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي أنزلناه بسبب الحق، وإثباته وإظهاره، أو متلبسين بالحق، أو متلبساً أو بداعية الحق واقتضائه للإنزال، والمراد كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف.
قال مقاتل يقول لم ننزله باطلاً لغير شيء، وهذا ليس بتكرار، لأن
стр. 8314
الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب، أو المراد بالثاني هو الأول وإظهار لتعظيمه ومزيد الإعتناء بشأنه.
(فاعبد الله مخلصاً له الدين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد، وتصفية السر. والإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه، والدين العبادة والطاعة، ورأسها توحيد الله، وأنه لا شريك له.
وفي الآية دليل على وجوب النية وإخلاصها عن الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب وقد جاء في السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية كما في حديث " إنما الأعمال بالنيات " (١) وحديث " لا قول ولا عمل إلا بالنية ".
стр. 8315
(ألا لله الدين الخالص) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإخلاص، أي إن الدين الخالص من شوائب الشرك وغيره هو لله وما سواه من الأديان فليس بدين الله الخالص، الذي أمر به. قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وقد أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي أن رجلاً قال " يا رسول الله إنا نعطي أموالنا إلتماس الذكر فهل لنا في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، قال يا رسول الله إنما نعطي إلتماس الأجر والذكر فهل لنا أجر؟ فقال رسول الله ﷺ إن الله لا يقبل إلا ما أخلص له " (١) ثم تلا هذه الآية، وقال الحسن الدين الإسلام.
ولما أمر سبحانه بعبادته على وجه الإخلاص، وأن الدين الخالص له لا لغيره، بين بطلان الشرك الذي هو مخالف للإخلاص فقال:
стр. 8316
(والذين اتخذوا من دونه أولياء) الموصول عبارة من المشركين، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله (إن الله يحكم بينهم) وجملة (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) في محل نصب على الحال بتقدير القول والاستثناء مفرغ من أعم العلل، والمعنى والذين لم يخلصوا العبادة لله بل شابوها بعبادة غيره قائلين ما نعبدهم لشيء من الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تقريباً، فالزلفى اسم أقيم مقام المصدر، والضمير في نعبدهم راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام، وهم المرادون بالأولياء، والمراد بالزلفى الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين.
قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السموات والأرض؟ ومن أنزل من السماء ماء؟ قالوا الله. فيقال لهم: ما معنى عبادتكم للأصنام؟ قالوا (ليقربونا إلى الله زلفى) ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا الكلام قوله في سورة الأحقاف: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة).
(إن الله يحكم بينهم) أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كُلاًّ بما يستحقه، فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار وقيل بين المخلصين للدين وبين الذين لم يخلصوا وحذف الأول لدلالة الحال عليه، وقيل: بين المتنازعين من الفريقين (فيما هم فيه يختلفون) أي في الذي اختلفوا فيه من الدين بالتوحيد والشرك، فإن كل طائفة تدّعي أن الحق معها.
(إن الله لا يهدي) أي لا يرشد لدينه ولا يوفق للاهتداء إلى الحق (من هو كاذب) في زعمه أن الآلهة تقربه إلى الله (كفار) أي كفر باتخاذها آلهة، وجعلها شركاء لله لأنه فاقد للبصيرة غير قابل للاهتداء، لتغييره الفطرة بالتمرن في الضلال، والتمادي في الغي، والجملة تعليل لما ذكر من حكمه، والكفار صيغة المبالغة تدل على أن كفر هؤلاء قد بلغ إلى الغاية، وقرأ الحسن والأعرج كذاب على صيغة المبالغة ككفار، ورويت هذه عن أنس.
(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى) هذا مقرر لما سبق من إبطال قول المشركين بأن الملائكة بنات الله لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق، فلو أراد أن يتخذ ولداً لامتنع اتخاذ الولد حقيقة، ولم يتأت ذلك إلا بأن يصطفي (مما يخلق) أي يختار من جملة خلقه.
(ما يشاء) أن يصطفيه إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له ولا يصح أن يكون المخلوق ولداً للخالق لعدم المجانسة بينهما، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبداً، كما يفيده التعبير بالاصطفاء، مكان الاتخاذ، فمعنى الآية لو أراد أن يتخذ ولداً لوقع منه شيء ليس هو من اتخاذ الولد، بل إنما هو الاصطفاء لبعض مخلوقاته، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد على الإطلاق فقال: (سبحانه) أي تنزيهاً له عن ذلك وجملة (هو الله الواحد) مبينة لتنزهه بحسب الصفات بعد تنزهه بحسب الذات، أي هو المستجمع لصفات الكمال المتوحد في ذاته فلا مماثل له.
(القهار) لكل مخلوقاته، ومن كان متصفاً بهذه الصفات استحال
стр. 8319
وجود الولد في حقه، لأن الولد مماثل لوالده، ولا مماثل له سبحانه، ومثل هذه الآية قوله سبحانه (لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا) والآية إشارة إلى قياس استثنائي حذفت صغراه، ونتيجته تقريرهما، لكنه لم يصطف أي لم يتخذ ولداً، وهذا النفي باعترافهم شامل لسائر الخلائق، فلم يرد اتخاذ الولد، تأمل.
ثم لما ذكر سبحانه كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً قهاراً ذكر ما يدل على ذلك من صفاته فقال:
стр. 8320
(خلق السموات والأرض بالحق) أي لم يخلقهما باطلاً لغير شيء ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه استحال أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد، ثم بين كيفية تصرفه في السموات والأرض فقال:
(يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه على بعض، يقال كور المتاع، إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه كور العمامة، فمعنى تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه، ومعنى تكوير النهار على الليل تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته، وهو معنى قوله تعالى (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً) هكذا قال قتادة وغيره قال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا، وهو مقارب للقول الأول.
وقيل معنى الآية أن ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو معنى قوله (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وقيل: المعنى أن هذا يكر على هذا، وهذا يكر على هذا كروراً متتابعاً، قال الراغب تكوير الشيء إدارته، وضم بعضه على بعض، ككور العمامة أهـ.
وقيل التكوير اللف واللي، وقال ابن عباس: يكور يحمل، والإشارة بهذا التكوير المذكور في الآية إلى جريان الشمس في مطالعها، وانتقاص الليل والنهار، وازديادهما. قال الرازي: إن النور والظلمة عسكران عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا.
стр. 8321
ثم ذكر تسخيره لسلطان النهار وسلطان الليل وهما الشمس والقمر فقال: (وسخر الشمس والقمر) أي جعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ثم بين كيفية هذا التسخير فقال: (كل يجري لأجل مسمى) أي يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وذلك يوم القيامة: وقد تقدم الكلام على الأجل المسمى لجريهما مستوفى في سورة يس.
(ألا هو العزيز الغفار) ألا حرف تنبيه، وتصدير الجملة بها لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها. والمعنى تنبهوا أيها العباد فالله هو الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة، ثم بين سبحانه نوعاً آخر من قدرته وبديع صنعته فقال:
стр. 8322
(خلقكم من نفس واحدة) وهي نفس آدم (ثم جعل منها زوجها) جاء بثم للدلالة على ترتب خلق حواء على خلق آدم وتراخيه عنه لأنها خلقت منه، والعطف إما على مقدر وهو صفة لنفس قال الفراء والزجاج: التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة، ثم جعل منها زوجها، ويجوز أن يكون العطف على معنى واحدة. أي من نفس انفردت بالإيجاد ثم جعل الخ، والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم أدخل في كونه آية باهرة، دالة على كمال القدرة، لأن خلق آدم هو على عادة الله المستمرة (١) في خلقه، وخلقها على الصفة المذكورة لم يجر به عادة لكونه لم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الأعراف. ثم بين سبحانه نوعاً آخر من قدرته الباهرة وأفعاله الدالة على ما ذكر فقال: (وأنزل لكم من الأنعام) عبر بالإنزال لما يروي أنه خلقها في الجنة، ثم أنزلها فيكون الإنزال حقيقة كما قيل في قوله (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فإن آدم لما أهبط إلى الأرض أنزل معه
стр. 8323
الحديد، ويحتمل أن يكون مجازاً؛ لأنها لما لم تعش إلا بالنبات والنبات إنما يعيش بالماء، والماء منزل من السماء، كانت الأنعام كأنها منزلة لأن سبب سببها منزل. وهذا يسمى التدريج، ومنه قوله تعالى (قد أنزلنا عليكم لباساً) وقيل: إن أنزل بمعنى أنشأ وجعل، أو بمعنى أعطى، وقيل: جعل الخلق إنزالاً لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء.
(ثمانية أزواج) هي ما في قوله (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)، (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) ويعني بالاثنين في الأربع المواضع الذكر والأنثى، والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ويحصل منهما النسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الإثنين فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأنعام، ثم بين سبحانه نوعاً آخر من قدرته البديعة فقال:
(يخلقكم في بطون أمهاتكم) قرأ حمزة بكسر الهمزة والميم وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم، وقرأ الباقون بضم الهمزة وفتح الميم، وإنما قال (في بطون أمهاتكم) مع أن الإنسان والحيوان مشترك في هذا الخلق لتغليب من يعقل، ولشرف الإنسان على سائر الخلق (خلقاً) كائناً (من بعد خلق) الجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار المختلفة في خلقهم، وخلقاً مصدر مؤكد للفعل المذكور، ومن بعد خلق صفة له. قال قتادة والسدي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً. وقال ابن زيد خلقكم خلقاً في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم.
(في ظلمات ثلاث) هي ظلمة البطن وظلمة الرحم؛ وظلمة المشيمة؛ قاله مجاهد وقتادة والضحاك، وقال سعيد بن جبير ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم وظلمة الليل وقال أبو عبيدة ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة؛ وظلمة الرحم والرحم داخل البدن والمشيمة داخل الرحم قال ابن الأعرابي يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس والغلاف؛ والجمع مشيم بحذف الهاء، ومشايم، ويقال لها من غيره السلى، والإشارة بقوله (ذلكم
стр. 8324
الله ربكم) إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة والاسم الشريف خبره وربكم خبر آخر.
(له الملك) الحقيقي في الدنيا والآخرة لا شراكة لغيره فيه، وهو خبر ثالث وقوله: (لا إله إلا هو) خبر رابع (فأنى تصرفون) أي فكيف تنصرفون عن عبادته؟ وتتقلبون عنها إلى عبادة غيره؟ أو تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان، ولما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده، وبين لهم من بديع صنعه، وعجيب فعله، ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله:
стр. 8325
(إن تكفروا فإن الله غني عنكم) أي غير محتاج إليكم ولا إلى إيمانكم ولا عبادتكم له، فإنه الغني المطلق.
(و) مع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضاًً (لا يرضى لعباده الكفر) أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به، ولا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه، ويثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهي عنه ويذم عليه، ويعاقب مرتكبه، وإن كان بإرادته إذ لا يخرج شيء عنها.
قال أبو السعود: عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم، رحمة عليهم لا لتضرره تعالى به انتهى. ومثل هذه الآية قوله (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد) ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله ﷺ : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاًً " (١).
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها؟ وأن الكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة، والمعنى لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وتابعه على ذلك عكرمة والسدي وغيرهما، ثم اختلفوا في الآية اختلافاً آخر، فقال قوم: إنه يريد كفر الكافر ولا يرضاه
стр. 8326
وقال الآخرون: إنه لا يريده ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جداً.
وقد استدل القائلون بتخصيص هذه الآية والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز.
قال ابن عباس في قوله: (إن تكفروا) إلخ يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولوا لا إله إلا الله، ثم قال: (ولا يرضى لعباده الكفر) وهم عباده المخلصون، الذين قال فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم أخرجه ابن جرير فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى، كقوله (عيناً يشرب بها عباد الله) يريد بعض العباد وقال عكرمة لا يرضى لعباده المسلمين الكفر، وعن قتادة قال، والله ما رضي الله لعبد صلاته، ولا أمره بها، ولا دعاه إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته، ثم لما ذكر سبحانه أنه لا يرضى لعباده الكفر بين أنه يرضى لهم الشكر فقال:
(وإن تشكروا يرضه لكم) أي يرضى لكم الشكر، المدلول عليه بقوله: وإن تشكروا أي يثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة. كما قال سبحانه (لئن شكرتم لأزيدنكم) لا لانتفاعه به، قرىء بإسكان الهاء من يرضه، وبإشباع الضمة على الهاء. واختلف الباقون والقراءات كلها سبعية.
(ولا تزر وازرة وزر أخرى)، أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وهذا بيان لعدم سراية كفر الكافر لغيره أصلاً، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى (ثم إلى ربكم مرجعكم) يوم القيامة (فينبئكم بما كنتم تعملون) من خير وشر، وفيه تهديد شديد (إنه عليم بذات الصدور) أي بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه، وهذا تعليل بالتنبيه بالأعمال.
(وإذا مس الإنسان ضر) أي ضر كان في جسمه أو ماله أو أهله أو ولده من بلاء ومرض أو فقر أو خوف أو شدة لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده، والمس في الأعراض مجاز. وجواب إذا قوله (دعا ربه منيباً إليه) أي راجعاً إليه مستغيثاً به في دفع ما نزل به تاركاً لما كان يدعوه ويستغيث به من ميت أو حي، أو صنم أو غير ذلك في حال الرخاء لعلمه أنها بمعزل عن القدرة على كشف ضره.
(ثم إذا خوله نعمة منه) أي أعطاه وملكه، ويقال خوله الشيء أي ملكه إياه ولا يستعمل في الجزاء، بل في ابتداء العطية (نسي ما كان يدعو إليه من قبل) أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله وقيل نسي الدعاء الذي كان يتضرع به وتركه أو نسي ربه الذي كان يدعوه، ويتضرع إليه، ثم جاوز ذلك إلى الشرك بالله وهو معنى قوله: (وجعل لله أنداداً) أي شركاء من الأصنام أو غيرها، يستغيث بها ويعبدها؛ وقال السدي: يعنى أنداداً من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره (ليضل عن سبيله) أي ليضل الناس عن طريق الله التي هي الإسلام والتوحيد قرأ الجمهور بضم الياء، وقرىء بفتحها، وهما سبعيتان، واللام للعاقبة، ثم أمر الله رسوله ﵌ أن يهدد من كان متصفاً بتلك الصفة فقال:
(قل تمتع بكفرك قليلاً) أي تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فمتاع الدنيا قليل قال الزجاج لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد والوعيد وفيه إشعار بأن الكفر
стр. 8329
نوع تشه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة، ولذلك علله بقوله:
(إنك من أصحاب النار) على سبيل الاستئناف للمبالغة أي مصيرك إليها عن قريب، وإنك ملازمها ومعدود من أهلها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتع، وفيه من التهديد أمر عظيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وقيل: في أبي حذيفة المخزومي، وقيل: هو عام في كل كافر، وهو الأوفق بقواعد الشريعة.
ثم لما ذكر سبحانه صفات المشركين وتمسكهم بغير الله عند اندفاع المكروهات عنهم ذكر صفات المؤمنين فقال:
стр. 8330
(أمن هو قانت) هذا إلى آخره من تمام الكلام المأمور به رسول الله ﷺ والمعنى أذلك الكافر أحسن حالاً ومآلاً أمن هو قائم بطاعات الله في السراء والضراء، في ساعات الليل، مستمر على ذلك، غير مقتصر على دعاء الله سبحانه عند نزول الضرر به؟ قرىء: أمن بالتشديد وبالتخفيف، فعلى القراءة الأولى (أ) داخلة على (من) الموصولة، وأدغمت الميم في الميم وأم هي المتصلة، ومعادلها محذوف، أي الكافر خير؟ أم الذي هو قانت؟ وقيل، هي المنقطعة مقدرة ببل والهمزة، أي بل أمن هو قانت كالكافر؟ وعلى الثانية الهمزة للإستفهام، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف، أي أمن هو قانت كمن كفر؟ وقال الفراء إن الهمزة في هذه القراءة للنداء، ومن منادى، وهي عبارة عن النبي ﷺ المأمور بقوله:
(قل تمتع بكفرك قليلاً) والتقدير: يا من هو قانت قل: كيت وكيت، وقيل: التقدير يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة، ومن القائلين بأن الهمزة للنداء الفراء، وضعف ذلك أبو حيان وقال هو أجنبي عما قبله وعما بعده، وقد سبقه إلا هذا التضعيف أبو علي الفارسي، واعترض على هذه القراءة من أصلها أبو حاتم والأخفش ولا وجه لذلك، فإنها إذا ثبتت
стр. 8331
الرواية بطلت الدراية.
وقد اختلف في تفسير القانت هنا فقيل المطيع، وقيل: الخاشع أو القائم في صلاته، وقيل: الداعي لربه، قال النحاس: أصل القنوت الطاعة فكل ما قيل فيه فهو داخل في الطاعة.
(آناء الليل) جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعي وأمعاء، وقيل: واحدها أنو، يقال: مضى من الليل أنيان وأنوان والمراد بآناء الليل ساعاته وأوقاته، وقيل: جوفه، وقيل: ما بين المغرب والعشاء، وقيل: أوله وأوسطه وآخره.
(ساجداً وقائماً) منصوبان على الحال، أي جامعاً بين السجود والقيام في الصلاة، وقدم السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة، والآية دلت على ترجيح قيام الليل على النهار، وأنه أفضل منه وذلك لأن الليل استر فيكون أبعد عن الرياء، ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي، وهو الخشوع في الصلاة، ومعرفة من يصلي له.
وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنة الراحة فيكون قيامه أشق على النفس، فيكون الثواب فيه أكثر قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل، ذكره القرطبي.
(يحذر الآخرة) أي يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير ومقاتل (ويرجو رحمة ربه) فيجمع بين الرجاء والخوف وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز قيل: وفي الكلام حذف تقديره كمن لا يفعل شيئاًً من ذلك، كما يدل عليه السياق، قيل: الرحمة هنا المغفرة، وقيل: الجنة، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل، وأولى أن ينسب إلى الله تعالى.
وعن ابن عمر أنه تلا هذه الآية وقال " ذاك عثمان بن عفان " (١). وفي
стр. 8332
لفظ نزلت في عثمان بن عفان وعن ابن عباس قال: نزلت في عمار بن ياسر.
وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال " دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال كيف تجدك؟ قال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخاف " أخرجوه من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلاً.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم قولاً آخر، يتبين به الحق من الباطل فقال:
(قل هل يستوي الذين يعلمون) إن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق (والذين لا يعلمون) ذلك أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل.
قال الزجاج أي كما لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي.
وقيل المراد بالذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم، وقيل: افتتح الله الآية بالعمل وختمها بالعلم، لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات، وهو النهاية فإذا حصل للإنسان دل ذلك على كماله وفضله.
(إنما يتذكر أولو الألباب) أي إنما يتعظ بوعظ الله ويتدبر ويتفكر فيه أصحاب العقول الصافية، والقلوب النيرة، وهم المؤمنون لا الكفار، فإنهم وإن زعموا أن لهم عقولاً فهي كالعدم، وهذه الجملة ليست من جملة الكلام المأمور به، بل من جهة الله سبحانه بعد الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي، لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم.
(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم من لا يعلم، وبين أنه (إنما يتذكر أولو الألباب) أمر رسوله ﷺ بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه والإيمان به، والمعنى يأيها الذين صدقوا بتوحيد الله اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معاصيه، وامتثال أوامره وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه، والمراد: قل لهم قولي هذا بعينه، ثم لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى، بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد فقال:
(للذين أحسنوا) أي عملوا الأعمال الحسنة (في هذه الدنيا) على وجه الإخلاص (حسنة) عظيمة وهي الجنة، وقوله (في هذه الدنيا) متعلق بأحسنوا وقيل بحسنة على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة والعافية، والظفر والغنمية، والأول أولى، ثم لا كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات، والإحسان في وطنه أرشد الله سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة فقال:
(وأرض الله واسعة) وبلاده كثيرة، فليهاجر إلى حيث تمكنه طاعة الله والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، كما هو سنة الأنبياء والصالحين، فإنه لا عذر له في التفريط أصلاً؛ ومثل ذلك قوله سبحانه (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) وقد مضى الكلام في الهجرة مستوفى في سورة النساء.
стр. 8335
وقيل المراد بالأرض الواسعة هنا أرض الجنة، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها كما في قوله (جنة عرضها السموات والأرض) والجنة قد تسمى أرضاً. قال تعالى (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) والأول أولى.
وقيل ارتحلوا من مكة وتحولوا إلى بلاد أخر؛ واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم؛ وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه ثم لما بين سبحانه ما للمحسنين إذا أحسنوا؛ وكان لا بد في ذلك من الصبر على فعل الطاعة؛ وعلى كف النفس عن الشهوات، أشار إلى فضيلة الصبر وعظيم مقداره فقال:
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ) على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص، واحتمال البلايا في طاعة الله: بزيادة (أَجْرَهُمْ) في مقابلة صبرهم وما كابدوه من العسر (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بما لا يقدر على حصره حاصر ولا يستطيع حسبانه حاسب وإن كان معلوماً محصياً عند الله.
قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف. وقال مقاتل أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب.
وقيل قوله إنما يوفى الصابرون ترغيب في التقوى الأمور بها. وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر، كحيازتهم لفضيلة الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى لهما مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق الهجرة.
والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو