← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

الرواية بطلت الدراية. وقد اختلف في تفسير القانت هنا فقيل المطيع، وقيل: الخاشع أو القائم في صلاته، وقيل: الداعي لربه، قال النحاس: أصل القنوت الطاعة فكل ما قيل فيه فهو داخل في الطاعة. (آناء الليل) جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعي وأمعاء، وقيل: واحدها أنو، يقال: مضى من الليل أنيان وأنوان والمراد بآناء الليل ساعاته وأوقاته، وقيل: جوفه، وقيل: ما بين المغرب والعشاء، وقيل: أوله وأوسطه وآخره. (ساجداً وقائماً) منصوبان على الحال، أي جامعاً بين السجود والقيام في الصلاة، وقدم السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة، والآية دلت على ترجيح قيام الليل على النهار، وأنه أفضل منه وذلك لأن الليل استر فيكون أبعد عن الرياء، ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي، وهو الخشوع في الصلاة، ومعرفة من يصلي له. وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنة الراحة فيكون قيامه أشق على النفس، فيكون الثواب فيه أكثر قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل، ذكره القرطبي. (يحذر الآخرة) أي يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير ومقاتل (ويرجو رحمة ربه) فيجمع بين الرجاء والخوف وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز قيل: وفي الكلام حذف تقديره كمن لا يفعل شيئاًً من ذلك، كما يدل عليه السياق، قيل: الرحمة هنا المغفرة، وقيل: الجنة، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل، وأولى أن ينسب إلى الله تعالى. وعن ابن عمر أنه تلا هذه الآية وقال " ذاك عثمان بن عفان " (١). وفي

стр. 8332

لفظ نزلت في عثمان بن عفان وعن ابن عباس قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال " دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال كيف تجدك؟ قال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخاف " أخرجوه من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلاً. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم قولاً آخر، يتبين به الحق من الباطل فقال: (قل هل يستوي الذين يعلمون) إن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق (والذين لا يعلمون) ذلك أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجاج أي كما لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل المراد بالذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم، وقيل: افتتح الله الآية بالعمل وختمها بالعلم، لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات، وهو النهاية فإذا حصل للإنسان دل ذلك على كماله وفضله. (إنما يتذكر أولو الألباب) أي إنما يتعظ بوعظ الله ويتدبر ويتفكر فيه أصحاب العقول الصافية، والقلوب النيرة، وهم المؤمنون لا الكفار، فإنهم وإن زعموا أن لهم عقولاً فهي كالعدم، وهذه الجملة ليست من جملة الكلام المأمور به، بل من جهة الله سبحانه بعد الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي، لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم.

стр. 8333

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)

стр. 8334

(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم من لا يعلم، وبين أنه (إنما يتذكر أولو الألباب) أمر رسوله ﷺ بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه والإيمان به، والمعنى يأيها الذين صدقوا بتوحيد الله اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معاصيه، وامتثال أوامره وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه، والمراد: قل لهم قولي هذا بعينه، ثم لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى، بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد فقال: (للذين أحسنوا) أي عملوا الأعمال الحسنة (في هذه الدنيا) على وجه الإخلاص (حسنة) عظيمة وهي الجنة، وقوله (في هذه الدنيا) متعلق بأحسنوا وقيل بحسنة على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة والعافية، والظفر والغنمية، والأول أولى، ثم لا كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات، والإحسان في وطنه أرشد الله سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة فقال: (وأرض الله واسعة) وبلاده كثيرة، فليهاجر إلى حيث تمكنه طاعة الله والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، كما هو سنة الأنبياء والصالحين، فإنه لا عذر له في التفريط أصلاً؛ ومثل ذلك قوله سبحانه (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) وقد مضى الكلام في الهجرة مستوفى في سورة النساء.

стр. 8335

وقيل المراد بالأرض الواسعة هنا أرض الجنة، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها كما في قوله (جنة عرضها السموات والأرض) والجنة قد تسمى أرضاً. قال تعالى (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) والأول أولى. وقيل ارتحلوا من مكة وتحولوا إلى بلاد أخر؛ واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم؛ وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه ثم لما بين سبحانه ما للمحسنين إذا أحسنوا؛ وكان لا بد في ذلك من الصبر على فعل الطاعة؛ وعلى كف النفس عن الشهوات، أشار إلى فضيلة الصبر وعظيم مقداره فقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ) على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص، واحتمال البلايا في طاعة الله: بزيادة (أَجْرَهُمْ) في مقابلة صبرهم وما كابدوه من العسر (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بما لا يقدر على حصره حاصر ولا يستطيع حسبانه حاسب وإن كان معلوماً محصياً عند الله. قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف. وقال مقاتل أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب. وقيل قوله إنما يوفى الصابرون ترغيب في التقوى الأمور بها. وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر، كحيازتهم لفضيلة الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى لهما مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق الهجرة. والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو

стр. 8336

غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة، تقتضي من كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير أن يتوفر على الصبر ويزم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل، ولا يجلب خيراً قد سلب، ولا يدفع مكروها قد وقع، وإذا تصور العاقل هذا حق تصور، وتعقله حق تعقله، علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وظفر بهذا الخير الخطير، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى. ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى ولم يظفر بغير الجزع، وما أحسن قول من قال: أرى الصبر محموداً وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك يحق الصبر والصبر واجب ... وما كان منه للضرورة أوجب قال علي بن أبي طالب: كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلا الصابرين، فإنه يحثى لهم حثياً، وروي أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، لما يذهب به أهل البلاء من الفضل، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يخبرهم أولاً بما أمر به من التوحيد والإخلاص فقال:

стр. 8337

(قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) أي أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء وغير ذلك، قال مقاتل: " إن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ ما يحملك على الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك؟ وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فتأخذ بها "، (١) فأنزل الله الآية، وقد تقدم بيان معنى الآية في أول هذه السورة، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يخبرهم ثانياً بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم فقال:

стр. 8338

وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)

стр. 8339

(وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) من هذه الأمة وكذلك كان ﷺ فإنه أول من خالف دين آبائه ودعا إلى التوحيد، ومعنى الأولية السبق بحسب الزمان، فالمراد بالسبق السبق بحسب الدعوة، فإن الأفضل أن من يدعو الغير إلى خلق كريم أن يدعو نفسه إليه أولاً، ويتخلق به حتى يؤثر في الغير كسنة الأنبياء والصالحين، لا الملوك والمتجبرين، واللام للتعليل، أي وأمرت بما أمرت به لأجل أن أكون، وقيل: أنها مزيدة للتوكيد، والأول أولى، ثم أمره ثالثاً أن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان فقال:

стр. 8340

(قل إني أخاف إن عصيت ربي) بترك إخلاص العبادة له، وتوحيده والدعاء إلى ترك الشرك، وتضليل أهله (عذاب يوم عظيم) وهو يوم القيامة قال أكثر المفسرين: المعنى إني أخاف إن عصيت ربي بإجابة المشركين إلى ما دعوني إليه من عبادة غير الله. قال أبو حمزة اليماني وابن المسيب: هذه الآية منسوخة بقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وفي هذه الآية دليل على أن الأمر للوجوب لأن قبله (وإنما أمرت أن أعبد الله)، فالمراد عصيان هذا الأمر، وفيه زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدره وشرف طهارته ونزاهته، ومنصب نبوته إذا كان خائفاً حذراً من المعاصي فغيره أولى بذلك، ثم أمره رابعاً أن

стр. 8341

يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد، وعبد الله وأخلص له الدين على أبلغ وجه، وآكده، إظهاراً لتصلبه في الدين، وحسماً لأطماعهم الفارغة، وتمهيداً لتهديدهم فقال:

стр. 8342

(قل الله أعبد) التقديم مشعر بالاختصاص، أي لا أعبد غيره لا استقلالاً ولا على جهة الشركة، ومعنى (مخلصاً له ديني) أنه خالص لله غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما، وقد تقدم تحقيقه في أول السورة، قال الرازي: فإن قيل ما معنى التكرير في قوله (إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين)، وقوله (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) قلنا ليس هذا بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان والعبادة والثاني إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحداً غير الله.

стр. 8343

(فاعبدوا ما شئتم) أن تعبدوه (من دونه) هذا الأمر للتهديد والتقريع والتوبيخ، كقوله (اعملوا ما شئتم) وفيه إيذان بأنهم لا يعبدون الله تعالى، وقيل إن الأمر على حقيقته، وهو منسوخ بآية السيف، والأول أولى. (قل إن الخاسرين) الكاملين في الخسران هم (الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) بتخليد الأنفس في النار وبعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا لأن من دخل النار فقد خسر نفسه وأهله، وأهلي جمع أهل وأصله أهلون أو أهلين والمراد بأهليهم أهل الآخرة، وقيل أزواجهم وخدمهم وقيل أهلهم في الدنيا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم، كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده. قال الزجاج وهذا يعني به الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، قال ابن عباس في الآية هم الكفار الذين خلقهم للنار، زالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة، وعنه قال أهليهم من أهل الجنة، كانوا أعدوا

стр. 8344

لهم لو أطاعوا الله فغيبوهم. (ألا ذلك هو الخسران المبين) مستأنفة لتأكيد ما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه للإشعار بأن هذا الخسران الذي حل بهم قد بلغ من العظم إلى غاية ليس فوقها غاية، وكذلك تعريف الخسران ووصفه بكونه مبيناً، فإنه يدل على أنه الفرد الكامل من أفراد الخسران وأنه لا خسران يساويه ولا عقوبة تدانيه ثم بين سبحانه هذا الخسران الذي حل بهم والبلاء النازل عليهم بعد تهويله بطريق الإبهام فقال:

стр. 8345

(لهم من فوقهم ظلل من النار) الظلل عبارة عن أطباق النار أي لهم من فوقهم أطباق وسرادقات وقطع كبار من النار تلتهب عليهم وإطلاق الظلل عليها تهكم وإلا فهي محرقة والظلة تقي من الحر. (ومن تحتهم ظلل) أي أطباق من النار وفراش ومهاد وسمي ما تحتهم ظلالاً لأنها من إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر، أو أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة أو لأنها تظل من تحتها من أهل النار لأن طبقات النار صارت في كل طبقة منها طائفة من طوائف الكفار، ومثل هذه الآية قوله (لهم في جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) وقوله: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم). (ذلك) أي ما تقدم ذكره من وصف عذابهم في النار وهو مبتدأ وخبره قوله (يخوف الله به عباده) المؤمنين أي يحذرهم بما توعد به الكفار من العذاب ليخافوه فيتقوه وهو معنى (يا عباد فاتقون) أي اتقوا هذه المعاصي الموجبة لمثل هذا العذاب على الكفار، ووجه تخصيص العباد بالمؤمنين أن الغالب في القرآن إطلاق لفظ العباد عليهم وقيل هو للكفار، وأهل المعاصي وقيل هو عام للمسلمين والكفار.

стр. 8346

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)

стр. 8347

(والذين اجتنبوا الطاغوت) هو بناء مبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت وهو الأوثان والشيطان، وقال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان وقيل: إنه الكاهن، وقيل: هو اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت، وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، وفيها مبالغات، وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان، وإن البناء بناء مبالغة وهو للاختصاص إذ لا تطلق على غير الشيطان قال الأخفش: الطاغوت جمع، ويجوز أن يكون واحده مؤنثاً، والمعنى أعرضوا عن عبادته وخصوا عبادتهم بالله ، وقوله: (أن يعبدوها) في محل نصب على البدل من الطاغوت، بدل اشتمال كأنه قال اجتنبوا عبادة الطاغوت، وقد تقدم الكلام على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة. (وأنابوا إلى الله) معطوف على اجتنبوا، والمعنى رجعوا إليه بالكلية، وأقبلوا على عبادته، معرضين عما سواه (لهم البشرى) بالثواب الجزيل وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت أو عند البعث أو من الله تعالى لقوله (تحيتهم يوم يلقونه سلام) ولا مانع أن يكون من الله ومن الملائكة، فإن فضل الله واسع. وقيل: لهم البشرى في الدنيا بالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند الوضع في القبر، وفي الآخرة عند الخروج من القبر وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة، وفي الجنة، ففي كل موقف من هذه

стр. 8348

المواقف تحصل لهم البشارة، بنوع من الخير والراحة والروح والريحان. (فبشر عباد) المراد بالعباد هنا العموم فيدخل الموصوفون بالاجتناب والإنابة إليه دخولاً أولياً وقيل: المراد بهم هم الموصوفون باجتناب الأوثان والإِنابة إلى الله فالمقام للضمير، وإنما أتى به ظاهراً توصلاً لوصفهم بما ذكر.

стр. 8349

(الذين يستمعون القول) الحق من كتاب الله وسنة رسوله (فيتبعون أحسنه) أي محكمه، ويعملون به قال السدي: يتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعملون بما فيه، وقيل: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به، وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص، وقيل: يأخذون بالعفو ويتركون العقوبة، وعن ابن عمر قال. كان سعيد بن زيد وأبو ذر وسلمان يتبعون في الجاهلية أحسن القول والكلام لا إله إلا الله قالوا بها، فأنزل الله على نبيه (يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الآية ثم أثنى الله سبحانه على هؤلاء المذكورين فقال: (أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) أي هم الذين أوصلهم إلى الحق، وهم أصحاب العقول الصحيحة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم، ولم ينتفع من عداهم بعقولهم، وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: " لما نزلت فبشر عبادي الذين الآية أرسل رسول الله ﷺ منادياً فنادى من مات لا يشرك بالله شيئاًً دخل الجنة فاستقبل عمر الرسول فرده، فقال يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس فلا يعملون، فقال رسول الله ﷺ لو يعلم الناس قدر رحمة ربي لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط ربي وعقابه لاستصغروا أعمالهم ". وهذا الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة.

стр. 8350

وفي الآية إشارة إلى إيثار الاتباع، وترك التقليد، لأن الله قد أثنى على المتبعين بكونهم مهديين، وسماهم أولي الألباب، ولم يثن على التقليد ولا على أهله في موضع من القرآن الكريم، بل ذمه وذمهم في غير موضع كما تقدم مراراً ثم ذكر سبحانه من سبقت له الشقاوة وحرم السعادة فقال:

стр. 8351

(أفمن حق عليه كلمة العذاب) من هذه موصولة في محل رفع على الابتداء، وخبرها محذوف، أي كمن يخاف، أو فأنت تخلصه أو تتأسف عليه أو شرطية وجوابه قوله (أفأنت تنقذ من في النار) فالفاء فاء الجواب، دخلت على جملة الجزاء وأعيدت الهمزة الإنكارية لتأكيد معنى الإنكار، وقال سيبويه إنه كرر الاستفهام لطول الكلام، وقال الفراء المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب؟ والمراد بها قوله تعالى لإبليس: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) وقوله (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) وقيل قوله هؤلاء في النار ولا أبالي. ومعنى الآية التسلية لرسول الله ﷺ لأنه كان حريصاً على إيمان قومه فأعلمه الله أن من سبق عليه القضاء وحقت عليه كلمة الله لا يقدر رسول الله ﷺ أن ينقذه من النار، بأن يجعله مؤمناً، قال عطاء يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان. وفي الآية مجاز بإطلاق المسبب وإرادة السبب، وتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار، وأن اجتهاده في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار، وأصل الكلام: أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلال؟ فوضع النار موضع الضلال، وضعاً للمسبب موضع السبي لقوة أمره، ثم عقب المجاز بما يناسبه من قوله تنقذ بدل تهدي فهو ترشيح، ولما ذكر سبحانه فيما سبق أن لأهل الشقاوة ظللاً من فوقهم من النار ومن تحتهم ظللاً استدرك عنهم من كان من أهل السعادة فقال:

стр. 8352

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)

стр. 8353

(لكن الذين اتقوا ربهم) وهم الذين خوطبوا بقوله (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) ووصفوا بما عدد من الصفات الفاضلة، وهم المخاطبون أيضاً فيما سبق بقوله: (يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) الآية، وقيل لكن ليست للاستدراك لأنه لم يأت قبله نفي، بل هو إضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى. (لهم غرف من فوقها غرف) أي منازل في الجنة رفيعة، فوقها منازل هي أرفع منها، وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض وقوله لهم غرف في معنى وعدهم الله بذلك، وعداً لا يخلفه وأنها (مبنية) بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها، وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها. (تجري من تحتها الأنهار) أي من تحت تلك الغرف الفوقانية والتحتانية وفي ذلك كمال لبهجتها، وزيادة لرونقها وانتصاب (وعد الله) على المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة لأن قوله لهم غرف في معنى وعدهم الله ذلك، وجملة: (لا يخلف الله الميعاد) مقررة للوعد، أي لا يخلف الله ما وعد به الفريقين من الخير والشر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق، أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، فقالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم،

стр. 8354

قال بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " (١)، متفق عليه. ولما ذكر سبحانه الجنة ووصفها بوصف يوجب الرغبة والشوق إليها أتبعه بذكر الدنيا ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها، والنفرة منها، فذكر تمثيلاً لها في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها، مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة، وصنعه البديع فقال:

стр. 8355

(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً) أي من السحاب مطراً (فسلكه) أي فأدخله وأسكنه (ينابيع) أي عيونا ومسالك ومجاري وركايا (في الأرض) كالعروق في الجسد، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع، والينبوع عين الماء والأمكنة التي ينبع منها الماء من خلال الأرض أو نفس الماء الجاري والمعنى: أدخل الماء النازل من السماء في الأرض، وجعله فيها عيوناً جارية أو جعله في ينابيع أي في أمكنة ينبع منها الماء فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض، قال مقاتل: فجعله ركايا وعيوناً في الأرض، وقال ابن عباس ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله (فسلكه ينابيع في الأرض) فمن سره أن يعوده الملح عذباً فليصعده. (ثم يخرج به) أي بذلك الماء من الأرض، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة (زرعاً مختلفاً ألوانه) من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر؛ أو من بر وشعير وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف، وشمل لفظ الزرع جميع ما يستنبت حتى المقات. (ثم يهيج) أي يجف وييبس يقال: هاج النبت يهيج هيجاً إذا تم جفافه وحان له أن ينتشر عن منبته، قال الجوهري: يقال: هاج النبت هياجاً

стр. 8356

إذا يبس، وأرض هايجة يبس بقلها، أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته، قال المبرد قال الأصمعي يقال: هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى قال وكذلك هاج النبت (فتراه) بعد خضرته ونضارته، وحسن رونقه (مصفراً) قد ذهبت خضرته وزالت نضارته. (ثم يجعله حطاماً) أي متفتتاً متكسراً، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس، ويقال للدابة إذا أسنت حطمة، ويتعدى بالحركة فيقال: حطمته حطماً من باب ضرب فانحطم، وحطمته بالتشديد مبالغة، قرأ الجمهور: ثم يجعله بالرفع عطفاً على ما قبله، وقرىء بالنصب بإضمار أن ولا وجه لذلك. (إن في ذلك) المذكور من الأفعال الخمسة التي أولها أنزل (لذكرى لأولي الألباب) أي لتذكيراً لأهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها، فيتفكرون ويعتبرون، ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم، وقرب التقضي، وذهاب بهجتها، وزوال رونقها ونضارتها، فإذا أنتج لهم التفكر والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها، والميل إليها، وإيثارها على دار النعيم الدائم والحياة المستمرة، واللذة الخالصة، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث والحشر، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك. وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض، والمعنى أنزل من السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين، ثم يخرج به ديناً بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيماناً ويقيناً، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير، ثم لما ذكر سبحانه (إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) ذكر شرح الصدر للإسلام لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به فقال:

стр. 8357

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)

стр. 8358

(أفمن شرح الله صدره للإسلام) أي وسعه لقبول الحق وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير، قال السدي: وسع صدره للإسلام للفرح به، والطمأنينة إليه. وشرح الصدر للإِسلام عبارة عن تكميل الاستعداد له، فإنه محل للقلب الذي هو منبع الروح التي تتعلق بها النفس القابلة للإسلام، فانشراحه مستدع لانشراح القلب، والكلام في الهمزة والفاء كما تقدم في (أفمن حق) ومن الخ مبتدأ وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه، وطبع الله عليه، وحرج صدره فلم يهتد. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله: (فويل للقاسية قلوبهم) والمعنى أفمن وسع الله صدره للإسلام فقبله واهتدى بهديه (فهو) بسبب ذلك الشرح (على نور) أي على بيان وبصيرة ويقين وهداية (من ربه) يفيض عليه كمن قسى قلبه لسوء اختياره؟ فصار في ظلمات الضلالة وبليات الجهالة. قال قتادة: النور كتاب الله به يؤخذ وإليه ينتهي. قال الزجاج تقدير الآية أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته؟ قال ابن عباس

стр. 8359

من شرح الله صدره للإسلام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: " تلا النبي ﷺ هذه الآية قلنا: يا نبي الله كيف انشراح صدره؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، قلنا: فما علاقة ذلك يا رسول الله؟ قال الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت ". وأخرج ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعاً مرسلاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر أن رجلاً قال: " يا نبي الله أي المؤمنين أكيس؟ قال أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع، فقالوا ما آية ذلك يا نبي الله؟ قال الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت "، وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور عن رسول الله ﷺ بنحوه، وزاد فيه ثم قرأ (أفمن شرح الله صدره للإسلام). (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) قال الفراء والزجاج أي عن ذكر الله كما تقول اتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته والمعنى أنه غلظ قلبه وجفا عن قبول ذكر الله والقسوة جمود وصلابة تحصل في القلب، يقال قسى القلب إذا صلب، وقلب قاسٍ أي صلب لا يرق ولا يلين، وقيل المعنى من أجل ذكره الذي من حقه أن تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب، والمعنى أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول أولى، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله، أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة، كقوله: (فزادتهم رجساً إلى رجسهم). وقيل إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن قبول

стр. 8360

الحق فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة وكدورة كحر الشمس يلين الشمع ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين إلا قسوة. قال مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة، وأخرج الترمذي، وابن مردويه وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " (١). والإشارة بقوله (أولئك) إلى القاسية قلوبهم (في ضلال مبين) أي غواية ظاهرة واضحة ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز فقال:

стр. 8361

(الله نزل أحسن الحديث) يعني القرآن الذي فيه مندوحة عن سائر الأحاديث، وسماه حديثاً لأن النبي ﷺ كان يحدث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه، وفيه بيان أن أحسن القول المذكور سابقاً هو القرآن، وفي إيقاع الاسم الشريف مبتدأ؛ وبناء نزل عليه تفخيم لشأن أحسن الحديث والوصف بهذا لوجهين: أحدهما من جهة اللفظ، لأن القرآن من أفصح الكلام وأجزله وأبلغه، وليس هو من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب والرسائل، بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، والثاني من جهة المعنى لأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف، مشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين، وعلى أخبار الغيوب الكثيرة، وعلى الوعد والوعيد، والجنة والنار وغير ذلك.

стр. 8362

(كتاباً) بدل من أحسن الحديث أو حال منه (متشابهاً) صفة لكتاب أي يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإحكام، وصحة المعاني وقوة المباني، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة، والدلالة على المنافع العامة، وقال قتادة يشبه بعضه بعضاً في الآي والحروف، وقيل يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه، عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله لو حدثتنا فنزل (الله نزل أحسن الحديث) الآية. (مثاني) صفة أخرى لكتاب وهو جمع مثنى أو مثنى وأنه من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص وتتكرر فيه المواعظ والأحكام وقيل يثني في التلاوة فلا يمل سماعه ولا يسأم قارئه قرأ الجمهور مثاني بفتح الياء وقرىء بسكونها تخفيفاً واستثقالاً لتحريكها أو على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هو مثاني. قال ابن عباس القرآن كله مثاني وعنه قال القرآن يشبه بعضه بعضاً ويرد بعضه إلى بعض، وعنه قال كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر مراراً وصح وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا تراك تقول القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول أحكام وأقاصيص ومواعظ مكررات، ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب. أو منصوب على التمييز من (متشابهاً) كما تقول رأيت رجلاً حسناً شمائل، والمعنى متشابهة مثانية. قال الرازي في تبيين معنى مثاني إن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكررة زوجين زوجين، مثل الأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض والجنة والنار، والنور والظلمة، واللوح والقلم والملائكة والشياطين والعرش والكرسي والوعد والوعيد والرجاء، والخوف، والمقصود في ذلك البيان أن كل شيء ما سوى الحق زوج، وأن الفرد الأحد الحق هو الله ولا يخفى ما في كلامه هذا من التكلف والبعد عن

стр. 8363

مقصود التنزيه. (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) أي تضطرب وتتحرك وتشمئز صفة الكتاب أو حال منه، لأنه وإن كان نكرة فقد تخصص بالصفة، أو مستأنفة لبيان ما يحصل عند سماعه من التأثر لسامعيه، والاقشعرار التقبض. يقال اقشعر جلده إذا تقبض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره ومنه القشعريرة، والمعنى أنها تأخذهم منه قشعريرة. قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر الوعيد، والوجل والخوف. وقيل المراد بالجلود القلوب والأول أولى لذكرها فيما بعد. قال الواحدي: وهذا قول جميع المفسرين. وقيل: المعنى إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرت الجلود منه إعظاماً له، وتعجباً من حسنه وبلاغته. عن عبد الله بن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﵌ إذا قرأوا القرآن؟ قالت: " كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) عدى تلين بإلى لتضمينه فعلاً يتعدى بها، كأنه قيل: سكنت واطمأنت إلى ذكر الله لينة غير منقبضة، ومفعول ذكر الله محذوف، والتقدير إلى ذكر الله رحمته وثوابه وجنته وحذف للعلم به. قال بعض العارفين: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإذا لاح لهم

стр. 8364

عالم الجمال عاشوا. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان. وروي أن ابن عمر مر برجل من أهل العراق ساقط فقال: ما بال هذا. قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط، وعنه قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﵌. وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء عليهم القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره. فإن رمى بنفسه فهو صادق. وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب، وقيل: إن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، لأن الخير مطلوب بالذات، والخوف ليس بمطلوب، وإذا حصل الخوف اقشعر منه الجلد، وإذا حصل الرجاء اطمأن إليه القلب، ولان الجلد. (ذلك) الكتاب الموصوف بتلك الصفات (هدى الله يهدي به من يشاء) أن يهديه من عباده، وقيل الإشارة إلى ما وهبه الله لهؤلاء من خشية عذابه ورجاء ثوابه (ومن يضلل الله) أي يجعل قلبه مظلماً قاسياً غير قابل للحق (فما له من هاد) يهديه إلى الحق، ويخلصه من الضلال، قرأ الجمهور من هاد بغير ياء وقرىء بالياء، ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب فقال:

стр. 8365

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)

стр. 8366

(أفمن يتقي بوجهه) الاستفهام للإنكار وقد تقدم الكلام فيه، وهذه الفاء الداخلة على من في قوله: أفمن حق عليه عاطفه ومن مبتدأ والخبر محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى أفمن شأنه أن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه (سوء العذاب يوم القيامة) لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك، ولا يحتاج إلى الاتقاء؟ قال الزجاج المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة؟. قال عطاء وابن زيد يرمي به مكتوفاً في النار، فأول شيء تمس النار منه وجهه. وقال ابن عباس: ينطلق به إلى النار مكتوفاً ثم يرمي به فيها، فأول ما يمس وجهه النار. وقال مجاهد يجر على وجهه في النار. قال الأخفش المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل؟ أم من سعد؟ مثل قوله تعالى (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة) ثم أخبر سبحانه عما يقوله الخزنة للكفار فقال: (وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) وهو معطوف على يتقي أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله. ذوقوا قال عطاء أي جزاء ما كنتم تعلمون، ومثل هذه الآية قوله (هذا ما كنزتم

стр. 8367

لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) وقد تقدم الكلام على معنى الذوق في غير موضع ثم أخبر سبحانه عن حال من قبلهم من الكفار فقال:

стр. 8368

(كذب الذين من قبلهم) أي من قبل الكفار المعاصرين لمحمد ﵌، والمعنى أنهم كذبوا رسلهم (فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) أي من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم وغفلتهم عن عقوبة الله لهم بتكذيبهم

стр. 8369

(فأذاقهم الله الخزي) أي الذل والهوان (في الحياة الدنيا) بالمسخ والخسف، والقتل والأسر والجلاء، وغير ذلك. (ولعذاب الآخرة أكبر) لكونه في غاية الشدة مع دوامه (لو كانوا يعلمون) أي لو كانوا ممن يعلم الأشياء ويتفكر فيها ويعمل بمقتضى علمه لآمنوا وما كذبوا، قال المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما، قال: والخزي المكروه.

стр. 8370

(ولقد) اللام موطئة للقسم (ضربنا للناس في هذا القرآن) أي جعلنا وأوجدنا وبينا (من كل مثل) قد قدمنا تحقيق المثل وكيفية ضربه في غير موضع، ومعنى من كل مثل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم، وليس المراد ما هو أعم من ذلك، فهو هنا كما في قوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي من شيء يحتاجون إليه في أمر دينهم، وقيل: المعنى ما ذكرنا من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء (لعلهم يتذكرون) يتعظون فيعتبرون.
следующие страницы →