منهم ويعلم واعترضه الحفناوي بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم.
وقرأ نافع وابن عامر برفع يعلم على الاستئناف، أي على أنه جملة إسمية أو فعلية، فعلى كونها فعلية يكون الموصول. فاعلاً، وعلى كونها إسمية بكون مفعولاً والفاعل ضمير مستتر يعود على مبتدأ مقدر، أي وهو يعلم الذين، وهي قراءة ظاهرة واضحة اللفظ، وقرىء بالجزم عطفاً على المجزوم قبله على معنى: وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير.
ومعنى قوله: (ما لهم من محيص) ما لهم من فرار ولا مهرب من العذاب قاله قطرب وقال السدي: ما لهم من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة إذا رمى به، ومنه قولهم، فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه ثم لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن الدنيا فقال:
стр. 8787
(فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) أي ما أعطيتم أيها الناس من الغنى والسعة في الرزق وأثاث الدنيا فإنما هو متاع قليل يتمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب وتزول.
إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت
ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند الله من النعيم المقيم فقال: (وما عند الله) من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات هو (خير) من متاع الدنيا (وأبقى) لأنه دائم لا ينقطع ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، ثم بين سبحانه لمن هذا فقال:
(للذين آمنوا) أي صدقوا وعملوا على ما يوجبه الإيمان (وعلى ربهم) لا على غيره (يتوكلون) أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون عليه في كل شؤونهم، قيل: " نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين تصدق بجميع ماله، ولامه الناس ".
(والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) الموصول في محل جر معطوف على الذين آمنوا، أو بدل منه، أو في محل نصب على إضمار أعني، والأول أولى، والمراد الكبائر من الذنوب وقد قدمنا تحقيقها في سورة النساء، قرأ الجمهور كبائر بالجمع وقرىء كبير بالإفراد وهو يفيد مفاد كبائر لأن الإضافة للجنس كاللام، والرسم الكريم يحتمل القراءتين؛ والفواحش هي من الكبائر، ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك كالقتل والزنا ونحو ذلك، وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود؛ وقال السدي هي الزنا فعطفها من عطف الخاص على العام، والبعض على الكل إذ الكبائر قد لا توجب الحد كالغيبة والنميمة.
(وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم ويكظمون الغيظ ويحلمون على من ظلمهم وخص الغضب بالغفران، لأن استيلاءه على طبع الإنسان وغلبته عليه شديدة فلا يغفره عند سورة الغضب إلا من شرح الله صدره، وخصه بمزيد الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين صنفاً يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم: وصنفاً ينتصرون من ظالمهم وهم الذين سيأتي ذكرهم.
стр. 8790
(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة) أي أجابوه إلى ما دعاهم
стр. 8791
إليه وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة، قال ابن زيد هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيباً منهم قبل الهجرة وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها قاله القرطبي، ونحوه البيضاوي.
(وأمرهم شورى بينهم) أي يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والقربى، قال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله ﷺ ، وورد النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له، وقيل: المراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، قال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، وسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا، فمدح الله تعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك وما أحسن ما قاله بشار بن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي قوة للقادم
وقد كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في أموره، وأمره الله سبحانه بذلك فقال: (وشاورهم في الأمر) وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض، والندب والمكروه والمباح والحرام، فأما الصحابة بعده ﷺ فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي ﷺ لم ينص عليها وتشاوروا في أهل الردة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وشاور عمر ﵁ الهرمزان حين وفد عليه مسلماً، وقد قدمنا في آل عمران كلاماً في الشورى.
стр. 8792
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) في سبيل الخير، ويتصدقون به على المحاويج، ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها فقال:
стр. 8793
(والذين إذا أصابهم البغي) أي بغي من بغى عليهم بغير الحق (هم ينتصرون) أي ينتقمون من ظالمهم من غير تعد، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح، لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة.
قال ابن العربي ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر، في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعاً للآخر، أو يكون ذلك راجعاً إلى حالتين إحداهما أن يكون الباغي معلناً بالفجور مؤذياً للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، الثانية أن يقع ذلك ممن لم يعرف بالزلة ويسأل المغفرة فالعفو ههنا أفضل، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه.
وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء والفساق، لكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله:
стр. 8794
(وجزاء سيئة سيئة مثلها) فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة وظاهر هذا العموم، وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان إن هذا خاص بالمجروح، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره وقال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال شخص أخزاك الله يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي، وإذا انتصر فقد استوفى ظلامته وبرىء الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء، والإثم لحق الله تعالى، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابهما في الصورة.
أخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عائشة قالت: " دخلت عليّ
стр. 8795
زينب وعندي رسول الله ﷺ ، فأقبلت عليّ فسبتني فردعها النبي ﷺ فلم تنته، فقال لي سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سروراً "، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم ثم قرأ (وجزاء سيئة مثلها) ".
(فمن عفا) الفاء للتفريع أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة، وهي عسرة جداً، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلاً للإصلاح، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود، وعلى المتغلب مذموم، والمعنى من عفا عمن ظلمه.
(وأصلح) بالعفو بينه وبين ظالمه (فأجره على الله) أي يأجره على ذلك لا محالة، وأبهم الأجر تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على جلالته، قال مقاتل فكان العفو من الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران، والمقصود من الآية التحريض على العفو، وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، وذلك قوله فمن عفا الآية.
وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ قال: ينادي مناد من كان له أجر على الله فليدخل الجنة مرتين فيقوم من عفا عن أخيه قال الله تعالى: فمن عفى الآية ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال (إنه لا يحب الظالمين) يعني من يبدأ بالظلم قاله مقاتل وبه قال سعيد بن جبير وقيل: لا يحب من يتعدى في الاقتصاص. ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم.
(ولمن انتصر بعد ظلمه) مصدر مضاف إلى المفعول، أي بعد أن ظلمه الظالم واللام هي لام الابتداء وقال الحوفي وابن عطية هي لام القسم وليس بجيد بل الأولى أولى، ومن هي الشرطية وجوابه (فأولئك ما عليهم من سبيل) بمؤاخذة وعقوبة لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم، وقيل من موصولة، والأولى أولى. وفي القرطبي: الآية دليل على أن له يستوفي ذلك بنفسه، وهذا ينقسم ثلاثة أقسام وذكرها في حاشية الجمل لا نطول ببسطها فمحلها كتب الفقه دون التفاسير، ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل فقال:
стр. 8798
(إنما السبيل على الذين يظلمون الناس) أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر، وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم (ويبغون في الأرض) أي يعملون في النفوس والأموال (بغير الحق) كذا قال الأكثر قيد به لأن البغي قد يكون مصحوباً بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه، وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي، وقيل: يتكبرون ويتجبرون؛ وقال أبو مالك: هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً.
(أولئك) أي الذين يظلمون الناس (لهم) بهذا السبب (عذاب أليم) شديد الألم ثم رغب سبحانه في الصبر والعفو فقال:
стр. 8799
(ولمن صبر
стр. 8800
وغفر) كرره اهتماماً بالصبر وترغيباً فيه، والصبر هنا هو الإصلاح المتقدم. فأعيد هنا وعبر عنه بالصبر، لأنه من شأن أولي العزم وإشارة إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل، لا عن العجز، والمعنى ومن صبر على الأذى وغفر لمن ظلمه لوجه الله ولم ينتصر، وهذا فيمن ظلمه مسلم.
ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن ﵀ فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون، وبالجملة العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوباً إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى.
(إن ذلك) الصبر والمغفرة منه وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم (لمن عزم الأمور) قال مقاتل: أي من الأمور التي أمر الله بها، وندب إليها، أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه قال أبو سعيد القرشي الصبر على المكاره من علامات الانتباه فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضاء، وهو أجل الأحوال ومن جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه.
وقال الزجاج الصابر يؤتى بصبره ثواباً فالرغبة في الثواب أتم عزماً قال ابن زيد إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وأنه خاص بالمشركين، وقال قتادة إنه عام، وهو ظاهر النظم القرآني، وقال هنا بلام التوكيد، وفي لقمان بدونها لأن الصبر على مكروه حدث بظلم كقتل ولد أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم كموت ولد، كما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول فكان أنسب بالتوكيد، وما في لقمان القبيل الثاني فكان أنسب بعدمه، أفاده الكرخي.
(ومن يضلل الله) أي يخذله (فما له من ولي من بعده) أي فما له من أحد يلي هدايته وينصره، وظاهر الآية العموم، وقيل هي خاصة بمن أعوض عن النبي ﷺ ولم يعمل بما دعاه إليه من الإيمان بالله والعمل بما شرعه الله والمودة في القربى، أي فمن أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد، قاله القرطبي والأول أولى.
(وترى) الخطاب في الموضعين لكل من تتأتى منه الرؤية والرؤية فيهما بصرية، والجملة الواقعة بعد كل منهما حالية (الظالمين) أي المشركين المكذبين بالبعث (لما رأوا العذاب) أي حين نظروا النار، وقيل نظروا ما أعده الله لهم عند الموت، واختير لفظ الماضي للتحقيق (يقولون هل إلى مرد من سبيل) أي هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق؟
стр. 8803
(وتراهم يعرضون عليها) أي على النار (خاشعين من الذل) أي ساكنين متواضعين من أجله (ينظرون) إليها (من طرف خفي) أي ذليل، قاله ابن عباس، ومن هي لابتداء الغاية، أي يبتدىء نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، وقال يونس: من بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف ضعيف من الذل والخوف، وبه قال الأخفش، والطرف الخفي الذي يخفي نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذل والخوف والوجل قال مجاهد: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً وعين القلب طرف خفي وقال قتادة وسعيد بن جبير والسدي ومحمد بن كعب القرظي: يسارقون النظر إلى النار من شدة الخوف.
(وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم) أي إن الكاملين في الخسران هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين بتخليدهم في النار (يوم القيامة) إما ظرف لخسروا فالقول في الدنيا أو لقال فالقول في القيامة، ويكون التعبير عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه قاله أبو السعود وأما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم فلأنهم إن كانوا معهم في النار فلا ينتفعون بهم وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين.
(ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) هذا من تمام كلام المؤمنين، أو من كلام الله سبحانه أي هم في عذاب دائم لا ينقطع
стр. 8804
(وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله) أي لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب، وأنصار ينصرونهم في ذلك الموطن من دون الله، بل هو المتصرف سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (ومن يضلل الله فما له من سبيل) أي من طريق
стр. 8805
يسلكها إلى النجاة، ثم أمر سبحانه عباده بالإستجابة وحذرهم فقال:
стр. 8806
(استجيبوا لربكم) أي استجيبوا دعوته لكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي لا يقدر أحد على رده ودفعه على معنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، ولا يرده الله بعد (١) كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكراً لما ينزل بكم من العذاب حكاه ابن أبي حاتم، وقاله الكلبي وغيره: والأول أولى قال الزجاج. معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها.
стр. 8807
(فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أي حافظاً تحفظ أعمالهم الصادرة عنهم حتى تحاسبهم عليها ولا موكلاً بهم رقيباً عليهم، لتقهرهم على امتثال ما أرسلناك به.
(إن) أي ما (عليك إلا البلاغ) لما أمرت بإبلاغه وليس عليك غير ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف، لأنه قبل الأمر بالجهاد (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة) أي إذا أعطيناه رخاء وصحة وغنى (فرح بها) بطراً ونعم الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلهذا سمى الإنعام إذاقة، والمراد بالإنسان الجنس ولهذا قال:
(وإن تصبهم سيئة) أي بلاء وشدة ومرض وفقر (بما قدمت أيديهم) من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها (فإن الإنسان كفور) أي كثير الكفر بما أنعم به عليه من نعمه غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان، ولم يقل: فإنه كفور، بل وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال (إن
(لله ملك السموات والأرض) أي له التصرف فيهما بما يريد لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، والملك بالضم الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه، وفي المصباح وملك على الناس أمرهم ملكاً من باب ضرب إذا تولى السلطنة فهو ملك والاسم الملك بضم الميم.
(يخلق ما يشاء) من الخلق (يهب لمن يشاء إناثاً) بدل مفصل من مجمل أي لا ذكور معهن، قاله مجاهد والحسن والضحاك وأبو مالك وأبو عبيدة وقال ابن عباس يريد لوطاً وشعيباً لأنهما لم يكن لهما إلا البنات.
(ويهب لمن يشاء الذكور) أي لا إناث معهم، يريد إبراهيم لأنه لم يكن له إلا الذكور، قاله ابن عباس، قيل: وتعريف الذكور بالألف واللام للدلالة على شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال إن التقديم للإناث قد عارض ذلك فلا دلالة في الآية على المفاضلة، بل هي مسوقة لمعنى آخر، وقد دل على شرف الذكور قوله سبحانه:
(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله) وغير ذلك من الأدلة الدالة على شرف الذكور على الإناث، وقيل: تقديم الإناث لكثرتهن بالنسبة إلى الذكور. وقيل: لتطيب قلوب آبائهن، وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى
стр. 8810
التطويل بذكره، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن وائلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: " من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى لأن الله قال: يهب لمن يشاء إناثاً " إلخ.
стр. 8811
(أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) أي يقرن بين الإناث والذكور، ويجعلهم أزواجاً فيهبهما جميعاً لبعض خلقه يريد محمداً ﷺ فإنه كان له من البنين ثلاثة على الصحيح، القاسم وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، قاله ابن عباس قال مجاهد. هو أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية، ثم تلد غلاماً، ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأماً غلاماً وجارية، وقال القتيبي التزويج هنا هو الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب: زوجت إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار، ومعنى الآية أوضح من أن يختلف في مثله، فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه إناثاً ويهب لبعض خلقه ذكوراً ويجمع لبعض بين الذكور والإناث.
(ويجعل من يشاء عقيماً) لا يولد له ذكر ولا أنثى، والعقيم الذي لا يولد له يريد يحيى وعيسى، قاله ابن عباس، وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس، لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف يشاء، فلا معنى للتخصيص، يقال رجل عقيم، وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم عقماً، وأصله القطع، ويقال: نساء عقّم وعقماء (إنه عليم قدير) أي بليغ العلم عظيم القدرة.
стр. 8812
(وما كان لبشر) أي ما صح لفرد من أفراد البشر (أن يكلمه الله) بوجه من الوجوه (إلا وحياً) بأن يوحي إليه فيلهمه في المنام، ويقذف في قلبه ذلك، قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاماً منه كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده، والوحي الإشارة والرسالة والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي، كيف كان، قاله ابن فارس، وهو مصدر وحى إليه
стр. 8813
يحي من باب وعي، وأوحى إليه بالألف مثله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف.
(أو من وراء حجاب) كما كلم موسى يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب قال ابن عباس في الآية إلا أن يبعث ملكاً يوحي إليه من عنده، أو يلهمه فيقذف في قلبه. أو يكلمه من وراء حجاب، وقيل: المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا.
(أو يرسل رسولاً) أي ملكاً (فيوحي) ذلك الملك إلى الرسول من البشر (بإذنه) أي بأمر الله وتيسيره (ما يشاء) أن يوحي إليه، قال الزجاج: المعنى أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام يلهمهم أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحياً أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، ومن قرأ يرسل رفعاً أراد وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف لها.
وقرأ الجمهور بنصب يرسل وبنصب فيوحي على تقدير أن، وتكون أن وما دخلت عليه معطوفين على (وحياً) وحياً في محل الحال، والتقدير: إلا موحياً أو مرسلاً ولا يصح عطف أو (يرسل) على أن (يكلمه) لأنه يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً، وهو فاسد لفظاً ومعنى. وقد قيل في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف، وقرىء بالرفع وكذلك فيوحي بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير أو هو يرسل، كما قال الزجاج وغيره.
وجملة (إنه عليّ حكيم) تعليل لما قبلها أي متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه، قال المفسرون سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي ﵌: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى فنزلت.
(وكذلك) أي كالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك (أوحينا إليك روحاً من أمرنا) المراد به القرآن قاله ابن عباس، وقيل النبوة، قال مقاتل يعني الوحي بأمرنا ومعناه القرآن لأنه يهتدي به ففيه حياة من موت الكفر، وقيل: من تبعيضية لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن، وقيل: المراد به الرحمة، وقيل جبريل، ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحي إليه فقال: (ما كنت تدري ما الكتاب) أي: أيُّ شيء هو لأنه ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدل على صحة نبوته، ومعنى (ولا الإيمان) أنه كان ﷺ لا يعرف تفاصيل الشرائع ومعالمها، ولا يهتدي إلى معانيها، كالصلاة والصوم والزكاة والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر، وهذا هو الحق وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها، وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة، قال بهذا جماعة من أهل العلم، منهم إمام الأئمة محمد بن إسحق بن خزيمة واحتج بقوله تعالى:
(وما كان الله ليضيع إيمانكم) يعني الصلاة، فسماها إيماناً، وذهب جماعة إلى أن الله لم يبعث نبياً إلا وقد كان مؤمناً به، وقالوا معنى الآية ما كنت تدري قيل الوحي كيف تقرأ القرآن؟ ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان؟ وقيل كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلاً وفي المهد.
وقال الحسين بن الفضل إنه على حذف المضاف، أي ولا أهل الإيمان، وقيل المراد بالإيمان، دين الإسلام، وقيل الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل
стр. 8816
ما كلف الله به العباد، وقال الكواشي ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب وهو القرآن وعطف عليه لاختلاف لفظيهما أي ما كنت تعرف القرآن وما فيه من الأحكام، ويدل على هذا التأويل توحيد الضمير في جعلناه، وقيل المراد بالإيمان الكلمة التي بها دعوة الإيمان والتوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحي لا بالعقل، قاله الكرخي.
وعن علي قال: " قيل لمحمد ﷺ هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا قالوا فهل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ وبذلك نزل القرآن ". (وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) (١).
(ولكن جعلناه نوراً) أي جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياء ودليلاً على التوحيد والإيمان (نهدي به) المراد به الهداية الموصلة بدليل قوله (من نشاء) هدايته (من عبادنا) ونرشده إلى الدين الحق (وإنك لتهدي) أي كل مكلف فالهداية فيه أعم من التي قبلها قرأ الجمهور لتهدي على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول، وقرىء بضم التاء وكسر الدال من أهدى، وفي قراءة أبيّ وإنك لتدعو (إلى صراط مستقيم) قال قتادة والسدي ومقاتل: وإنك لتدعو إلى الإسلام فهو الصراط المستقيم.
ثم بين الصراط المستقيم بقوله:
стр. 8817
(صراط الله) بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة وفي هذه الإضافة للصراط إلى الإسم الشريف من التعظيم له والتفخيم لشأنه ما لا يخفى (الذي له ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً والمعنى أنه المالك لذلك، والمتصرف فيه.
(ألا إلى الله تصير) أي ترجع (الأمور) يوم القيامة لا إلى غيره، أي جميع أمور الخلائق بارتفاع الوسائط والتعلقات وعلى هذا المضارع على
стр. 8818
ظاهره، وقيل: المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك وليس المراد حقيقة المستقبل لأن الأمور منوطة به تعالى كل وقت وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة ووعد بنعيم الجنات فيثيب المحسن ويعاقب المسيء.
قال سهيل بن أبي الجعد: أحترق مصحف ولم يبق منه إلا قوله (ألا إلى الله تصير الأمور) وغرق مصحف فانمحى كله إلا قوله ذلك والله أعلم القرطبي.
стр. 8819
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الزخرف
(وهي تسع وثمانون آية)
قال القرطبي: هي مكيّة بالإجماع وبه قال ابن عباس، قال مقاتل إلا قوله (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) يعني فإنها نزلت بالمدينة.
(حم) الكلام ههنا كالكلام الذي قدمناه والله أعلم بمراده به
стр. 8822
(والكتاب المبين) أقسم بالقرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة، وقيل المبين الواضح للمتدبرين وهو من الإيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه ولعل أقسام الله بالأشياء استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وجواب القسم.
стр. 8823
(إنا جعلناه قرآناً عربياً)، وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد إن أريد بالكتاب القرآن وإن أريد به جنس الكتب المنزلة لم يكن من ذلك والضمير في جعلناه على الأول، يعود على الكتاب، وعلى الثاني يعود على القرآن وإن لم يصرح بذكره، والجعل هنا تصيير ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تجويزه أن يكون بمعنى خلقناه قاله السمين.
والمعنى سميناه وصيرناه ووصفناه ولذلك تعدى إلى مفعولين، وقال السدي: أي أنزلناه قرآناً، وقال مجاهد قلناه وقال سفيان الثوري: بيناه، وكذا قال الزجاج أي أنزل بلسان العرب لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وقال مقاتل لأن لسان أهل الجنة عربي.
стр. 8824
(لعلكم تعقلون) أي لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه وتحيطوا بما فيه، قال ابن زيد لعلكم تتفكرون
стр. 8825
(وإنه) أي وإن القرآن (في أم الكتاب لدينا) أي عندنا (لعلي حكيم) أخبر عن منزلته وشرفه وفضله أي إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف رفيع القدر محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة، ودرجات الفصاحة، لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم أو مستأنفة مقررة لما قبلها، قال الزجاج: أم الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، كما قال (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).
قال ابن جريج: المراد بقوله وإنه الخ أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، عن ابن عباس قال: " إن أول ما خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة عنده " (١)، ثم قرأ هذه الآية وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعاً.