(حم) الكلام ههنا كالكلام الذي قدمناه والله أعلم بمراده به
стр. 8822
(والكتاب المبين) أقسم بالقرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة، وقيل المبين الواضح للمتدبرين وهو من الإيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه ولعل أقسام الله بالأشياء استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وجواب القسم.
стр. 8823
(إنا جعلناه قرآناً عربياً)، وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد إن أريد بالكتاب القرآن وإن أريد به جنس الكتب المنزلة لم يكن من ذلك والضمير في جعلناه على الأول، يعود على الكتاب، وعلى الثاني يعود على القرآن وإن لم يصرح بذكره، والجعل هنا تصيير ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تجويزه أن يكون بمعنى خلقناه قاله السمين.
والمعنى سميناه وصيرناه ووصفناه ولذلك تعدى إلى مفعولين، وقال السدي: أي أنزلناه قرآناً، وقال مجاهد قلناه وقال سفيان الثوري: بيناه، وكذا قال الزجاج أي أنزل بلسان العرب لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وقال مقاتل لأن لسان أهل الجنة عربي.
стр. 8824
(لعلكم تعقلون) أي لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه وتحيطوا بما فيه، قال ابن زيد لعلكم تتفكرون
стр. 8825
(وإنه) أي وإن القرآن (في أم الكتاب لدينا) أي عندنا (لعلي حكيم) أخبر عن منزلته وشرفه وفضله أي إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف رفيع القدر محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة، ودرجات الفصاحة، لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم أو مستأنفة مقررة لما قبلها، قال الزجاج: أم الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، كما قال (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).
قال ابن جريج: المراد بقوله وإنه الخ أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، عن ابن عباس قال: " إن أول ما خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة عنده " (١)، ثم قرأ هذه الآية وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعاً.
стр. 8826
(أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه، كذا قال الفراء والزجاج وغيرهما، وانتصاب صفحاً على المصدرية أو على الحال أي صافحين، والصفح مصدر قولهم: صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر هنا القرآن، والاستفهام للإنكار والتوبيخ قال الكسائي:
المعنى أفنضرب عنكم الذكر طياً فلا توعظون ولا تؤمرون. وقال مجاهد وأبو صالح والسدي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم؟ وقال قتادة المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم، وروي عنه إنه قال: المعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل، أنكم لا تؤمنون به، وقيل: الذكر التذكير كأنه قال أنترك تذكيركم.
(أن كنتم قوماً مسرفين) قرىء إن بالكسر على أنها الشرطية والجزاء
стр. 8827
محذوف لدلالة ما قبله عليه وبفتحها على التعليل، أي لأن كنتم قوماً منهمكين في الإسراف مصرين عليه مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة، قال ابن عباس في الآية أحببتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، ثم سلى سبحانه رسوله ﷺ ، فقال:
стр. 8828
(وكم أرسلنا من نبي في الأولين) كم هي الخبرية التي معناها التكثير والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة.
стр. 8829
(وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) كاستهزاء قومك بك
стр. 8830
(فأهلكنا) قوماً (أشد منهم) أي من هؤلاء القوم (بطشاً) أي قوة تمييز أو حال، أو باطشين والأول أحسن، والبطش شدة الأخذ (ومضى مثل الأولين) أي سلف في القرآن في غير موضع منه، ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل لشهرتها، وقال قتادة: عقوبتهم، وقيل: صفتهم في الإهلاك والمثل الوصف والخبر، وفي هذا وعد لرسول الله ﵌، وتهديد شديد لهم لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم.
стр. 8831
(ولئن) لام قسم (سألتهم) أي هؤلاء الكفار من قومك (من خلق السموات والأرض) أي هذه الأجرام العلوية والسفلية (ليقولن خلقهن العزيز العليم) جواب القسم لا جواب الشرط، وهذا على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم، من حذف جواب المتأخر منهما وحذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين، وكرر الفعل للتوكيد إذ لو جاء (العزيز) بغير (خلقهن) لكان كافياً، والمعنى أقروا بأن الله خالقهن ولم ينكروا ذلك وهذا أسوأ لحالهم وأشد لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكاً له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات، وهي الأصنام فجعلوها شركاء لله، ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم نعمته على عباده، وكمال قدرته في مخلوقاته فقال:
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) أي فراشاً كالمهد للصبي، ولو شاء لجعلها مزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، ولو شاء لجعلها متحركة فلا يمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها مسطحة قارة ساكنة وقد تقدم بيانه، قرأ الجمهور مهاداً وقرأ الكوفيون مهداً وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله، ولو كان متصلاً بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهاداً.
(وجعل لكم فيها سبلاً) أي طرقاً تسلكونها إلى حيث تريدون ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك وقيل معايش تعيشون بها (لعلكم تهتدون) بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم في أسفاركم.
стр. 8834
(والذي نزل من السماء ماء بقدر) أي بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة (١) بالغرق ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى.
(فأنشرنا به بلدة ميتاً) أي أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات
стр. 8835
وفيه التفات قرأ الجمهور ميتاً بالتخفيف وقرىء بالتشديد (كذلك) أي مثل ذلك الإِحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها (تخرجون) أي تبعثون من قبوركم أحياء فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف، قرأ الجمهور: تخرجون مبنياً للمفعول وقرىء مبنياً للفاعل.
стр. 8836
(والذي خلق الأزواج كلها) أي الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود، قال سعيد بن جبير الأصناف كلها وقال الحسن الأزواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسموات والأرض والجنة والنار. وقيل أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل أزواج النبات كقوله:
(وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) و (من كل زوج كريم) وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر وإيمان وكفر، ونفع وضر وفقر وغنى، وصحة وسقم وهذا القول يعم الأقوال ويجمعها بعمومه، وقيل: الأول أولى، قال بعض المحققين: كل ما سوى الله فهو زوج كالفوق والتحت، والربيع والخريف، واليمين واليسار، والقدام والخلف، والماضي والمستقبل والذوات والصفات، وكونها أزواجاً يدل على أنها ممكنة الوجود، محدثة مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى فهو الفرد المنزه عن الضد والند والمقابل والمعاضد.
(وجعل لكم من الفلك) السفن (والأنعام ما تركبون) أي ما تركبونه في البحر والبر وأريد بالأنعام هنا ما يركب من الحيوان، وهو الإبل والخيل والبغال والحمير، وقرينة هذا قوله في سورة النحل (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) فحينئذ في الأنعام هنا تغليب إذ الأنعام هي الإبل والبقر والغنم وقال
(لتستووا) اللام لام العلة، وهو الظاهر، أو للصيرورة وجوز ابن عطية أن تكون لام الأمر، وفيه بعد لقلة دخولها على أمر المخاطب (على ظهوره) الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد، وقال الفراء أضاف الظهور إلى واحد لأن المراد الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر وجمع الظهر لأن المراد ظهور هذا الجنس، والاستواء الاستعلاء أي لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام.
(ثم تذكروا نعمة ربكم) أي التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر (إذا استويتم عليه) أي على ما تركبون ففيه مراعاة لفظ (ما) أيضاً قال مقاتل والكلبي هو أن تقول الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه:
(وتقولوا) أي بألسنتكم جمعاً بين القلب واللسان: (سبحان الذي سخر لنا هذا) وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه سبحان من سخر لنا هذا، وقال قتادة قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم والمعنى ذلل لنا هذا المركب الذي ركبناه سفينة كان أو دابة قاله الخطيب وصرح غيره بأنه خاص بالدابة، وأما السفينة فيقول فيها (بسم الله مجريها ومرساها) ويؤيده:
(وما كنا له مقرنين) فإن الامتناع والتعاصي والتوحش لولا تسخير الله وإذلاله إنما يتأتى في الدواب. وأما السفن فهي من عمل ابن آدم فليس لها امتناع بقوتها كامتناع الدابة. قال ابن عباس والكلبي: مقرنين مطيقين يقال أقرن هذا البعير إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة: مقرنين ضابطين، يقال فلان مقرن لفلان أي ضابط له، وقيل مماثلين له في القوة من قولهم: هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة.
(وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) أي راجعون إليه وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة، وفيه إشارة إلى الرد عليهم في إنكار البعث أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، " كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثاً، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ".
روي أن قوماً ركبوا، وقالوا سبحان الذي سخر لنا هذا الخ وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالاً فقال: إني مقرن لهذه فسقط لوثبتها واندقت عنقه، وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ، بل للاعتبار، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه.
قال القرطبي علمنا ما نقول إذا ركبنا الدواب وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح ﵇ ما نقول إذا ركبنا السفن فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق فلما كان الركوب مباشرة أمر مخوف واتصالاً بسبب من أسباب التلف أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته ولا يدع ذكر ذلك بقلبه
стр. 8841
ولسانه، حتى يكون مستعداً لقضاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه. وقال ابن العربي: ليس بواجب ذكره باللسان بل يستحب وإنما الواجب اعتقاده بالقلب والأول أولى والجمع أفضل.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم فقال:
стр. 8842
(وجعلوا له) أي بعد ذلك الاعتراف كما قاله القاضي أو معه كذا في الكشاف، والجملة حالية والجعل تصيير قولي أي حكموا وأثبتوا له أو بمعنى سموا واعتقدوا (مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) أي ولداً وسماه جزءاً دلالة على استحالته على الواحد في ذاته، لأن المركب لا يكون واحد الذات، قال قتادة جزءاً أي عدلاً يعني ما عبد من دون الله، وقال الزجاج والمبرد الجزء هنا البنات، والجزء عند أهل العربية البنات، يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات.
وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله
стр. 8843
(أم اتخذ مما يخلق بنات) وقوله
стр. 8844
(وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً) وقوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) وقيل: المراد بالجزء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولاداً لله سبحانه قاله مجاهد والحسن قال الأزهري، ومعنى الآية أنهم جعلوا لله من عباده نصيباً على معنى أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان.
(إن الإنسان) القائل ما تقدم (لكفور مبين) أي ظاهر الكفران مبالغ فيه قيل المراد بالإنسان هنا الكافر فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحوداً بيناً ثم أنكر عليهم هذا فقال: (أم اتخذ مما يخلق بنات) هذا استفهام تقريع وتوبيخ وأم هي المنقطعة بمعنى همزة الإِنكار وقدرها بعضهم ببل التي للانتقال وبعضهم بهما وكل صحيح لأن فيها مذاهب ثلاثة كما نقله أبو حيان والمعنى أتقولون اتخذ ربكم لنفسه البنات.
стр. 8845
(وأصفاكم) أخلصكم وخصكم (بالبنين) فجعل لنفسه المفضول من الصنفين، ولكم الفاضل منهما يقال أصفيته بكذا أي آثرته به وأصفيته الود أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) وهذه الجملة معطوفة على اتخذ داخلة معها تحت الإنكار، ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال:
(وإذا بشر أحدهم) استئناف أو حال (بما ضرب للرحمن مثلاً) أي بما جعله للرحمن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والالتفات إلى الغيبة للإِيذان بأن قبائحهم اقتضت أن يعرض عنهم، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها والمثل بمعنى الشبه أي المشابه لا بمعنى الصفة الغريبة العجيبة، والمعنى إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله:
(ظل) أي صار (وجهه مسوداً) بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكراً مكانها (وهو كظيم) أي والحال إنه شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه قال قتادة: حزين وقال عكرمة: مكروب، وقيل ساكت ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال:
стр. 8846
(أو من ينشأ في الحلية) النشوء التربية والحلية الزينة و (من) عبارة عن الأنثى أي يجعلون لله الأنثى التي تتربى في الزينة لنقصها إذ لو كملت في نفسها لما تكملت بالزينة قرأ الجمهور ينشأ بفتح الياء وإسكان النون وقرأ ابن عباس والضحاك وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، واختار القراءة الأولى أبو حاتم واختار الثانية أبو عبيدة، وقال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد، والمعنى يربى ويكبر في الحلية.
(وهو في الخصام غير مبين) أي عاجز عن أن يقوم بأمر نفسه وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته وتقرير دعواه، ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله، وضعف رأيه، وإضافة (غير) يمنع عمل ما بعدها في الجار المتقدم عليها. لأنها بمعنى النفي قال المبرد: تقدير الآية ويجعلون له من
стр. 8847
ينبت في الزينة، وإذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان.
وفيه أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس التقوى. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها، وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة، قال ابن عباس في الآية هو النساء فرق بين زيهن وزي الرجال ونقصهن من الميراث ومن الشهادة، وأمرهن بالقعدة وسماهن الخوالف.
стр. 8848
(وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس أي قلت بذلك وحكمت له به أي سموهم وحكموا، وقالوا: إنهم إناث وجمعوا في كفرهم ثلاث كفرات وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد ونسبوا إليه أخس النوعين وجعلوا ملائكته المكرمين إناثاً فاستخفوا بهم قرأ الجمهور: عباد بالجمع، وبها قرأ ابن عباس وقرأ الباقون عند بنون ساكنة، واختار الأولى أبو عبيد لأن الإسناد فيها على، ولأن الله إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله فأخبرهم بأنهم عباده.
قال النسفي: وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولادة انتهى، ويؤيد هذه القراءة قوله (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) واختار أبو حاتم الثانية قال: وتصديق هذه القراءة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) عن سعيد بن جبير قال كنت أقرأ هذا الحرف الذين هم عند الرحمن إناثاً فسألت ابن عباس فقال عباد الرحمن، قلت فإنها في مصحفي قال فامحها واكتبها عباد الرحمن ثم وبخهم وقرعهم فقال:
(أشهدوا خلقهم) أي أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور وفي هذا تهكم بهم، وتجهيل لهم، قرأ الجمهور: (ستكتب شهادتهم) بضم الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم، وقرىء بالنون
стр. 8849
وبناء الفعل للفاعل، ونصب شهادتهم، وقرىء شهاداتهم بالجمع، والمعنى سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك، قال البقاعي يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به (ويسألون) عنها يوم القيامة في الآخرة، وهذا وعيد. قال سليمان الجمل وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم انتهى.
стр. 8850
(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاؤوا به للاستهزاء والسخرية، ومعناه لو شاء الرحمن في زعمكم عدم عبادة الملائكة ما عبدنا هذه الملائكة، فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها، أو على حسنها، وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأموراً كان أو منهياً، حسناً كان أو غيره، وبالجملة هذا كلام حق يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، وتعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام فرد الله عليهم قولهم واعتقادهم، وبين جهلهم بقوله:
(ما لهم بذلك) أي بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم (من علم) بل تكلموا بذلك جهلاً، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلاً، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي. وقيل: الإشارة بذلك إلى قوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) قاله قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد وابن جريج أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم ثم بين انتفاء علمهم بقوله:
(إن هم إلا يخرصون) أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلاً باطلاً، قال هنا (يخرصون) وفي الجاثية (يظنون)، هذا كذب فناسبه الخرص وما هناك صدق مخلوط بالكذب فناسبه الظن.
(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ) أم هي المنقطعة بمعنى همزة الاستفهام الإنكاري أي أأعطيناهم كتاباً من قبل القرآن، بما ادعوه بأن يعبدوا غير الله وقيل إن الضمير في (من قبله) يعود إلى ادعائهم، أي أم آتيناهم كتاباً من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه؟ والأول أولى أو أم معادلة لقوله أشهدوا فتكون متصلة، والمعنى أحضروا أم آتيناهم كتاب الخ والأول أرجح وأولى، كما أفاده الشهاب (فهم به مستمسكون) يأخذون بما فيه ويحتجون به ويجعلونه لهم دليلاً.
ثم بين سبحانه أنه لا حجة بأيديهم ولا شبهة ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال:
стр. 8853
(بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي على طريقة ومذهب، قال أبو عبيدة هي الطريقة والدين، وبه قال ابن عباس وقتادة وغيره قال الجوهري والأمة الطريقة والدين يقال فلان لا أمة له ولا نحلة أي لا دين له وقال الفراء وقطرب على قبلة. وقال الأخفش على استقامة قرأ الجمهور أمة بالضم، وقرىء بكسرها قال الجوهري والإمة بالكسر النعمة والإمة أيضاًً لغة في الأمة.
(وإنا) ماشون (على آثارهم مهتدون) بهم وكانوا يعبدون غير الله اعترفوا بأنه لا مستند لهم من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع والبيان سوى تقليد آبائهم قال الخازن جعلوا أنفسهم مهتدين باتباع
стр. 8854
آبائهم وتقليدهم من غير حجة انتهى؛ وعبارة أبي السعود لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية، بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم اهـ.
وقال هنا: مهتدون، وفيما بعده: مقتدون، لأن الأول وقع في محاجتهم النبي ﷺ ، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه مهتدون والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه مقتدون، أفاده الكرخي. ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة، وقال بها فقال:
стр. 8855
(وَكَذَلِكَ) أي الأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد، وقوله (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) استئناف مبين لذلك، دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضاً مستند غيره، قاله أبو السعود، والمترفون الأغنياء والرؤساء والمتنعمون جمع مترف. اسم مفعول من أترف، وأترفته النعمة أطغته.
قال الكرخي: هذا تسلية لرسول الله ﷺ ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن من تقدمهم أيضاًً لم يكن لهم مستند منظور إليه، وتخصيص المترفين للإِشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطر، وصرفهم عن النظر إلى التقليد انتهى. والأمة هي من الأم وهو القصد، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد، ومقتدون أي متبعون، قاله قتادة، قال النسفي: وهذه تسلية للنبي ﷺ ، وبيان أن تقليد الآباء داء قديم اهـ.
قال الرازي في تفسيره: لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي، ولا بدليل نقلي ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في
стр. 8856
معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل.
ومما يدل عليه أيضاًً من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق، وذلك لأنه كما حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة، فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة، فلو كان التقليد، طريقاً إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقاً، ومعلوم أن ذلك باطل، وأنه تعالى بين أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا، وحب الكسل والبطالة، وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال، لقوله: (إلا قال مترفوها) والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق أهـ.
أقول وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، منها ما ذكره ابن القيم، وأنا أورده ههنا قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت به بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة قال الله .
(هل عندكم من سلطان بهذا) أي من حجة بهذا، فإذا قال أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كثيراً من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت على قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك. فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً؟ ولا
стр. 8857
يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا تناقض، فإن قال لأن معلمي -وإن كان أصغر- فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فليلزمه تقليده، وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك؛ فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضاً وفساداً.
قال أبو عمرو قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين، وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بأن له الشيء فقد علمه، قالوا والمقلد لا علم له، لم يختلفوا في ذلك، ومن ههنا والله أعلم قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعلـ ... ـم قال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على فضـ ... ـلك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد الله بن خواز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع اهـ.
قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل والعقل الراجح. لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن اهـ. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ ، أن يرد عليهم فقال:
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) أي أتتبعون آباءكم وتقلدونهم؟ ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ قال الزجاج المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإن جئتكم بأهدى منه؟ قرأ الجمهور قل وقرىء قال: وهو حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم، أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته، وقيل إن كلتا القراءتين حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته المقلدين، كأنه قال لكل نبي قل بدليل قوله:
(قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) قال الشوكاني وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير، ولا حجة واضحة، بل لمجرد قيل وقال، لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) أو بما يلاقي معناه معنى ذلك.
فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم ولا آباءكم من قبلكم إلا بكتابة الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله ﷺ ، فإنه
стр. 8860
المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:
(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم، نفروا نفور الوحش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ولا قوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
فإن قال لهم القائل: هذا العالم الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبداً بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوباً منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل، فذلك رخصة له، لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجد الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله ﷺ ، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا لذلك ولا أذعنوا له.
وقد وهب لهم الشيطان عصا يتوكأون عليها عند أن يستمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة، وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله، وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصوراً عظيماً بسبب تقدم العصر وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم.
فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدراً وأقدم عصراً من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية توجب الاقتداء فتعالوا