Полный текст (12 043 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.
стр. 9031
(خذوه) أي يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوه أي الأثيم (فاعتلوه) العتل القود بالعنف، يقال عتله يعتله إذا جره وذهب به إلى مكروه، وقيل: العتل أن تأخذ بتلابيب الرجل ومجامعه فتجره، قرأ الجمهور فاعتلوه بكسر التاء، وقرىء بضمها وهما لغتان وقراءتان سبعيتان (إلى سواء الجحيم) أي إلى وسطه ومعظمه كقوله (فرآه في سواء الجحيم)
стр. 9032
(ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) من هي التبعيضية أي صبوا فوق رأسه بعض
стр. 9033
هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان أي عذاب هو الحميم وهو الماء الحار كما تقدم أو من إضافة الصفة للموصوف أو المسبب للسبب فالمصبوب هو الحميم لا عذابه وصب العذاب استعارة، كقوله (أفرغ علينا صبراً) فقد شبه العذاب بالمائع ثم خيل له بالصب.
стр. 9034
(ذق) الأمر للإهانة به أي قولوا له تهكماً وتقريعاً وتوبيخاً ذق العذاب (إنك) قرأ الجمهور بكسر الهمزة وقرأ الكسائي بفتحها، وروي ذلك عن عليّ أي لأنك (أنت العزيز الكريم) قيل إن أبا جهل كان يزعم أنه أعز أهل الوادي وأكرمهم فيقولون له: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم على زعمك، وفيما كنت تقوله قال الفراء أي لهذا القول الذي قلته في الدنيا - عن ابن عباس في الآية قال: " يقول لست بعزيز ولا كريم " أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فقال: " إن الله أمرني أن أقول لك (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) قال فنزع يده من يده وقال ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ".
стр. 9035
(إن هذا) العذاب أو هذا الأمر (ما كنتم به تمترون) أي تشكون فيه حين كنتم في الدنيا والجمع باعتبار جنس الأثيم، ثم ذكر سبحانه مستقر المتقين فقال:
стр. 9036
(إن المتقين) الذين اتقوا الكفر والمعاصي (في مقام) قرأ الجمهور مقام بفتح الميم وهو موضع القيام، وقرىء بضمها وهو موضع الإقامة قاله الكسائي وغيره وهما سبعيتان وقال الجوهري قد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة وقد يكون بمعنى موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي وقع
стр. 9037
مستعملاً في معنى العموم، ثم وصف المقام بقوله:
(أَمِينٍ) يأمن فيه صاحبه من جميع المخاوف، قال النسفي: هو من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقي فيه من المكاره انتهى.
وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف والأمن والأمان والأمانة في الأصل مصادر ويستعمل الأمان تارة اسماً للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة لما يؤمن عليه الإنسان كقوله: (وتخونوا أماناتكم) أي ما ائتمنتم عليه.
стр. 9038
(في جنات وعيون) بدل من مقام أمين، جيء به للدلالة على نزاهته واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب، أو بيان له أو خبر ثان.
стр. 9039
(يلبسون من سندس وإستبرق) خبر ثان أو ثالث أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، والسندس مارق من الديباج، وفي المصباح الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم ويقال إنه معرب انتهى والإستبرق ما غلظ منه وهو تعريب استبر واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون عجمياً لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب فساغ أن يقع في القرآن العربي، وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف.
(مُتَقَابِلِينَ) أي في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض وهو أتم للأنس فلا يرد ما قيل من أن الجلوس على هذه الصفة موحش، لأن قليل الثواب إذا اطلع على حال كثير الثواب يتنغص، لأن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا وقال المحلي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم.
стр. 9040
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
стр. 9041
(كذلك) أي نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أو الأمر كذلك (وزوجناهم) أي أكرمناهم بأن زوجناهم (بحور عين) الحور جمع حوراء وهي البيضاء والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العين، وقال مجاهد إنما سميت الحوراء حوراء لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل هو من حور العين وهو شدة بياض العين في شدة سوادها، كذا قال أبو عبيدة، وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين، قال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر قال وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور لأنهن شبهن بالظباء والبقر.
وقيل المراد بقوله (زوجناهم) قرناهم، وليس من عقد التزويج لأنه لا يقال زوجته بامرأة، وقال أبو عبيدة وجعلناهم أزواجاً لهن كما يزوج البعل بالبعل، أي جعلناهم اثنين اثنين، وكذا قال الأخفش، واختلف أيهما أفضل في الجنة النساء الآدميات أم الحور ذكر ابن المبارك أن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا، وروي مرفوعاً " أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف "، وقيل إن الحور العين أفضل لقوله ﵊ " فأبدله زوجاً خيراً من زوجه " والله أعلم.
стр. 9042
(يدعون فيها) أي في الجنة (بكل فاكهة) أي يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم (آمنين) من التخم والأسقام والآلام قال قتادة آمنين من الموت والوصب والشيطان وقيل من انقطاع ما هم فيه من النعيم.
стр. 9043
(لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي لا يموتون فيها أبداً إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا والإستثناء منقطع أي لكن الموتة كذا قال الزجاج والفراء وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) وقيل إن إلا بمعنى بعد واختاره الطبري كقولك ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي بعد رجل عندك وأباه الجمهور لأن مجيء إلا بمعنى بعد لم يثبت.
وقيل هي بمعنى سوى أي سوى الموتة الأولى نقله الطبري وضعفه. قال ابن عطية وليس تضعيفه بصحيح بل كونها بمعنى سوى مستقيم متسق، قال ابن قتيبة إنما استثنى الموتة الأولى، وهي في الدنيا لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم من الجنة ويفتح لهم أبوابها فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها فيكون الاستثناء على هذا متصلاً.
قال الزمخشري فإن قلت كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه فيها قلت أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله: إلا الموتة الأولى موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل؛ فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها في الجنة انتهى. قلت وهذا عند علماء البيان يسمى نفي الشيء بدليله.
(ووقاهم عذاب الجحيم) قرأ الجمهور وقاهم بالتخفيف وقرىء
стр. 9044
بالتشديد على المبالغة
стр. 9045
(فضلاً من ربك) أي لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه.
(ذلك) الذي تقدم ذكره من صرف العذاب ودخول الجنة (هو الفوز العظيم) الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم، لأنه خلاص عن المكاره، وظفر بالمطالب ثم لما بين سبحانه الدلائل، وذكر الوعد والوعيد قال:
стр. 9046
(فإنما يسرناه بلسانك) أي إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه قومك فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرأه، وهذا فذلكة للسورة وإجمال لما فيها من التفصيل (لعلهم يتذكرون) أي يتعظون فيؤمنون، لكنهم لا يؤمنون.
стр. 9047
(فارتقب) أي فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم وإهلاكهم على يدك (إنهم مرتقبون) أي فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت أو غيره، وقيل انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر والمعنى متقارب قال المحلي وهذا قبل الأمر بجهادهم أي فهو منسوخ وليس بصحيح لأن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخاً إنما النسخ رفع حكم ثبت في الشرع بحكم آخر.
стр. 9048
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الجاثية
وتسمى الشريعة قاله الخازن هي ست أو سبع وثلاثون آية
وهي مكيّة كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها، وهي قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) فأنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطب، ذكره الماوردي، وقال المهدوي والنحاس: " إنها نزلت في عمر شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة فأراد أن يبطش به، فأنزل الله: (قل للذين آمنوا) الآية ثم نسخت بآية القتال فالسورة كلها مكيّة على هذا من غير استثناء.
стр. 9049
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)
(بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 9050
حم) قد تقدم الكلام على هذا في فاتحة سورة غافر، وما بعدها والله أعلم بمراده به
стр. 9051
(تنزيل الكتاب) أي القرآن مبتدأ (من الله) خبره (العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه، ثم أخبر سبحانه بما يدل على قدرته الباهرة فقال:
стр. 9052
(إن في السموات والأرض) أي في خلقهما (لآيات) دالة على قدرة الله ووحدانيته (للمؤمنين) قال الزجاج: ويدل على أن المعنى في خلقهما قوله:
стр. 9053
(وفي خلقكم) أنفسكم على أطوار مختلفة، قال مقاتل: من تراب، ثم من نطفة إلى أن يصير إنساناً، وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة على ثلاث فواصل، الأولى للمؤمنين الثانية يوقنون، الثالثة يعقلون، ووجه التغاير بينها أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها إزداد إيماناً فأيقن، وإذا
стр. 9054
نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه.
(و) في خلق (ما يبث) أي ما يفرقه وينشره (من دابة آيات) وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل في رفع آيات ونصبها، والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين، وحجج المجوزين له، وجوابات المانعين منه مقرر في علم النحو، مبسوط في مطولاته (لقوم يوقنون) يعني أنه لا إله إلا هو.
стр. 9055
(واختلاف الليل والنهار) أي في تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول والقصر والظلام والضياء وذهابهما ومجيئهما (وما أنزل الله من السماء من رزق) معطوف على اختلاف والرزق المطر لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به (فأحيا به الأرض بعد موتها) إيحاء الأرض إخراج نباتها، وموتها خلوها عن النبات ويبسها.
(وتصريف الرياح) في مهابها أي أنها تهب تارة من جهة وتارة من أخرى، وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة، وتارة نافعة وتارة ضارة، والرياح أربعة بحسب جهات الأفق (آيات لقوم يعقلون) مراد الله سبحانه في كتابه، ويفهمون الدليل فيؤمنون.
стр. 9056
(تلك آيات الله نتلوها عليك) أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه (بالحق) أي محقين أو متلبسة بالحق، أو الباء للسببية فتتعلق بنفس الفعل (فبأي حديث بعد الله وآياته) أي حججه، قيل: إن المقصود فبأي حديث بعد آيات الله، وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات فيكون من باب أعجبني زيد وكرمه، وقيل المراد بعد حديث الله، هو القرآن كما في قوله: (الله نزل أحسن الحديث) وهو المراد بالآيات، والعطف لمجرد التغاير العنواني (يؤمنون) قرأ الجمهور بالفوقية وقرىء بالتحتية والمعنى يؤمنون بأي حديث، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام.
стр. 9057
(ويل) واد في جهنم أو كلمة عذاب (لكل أفاك أثيم) أي لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال
стр. 9058
(يسمع آيات الله) أي القرآن (تتلى عليه ثم يصر) على كفره، ويقيم على ما كان عليه، حال كونه (مستكبراً) أي متمادياً على كفره، متكبراً على الإيمان، ومتعظماً في نفسه عن الانقياد للحق، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحى عليها، صاراً أذنيه، وثم للتراخي الرتبي عند العقل، أي إصراره على الكفر بعد ما قررت له الأدلة المذكورة وسمعها مستبعد في العقول، قال مقاتل: إذا سمع من آيات القرآن شيئاً اتخذها هزواً، وجملة (كأن لم يسمعها) في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف.
(فبشره بعذاب أليم) هذا من باب التهكم، أي فبشره على إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم قيل: نزلت في النضر ابن الحرث، وما كان يشتري من أحاديث العجم، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن، والآية عامة في كل من كان مضاداً لدين الله.
стр. 9059
(وإذا علم من آياتنا شيئاًً) قرأ الجمهور بفتح العين وكسر اللام مخففة على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول، والمعنى أنه إذا وصل إليه وبلغه شيء وعلم أنه من آيات الله (اتخذها) أي الآيات (هزواً) وقيل الضمير في اتخذها عائد إلى شيء لأنه عبارة عن الآيات، والأول أولى.
(أولئك) أي كل أفاك متصف بتلك الصفات (لهم عذاب مهين) بسبب ما فعلوا من الإصرار والاستكبار عن سماع آيات الله، واتخاذها هزواً، والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال والفضيحة.
стр. 9060
مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
стр. 9061
(من ورائهم) أي من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا والتكبر عن الحق (جهنم) فإنها من قدامهم، لأنهم متوجهون إليها، وعبر عن القدام بالوراء كقوله: (من ورائه جهنم) والوراء مستعمل بمعنى الأمام كما يستعمل بمعنى الخلف، وهو مشترك بين المعنيين، فيستعمل في الشيء وضده، كالجون يستعمل في الأبيض والأسود على سبيل الاشتراك، وقيل: جعلها باعتبار إعراضهم عنها، كأنها خلفهم، وقيل الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام.
(ولا يغني) أي لا يدفع (عنهم ما كسبوا) من أموالهم وأولادهم (شيئاًً) من عذاب الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع (ولا) يغني عنهم (ما اتخذوا من دون الله أولياء) من الأصنام، وما في الموضعين إما مصدرية أو موصولة، وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد (ولهم عذاب عظيم) في جهنم التي هي من ورائهم.
стр. 9062
(هذا) أي القرآن (هدى) للمهتدين به (والذين كفروا بآيات
стр. 9063
ربهم) القرآنية (لهم عذاب من رجز أليم) الرجز أشد العذاب، قرأ الجمهور أليم بالجر صفة للرجز، وقرىء بالرفع صفة لعذاب.
стр. 9064
(الله الذي سخر لكم البحر) أي جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما يتخلله كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه (لتجري الفلك فيه بأمره) أي بإذنه وإقداره لكم (ولتبتغوا من فضله) بالتجارة تارة والغوص للدر والمعالجة للصيد وغير ذلك (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر.
стр. 9065
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) أي سخر لعباده جميع ما خلقه في سمواته وأرضه، مما يتعلق به مصالحهم ويقوم به معايشهم ومما سخره لهم من مخلوقات السموات الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، وجميعاً حال من ما في السموات أو تأكيد له، وقوله (منه) متعلق بمحذوف هو صفة لجميعاً أي كائناً منه، أو متعلق بسخر، أو حال من ما في السموات، أو خبر لمبتدأ محذوف والمعنى أن كل ذلك رحمة منه لعباده، وقال ابن عباس (جميعاً منه) أي منه النور والشمس والقمر وكل شيء هو من الله، وعن طاوس قال: " جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال فمم خلق هؤلاء؟ قال لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال: مثل قول عبد الله بن عمرو فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق؟ فقال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال فمم خلق هؤلاء فقرأ ابن عباس وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فقال الرجل ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي ﷺ ".
(إن في ذلك) المذكور من التسخير (لآيات لقوم يتفكرون) خص
стр. 9066
المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكير إلى الاستدلال بها على التوحيد
стр. 9067
(قل للذين آمنوا يغفروا) أي قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي. وقيل التقدير قل لهم ليغفروا، والمعنى قل لهم ليتجاوزوا.
(للذين لا يرجون أيام الله) أي عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه أي لا يتوقعونها، ومعنى الرجاء هنا الخوف، وقيل هو على معناه الحقيقي، والمعنى لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله (وذكرهم بأيام الله) قال مقاتل لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه وقيل المعنى لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث.
قيل والآية منسوخة بآية السيف والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وعن ابن عباس في الآية قال " كان نبي الله ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه وكانوا يستهزئون به ويكذبونه فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة "، فكان هذا من المنسوخ والأولى القول بعدم النسخ.
(ليجزي) الله (قوماً) قرىء بالتحتية وقرىء بالنون أي لنجزي نحن، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة، والمراد بالقوم المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة (بما كانوا يكسبون) في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار، والإغضاء عنهم، بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، وقيل المعنى ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن، قيل المراد بالقوم كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع والأول أولى، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال:
стр. 9068
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
стр. 9069
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) أي إن عمل كل طائفة من إحسان وإساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره، وفيه ترغيب وترهيب، والجملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء (ثم إلى ربكم ترجعون) أي تصيرون فيجازي كلاً بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر.
стр. 9070
(ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) المراد بالكتاب التوراة كذا في الكشاف وتبعه القاضي، ولعل الأولى أن يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الإنجيل والزبور أيضاًً لكن جمهور المفسرين على تفسيره هنا بالتوراة لأنه ذكر بعدها الحكم ونحوه وما ذكر لا حكم فيه إذ الزبور أدعية ومناجاة، والإنجيل أحكامه قليلة جداً، وعيسى مأمور بالعمل بالتوراة والمراد بالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس، وفصل خصوماتهم، وبالنبوة من بعثه الله من الأنبياء فيهم.
следующие страницы →