المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكير إلى الاستدلال بها على التوحيد
стр. 9067
(قل للذين آمنوا يغفروا) أي قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي. وقيل التقدير قل لهم ليغفروا، والمعنى قل لهم ليتجاوزوا.
(للذين لا يرجون أيام الله) أي عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه أي لا يتوقعونها، ومعنى الرجاء هنا الخوف، وقيل هو على معناه الحقيقي، والمعنى لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله (وذكرهم بأيام الله) قال مقاتل لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه وقيل المعنى لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث.
قيل والآية منسوخة بآية السيف والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وعن ابن عباس في الآية قال " كان نبي الله ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه وكانوا يستهزئون به ويكذبونه فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة "، فكان هذا من المنسوخ والأولى القول بعدم النسخ.
(ليجزي) الله (قوماً) قرىء بالتحتية وقرىء بالنون أي لنجزي نحن، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة، والمراد بالقوم المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة (بما كانوا يكسبون) في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار، والإغضاء عنهم، بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، وقيل المعنى ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن، قيل المراد بالقوم كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع والأول أولى، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) أي إن عمل كل طائفة من إحسان وإساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره، وفيه ترغيب وترهيب، والجملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء (ثم إلى ربكم ترجعون) أي تصيرون فيجازي كلاً بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر.
стр. 9070
(ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) المراد بالكتاب التوراة كذا في الكشاف وتبعه القاضي، ولعل الأولى أن يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الإنجيل والزبور أيضاًً لكن جمهور المفسرين على تفسيره هنا بالتوراة لأنه ذكر بعدها الحكم ونحوه وما ذكر لا حكم فيه إذ الزبور أدعية ومناجاة، والإنجيل أحكامه قليلة جداً، وعيسى مأمور بالعمل بالتوراة والمراد بالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس، وفصل خصوماتهم، وبالنبوة من بعثه الله من الأنبياء فيهم.
стр. 9071
(ورزقناهم من الطيبات) أي المستلذات التي أحلها الله لهم، ومن ذلك المن والسلوى، وهذه نعم دنيوية وما قبله من الكتاب والنبوة نعم دينية.
(وفضلناهم على العالمين) من أهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من كثرة الأنبياء فيهم، وفلق البحر، وغرق العدو، ونحوها، وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان، قال ابن عباس: لم يكن أحد من العاملين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم.
стр. 9072
(وآتيناهم بينات من الأمر) أي شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقيل: العلم بمبعث النبي ﷺ وشواهد نبوته، وتعيين مهاجره (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه، وإيضاح معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً لثبوته، وقيل المراد بالعلم يوشع بن نون فإنه آمن به بعضهم، وكفر بعضهم وقيل نبوة محمد ﷺ فاختلفوا فيها حسداً و:
(بغياً بينهم) قيل بغياً من بعضهم على بعض يطلب الرياسة (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
стр. 9073
(ثم جعلناك على شريعة من الأمر) ثم للاستئناف والشريعة في اللغة المذهب والملة والمنهاج ويقال لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة، والجمع شرائع، فاستعير ذلك للدين لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين، أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق وقال ابن عباس: على هدى من أمر دينه، قال قتادة الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض البينة، لأنها طريق إلى الحق، وقال الكلبي السنة، لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء، وقال ابن زيد: الدين لأنه
стр. 9074
طريق إلى النجاة وقال ابن العربي: الأمر يرد في اللغة بمعنيين أحدهما بمعنى الشأن كقوله:
(واتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) والثاني ما يقابله النهي وكلاهما يصح أن يكون مراداً هنا وتقديره ثم جعلناك على طريقة من الدين، وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه .
(فاتبعها) أي فاعمل بأحكامها في أمتك (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم، ثم علل النهي عن اتباع أهوائهم فقال:
стр. 9075
(إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاًً) أي لا يدفعون عنك شيئاًً مما أراده الله بك إن اتبعت أهوائهم.
(وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض) أي أنصار ينصر بعضهم بعضاً لأن الجنسية علة الانضمام قال ابن زيد إن المنافقين أولياء اليهود (والله ولي المتقين) أي ناصرهم، والمراد بالمتقين الذين أتقوا الشرك والمعاصي والإشارة بقول
стр. 9076
(هذا) إلى القرآن أو إلى اتباع الشريعة.
(بصائر للناس) أي براهين، ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين وبينات تبصرهم وجه الفلاح، ومعالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب ليتوصل بكل واحد منها إلى تحصيل العرفان واليقين، وجمع الخبر باعتبار ما في المبتدأ من تعدد الآيات. والبراهين، وقرىء هذه بصائر أي هذه الآيات لأن القرآن بمعناها.
(وهدى) أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به (ورحمة) من الله في الآخرة (لقوم يوقنون) أي من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشبهة.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان بطريق إنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، والاجتراح الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة، والجملة مستأنفة سيقت لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين إثر بيان حالي الظالمين والمتقين، وهو معنى قوله:
(أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)؟ أي نسوي بينهم مع اجتراحهم السيئات وبين أهل الحسنات، قيل نزلت في قوم من المشركين، وقيل المسيئون عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، والمحسنون علي وحمزة وعبيدة بن الحرث حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم والعموم أولى.
(سواء محياهم ومماتهم) في دار الدنيا، وفي الآخرة؟ كلا لا يستوون في شيء منهما، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة، فهؤلاء في عز الإيمان والطاعة وشرفهما في المحيا، وفي رحمة الله تعالى ورضوانه في الممات، وأولئك في ذل الكفر والمعاصي وهو أنهما في المحيا، وفي لعنة الله
стр. 9079
والعذاب الخالد في الممات، وشتان بينهما، وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة.
قرأ الجمهور سواء بالرفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ محياهم ومماتهم والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء، وقرىء بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، في قوله: كالذين آمنوا، أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار قراءة النصب أبو عبيدة، وقال: معناه نجعلهم سواء، وقرىء محياهم ومماتهم بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم. ولما سقط الخافض انتصب.
(ساء ما يحكمون) أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به وقال مجاهد في الآية المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر، وقال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري، ولقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد، ويبكي (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) الآية، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت؟.
стр. 9080
(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) المقتضي للعدل بين العباد وهذا كالدليل لما قبله من نفي الاستواء، ومحل بالحق النصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، أو الباء للسببية (ولتجزى كل نفس ما كسبت) أي خلق الله إياهما ليدل بهما على قدرته ولتجزى، أو اللام للصيرورة قاله ابن عطية أي صار الأمر من حيث اهتدى بها قوم وضل بها قوم آخرون (وهم) أي النفوس المدلول عليها بكل نفس.
(لا يظلمون) بنقص ثواب، أو زيادة عقاب وتسميته ذلك ظلماً مع أنه ليس كذلك على ما عرف من قاعدة أهل السنة لبيان غاية تنزه ساحة لطفه تعالى عما ذكر، بتنزيله منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه، أو سماه ظلماً
стр. 9081
نظراً إلى صدوره منا كما في الابتلاء والاختبار، ثم عجب سبحانه من حال الكفار فقال:
стр. 9082
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال الحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاًً إلا ركبه وقال عكرمة يعبد ما يهواه أو يستحسنه فإذا استحسن شيئاًً وهواه، اتخذه إلهاً، قال سعيد بن جبير؛ كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر.
وقال ابن عباس: ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان، والمعنى هو مطواع لهوى النفس، يتبع ما يدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
(وأضله الله على علم) قد علمه، قال ابن عباس: يقول أضله في سابق علمه تعالى، وقيل المعنى أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، وقال مقاتل على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر، قال الزجاج: على سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، وقال الكرخي: أضله وهو عالم بالحق، وهذا أشد تشنيعاً عليه.
(وختم) أي طبع (على سمعه) حتى لا يسمع الوعظ (و) طبع على (قلبه) حتى لا يفقه الهدى ولا يعقله (وجعل على بصره غشاوة) أي ظلمة وغطاء حتى لا يبصر الرشد، قرأ الجمهور غشاوة بالألف مع كسر الغين وقرىء بغير ألف مع فتح الغين. وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين، وهي لغة ربيعة، وقرىء بضمها وهي لغة عكل.
(فمن يهديه من بعد الله) أي بعد إضلال الله له أي لا يهتدي (أفلا تذكرون) تذكر اعتبار، حتى تعلموا حقيقة الحال؛ قال الواحدي: ليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة، لأن الله صرح بمنعه إياه عن الهدى حتى أخبر أنه ختم على سمعه وقلبه وبصره، ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال:
(وقالوا) أي منكرو البعث (ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها (نموت ونحيا) أي يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة، وقيل نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، وقيل نكون نطفاً ميتة ثم نصير أحياء، وقيل في الآية تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وكذا قرأ ابن مسعود وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب الآخرة وقيل: هذا من كلام من يقول بالتناسخ أي بموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به.
(وما يهلكنا إلا الدهر) أي مرور الليالي والأيام، والدهر في الأصل مدة بقاء العالم، من دهره إذا غلبه. وفي القاموس: دهرهم أمر كمنع نزل بهم مكروه، فهم مدهور بهم، ومدهورون، وقرىء إلا دهر يمر قال مجاهد يعني السنين والأيام انتهى.
كانوا يزعمون أن مرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبض الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، ألا ترى أن أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان؟ وقال قتادة: إلا العمر؛ والمعنى واحد؛ وقال قطرب المعنى وما يهلكنا إلا الموت وقال عكرمة: وما يهلكنا إلا الله.
стр. 9085
عن أبي هريرة قال: " كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يحيينا ويميتنا، فيسبون الدهر، فقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله : يؤذيني ابن آدم الحديث "، وفي الموطأ عنه أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر "، وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، ومرادهم بهذا الحصر إنكار أن يكون الموت بواسطة ملك الموت وإضافة الحوادث إلى الدهر والزمان، وأن المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام والليالي (١).
(وما لهم بذلك) أي بنسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الإستقلال (من علم) ثم بين كون ذلك صادراً منهم لا عن علم فقال: (إن هم إلا يظنون) أي ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن، فما يتكلمون إلا به، ولا يستندون إلا إليه.
стр. 9086
(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث أو مبينات لما يخالف معتقدهم قاله الكرخي.
(ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا) أحياء (إن كنتم صادقين) أنا نبعث بعد الموت أي ما كان لهم حجة ولا متمسك ولا متشبث يتعلقون ويعارضون به إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء وإنما سماه حجة مع أنه ليس بحجة لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسمي حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسابهم وتقديرهم حجة، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يرد عليهم فقال:
стр. 9087
(قل الله يحييكم) في الدنيا (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يجمعكم إلى) أي في (يوم القيامة) بالبعث والنشور (لا ريب فيه) أي في جمعكم لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته، وفي هذا رد لقولهم، (وما يهلكنا إلا الدهر).
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بذلك لإعراضهم عن التفكر بالدلائل، فلهذا حصل معهم الشك في البعث وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين، واندفع عنهم الريب، وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة، ثم لما ذكر سبحانه ما أحتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك فقال:
стр. 9088
(ولله ملك السموات والأرض) أي هو المتصرف فيهما وحده كما أراد لا يشاركه أحد من عباده، وهو شامل للإحياء والإماتة المذكورين قبله، وللجمع والبعث، وللمخاطبين غيرهم، ثم توعد أهل الباطل فقال:
(ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون) أي المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم، لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل في يوم هو يخسر، ويومئذ بدل منه، والتنوين عوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه فيكون التقدير: ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة فيكون بدلاً توكيدياً، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك أي ولله ملك يوم تقوم الساعة، ويكون يومئذ معمولاً ليخسر، والجملة مستأنفة من حيث اللفظ، وإن كان لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى أفاده السمين، وقال التفتازاني وهذا بالتأكيد أشبه، وأنىّ يتأتى أن هذا مقصود بالنسبة دون الأول؟ وقال الحفناوي: اليوم في البدل بمعنى الوقت، والمعنى وقت أن تقوم الساعة، وتحشر الموتى فيه، وهو جزء من يوم تقوم الساعة فإنه يوم متسع مبدؤه من النفخة الأولى، فهو بدل البعض. والعائد مقدر ولما كان خسرانهم وقت حشرهم كان هو المقصود بالنسبة.
(وترى كل أمة) الخطاب لكل من يصلح له أو للنبي ﷺ ، والأمة الملة والرؤية بصرية أو علمية، وفيه بعد ومعنى قوله: (جاثية) مستوفزة والمستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه، وأطراف أنامله قال الضحاك: وذلك عند الحساب، وقيل معنى جاثية مجتمعة، قال ابن عباس، وقال الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين، وقال عكرمة متميزة عن غيرها، وقال مؤرج: معناه بلغة قريش خاضعة، وقال الحسن باركة على الركب والجثو الجلوس على الركب تقول: جثا يجثو ويجثي جثواً.
وجثياً إذا جلس على ركبتيه، والأول أولى، ولا ينافيه ورود هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب، وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شيء في لغة العرب.
وعن عبد الله بن بأبأه قال: قال رسول الله ﷺ : " كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين "، ثم قرأ سفيان هذه الآية أخرجه البيهقي في البعث، وعبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور.
وعن ابن عمر في الآية قال: " كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله
стр. 9091
صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق، فذلك المقام المحمود "، وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل وغيرهم من أهل الشرك، وقال يحيى بن سلام: هو خاص بالكفار، والأول أولى ويؤيده قوله:
(كل أمة تدعى إلى كتابها) وقوله فيما سيأتي، فأما الذين آمنوا الخ، ومعنى إلى كتابها إلى الكتاب المنزل عليها؛ وقيل إلى صحيفة أعمالها وقيل: إلى حسابها، وقيل اللوح المحفوظ؛ والأول أولى قرأ الجمهور كل أمة بالرفع على الابتداء، وخبره تدعى، وقرىء بالنصب على البدل من كل أمة.
(اليوم) أي يقال لهم اليوم (تجزون ما كنتم تعملون) من خير وشر
стр. 9092
(هذا كتابنا) لا منافاة بين هذا وقوله كتابها لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه وإليه أشار في التقرير قاله الكرخي.
(ينطق عليكم) بما عملتم (بالحق) بلا زيادة ونقصان وهذا من تمام ما يقال لهم، والقائل بهذا هم الملائكة، وقيل: هو من قول الله سبحانه أي يشهد عليهم؛ وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا أي بيّن وقيل: إنهم يقرأونه فيذكرهم ما عملوا فكأنه ينطق عليهم دليله قوله تعالى:
(وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) قال ابن عباس هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم، وقيل هو ديوان الحفظة، ومحل (ينطق) النصب على الحال أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة.
وجملة (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) تعليل للنطق بالحق أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وتثبيتها عليكم، وليس المراد بالنسخ إبطال
стр. 9093
ما في اللوح قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقاً لما يعملونه؛ قالوا لأن الاستنساخ لا يكون إلا من أصل وقيل إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات وتركوا المباحات، وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط منها ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقال ابن عباس " الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم، فقام رجل فقال يا ابن عباس ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال إنكم لستم قوماً عرباً هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب "؟.
وعن علي بن أبي طالب " إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم "، وعن ابن عمر نحو ما روي عن ابن عباس، وعن ابن عباس أيضاًً في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان ما استنسخ الملك من أم الكتاب، وأخرج نحوه الحاكم عنه، وصححه.
وأخرج الطبراني عنه أيضاًً في الآية قال: " إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبل، فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك، ليس فيه زيادة ولا نقصان ".
стр. 9094
(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته) التي من جملتها الجنة قاله البيضاوي، وهذا تفصيل لحال الفريقين، فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة، وفسر المحلي كالزمخشري الرحمة بنفس الجنة، وهو
стр. 9095
أظهر (ذلك) الإدخال في رحمته (هو الفوز المبين) أي الظاهر الواضح لخلوصه عن الأكدار والشوائب التي تخالطه.
стр. 9096
(وأما الذين كفروا) فيقال لهم: (أفلم تكن آياتي) أي القرآن (تتلى عليكم) الاستفهام للتوبيخ لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله فكذبوا أو لم يعملوا بها (فاستكبرتم) أي تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان بها.
(وكنتم قوماً مجرمين) أي من أهل الإجرام وهي الآثام والاجترام الاكتساب يقال فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي.
стр. 9097
(و) كنتم (إذا قيل) لكم أيها الكفار: (إن وعد الله حق) أي وعده بالبعث والحساب، والجزاء، أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة، والعامة على كسر الهمزة لأنها محكية بالقول وقرىء بفتحها وذلك مخرج على لغة سليم يجرون القول مجرى الظن مطلقاً قاله السمين.
(والساعة) قرأ الجمهور بالرفع على الابتداء أو العطف على موضع اسم إن وقرىء بالنصب على اسم إن أي القيامة (لا ريب فيها) أي في وقوعها (قلتم) استغراباً واستبعاداً وإنكاراً لها:
(ما ندري ما الساعة) أي أيُّ شيء هي (إن نظن إلا ظناً) أي نحدس حدساً، ونتوهم توهماً، قال المبرد: تقديره إن نحن إلا نظن ظناً وقيل التقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً، وقيل: إن نظن مضمن معنى نعتقد أي ما نعتقد إلا ظناً لا علماً، وقيل: إن ظناً له صفة مقدرة أي إلا ظناً بيناً وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فكأنهم قالوا ما لنا اعتقاد إلا الشك، ولعل ذلك قول بعضهم، تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تلي عليهم في أمر الساعة (وما نحن بمستيقنين) أي لم يكن لنا يقين بذلك ولم يكن معنا إلا مجرد الظن أن الساعة آتية.
(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها أي جزاؤها (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أحاط بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار
стр. 9100
(وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم والنسيان أريد به الترك مجازاً إما بعلاقة السببية أو لتشبهه في عدم المبالاة، وأضاف اللقاء إلى اليوم توسعاً لأنه أضاف إلى الشيء ما هو واقع فيه كمكر الليل (ومأواكم النار) أي مسكنكم ومستقركم الذي تأوون إليه (وما لكم من ناصرين) ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب.
стр. 9101
(ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً) أي ذلك العذاب العظيم، بسبب أنكم اتخذتم القرآن هزواً ولعباً (وغرتكم الحياة الدنيا) أي خدعتكم بزخارفها وأباطيلها فظننتم أنه لا دار غيرها ولا بعث ولا نشور.
(فاليوم لا يخرجون منها) أي من النار، قرأ الجمهور بضم الياء، وفتح الراء مبنياً للمفعول وقرىء بفتح الياء وضم الراء مبنياً للفاعل وهما سبعيتان والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم، وللإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب (ولا هم يستعتبون) أي لا يسترضون ولا يطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله لأنه يوم لا تقبل فيه توبة ولا تنفع فيه معذرة.
стр. 9102
(فللَّه الحمد) أي الوصف بالجميل، على وفاء وعده في المكذبين (رب السموات ورب الأرض رب العالمين) أي خالق ما ذكر لا يستحق الحمد سواه، والعالم ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه، قرأ الجمهور رب في المواضع الثلاثة بالجر على الصفة للاسم الشريف، أو البيان أو البدل وقرىء بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ أي هو رب السموات الخ.
стр. 9103
(وله الكبرياء في السموات والأرض) أي الجلال والعظمة والسلطان، وخص السموات والأرض لظهور آثار ذلك فيهما، وهو القهر والتصرف لأنفسها لأنها صفة ذاتية للرب تعالى، وإظهارهما في موضع الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء.
(وهو العزيز الحكيم) أي العزيز في سلطانه فلا يغالبه مغالب والحكيم في كل أفعاله وأقواله، وجميع أقضيته، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : " يقول الله ﵎: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار " أخرجه ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة والبيهقي.
стр. 9104
خاتمة الجزء الثاني عشر
تم بعون الله تعالى الجزء الثاني عشر ويليه الجزء الثالث عشر وأوله: سورة الأحقاف.
стр. 9105
فتحُ البيان في مقاصد القرآن
تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه
تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ
عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري
الجزء الثالث عشر
المَكتبة العصريَّة
صَيدَا - بَيروت