← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

وقد ثبت في الصحيحين: " أن النبي ﷺ أصبح صائماً فلما رجع إلى البيت وجد حيساً، فقال لعائشة: قربيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل " (١) وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، فليس في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى إن من عبد الله طول عمره، ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط، ثم بيّن سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال:

стр. 9242

(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) فقيّد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حياً، وظاهر الآية العموم، وإن كان السبب خاصاً، نزلت في أصحاب القليب، قاله المحلي، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره، ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال:

стр. 9243

(فلا تهنوا) أي فلا تضعفوا عن القتال، والوهن الضعف، والخطاب لأصحاب النبي ﷺ ، والحكم عام لجميع المسلمين (وتدعوا إلى السلم) أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، وقرىء تدعوا من ادعى القوم وتداعوا، والسلم بفتح السين وكسرها سبعيتان، قال قتادة: معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة، وأنها ناسخة لقوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وقيل:

стр. 9244

منسوخة بهذه الآية، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعو إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص، بل نزلتا في وقتين مختلفي الأحوال، وجملة (وأنتم الأعلون) حالية أو مستأنفة مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم القاهرون الغالبون بالسيف والحجة، قال الكلبي: أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات. (والله معكم) بالنصر والمعونة عليهم (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي لن ينقصكم شيئاًً من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وتراً إذا أنقصه حقه، وأصله من وترت الرجل إذا قتلت له قريباً أو نهبت له مالاً، ويقال: فلان مأتور إذا قتل له قتيل، ولم يؤخذ بدمه، قال الجوهري: أي لن ينقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخلت البيت وأنت تريد في البيت، قال الفراء: هو مشتق من الموتر وهو الذحل وقيل: مشتق من الموتر وهو الفرد، فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب قال ابن عباس: يتركم يظلمكم.

стр. 9245

(إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) أي باطل وغرور، لا أصل لشيء منها، ولا ثبات له، ولا اعتداد به، تنقطع في أسرع مدة فكيف تمنعكم عن طلب الآخرة؟ واللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو (وإن تؤمنوا) بالله (وتتقوا) الكفر والمعاصي (يؤتكم أجوركم) أي جزاء ذلك في الآخرة والأجر الثواب على الطاعة. (ولا يسألكم أموالكم) أي: لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها غيضاً من فيض، أي ربع العشر وهو الزكاة، وبه قال ابن عيينة وغيره، وقيل: المعنى ولا يسألكم

стр. 9246

أموالكم، إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها وقيل: لا يسألكم محمد ﷺ أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة، كما في قوله: (ما أسألكم عليه من أجر) والأول أولى.

стр. 9247

(إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا) أي أموالكم كلها (فيحفكم) أي يبالغ في طلبها، قال المفسرون: يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها؛ يقال: أحفى بالمسألة، وألحف والح، بمعنى واحد والمحفي المستقصي في السؤال والإحفاء والإستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب أي استئصاله، وجواب الشرط قوله: (تبخلوا) أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا من الإمتثال. (ويخرج أضغانكم) الأضغان الأحقاد، والمعنى أنها تظهر عند ذلك قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان لدين الإسلام من حيث محبة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته التي كان يسرها.

стр. 9248

(ها أنتم) يا مخاطبون (هؤلاء) الموصوفون وجملة (تدعون) مستأنفة مقررة ومؤكدة لما قبلها لاتحاد محصل معناهما (لتنفقوا في سبيل الله) أي في الجهاد، وفي طرق الخير (فمنكم من يبخل) بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا يبخلون بالكثير، وهو جميع الأموال، ومقابله ومنكم من يجود وحذف، لأن المراد الإستدلال على البخل ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) أي: يمنعهما الأجر والثواب، وبخل وضن يتعديان تارة بعلى، وبعن أخرى، لتضمينهما معنى الإمساك، والتعدي قال السمين: والأجود أن يكونا حال تعديهما بعن مضمنين معنى الإمساك وقيل: المعنى يبخل عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه (والله الغني)

стр. 9249

المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم (وأنتم الفقراء) إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة. (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم) معطوف على الشرطية المتقدمة وهي وإن تؤمنوا، والمعنى إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، يستبدل قوماً آخرين يكونوا مكانكم، هم أطوع لله منكم. " عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: من هؤلاء؟ وسلمان إلى جانب النبي ﷺ ، فقال: هم الفرس هذا وقومه "، وفي إسناده مسلم الزنجي، قد تفرد به، وفيه مقال معروف، ولهذا الحديث طرق في الصحيح (١). " وعن أبي هريرة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس " أخرجه الترمذي وابن مردويه من حديث جابر والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل، وعبد بن حميد وعبد الرزاق وفي إسناده أيضاًً مسلم ابن خالد الزنجي نحوه. وقال عكرمة: هم فارس والروم، وقال الحسن: هم العجم، وقال شريح بن عبيد: هم أهل اليمن وقيل الأنصار وقيل: الملائكة، وقيل: التابعون وقال مجاهد: هم من شاء الله من سائر الناس، وقال الكلبي: هم كندة والنخعي عن عرب اليمن، وقال المحاسبي: فلا أحد يعد من جميع أجناس الأعاجم أحسن ديناً، ولا كانت منهم العلماء إلا الفرس.

стр. 9250

" وحكي عن أبي موسى الأشعري: أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله ﷺ وقال هي أحب إلي من الدنيا " والله أعلم ولينظر في سنده. (ثم لا يكونوا أمثالكم) في التولي عن الإيمان والتقوى، بل مطيعين له ، قال ابن جرير في البخل بالإنفاق في سبيل الله، وكلمة ثم للدلالة على أن مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال واشتراكهم في الميل إلى المال.

стр. 9251

سورة الفتح (هي تسع وعشرون آية، وهي مدنية) قال القرطبي: بالإجماع، وبه قال ابن عباس وابن الزبير، وعن المسور بن مخرمة ومروان قالا نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها، وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية، لأن المراد بالسور المدنية النازلة بعد الهجرة من مكة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبد الله ابن مغفل قال، قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيرة سورة الفتح على راحلته فرجع فيها. وفي الصحيحين، عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب هلكت أم عمر نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيب فقال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فقلت لقد خشيت أن

стр. 9252

يكون قد نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقال: " لقد أنزلت عليّ سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس "، ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً). وفي صحيح مسلم: عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) إلى قوله (فوزاً عظيماً) مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحروا الهدي بالحديبية فقال " لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعها " (١).

стр. 9253

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)

стр. 9254

(إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) الخطاب للنبي ﷺ وحده قيل المراد الحكم والقضاء كما في قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، فكأنه قال إنا قضينا وحكمنا لك فتحاً ظاهراً واضحاً مكشوفاً بغير قتال ولا تعب، والفتح الظفر بالبلدة، عنوة أو صلحاً بحرب أو غير حرب، وبخراج أو بدونه لأنه مغلق. ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، مأخوذ من فتح باب الدار، وجيء به بلفظ الماضي لأن عادة الله في تحققها بمنزلة الكائنة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه، وهو الفتح ما لا يخفى، وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد إليه تعالى خلقاً وإيجاداً، واختلف في تعيين هذا الفتح فقال الأكثر على ما في البخاري: هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمى فتحاً قال الفراء: والفتح قد يكون صلحاً، وقال قوم: إنه فتح مكة، وقال آخرون: إنه فتح خيبر، والأول أرجح، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة نزلت في شأن الحديبية. وقيل: هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح، وقيل: هو ما فتح له من النبوة، والدعوة إلى الإسلام، وقيل: فتح الروم، ومعنى الفتح في اللغة

стр. 9255

فتح المنغلق، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مشدوداً متعذراً، حتى فتحه الله، قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام. قال الشعبي: لقد أصاب رسول الله ﷺ في الحديبية ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدىُ محله، وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس، وقال الزجاج: كان في فتح الحديبية آية عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله ﷺ ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس. " وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا منها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس إليه فقرأ عليهم إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، فقال رجل: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهماً وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً (١)، أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وغيرهم. وعن ابن مسعود قال: " أقبلنا من الحديبية مع رسول الله ﷺ فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرى عنه، وبه

стр. 9256

من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً " (١) أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وغيرهم وعن أنس في الآية قال الحديبية أخرجه البخاري وغيره. وعن البراء قال: " تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية " (٢) أخرجه البخاري وغيره. وعن عائشة قالت: " قال رسول الله ﷺ إنا فتحنا الخ فتح مكة أخرجه ابن مردويه وعن أنس نحوه ومذهب أبي حنيفة أن مكة فتحت عنوة ومذهب الشافعي أنها فتحت صلحاً وفي البويطي أن أسفلها فتحه خالد عنوة وأعلاها فتحه الزبير صلحاً ودخل ﷺ من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض.

стр. 9257

(ليغفر لك الله) اللام هي لام العلة قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس يعني المبرد عن اللام هذه فقال: هي لام كي معناها إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة وقال الزمخشري: فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة قلت لم يجعل علة للمغفرة ولكنه علة لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل قال ابن عادل وغيره: وهذا كلام غير جيد مخالف لظاهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة، فهي علة للفتح، والفتح معلل بها، وقيل غير ذلك، والأسلم ما اقتصر عليه المحلي كما يأتي. وقال الرازي في توجيه التعليل: إن المراد بقوله: ليغفر لك الله

стр. 9258

التعريف بالمغفرة تقديره إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم، فإن الناس علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله، وإنما يأخذها حبيب الله، وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة، وقال أبو حاتم: هي لام القسم والأصل ليغفرن فكسرت اللام تشبيهاً بلام كي، وحذفت النون، وهو خطأ فإن لام القسم لا تكسر ولا تنصب المضارع. قال ابن عادل: وقد يقال: إن هذا ليس بنصب، وإنما هو بقاء للفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها، ولكن هذا قول مردود، وقال البيضاوي اللام علة للفتح، من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة، وقال الجلال المحلي: اللام: للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب. واختلف في معنى قوله: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها، قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي وغيرهم، وقال عطاء: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء، وما تأخر من ذنوب أمتك، وما أبعد هذا عن معنى القرآن، وقيل: ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده، وهذا كالذي قبله، وقيل: ما تقدم من ذنب يوم بدر وما تأخر من ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين الأولين في البعد وقيل: لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له والأول أولى، ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى وسمي ذنباً في حقه لجلالة قدره وإن لم يكن ذنباً في حق غيره فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة قال: " كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً " وفي الباب أحاديث.

стр. 9259

(ويتم نعمته عليك) بإظهار دينك على الدين كله وقيل بالجنة وقيل بالنبوة والحكمة، وقيل بفتح مكة والطائف وخيبر، والأولى أن يكون المعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم، وهو دين الإسلام (ويهديك) به (صراطاً) طريقاً (مستقيماً) أي يثبتك عليه وهو دين الإسلام، وقيل: على الهدى إلى أن يقبضك إليه، وقال البيضاوي: في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة، فالهداية على حقيقتها، فلا حاجة إلى ما قيل من أن المراد زيادة الاهتداء أو الثبات عليه

стр. 9260

(وينصرك الله نصراً عزيزاً) أي غالباً قوياً، ذا عز، لا يتبعه ذل.

стр. 9261

(هو الذي أنزل السكينة) أي السكون والطمأنينة والوقار (في قلوب المؤمنين) وهم أهل الحديبية بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم قال ابن عباس: السكينة هي الرحمة قيل: كل سكينة في القرآن طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، وقد تقدم تفسيرها في موضعها (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) أي: ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيماناً منضماً إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل، قال ابن مسعود: تصديقاً مع تصديقهم، وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم، وقال الربيع بن أنس: خشية مع خشيتهم، وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم. قال ابن عباس في الآية إن الله بعث نبيه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، وعنه أيضاًً قال فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله. (ولله جنود السموات والأرض) يعني: الملائكة والإنس والجن والشياطين، يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض، ويحفظ

стр. 9262

بعضهم ببعض، (وكان الله عليماً) كثير العلم بخلقه بليغه (حكيماً). في صنعه وأقواله وأفعاله

стр. 9263

(ليدخل) أي أمر بالجهاد ليدخل (المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) وقيل: هذه اللام متعلقة بمحذوف يدل على ما قبلها، تقديره يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخير من أهله، والشر ممن قضى له به، ليدخل؛ ويعذب، وقيل: متعلقة بقوله إنا فتحنا لك ليدخل ويعذب، وهذا لا يصح، وقيل: متعلقة بينصرك أي نصرك الله بالمؤمنين، ليدخل، ويعذب، وقيل: متعلقة بـ (يزدادوا) وهذا لا يصح أيضاًً، فالأول أولى. (ويكفر عنهم سيئاتهم) أي يغطيها ولا يظهرها، ولا يعذبهم بها، وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس، للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى (وكان ذلك) أي المذكور من الإدخال والتكفير (عند الله) أي: في علمه وقضائه وحكمه (فوزاً عظيماً) أي: ظفراً بكل مطلوب، ونجاة من كل غم وجلباً لكل نفع ودفعاً لكل ضر والظرف متعلق بمحذوف على أنه حال من (فوزاً) لأنه صفة له في الأصل فلما قدم صار حالاً أي كائناً من عند الله، والجملة إعتراض مقرر لما قبله بين المعطوف -وهو يعذب- والمعطوف عليه - وهو يدخل. أخرج البخاري ومسلم وغيرهم، عن أنس ﵁ قال: " لما نزلت على النبي ﷺ ليغفر لك الله الآية مرجعه من الحديبية قال: لقد نزلت عليّ آية هي أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم فقالوا هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزلت عليه ليدخل المؤمنين، حتى بلغ فوزاً عظيماً " (١). ثم لما فرغ الله سبحانه مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال:

стр. 9264

(ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) معطوف على يدخل أي يعذبهم في الدنيا بإيصال الهموم والغموم إليهم، بسبب علو كلمة المسلمين، وما يشاهدونه من ظهور الإسلام، وبأن يسلط النبي ﷺ عليهم قتلاً وأسراً واسترقاقاً في الدنيا، وفي الآخرة بعذاب جهنم وقدم المنافقين على المشركين لأنهم كانوا أشد على المؤمنين ضرراً من الكفار المجاهرين، لأن المؤمن كان يتوقى المجاهر؛ ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي إليه سره، وفيه دلالة على أنهم أشد منهم عذاباً، وأحق منهم مما وعدهم الله به، ثم وصف الفريقين فقال: (الظانين بالله ظن السوء) وهو ظنهم أن النبي ﷺ يغلب، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله، (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) والسوء صفة لموصوف محذوف أي ظن الأمر السوء. (عليهم دائرة السوء) أي ما يظنونه ويتربصون بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم؛ الدائرة مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل من دار يدور، سمى به عاقبة الزمان أي حادثته، وهي في الأصل عبارة عن الخط المحيط بالمركز ثم استعملت في الحادثة المحيط بمن وقعت عليه، إلا أن أكثر استعمالها في المكروه، والسوء بالضم معناه العذاب، والهزيمة والشر، وبالفتح معناه الذم وقد قرىء بهما، وهما لغتان، وفي الأصل مصدران وهذا إخبار عن وقوع السوء بهم، أو دعاء عليهم، والإضافة من باب إضافة العام للخاص، فهي للبيان وقال سيبويه: السوء هنا الفساد. ولما بين الله سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم فقال: (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً) أي مرجعاً.

стр. 9265

وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)

стр. 9266

(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الملائكة والإنس والجن والشياطين والصيحة، والرجفة والحجارة، والزلازل، والخسف، والغرق، ونحو ذلك وكرر هذه الآية لقصد التأكيد، أو المراد جنود العذاب كما يفيده التعبير بالعزة هنا مكان العلم هناك أو التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم فلا تكرار (وكان الله عزيزاً) غالباً فلا يرد بأسه (حكيماً) فيما دبره أي لم يزل متصفاً بذلك.

стр. 9267

(إنا أرسلناك شاهداً) على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم (ومبشراً) بالجنة للمطيعين (ونذيراً) لأهل المعصية من النار

стр. 9268

(لتؤمنوا بالله ورسوله) قرأ الجمهور بالفوقية وقرىء بالتحتية، فعلى الأولى الخطاب لرسول الله ﷺ وأمته، وعلى الثانية المراد المبشرون والمنذرون وهما سبعيتان، وفيه امتنان منه تعالى عليه ﷺ حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهداً على أعمال أمته. (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) أي غدوة وعشية، والخلاف بين القراء في هذه الأفعال الثلاثة، كالخلاف في لتؤمنوا كما سلف ومعنى تعزروه تعظموه أو تفخموه قاله الحسن، والتعزيز التوقير والتعظيم وقال

стр. 9269

قتادة: تنصروه وتمنعوا منه، وقال عكرمة: تقاتلوا معه بالسيف، وقال ابن عباس: يعني الإجلال، وعنه قال: تضربوا بين يديه بالسيف. وعن جابر بن عبد الله قال: " لما نزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية وتعزروه قال لأصحابه: ما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: لتنصروه " (١)، رواه ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه، ومعنى توقروه تعظموه، وقال السدي: تسودوه، وقال ابن عباس: يعني التعظيم قيل: والضميران في الفعلين للنبي ﷺ ، وهنا وقف تام، ثم يبتدىء وتسبحوه، أي تسبحوا الله وهو من التسبيح الذي هو التنزيه من جميع النقائض، أو من السبحة وهي الصلاة وقيل: الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله فيكون المعنى تثبتون له التوحيد وتنفون عنه الشركاء وقيل تنصروا دينه وتجاهدوا مع رسوله وزاد الزمخشري ومن فرق الضمائر فقد أبعد، ومثله في المدارك قال الحفناوي: وهذا أظهر لتكون الضمائر على وتيرة واحدة.

стр. 9270

(إن الذين يبايعونك) أصل البيعة العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام والوفاء بالعهد الذي التزمه له وهي بيعة الرضوان بالحديبية، فإنهم بايعوه تحت الشجرة على قتال قريش فبايعه جماعة على الموت منهم سلمة بن الأكوع وبايعه جماعة على أن لا يفروا منهم معقل بن يسار والحديبية قرية ليست كبيرة بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة سميت ببئر هناك، وقد جاء في الحديث أن الحديبية بئر، قال مالك: هي من الحرم وقال ابن القصار: بعضها من الحل ويجوز في الحديبية التخفيف والتشديد، والأول أفصح وعامة المحدثين يشددونها. (إنما يبايعون الله) أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه

стр. 9271

وسلم هي بيعة له، كما قال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وجملة: (يد الله فوق أيديهم) مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل، أو في محل نصب على الحال وفي هذا التركيب إستعارة تصريحية تبعية في الفعل، ومكنية في الإسم الكريم، وتخييلية في إثبات اليد له، وفيه مشاكلة في مقابلة يده بأيديهم، والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول الله ﷺ كعقدة مع الله سبحانه من غير تفاوت بينهما، قاله الزمخشري والكرخي، وقيل: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم، وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله ﷺ فيبايعونه، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة. قال الرازي: وذلك يحتمل وجوهاً، لأن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد، وإما أن تكون بمعنيين، فإن قلنا: إنها بمعنى واحد ففيه وجهان. أحدهما يد الله بمعنى نعمة الله عليهم فوق أجسامهم، كما قال: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان). وثانيهما نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه، يقال اليد لفلان أي الغلبة والنصرة والقوة، وإن قلنا إنها بمعنيين فنقول: اليد في حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين. بمعنى الجارحة، فيكون المعنى يد الله فوق أيديهم بالحفظ انتهى. قلت: وهذا هو مذهب أهل التأويل والكلام، ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها السكوت عن التأويل، وإمرار آيات الله وأحاديث رسول الله ﷺ المتعلقة بالصفات كما جاءت مع الإيمان بها. من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا صرف عن الظاهر، ولا تأويل وهو الحق.

стр. 9272

(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه، لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره. عن عبادة بن الصامت قال: " بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه نفوسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فمن وفّى وفى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " (١)، أخرجه أحمد وابن مردويه. وفي الصحيحين من حديث جابر " أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة "، و " فيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة " (٢). وفي البخاري من حديث قتادة. عن سعيد بن المسيب: " أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال خمس عشرة مائة، فقال له: إن جابراً قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال ﵀ وهم هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة ". (ومن أوفى بما عاهد عليه الله) أي ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله، يقال وفيت بالعهد وأوفيت به، ومنه قوله: (أوفوا بعهد الله) (والموفون بعهدهم)، قرأ الجمهور (عليه) بكسر الهاء وقرىء بضمها (فسيؤتيه) بالياء والنون سبعيتان (أجراً عظيماً) وهو الجنة وهذه الآية فيها دلالة على مشروعية البيعة، وقد صدرت منه ﷺ مبايعات كثيرة اشتملت عليها الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما من

стр. 9273

دواوين الإسلام، وفيها أن الناس كانوا يبايعونه تارة على الهجرة والجهاد، وتارة على إقامة أركان الإسلام وتارة على الثبات والقرار في معارك الكفار، وتارة على هجر الفواحش والمنكرات، وتارة على التمسك بالسنة، والاجتناب عن البدعة، والحرص على الطاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يخن. " وبايع ناساً من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئاًً فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه، ولا يسأل أحداً " رواه ابن ماجة في سننه. وقد نطق به الكتاب العزيز كما في هذه الآية وفي قوله تعالى (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) الآية، ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله ﷺ فعل على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه، فإنه لا ينزل عن كونه سنة في الدين، بقي أنه ﷺ كان خليفة الله في أرضه، وعالماً بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلماً للكتاب والسنة، مزكياً للأمة فما فعله على جهة الخلافة كان سنة للخلفاء؛ وما فعله على جهة كونه معلماً للكتاب والحكمة ومزكياً للأمة كان سنة للعلماء الراسخين؛ وهذا صحيح البخاري شاهد على أنه: " ﷺ اشترط على جرير عند مبايعته: والنصح لكل مسلم ". وأنه " بايع قوماً من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار " إلى غير ذلك وكل ذلك من باب التزكية: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالبيعة على أقسام منها بيعة الخلافة ومنها بيعة الإسلام ومنها بيعة التمسك

стр. 9274

بحبل التقوى ومنها بيعة الهجرة والجهاد ومنها بيعة التوثق في الجهاد وكان بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء. أما في زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس في الإسلام في أيامهم كان غالباً بالقهر والسيف لا بالتأليف، وإظهار البرهان، ولا طوعاً ولا رغبة، وأما في غيرهم، فلأنهم كانوا في الأكثر ظلمة فسقة لا يهتمون، وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة، أما في زمن الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبي ﷺ وتأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأما في زمن غيرهم فخوفاً من افتراق الكلمة، وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن، ثم لما اندرس هذا في الخلفاء انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصة وتمسكوا بسنة البيعة، وأن الذي اعتاده الصوفية ﵏ من مبايعة المتصوفين، ففيه ما يقبل وما يرد، ويظهر ذلك بعرضها على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو السنة والصواب، وما خالفهما فهو الخطأ والتباب، وإنما هذه البيعة سنة وليست بواجبه، لأن الناس بايعوا رسول الله ﷺ وتقربوا بها إلى الله تعالى، ولم يدل دليل على تأثيم تاركها، ولم ينكر أحد من الأئمة على من تركها، فكان كالاتفاق على أنها ليست بواجبة. وشرط من يأخذ البيعة أمور: أحدها علم الكتاب والسنة، وإنما شرطنا ذلك لأن الغرض من البيعة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإرشاده إلى تحصيل السكينة الباطنة، وإزالة الرذائل، وإكتساب الحمائد، متقيداً بظاهر القرآن الكريم، والحديث الشريف، ومن لم يكن عالماً بهما، وعاملاً بموجبهما لا يتصور منه ذلك أبداً وقد اتفقت كلمة المشايخ على أن لا يتكلم على الناس إلا من كتب الحديث، وقرأ القرآن. وثانيها، العدالة والتقوى والصدق والضبط، فيجب أن يكون مجتنباً

стр. 9275

عن الكبائر، غير مصر على الصغائر. ثالثها: أن يكون زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة مواظباً على الطاعات المؤكدة والأذكار المأثورة في صحاح الأحاديث مواظباً على تعلق القلب بالله سبحانه. رابعها: أن يكون آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مستبداً برأيه، لا إمعة ليس له رأي، ولا أمرؤ ذا مروءة وعقل تام يعتمد عليه في كل ما يأمر به، وينهي عنه، قال تعالى (ممن ترضون من الشهداء)، فما ظنك بصاحب البيعة؟ خامسها: أن يكون صحب العلماء بالكتاب والسنة، وتأدب بهم دهراً طويلاً، وأخذ منهم العلم للظاهر، والنور الباطن والسكينة، وهذا لأن سنة الله جرت بأن الرجل لا يفلح إلا إذا رأى المفلحين، ولا يشترط في ذلك ظهور الكرامات وخوارق العادات ولا ترك الإكتساب؛ لأن الأول ثمرة المجاهدات، لا شرط الكمال، والثاني مخالف للشرع المطهر ولا تغتر بما فعله المغلوبون في أحوالهم، إنما المأثور القناعة بالقليل، والورع من الشبهات. وإذا تقرر لك هذا عرفت ما هو صاف عما هو كدر، فاشدد يديك عليه ولا تلتفت إلى غير ما ذكرنا، وبالله التوفيق. ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن، ذكر من غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة بقوله:

стр. 9276

(سيقول) أي بوعده لا خلف فيه (لك) لأنهم يعلمون شدة رحتمك ورفقك وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك عذرهم الفاسد ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين (المخلفون من الأعراب) هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية معتمراً قال مجاهد وغيره يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وقيل تخلفوا عن رسول الله

стр. 9277

صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه وخافوا أن يكون قتال وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في قعر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه يعنون بأحد (شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي منعنا من الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم وإنا لو تركناهم لضاعوا. (فاستغفر لنا) ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك لهذا السبب ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم الله بقوله: (يقولون بألسنتهم) من طلب الاستغفار وما قبله (ما ليس في قلوبهم) فهم كاذبون في إعتذارهم وفي طلب الإستغفار لهم وهذا هو صنيع المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم أو بدل من الجملة الأولى ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عنهم فقال: (قل فمن يملك لكم من الله شيئاًً)؟ أي فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر ونفع وضر والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد يقدر لأجلكم من مشيئته وقضائه فما في النظم مجاز عن هذا ثم بين ذلك فقال: (إن أراد بكم ضراً) أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل والقتل والهزيمة والعقوبة على التخلف قرأ الجمهور ضراً بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضراً وقرىء بضمها وهو اسم ما يضر وقيل لغتان وسبعيتان. (أو أراد بكم نفعاً) أي نصراً وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله ﷺ يدفع عنهم الضر، ويجلب لهم النفع، ثم أضرب سبحانه عن ذلك فقال: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم، بل كان الله خبيراً بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ولهذا قال:

стр. 9278

بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)

стр. 9279

(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) وهذه الجملة مفسرة لما قبلها لما فيها من الإبهام، أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة، فلن يرجع منهم أحد إلى أهله لما في قلوبكم من عظمة المشركين، وحقارة المؤمنين، فلأجل ذلك تخلفتم، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة. (وزين) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، وهو الشيطان (ذلك في قلوبكم) فقبلتموه (وظننتم ظن السوء) هو أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو الظن الأول والتكرير للتأكيد والتوبيخ أو المراد به ما هو أعم من الأول فيدخل الظن الأول تحته دخولاً أولياً (وكنتم قوماً بوراً) قال الزجاج: هالكين عند الله وكذا قال مجاهد، قال الجوهري: البور الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، قال أبو عبيدة: بوراً هلكى، وهو جمع بائر مثل حائل وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح وقد بار فلان أي: هلك، وأباره الله أي أهلكه، قيل: والبور الهلاك، وهو مصدر أخبر به عن الجمع.

стр. 9280

(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً) هذا كلام مستأنف من جهة الله سبحانه، غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله أي: ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلفون فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير، والنار الشديدة، وأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله فهو كافر مستوجب للسعير، ونكر سعيراً لأنها نار مخصوصة، كما نكر ناراً تلظى، أو للتهويل.
следующие страницы →