(سيقول) أي بوعده لا خلف فيه (لك) لأنهم يعلمون شدة رحتمك ورفقك وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك عذرهم الفاسد ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين (المخلفون من الأعراب) هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية معتمراً قال مجاهد وغيره يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وقيل تخلفوا عن رسول الله
стр. 9277
صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه وخافوا أن يكون قتال وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في قعر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه يعنون بأحد (شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي منعنا من الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم وإنا لو تركناهم لضاعوا.
(فاستغفر لنا) ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك لهذا السبب ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم الله بقوله: (يقولون بألسنتهم) من طلب الاستغفار وما قبله (ما ليس في قلوبهم) فهم كاذبون في إعتذارهم وفي طلب الإستغفار لهم وهذا هو صنيع المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم أو بدل من الجملة الأولى ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عنهم فقال:
(قل فمن يملك لكم من الله شيئاًً)؟ أي فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر ونفع وضر والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد يقدر لأجلكم من مشيئته وقضائه فما في النظم مجاز عن هذا ثم بين ذلك فقال: (إن أراد بكم ضراً) أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل والقتل والهزيمة والعقوبة على التخلف قرأ الجمهور ضراً بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضراً وقرىء بضمها وهو اسم ما يضر وقيل لغتان وسبعيتان.
(أو أراد بكم نفعاً) أي نصراً وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله ﷺ يدفع عنهم الضر، ويجلب لهم النفع، ثم أضرب سبحانه عن ذلك فقال: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم، بل كان الله خبيراً بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ولهذا قال:
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) وهذه الجملة مفسرة لما قبلها لما فيها من الإبهام، أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة، فلن يرجع منهم أحد إلى أهله لما في قلوبكم من عظمة المشركين، وحقارة المؤمنين، فلأجل ذلك تخلفتم، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة.
(وزين) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، وهو الشيطان (ذلك في قلوبكم) فقبلتموه (وظننتم ظن السوء) هو أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو الظن الأول والتكرير للتأكيد والتوبيخ أو المراد به ما هو أعم من الأول فيدخل الظن الأول تحته دخولاً أولياً (وكنتم قوماً بوراً) قال الزجاج: هالكين عند الله وكذا قال مجاهد، قال الجوهري: البور الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، قال أبو عبيدة: بوراً هلكى، وهو جمع بائر مثل حائل وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح وقد بار فلان أي: هلك، وأباره الله أي أهلكه، قيل: والبور الهلاك، وهو مصدر أخبر به عن الجمع.
стр. 9280
(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً) هذا كلام مستأنف من جهة الله سبحانه، غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله أي: ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلفون فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير، والنار الشديدة، وأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله فهو كافر مستوجب للسعير، ونكر سعيراً لأنها نار مخصوصة، كما نكر ناراً تلظى، أو للتهويل.
стр. 9281
(ولله ملك السموات والأرض) يتصرف فيه كيف يشاء، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما تعبدهم ليثبت من أحسن، ويعاقب من أساء، ولهذا قال: (يغفر لمن يشاء) أن يغفر له (ويعذب من يشاء) أن يعذبه لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهذا حسم لأطماعهم الفارغة في إستغفاره ﷺ لهم (وكان الله غفوراً رحيماً) أي كثير المغفرة والرحمة، بليغهما، يختص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده وتقتضي الحكمة مغفرته من المؤمنين دون من عداهم من الكافرين فهم بمعزل عن ذلك قطعاً.
стр. 9282
(سيقول المخلفون) المذكورون (إذا انطلقتم) أي عند انطلاقكم أيها المسلمون (إلى مغانم) أي مغانم خيبر (لتأخذوها) أي لتحوزوها (ذرونا) أي: اتركونا ودعونا (نتبعكم) ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة أنه لما انصرف النبي ﷺ ومن معه من المسلمين من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست، أقام بالمدينة بقيته وأوائل المحرم من سنة سبع. وعدهم الله فتح خيبر وخص لغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم، فقال سبحانه: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) أي: يغيروه، والمراد بهذا الكلام هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة، بغنيمة خيبر.
وقال مقاتل: يعني أمر الله لرسوله ألا يسير معه أحد منهم، وقال ابن زيد هو قوله تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) واعترض هذا
стр. 9283
ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، والأول أولى، وبه قال مجاهد وقتادة. ورجحه ابن جرير وغيره، وعليه عامة أهل التأويل، قرأ الجمهور كلام الله، وقرىء كلم الله، قال الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات، لأنه جمع كلمة مثل نبق ونبقة، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يمنعهم من الخروج معه فقال:
(قل لن تتبعونا) هذا النفي هو بمعنى النهي للمبالغة، والمعنى لا تتبعونا (كذلكم قال الله من قبل) أي: من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة، ليس لغيرهم فيها نصيب (فسيقولون) يعني المنافقين عند سماع هذا القول، وهو قوله: (قل لن) الخ (بل) إضراب عن محذوف هو مقول القول كما علمت (تحسدوننا) أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك حكماً من الله كما تزعمون، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله:
(بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) أي: لا يعلمون إلا علماً قليلاً، وهو علمهم بأمر الدنيا وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا فقهاً قليلاً، وهو ما يصنعونه نفاقاً بظواهرهم دون بواطنهم، والفرق بين الإضرابين أن:
الأول: رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم، وإثبات الحسد.
والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعم منه، وهو الجهل وقلة الفقه، وفيه إن الجهل غاية في الذم، وحب الدنيا ليس من شيمة العالم العاقل.
стр. 9284
(قل للمخلفين من الأعراب) كرر ذكرهم بهذا الإسم مبالغة في الذم وإشعاراً بشناعة التخلف أي فذمهم مرة بعد أخرى كما أشار إليه في التقرير (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال عطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني: هم فارس وقال كعب والحسن وابن أبي ليلى: هم
стр. 9285
الروم، وروي عن الحسن أيضاًً أنه قال: هم فارس والروم وقال سعيد بن جبير: هم هوازن وثقيف، وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين.
وقال الزهري ومقاتل: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين، وعن أبي هريرة: أنهم الأكراد وقال ابن عباس: هم فارس والروم وعنه قال: هوازن وبنو حنيفة، يعني: أهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد وظاهر الآية يرده، وفي هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، قال الخازن: وأقوى هذه الأقوال أنهم هوازن وثقيف، لأن الداعي هو رسول الله ﷺ ، وأبعدها أنهم بنو حنيفة ثم ذكر الدليل على صحة القول الأول، وأطال فيه ولا يصح؛ لأنه قال: (لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً) فدل على أن المراد بالداعي غير النبي ﷺ ، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي إلا أبو بكر وعمر ﵄.
(تقاتلونهم أو يسلمون) فلا تقاتلون أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام، ولا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية قال الزجاج: التقدير أو هم يسلمون، وقرىء أو يسلموا أي حتى يسلموا (فإن تطيعوا) إلى قتالهم (يؤتكم الله أجراً حسناً) وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة (وإن تتولوا) أي: تعرضوا (كما توليتم من قبل) وذلك عام الحديبية (يعذبكم عذاباً أليماً) بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف جرمكم.
(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو وترك الجهاد لعدم استطاعتهم، قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية، والحرج الإثم.
وعن زيد بن ثابت قال: " كنت أكتب لرسول الله ﷺ وإني لواضع القلم على أذني إذا أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف لي وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت (ليس على الأعمى حرج) الآية (١)، قال: هذا في الجهاد وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا "، أخرجه الطبراني، قال السيوطي بسند حسن: وهذه أعذار صحيحة ظاهرة، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، وهناك أعذار أخر ذكرها الخازن وغيره، وموضعها كتب الفقه دون التفسير.
(ومن يطع الله ورسوله) فيما أمراه به ونهياه عنه، ومنه الجهاد (يدخله) بالياء وقرىء بالنون وهما سبعيتان (جنات تجري من تحتها
стр. 9288
الأنهار ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً) أي ومن يعرض عن الطاعة، ويستمر على الكفر والنفاق يعذبه الله عذاباً شديد الألم، كرر الوعيد لأن المقام أدعى للترهيب وفصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد، لكون الغفران والرحمة من دأبه بخلاف التعذيب، ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم وشهدوا بيعة الرضوان فقال:
стр. 9289
(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) أي ﵃ وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وهذه الشجرة هي سمرة كانت بها، وقيل: سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفروا وروي أنه بايعهم على الموت وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة والسمرة من شجر الطلح، وجمهور المفسرين على أن المراد بالطلح في القرآن الموز، وفي الصحيح عن ابن عمر أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضر، كما نشاهده الآن فيما دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله: كان خفاؤها رحمة من الله، كذا في الفتح وشرح المواهب.
وعن نافع قال: " بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وقد تقدم ذكر عدد أهل هذه البيعة قريباً، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير، وفي الباب أحاديث ذكرها الخازن وغيره (١)، والمعنى فعل بالراسخين في الإيمان فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح، وما قدر لهم من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا، مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور شاهدة، ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان.
стр. 9290
(فعلم) الله (ما في قلوبهم) أي علم ما فيها من الصدق والوفاء، قاله الفراء، وقال قتادة وابن جريج: من الرضا بأمر البيعة على أن لا يفروا، وقال مقاتل: من كراهة البيعة على الموت (فأنزل السكينة) أي الطمأنينة وسكون النفس والأمن كما تقدم، وقيل: الصبر (عليهم) أي على المؤمنين المخلصين، حتى ثبتوا وبايعوا على الموت. وعلى أن لا يفروا، والآية تشير إلى أن أهل بيعة الرضوان من أهل الجنة، لأن رضوان الله موجب لدخولها والأحاديث الصحيحة تدل لذلك، قال ابن عباس: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.
(وأثابهم فتحاً قريباً) هو فتح خيبر عند انصرافهم من الحديبية، قاله قتادة وابن أبي ليلى وغيرهما، وقيل: فتح مكة والأول أولى.
стр. 9291
(ومغانم كثيرة يأخذونها) أي وأثابهم مغانم كثيرة، أو أتاهم وهي غنائم خيبر وكانت ذات نخل وعقار وأموال فقسمها رسول الله ﷺ بينهم وقرىء بالتاء والالتفات لتشريفهم بالخطاب (وكان الله عزيزاً حكيماً) أي غالباً مصدراً أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة.
عن سلمة بن الأكوع قال: " بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه، فذلك قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين الآية فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس هنيئاً لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله ﷺ : لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف " (١) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله صلى
стр. 9292
الله عليه وسلم تحت الشجرة، قيل: على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت " (١) وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال: " بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت ".
" وعن جابر عن النبي- ﷺ قال: " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي.
وعنه قال: " قال رسول الله ﷺ : ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة، إلا صاحب الجمل الأحمر " أخرجه الترمذي واستغربه.
стр. 9293
(وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) في هذا وعد منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة يأخذونها في أوقاتها التي قدر وقوعها فيها. وقيل: الإلتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان، والخطاب لأهل الحديبية (فعجل لكم هذه) أي غنائم خيبر قاله مجاهد وغيره، وقيل: صلح الحديبية، وهي في جنب ما وعدهم الله به من الفتوحات، كالقليل من الكثير.
(وكف أيدي الناس عنكم) أي أيدي قريش يوم الحديبية بالصلح وقيل: أيدي أهل خيبر وأبصارهم عن قتالكم وقذف في قلوبهم الرعب، وقال ابن عباس: يعني أهل مكة أن يستحلوا حرم الله، ويستحل بكم وأنتم حرم وقال قتادة: كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي ﷺ بالحديبية وخيبر ورجح هذا ابن جرير، قال: لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله: وهو الذي كف أيديهم عنكم، وقيل: الناس يعني عيينة بن حصن الفزاري، وعوف بن مالك النضري، ومن كان معهما إذ جاؤوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبي ﷺ لهم.
стр. 9294
(ولتكون آية للمؤمنين) أي فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون آية لهم، أو وعد، فعجل وكف لتنتفعوا بذلك، ولتكون آية. وقيل: إن الواو مزيدة واللام للتعليل ما قبلها أي: وكف لتكون والمعنى؛ ذلك الكف آية يعلم بها صدق رسول الله ﷺ في جميع ما يعدكم به، وقال ابن عباس: أي: سنة لمن بعدكم، وقيل: عبرة يعرفون بها أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن نصرتهم، والفتح عليهم (ويهديكم صراطاً مستقيماً) أي: يزيدكم بتلك الآية هدى وبصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله تعالى، ويثبتكم على الهداية إلى طريق الحق بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وقيل: طريق التوكل عليه، وتفويض الأمر إليه تعالى، لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك، ولأن أصل الهدى حاصل قبله.
стр. 9295
(وأخرى) أي: فعجل لكم هذه المغانم، ومغانم أخرى، ويجوز فيها أوجه ذكرها السمين وغيره (لم تقدروا عليها) وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد، كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى، وقال الضحاك وابن زيد وابن إسحق: هي خيبر وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة: فتح مكة، وقال عكرمة: حنين، والأول أولى، وقال ابن عباس: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم، وعنه قال: هي خيبر، وقيل: فتح بلدة أخرى مطلقاً، وقيل: مغانم هوازن في غزوة حنين.
(قد أحاط الله بها) صفة ثانية لأخرى قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، والمعنى أنه أعدها لهم وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور لا يفوت منه شيء فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم، لا تفوتهم وقيل: المعنى إنه أحاط علمه بأنها ستكون لهم (وكان الله على كل شيء) من فتح القرى والبلدان (قديراً) لا يعجزه شيء ولا تختص قدرته ببعض المقدورات دون بعض.
(وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) قال قتادة: يعني كفار قريش بالحديبية وأهل مكة وقيل: أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر والأول أولى (ثم لا يجدون ولياً) يواليهم على قتالكم ويحرسهم (ولا نصيراً) ينصرهم عليكم
стр. 9298
(سنة الله التي قد خلت من قبل) أي طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه، وهو قوله: (لأغلبن أنا ورسلي)، وانتصاب سنة على المصدرية بفعل محذوف أي سن الله سنة أو هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة من هزيمة الكفار ونصر المؤمنين (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) أي تغييراً بل هي مستمرة ثابتة.
стр. 9299
(وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) أي كف أيدي المشركين عن المسلمين وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاؤوا يصدون رسول الله ﷺ ومن معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد بقوله: ببطن مكة، لأن أكثرها من الحرم (من بعد أن أظفركم عليهم) أي أقدركم وسلطكم.
стр. 9300
لما روي: " أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله ﷺ من هزمه وأدخله حيطان مكة "، وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت، وقيل: المعنى هو الذي قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً، والمراد على هذا ببطن: مكة.
(وكان الله بما تعملون بصيراً) لا يخفى عليه من ذلك شيء، قرىء بالتاء وبالياء وهما سبعيتان.
عن أنس قال: " لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية " أخرجه ابن شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم.
وفي صحيح مسلم وغيره " أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة بن الأكوع يوم الحديبية ".
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه، وغيرهم في سبب نزول الآية: " أن ثلاثين شاباً من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح، فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله بأسماعهم، ولفظ الحاكم: بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أماناً؟ فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فنزلت هذه الآية ".
стр. 9301
(هم الذين كفروا) يعني: كفار قريش (وصدوكم عن المسجد الحرام) أي عن الوصول إليه، ومعنى الصد أنهم منعوهم أن يطوفوا بالمسجد الحرام، ويحلوا عن عمرتهم (والهدي معكوفاً) أي محبوساً، قرأ الجمهور بنصب الهدي عطفاً على الضمير المنصوب في صدوكم، وقرىء عطفاً على المسجد، ولا بد من تقدير مضاف، أي عن نحر الهدي، وقرىء بالرفع على تقدير وصد الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال، وقرىء بكسرها وتشديد الياء، وانتصاب معكوفاً على الحال من الهدي، قال الجوهري: عكفه أي حبسه ووقفه، ومنه و (الهدي معكوفاً) ومنه الاعتكاف في المسجد. وهو الاحتباس، وعكف على الشيء أقبل عليه مواظباً، وقال أبو عمرو بن العلاء؛ معكوفاً مجموعاً. وأنكر الفارسي تعدية عكف بنفسه، وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما، وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه.
(أن يبلغ محله) أي عن أن يبلغ محله، أو مفعول لأجله، والمعنى صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، ومحله منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، أو هو بدل اشتمال من الهدي، وكان الهدي سبعين بدنة، وقال ابن عباس: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها، ورخص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلاً للنحر، فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم، وللعلماء في هذا الكلام معروف في كتب الفروع.
(ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة (لم تعلموهم) أي لم تعرفوهم، وقيل: لم تعلموا أنهم مؤمنون (أن تطأوهم) أي بالقتل، والإيقاع بهم يقال: وطأت القوم أي أوقعت بهم، وذلك أنهم لو كبسوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم
стр. 9302
فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنون أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله: (فتصيبكم منهم) أي من جهتهم (معرة) أي مشقة، بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب، وأصل المعرة العيب، مأخوذ من العر وهو الجرب.
وذلك أن المشركين سيقولون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم، قال الزجاج: معرة أي إثم، وكذا قال الجوهري، وبه قال ابن زيد، وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل الخطأ، كما في قوله (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)، لأن الله أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة، دون الدية، وقال ابن إسحق: المعرة غرم الدية، وقال قطرب: المعرة الشدة وقيل الغم، وقيل: هي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه.
(بغير علم) متعلق بأن تطأوهم أي: غير عالمين، وجواب لولا محذوف والتقدير: لأذن الله لكم، أو لما كف أيديكم عنهم (ليدخل الله) اللام متعلقة بما يدل عليه الجواب المقدر، أي ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم عنهم، ليدخل الله (في رحمته) بذلك أي في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام (من يشاء) من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفك أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب، وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، والتقدير لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته والأول أولى.
وقيل إن: (من يشاء) عبارة عمن رغب في الإسلام من المشركين.
عن أبي جمعة جنيد بن سبع قال: " قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافراً وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت ولولا رجال
стр. 9303
إلخ وكنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتان ".
وفي رواية ابن أبي حاتم " كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة "، أخرجه الطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن قانع والبارودي والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي. بسند جيد، وعن ابن عباس في الآية قال: حين ردوا النبي ﵌ أن تطأوهم بقتلكم إياهم.
(لو تزيلوا) التزيل التميز أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم، قاله العتبي، وقال الكلبي لو تفرقوا، وقيل لو زال الذين آمنوا من بين أظهرهم والمعاني متقاربة، قرأ الجمهور لو تزيلوا، وقرىء لو تزايلوا والتزايل التباين (لعذبنا الذين كفروا منهم) أي من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها (عذاباً أليماً) قال القاضي بالقتل والسبي، وهو الظاهر، لأن المراد من تعذيبهم التعذيب الدنيوي الذي هو تسليط المؤمنين عليهم وقتالهم، فإن عدم التمييز لا يوجب عدم عذاب الآخرة، أفاده على القاري، قال ابن عباس: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلكم إياهم، قال قتادة: إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار، كما دفع بالستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.
стр. 9304
(إذ جعل) أي: اذكر وقت أن جعل (الذين كفروا في قلوبهم الحمية) أي: اضمروها وأصروا عليها، والحمية الأنفة يقال فلان ذو حمية أي: ذو أنفة وغضب وتكبر وتعاظم، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم، والجعل بمعنى الإلقاء (حمية الجاهلية) بدل من الحمية، قال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا فتتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفسنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه الحمية هي حمية الجاهلية، التي دخلت في قلوبهم.
стр. 9305
وقال الزهري: حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي ﷺ بالرسالة وقال الخطيب: حمية الجاهلية هي التي مدارها مطلق المنع، سواء كان بحق أو باطل، فتمنع من الإذعان للحق، ومبناها على التشفي على مقتضى الغضب لغير الله، فتوجب تخطي حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء.
(فأنزل الله سكينته) أي الطمأنينة والوقار (على رسوله وعلى المؤمنين) حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وقيل: ثبتهم على الرضا والتسليم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: " اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة؟ وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولم يضيعني الله أبداً، فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار: قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولم يضيعه الله أبداً فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمر فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: نعم ".
(وألزمهم) أي أختار لهم، فهو إلزام تشريف وإكرام (كلمة التقوى) من الشرك وهي لا إله إلا الله، كذا قال الجمهور؛ وزاد بعضهم
стр. 9306
محمد رسول الله وزاد بعضهم وحده لا شريك له، وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك أن الكفار لم يقروا بها، وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير، فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها والأول أولى، لأن كلمة التوحيد هي التي يتقى بها الشرك بالله، وقيل: كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد والثبات عليه.
عن أُبيّ بن كعب عن النبي ﷺ : " وألزمهم كلمة التقوى قال لا إله إلا الله " أخرجه أحمد وابن جرير والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه أي: الحسن بن قزعة، وكذا قال أبو زرعة، وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً مثله، وعن علي بن أبي طالب مثله من قوله، ومن قول عمر ابن الخطاب نحوه، وعن ابن عباس نحوه، وعن مسور بن مخرمة ومروان نحوه، وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك.
(وكانوا أحق بها وأهلها) عطف تفسيري، أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار، والمستأهلين لها دونهم في علم الله تعالى، لأن الله سبحانه أهلهم لدينه، وأختارهم لصحبه رسوله ﷺ (وكان الله بكل شيء عليماً) أي من أمر الكفار وما كانوا يستحقونه من العقوبة وأمر المؤمنين وما كانوا يستحقونه من الخير.
(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا) أي: جعل رؤياه صادقة محققة ولم يجعلها أضغاث أحلام وإن كان تفسيرها لم يقع إلا بعد ذلك في عمرة القضاء قال الواحدي، قال المفسرون: إن الله سبحانه أرى نبيه ﷺ في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة قال المنافقون والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام فأنزل الله هذه الآية، وقيل إن الرؤيا كانت بالحديبية (١).
(بالحق) متعلق بصدق أي صدقة فيما رأى وفي كونه وحصر له صدقاً متلبساً بالحق، أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الإبتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه سبحانه وجوابه (لتدخلن المسجد الحرام) في العام القابل، وعلى الأول هو جواب قسم
стр. 9309
محذوف (إن شاء الله) تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) قال ثعلب: إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، وقيل: كأن الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية، فوقع الإستثناء لهذا المعنى، قاله الحسن بن الفضل، وقيل: معنى إن شاء الله كما شاء الله وقال أبو عبيدة: إن بمعنى إذ يعني إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك.
(آمنين) حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض، والمعنى: آمنين في حال الدخول، لا تخافون عدوكم أن يخرجكم في المستقبل (محلقين رؤوسكم ومقصرين) أي محلقاً بعضكم جميع الشعور، ومقصراً بعضكم، والحلق والتقصير خاص بالرجال، والحلق أفضل من التقصير، كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره ﷺ للمحلقين في المرة الأولى والثانية، والقائل يقول له: وللمقصرين، فقال في الثالثة: وللمقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في البخاري ومسلم وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه وهو من حديث ابن عمر، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضاًً (١).
(لا تخافون) مستأنف، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله آمنين فلا تكرار.
(فعلم ما لم تعلموا) معطوف على صدق، أي صدق رسوله الرؤيا، فعلم ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح، لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين (فجعل من دون ذلك) أي دخولكم مكة كما أرى رسوله (فتحاً قريباً) ليقويكم به، فإنه كان موجباً
стр. 9310
لإسلام كثير، قال أكثر المفسرين: هو صلح الحديبية، وقال ابن زيد والضحاك: فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل، وقال الزهري: لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، ولقد دخل في تلك السنين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك، بل أكثر، فإن المسلمين كانوا في سنة ست وهي سنة الحديبية ألفاً وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف وقيل: هو فتح مكة.
стр. 9311
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي إرسالاً متلبساً بالهدى (ودين الحق) وهو الإسلام (ليظهره على الدين كله) أي: يغلبه ويعليه على كل الأديان، بنسخ ما كان حقاً، وإظهار فساد ما كان باطلاً، كما يفيده تأكيد الجنس، وقيل: ليظهر رسوله، والأول أولى، وقد كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان، وانقهر له كل أهل الملل، ولا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة، وقيل: هو عند نزول عيسى ﵇ حين لا يبقى على وجه الأرض كافر، وقيل هو إظهاره بالحجج والآيات والأول أولى، وفي هذا تأكيد لما وعده من الفتح (وكفى بالله) الباء زائدة (شهيداً) على الإظهار الذي وعد المسلمين به، وعلى صحة نبوة نبيه ﷺ .
стр. 9312
(محمد رسول الله) الجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به (والذين معه) من المؤمنين، وقيل: هم أصحاب الحديبية، والأولى الحمل على العموم (أشداء على الكفار) أي غلاظ عليهم، كما يغلظ الأسد على فريسته، وهو جمع شديد لا تأخذهم بهم رأفة، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم، فلا يرحمونهم (رحماء بينهم) أي متوادون متعاطفون، كالوالد مع الولد، وهو جمع رحيم والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم الرحمة والرأفة، ونحوه قوله: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين).
стр. 9313
قال الحسن: بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم وتمسها، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وتلزق بها، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل، وهذا التعطف، فيشددوا على من ليس من دينهم، ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام، متعطفين بالبر والصلة وكف الأذى والاحتمال منهم، قرأ الجمهور برفع أشداء ورحماء على أنه خبر للموصول، وقرىء بنصبهما على الحال، أو على المدح، ويكون الخبر على هذه القراءة قوله: (تراهم ركعاً سجداً) أي تشاهدهم وتبصرهم حال كونهم راكعين ساجدين، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها.
(يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) أي: يطلبون ثواب الله لهم، ورضاه عنهم، وفيه لطيفة أن المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله، والمرائي بعمله لا ينبغي له أجر، وذكر بعضهم في الآية والذين معه أبا بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب، رحماء بينهم عثمان بن عفان، تراهم ركعاً سجداً علي بن أبي طالب، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً بقية الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(سيماهم في وجوههم من أثر السجود) السيما: العلامة، وفيها لغتان المد والقصر، أي: يظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة لكثرة التعبد بالليل والنهار، وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفراً فجعل هذا هو السيما، وقال الزهري: مواضع السجود أشد وجوههم بياضاً، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع وبالأول -أعنى كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود- قال سعيد بن جبير ومالك، وقال ابن جريج: هو الوقار وقال الحسن: إذا رأيتهم رأيتهم مرضى وما هم بمرضى، وقيل: هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه، وبه قال سفيان الثوري، قال ابن عباس: أما إنه ليس الذي ترونه، ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وعنه قال: هو السمت الحسن.
стр. 9314
وعن أُبي بن كعب قال: " قال رسول الله ﷺ في قوله: سيماهم الخ النور يوم القيامة " أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند حسن.
وعن ابن عباس قال: " بياض يغشى وجوههم يوم القيامة "، قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس، قال البقاعي ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته فإن ذلك من سيماء الخوارج.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ : " إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود "، ذكره الخطيب ولينظر في سنده.
(ذلك) أي ما تقدم من هذه الصفات الجليلة (مثلهم) أي وصفهم العجيب الشأن الذي وصفوا به (في التوراة) (ومثلهم) أي وصفهم الذي وصفوا به (في الإنجيل) تكرير ذكر المثل لزيادة تقريره، وللتنبيه على غرابته، وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة، قال ابن عباس: أي نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السموات والأرض.
(كزرع أخرج شطأه) كلام مستأنف، أي هم كزرع، وقيل: هو تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف، وقيل هو خبر لقوله مثلهم في الإنجيل، أي: ومثلهم في الإنجيل كزرع قال الفراء: فيه وجهان.
إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، يعني كمثلهم في القرآن فيكون الوقف على الإنجيل.
وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ثم تبتدي ومثلهم في الإنجيل كزرع، قرأ الجمهور شطأه بسكون الطاء وقرىء بفتحها وهم سبعيتان وقرىء شطاه كعصاه. وقرىء شطه بغير همز، وكلها لغات قال الأخفش والكسائي:
стр. 9315
شطأه أي طرفه قال الفراء: شطأ الزرع فهو مشطىء إذا خرج قال الزجاج: أخرج شطأه أي نباته وقال قطرب: الشطء سوي السنبل، وعن الفراء: هو السنبل وقال الجوهري: شطء الزرع والنبات فراخه والجمع أشطاء، وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه وقال أنس: نباته فروخه.
(فآزره) أي قواه وشده وأعانه وقيل إن المعنى أن الشطء قوى الزرع قاله السمين وقيل: إن الزرع قوى الشطء وبه قال النسفي وهو أنسب فإن العادة أن الأصل يتقوى بفروعه فهي تعينه وتقويه قرأ الجمهور فآزره بالمد وقرىء بالقصر وهما سبعيتان قال الفراء: أزرت فلاناً أزره أزراً إذا قويته (فاستغلظ) أي صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان دقيقاً فهو من باب استحجر الطين، أو المراد المبالغة في الغلظة كما في استعصم ونحوه وإيثار الأول لأن بناء الساق على التدرج.
(فاستوى على سوقه) أي فاستقام على أعواده والسوق جمع ساق وقرىء سؤقه بالهمزة الساكنة (يعجب الزراع) أي يعجب هذا الزرع زراعه لقوته وحسن منظره وهنا تم المثل قاله السمين (قلت) وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي ﷺ وأنهم يكونون في الابتداء قليلاً ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع فإنه يكون في الابتداء ضعفياً ثم يقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ ساقه قال قتادة مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل مكتوب فيه، أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي، وهذا ونحوه ما تقدم ليس بتفسير للقرآن بل من لطائف الكلام.
وعن بعض الصحابة أنه لما قرأ هذه الآية قال: تم الزرع وقد دنا حصاده، قلت: وهذا المثل الذي أشار إليه القرآن موجود في إنجيل متى ولوقا وترجمته بالعربية انظروا إلى زارع خرج للزرع، وبينما هو يزرع سقط بعض