(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ) أي: رجال منكم (مِنْ قَوْمٍ) تنكير القوم للتبعيض، وأن المعنى على الإفراد، وإن جاء النظم على الجمع لأن السخرية تقع في المجامع، قال الكرخي: إنه من نسبة فعل البعض إلى الجميع، لرضاهم به في الأغلب ولوجوده فيما بينهم، والسخرية الاستهزاء وحكى أبو زيد: سخرت به وضحكت به وهزأت به، وقال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت به ومنه وهزأت منه وبه كل ذلك يقال: والاسم السخرية والسخري بالكسر وبالضم لغة فيه، وقرىء بهما في قوله (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً) ومعنى الآية النهي للمؤمنين عن أن يستهزىء بعضهم ببعض.
(عسى أن يكونوا خيراً منهم) علل النهي بأن يكون المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، فينبغي أن لا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه؛ أو غير لبق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته، فيظلم
стр. 9348
نفسه بتحقير من وقره الله تعالى، قال ابن مسعود: إن البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً، ولما كان لفظ قوم مختصاً بالرجال لأنهم القوام على النساء أفرد النساء بالذكر فقال:
(ولا) يسخر (نساء من نساء عسى أن يكن) المسخور بهن (خيراً منهن) يعني من الساخرات منهن وقيل أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر، عن مقاتل قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من فقراء المسلمين كبلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة، وعن أنس نزلت في نساء النبي ﷺ عيرن أم سلمة بالقصر، وعن ابن عباس نزلت في صفية بنت حيي، قال لها بعض نساء النبي ﷺ : يهودية بنت يهودي.
(ولا تلمزوا أنفسكم) أي: لا تطعنوا أهل دينكم. واللمز العيب والطعن وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات قال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان، والمعنى لا يلمز بعضكم بعضاً، كما في قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله (فسلموا على أنفسكم)، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمنُ المؤمنَ فكأنما عاب نفسه، وقيل: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة، قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض، وبه قال ابن عباس، وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضاً.
(ولا تنابزوا بالألقاب) أي لا تدعوا الإنسان بغير ما سمي به والتنابز التفاعل من النبز بالتسكين، وهو المصدر والنبز بالتحريك اللعب مطلقاً، أي حسناً كان أو قبيحاً، خص في العرف بالقبيح، والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، والمراد هنا لقب السوء والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضاً، والتداعي بها قال الواحدي: قال
стр. 9349
المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم يا يهودي يا نصراني، قال عطاء: هو كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام كقولك يا كلب يا حمار يا خنزير قال الحسن ومجاهد كان الرجل يعير بكفره فيقال له يا يهودي يا نصراني فنزلت، وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة.
عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة، " قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه، فنزلت (ولا تنابزوا بالألقاب) " (١) أخرجه البخاري في الأدب، وأهل السنن الأربع، وغيرهم، وعن ابن عباس نحوه، وعنه قال التنابز أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله.
وعن ابن مسعود في الآية قال: إذا كان الرجل يهودياً فأسلم فيقول: يا يهودي يا مجوسي، ويقول للرجل المسلم يا فاسق، قيل والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به، فأما ما يحبه فلا بأس به، ومنه الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها نحو الأخفش والأعمش وما أشبه ذلك قال القرطبي: إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال، كالأعرج والأحدب؛ ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه فجوزته الأئمة واتفق أهل اللغة على قوله انتهى، وأما الألقاب التي تكسب حمداً أو مدحاً وتكون حقاً وصدقاً فلا تكره، كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر الفاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب، ولخالد سيف الله.
(بئس الاسم الفسوق) أي بئس الاسم أن يذكر بالفسق، والإسم هنا ليس المراد به ما يقابل اللقب والكنية، ولا ما يقابل الفعل والحرف، بل
стр. 9350
المراد به الذكر المرتفع لأنه من السمو من قولهم: طار اسمه في الناس بالمكرم أو باللؤم، وحقيقة ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق (بعد) دخولهم في (الإيمان) استقباح للجمع بين الإيمان والفسق الذي يحظره الإيمان، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة، قال ابن زيد: أي لفسق أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته، وقيل إن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق.
(ومن لم يتب) عما نهى الله عنه (فأولئك هم الظالمون) لإرتكابهم ما نهى الله عنه، وامتناعهم من التوبة، وظلموا من لقبوه، وظلموا أنفسهم بما لزمها من الإثم.
стр. 9351
(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن) يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته جعله في جانب، فيعدى إلى مفعولين، قال تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولاً، والظن هنا مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، وأمر سبحانه باجتناب الكثير وأبهم، ليفحص المؤمن عن كل ظن [يظنه] حتى يعلم وجهه، لأن من الظن ما يجب اتباعه، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن: كالقياس، وخبر الواحد، ودلالة العموم ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به، فارتفع عن الشك والتهمة.
قال الزجاج: وهو أن يظن بأهل الخير سوءاً فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم، قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: هو أن يظن بأخيه المسلم سوءاً، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه [أثم]، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح.
стр. 9352
وجملة: (إن بعض الظن إثم) تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن، وهذا البعض هو ظن السوء بأهل الخير، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة، ومما يدل على تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى: (وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً) فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شيء من الظن المأمور باتباعه من مسائل الدين، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة، كياداً للدين، وشذوذاً عن جمهور المسلمين، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة، بل في أكثرها، قال أبو السعود: من الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله تعالى، ومنه ما حرم كالظن في الإلهيات والنبوات، وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية أهـ.
وقيل: الظن أنواع فمنه واجب ومأمور به، وهو الظن الحسن بالله ، ومنه مندوب إليه، وهو الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه حرام محظور، وهو سوء الظن بالله ، وسوء الظن بالأخ المسلم، قال ابن عباس في الآية: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً.
وعن أبي هريرة قال: " قال رسول الله ﷺ : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً " (١) الحديث أخرجه الشيخان.
ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال:
(ولا تجسسوا) التجسس البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معائب الناس ومثالبهم، حتى يطلع عليها بعد أن سترها الله تعالى، وقرأ الجمهور بالجيم، ومعناه ما ذكرنا
стр. 9353
وقرىء بالحاء قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر، لأن التجسس بالجيم هو البحث عما ينكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الإخبار والبحث عنها، وقيل؛ إن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه، وقيل: إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره، قاله ثعلب والأول أعرف. يقال: تحسست الأخبار وتجسستها أي: تفحصت عنها.
قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين عن تتبع عورات المؤمن وعن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود فقيل هذا فلان يقطر لحيته خمراً، فقال ابن مسعود إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه قال مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
وعن عقبة بن عامر " أن رسول الله ﷺ قال من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة " أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة " أن النبي ﷺ قال: لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة " (١) رواه مسلم.
وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم "، فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﵌ فنفعه الله بها. وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم.
(ولا يغتب بعضكم بعضاً) أي لا يتناول بعضكم بعضاً بظهر الغيب بما يسوءه، يقال اغتابه اغتياباً إذا وقع فيه والاسم الغيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب يعني: أن تذكر الرجل بما يكرهه.
стр. 9354
كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح لمسلم " أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهَّته " (١) قال: ابن عباس: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث، قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى، الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك: فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان: فهو أن تقول ما ليس فيه، ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن على من اغتاب أحداً التوبة إلى الله أو الاستغفار لمن اغتابه أو الإستحلال منه، وللشوكاني رسالة في ذلك، سماها: رفع الريبة عن مسألة الغيبة، وهي نفيسة جداً.
(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)؟ مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج، وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه وأنه كما يحرم أكل لحمه تحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتقبيح لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عنه الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية فضلاً عن كونه محرماً شرعاً، وفيه مبالغات، منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم للتعميم، والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً، ومنها أنه لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتاً، فهذا تمثيل على أفحش وجه.
(فكرهتموه) أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، فالكلام من
стр. 9355
باب الاستعارة التمثيلية، وفي هذا التمثيل والتشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض، كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا من باب القياس الظاهر، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الإنسان، لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأن ذلك أشد ألماً قال الفراء: تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا، والمعنى فلما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء، أو المعنى فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً، قال الرازي: الفاء في تقديره جواب كلام كأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه إذن، وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره عليكم ذلك فكرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته، وبه قال البيضاوي، وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه، وقيل هو خبر بمعنى الأمر.
(واتقوا الله) بترك ما أمركم باجتنابه (إن الله تواب رحيم) لمن اتقاه وتاب عما فرط منه من الذنب، ومخالفة الأمر، والمبالغة في (التواب) للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه العبد إلا كان معفواً عنه بالتوبة، أو لأنه لما بولغ في قبول التوبة نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه.
стр. 9356
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) هما آدم وحواء، والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد، وكونهم يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينم بالأنساب، وقيل: المعنى أن كل واحد منكم من أب وأم، فالكل سواء.
عن ابن أبي مليكة قال: " لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة؟ وقال بعضهم: إن سخط الله هذا يغيره، فنزلت هذه الآية " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.
وعن الزهري قال: " أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا؟ فنزلت
стр. 9357
هذه الآية " أخرجه أبو داود في مراسيله وابن مردويه والبيهقي في سننه، وقال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة، وعن عمر بن الخطاب أن هذه الآية هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب.
(وجعلناكم شعوباً وقبائل) الشعوب جمع شعب بفتح الشين، وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر، قال الواحدي: هذا قول جماعة من المفسرين سموا شعباً لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد يقال شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرقته ومنه سميت المنية شعوباً لأنها مفرقة فأما الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل، قال الجوهري: الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب والقبائل دون ذلك وقال قتادة: الشعوب النسب الأقرب وقيل: أعلى طبقات النسب، وقيل: إن الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل من ربيعة ومضر، وسائر عدنان وقيل: الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب.
وحكى أبو عبيدة أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة ثم البطن. ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، وكل واحدة تدخل فيما قبلها فالقبائل تحت الشعوب، والعمائر تحت القبائل، والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ " والعشائر تحت الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وعبد مناف فخذ، وبنو هاشم فصيلة، والعباس عشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف، ومما يؤيد ما قاله الجمهور من أن الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر:
قبائل من شعوب ليس فيهم ... كريم قد يعد ولا نجيب
قال ابن عباس: الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون، وعنه قال: الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها، وعنه قال: القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل مضر.
(لتعارفوا) أي: خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً. والفائدة في
стр. 9358
التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه ولا يعتزي إلى غيره، ويصل رحمه والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن، وإنما الفخر بالتقوى، قرأ الجمهور لتعارفوا بتخفيف التاء، وأصله لتتعارفوا، وقرىء بتشديدها على الإدغام، وقرىء بتاءين ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر فقال:
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أي إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى فمن تلبس بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها، وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب فإن ذلك لا يوجب كرماً، ولا يثبت شرفاً، ولا يقتضي فضلاً، قرأ الجمهور بكسر إن وقرىء بفتحها أي لأن أكرمكم.
عن أبي هريرة قال: " سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا (١) " أخرجه البخاري وغيره، وقال عمر بن الخطاب: أتقاكم للشرك، وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي تتفاضل بها العباد.
(إن الله عليم) بكل معلوم، ومن ذلك أعمالكم (خبير) بما تسرون وما تعلنون، ولا تخفى عليه من ذلك خافية، ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله أتقاهم له وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان ليثبت لهم الشرف والفضل فقال:
стр. 9359
(قالت الأعراب آمنا) وهم بنو أسد، قاله مجاهد، وقيل هم جهينة
стр. 9360
ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، والأول أولى، وهم الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، فأمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يرد عليهم فقال: (قل لم تؤمنوا) أي لم تصدقوا تصديقاً صحيحاً عن اعتقاد قلب، وخلوص نية، وطمأنينة (ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا خوف القتل والسبي، أو للطمع في الصدقة، وهذه صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر، ولم تؤمن قلوبهم، ولهذا قال سبحانه:
(ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) أي لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح، ولا نية خالصة، وفي لما معنى التوقع، وهذا تكرار، لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقع حصوله، قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن، وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، أي: لم تصدقوا، وإنما أسلمتم تعوذاً من القتل، وهذه الآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكن باللسان.
(وإن تطيعوا الله ورسوله) طاعة صحيحة، صادرة عن نيات خالصة وقلوب مصدقة غير منافقة (لا يلتكم) أي لا ينقصكم (من أعمالكم شيئاً) يقال: لات يليت إذا نقص، ولأنه يليته ويلوته إذا نقصه، قرأ الجمهور يلتكم من لاته يليته كباعه يبيعه، وقرىء لا يألتكم بالهمز من ألته يألته بالفتح في الماضي والكسر في المضارع، واختار الثانية أبو حاتم لقوله (وما ألتناهم من عملهم من شيء) وهما لغتان فصيحتان (إن الله غفور) أي بليغ المغفرة لمن فرط منه ذنب (رحيم) بليغ الرحمة لهم.
ثم لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين قالوا آمنا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بيّن المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم فقال:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إيماناً صحيحاً خالصاً عن مواطأة القلب واللسان (ثم لم يرتابوا) أي لم يدخل في قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شك من الشكوك، أتى بثم للتراخي للإشارة إلى أن نفي الريب عنهم ليس في وقت حصول الإيمان فيهم، وإنشائه فقط، بل هو مستمر بعد ذلك فيما يتطاول من الأزمنة فكأنه قال: ثم داموا على ذلك (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي: في طاعته وابتغاء مرضاته ويدخل في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، فإنها من جملة ما يجاهد المرء نفسه حتى يقوم به ويؤديه، كما أمر الله سبحانه، والطاعات كلها في سبيل الله وجهته، والمجاهدة بالأموال عبارة عن العبادات المالية كالزكاة، وقدم الأموال لحرص الإنسان عليها، فإن ماله شقيق روحه، وجاهدوا بمعنى بذل الجهد. أو مفعوله مقدر، أي: العدو أو النفس والهوى.
(أولئك) أي: الجامعون بين الأمور المذكورة (هم الصادقون) في الاتصاف بصفة الإيمان والدخول في عداد أهله، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه، وادّعى أنه مؤمن ولم يطمئن بالإيمان قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال أهله، وهم الأعراب الذين تقدم ذكرهم وسائر أهل النفاق ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولاً آخر لما ادعوا أنهم مؤمنون فقال:
стр. 9363
(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ)؟ التعليم ههنا بمعنى الإعلام، ولهذا أدخلت الباء في (بدينكم) أي أتخبرونه بذلك حيث قلتم آمنا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فكيف يخفى عليه بطلان ما تدعونه من الإيمان؟ (والله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه من ذلك خافية، وقد علم ما تبطنونه من الكفر، وتظهرونه من الإسلام لخوف الضر، أو رجاء النفع.
стр. 9364
(يمنون عليك أن أسلموا) أي يعدون إسلامهم منة عليك حيث قالوا جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، قاله عبد الله بن أبي أوفى، أخرجه ابن مردويه وغيره، قال السيوطي بسند حسن وعن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد كما تقدم، والمن: تعداد النعم على المنعم عليه، وهو مذموم من الخلق، ممدوح من الله تعالى، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يقوله لهم عند المن عليه بما يدعونه من الإسلام فقال:
(قل لا تمنوا عليّ إسلامكم) أي لا تعدوه منة علي، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطلب موليها ثواباً لمن أنعم بها عليه، ولهذا قال (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) أي: أرشدكم إليه وأراكم طريقه سواء وصلتم إلى المطلوب أم لم تصلوا إليه، قرأ الجمهور بفتح أن وقرىء بكسرها (إن كنتم صادقين) فيما تدعونه، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين فلله المنة عليكم.
стр. 9365
(إن الله يعلم غيب السموات والأرض) أي: ما غاب فيهما، لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه حالكم، بل يعلم سركم وعلانيتكم (والله بصير بما تعملون) لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً، وفي هذا بيان لكونهم غير صادقين، قرأ الجمهور على الخطاب وقرىء على الغيبة.
стр. 9366
سورة ق
(هي خمس وأربعون آية، وهي مكية كلها)
في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وعن ابن عباس وقتادة أنها مكيّة إلا آية، وهي قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) وهي أول المفصل على الصحيح. وقيل: من الحجرات.
وقد أخرج مسلم وغيره عن قطبة بن مالك قال: " كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر في الركعة الأولى (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ".
وعن أبي واقد الليثي قال: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد بقاف واقتربت " (١) أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن.
وعن أم هشام ابنة حارثة قالت: " ما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلا من في رسول الله ﷺ كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس " (٢) أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي، وهو في صحيح مسلم.
(ق) الكلام في إعراب هذا، كالكلام الذي قدمناه في (ص) سواء بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد، قرأ العامة بالجزم، وقرىء بكسر الفاء لأن الكسر أخو الجزم، وقرىء بفتحها لأن الفتح أخف الحركات قرىء بضمها لأنه في غالب الأمر حركة البناء، نحو منذ، وقط، وقبل، وبعد واختلف في معنى ق فقال الواحدي قال المفسرون: هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبرجد وقيل من زمردة خضراء، واخضرت السماء منه والسماء مقببة عليه وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة قال الفراء: كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في ق لأنه اسم وليس بهجاء، قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل: قلت لها قفي، فقالت: قاف، أي: أنا واقفة، وحكى الفراء والزجاج أن قوماً قالوا: معنى ق قضي الأمر وقضي ما هو كائن كما قيل في حم: حم الأمر، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.
وقال الشعبي: فاتحة السورة، وقال أبو بكر الوراق: معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال الأنطاكي: هو قرب الله من عباده، بيانه (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وقال القرطبي: افتتاح اسم الله عز وجل
стр. 9369
قادر وقاهر وقريب وقابض، وقاض، وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه وأبطل والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة، فالله أعلم بمراده به وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أثراً طويلاً في بيان جبل قاف قال ابن كثير: لا يصح سنده عنه وفيه أيضاًً انقطاع.
(والقرآن المجيد) أي: أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة وقال الحسن الكريم، وبه قال ابن عباس، وقيل: الرفيع القدر، وقيل الكبير القدر، وعن ابن عباس قال: ليس شيء أحسن منه ولا أفضل، وجواب القسم قال الكوفيون: هو قوله:
стр. 9370
(بل عجبوا) وقال الأخفش محذوف أي لتبعثن، يدل عليه (أئذا متنا وكنا تراباً)؟ وقال ابن كيسان: جوابه (ما يلفظ من قول)، لأن ما قبلها عوض منها، وقيل: هو (قد علمنا) بتقدير اللام، أي لقد علمنا، وقيل: محذوف تقديره أنزلناه إليك لتنذر، كأنه قيل: ق والقرآن المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس.
(بل عجبوا) بل للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال لبيان حالهم الزائدة في الشناعة على عدم الإيمان، والمعنى بل عجب الكفار (أن) أي لأن (جاءهم منذر منهم) وهو محمد ﷺ ، ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل: هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيداً، وقد تقدم تفسير هذا في سورة ص ثم فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله:
(فقال الكافرن هذا شيء عجيب) وفيه زيادة تصريح وإيضاح وإضمار ذكرهم، ثم إظهاره للإشعار بتعنتهم في هذا المقال. ثم التسجيل على كفرهم بهذا المقال، قال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل تعجبهم من البعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى، فيكون لفظ هذا إشارة إلى مبهم مفسر بما بعده من قوله: (أئذا متنا وكنا تراباً) وقال الشوكاني: الأول أولى قال الرازي: الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر ثم قالوا
стр. 9371
(أئذا متنا وكُنَّا تُراباً) وأيضاًً قد وجد ههنا بعد الإستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم: (ذلك رجع بعيد) فإنه استبعاد، وهو كالتعجب، فلو كان التعجب بقولهم: (هذا شيء عجيب) عائداً إلى قولهم (أئذا) لكان كالتكرار. فإن قيل التكرار الصريح يلزم من قولك هذا شيء عجيب أنه يعود إلى مجيىء المنذر، فإن تعجبهم منه علم من قوله: (عجبوا أن جاءهم)، فقوله: (هذا شيء عجيب) يكون تكراراً، فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير، لأنه لما قال: (بل عجبوا) بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً، كقوله: (أتعجبين من أمر الله)؟ ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجيب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لتعجبكم، فقالوا: (هذا شيء عجيب) فكيف لا نعجب منه ويدل على ذلك قوله ههنا: (فقال الكافرون) بالفاء فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم.
قرأ الجمهور بالاستفهام وقرىء بهمزة واحدة فيحتمل الإستفهام كقراءة الجمهور، والهمزة مقدرة، ويحتمل أن يكون معناه الإخبار والمعنى استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم تراباً. ثم جزموا باستبعادهم للبعث فقالوا:
(ذلك) أي البعث (رجع بعيد) أي بعيد عن الأفهام أو العقول أو العادة أو الإمكان يقال رجعته أرجعه رجعاً، ورجع هو يرجع رجوعاً ثم رد الله سبحانه ما قالوه فقال:
стр. 9372
(قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) أي ما تأكل من أجسادهم، فلا يضل عنا شيء من ذلك، ومن أحاط علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور لا يصعب عليه البعث، ولا يستبعد منه وقال السدي: النقص هنا الموت، يقول قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى لأن من مات دفن، فكأن الأرض تنقص من الأموات، وقيل المعنى من يدخل في الإسلام من المشركين والأول أولى، قال ابن عباس في الآية: أجسادهم وما يذهب منها وما تأكل من لحومهم وعظامهم
стр. 9373
وأشعارهم (وعندنا كتاب حفيظ) أي حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شيء من الأشياء وهو اللوح المحفوظ وقيل: المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء والأول أولى، وقيل: حفيظ بمعنى محفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء ثم أضرب سبحانه من الكلام الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه وأقبح فقال:
стр. 9374
(بل كذبوا بالحق) فإنه تصريح بالتكذيب منهم بعد ما تقدم عنهم من الاستبعاد والمراد بالحق هنا القرآن قال الماوردي: في قول الجميع، وقيل: هو الإسلام وقيل: محمد وقيل: النبوة الثابتة بالمعجزات (لما جاءهم) أي وقت مجيئه إليهم، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر (فهم في أمر مريج) أي مختلط ومضطرب، يقولون تارة ساحر ومرة شاعر، ومرة كاهن، قاله الزجاج وغيره، وقال قتادة: مختلف، وقال الحسن: ملتبس، وقيل: فاسد، والمعاني متقاربة ومنه قولهم مرجت أمانات الناس أي فسدت ومرج الدين والأمر اختلط، وقال ابن عباس: المريج الشيء المتغير.
стр. 9375
(أفلم ينظروا)؟ شروع في بيان الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد والاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف غفلوا عن النظر (إلى السماء) كائنة (فوقهم) يشاهدونها كل وقت (كيف بنيناها)؟ أي أوجدناها وجعلناها على هذه الصفة، مرفوعة كالخيمة، إلا إنها بغير عماد تعتمد عليه (وزيناها) بما جعلنا فيها من المصابيح والنيرات والكواكب (وما لها من فروج) أي فتوق وشقوق وصدوع تعيبها، وهو جمع فرج، قال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق ولا صداع ولا خلل والواو للحال.
стр. 9376
(والأرض مددناها) أي دحوناها وبسطناها على وجه الماء (وألقينا فيها رواسي) أي جبالاً ثوابت تثبتها وقد تقدم تفسير هذا في سورة الرعد (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) أي من كل صنف حسن كريم يسر به، وقد تقدم تفسير هذا أيضاًً في سورة الحج
стр. 9377
(تبصرة وذكرى) هما علتان لما
стр. 9378
تقدم أي فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير، قاله الزجاج، وقال المحلي: تبصيراً منا أي تعليماً وتفهيماً واستدلالاً، وقيل منصوبان بفعل مقدر من لفظهما، أي بصرناهم تبصرة، وذكرناهم ذكرى أو تذكرة، وقيل: حالان، أي: مبصرين ومذكرين، وقيل حال من المفعول، أي ذات تبصرة وتذكير لمن يراها، وقال أبو حاتم، أي: جعلنا ذلك تبصرة وذكرى.
قال الرازي: يحتمل أن يكون المصدران عائدين إلى السماء والأرض، أي خلقنا السماء تبصرة، وخلقنا الأرض ذكرى، ويدل على ذلك أن السماء وزينتها غير متجددة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفتها، فتذكر، فالسماء تبصرة والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من المصدرين موجوداً من الأمرين، فالسماء تبصرة وتذكرة، والأرض كذلك، والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أن فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي (لكل عبد منيب) المنيب الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه، وعجائب مخلوقاته، وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه، فإن القادر على هذه الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله:
стр. 9379
(ونزلنا من السماء) أي السحاب (ماء مباركاً) أي كثير البركة لانتفاع الناس به في غالب أمورهم (فأنبتنا به) أي: بذلك الماء (جنات) أي بساتين كثيرة (وحب الحصيد) أي: ما يقتات ويحصد من الحبوب، والمعنى وحب الزرع الحصيد. وخص الحب لأنه المقصود، كذا قال البصريون، وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع حكاه الفراء، وأنها جائزة إذا اختلف اللفظان كحق اليقين، وحبل الوريد، ودار الآخرة، قاله الكرخي قال الضحاك: حب الحصيد البر والشعير وقيل: كل حب يحصد ويدخر ويقتات.
(و) أنبتنا به (النخل) تخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، أو لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها، ولذلك شبه ﷺ المسلم بها (باسقات) حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: الباسقات الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات، وقال الحسن وعكرمة والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة: بسقت إذا ولدت، والأشهر في لغة العرب الأول، يقال بسقت النخلة بسوقاً إذا طالت، وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبأ قبل النتاج، وبسق الرجل مهر في علمه، وبسق فلان على أصحابه من باب دخل أي طال عليهم في الفضل.
عن قطبة قال: " سمعت النبي ﷺ يقرأ في الصبح ق، فلما أتى على هذه الآية: والنخل باسقات فجعلت أقول: ما بسوقها؟ قال: طولها (١) أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه، وقال ابن عباس: الطول.
стр. 9382
(لها طلع نضيد) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع طلوعاً، والنضيد التراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن يتفتح فهو نضيد في أكمامه فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد قال ابن عباس: متراكم بعضه على بعض
стр. 9383
(رزقاً للعباد) أي رزقناهم رزقاً، أو أنبتنا هذه الأشياء للرزق، لم يقيد هنا العباد بالإنابة كما قيد به في قوله: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكراً وشاكراً للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، فلم يخصص الرزق بقيد، قاله الخطيب.
(وأحيينا به) أي بذلك الماء (بلدة ميتاً) قرىء بالتخفيف والتثقيل أي مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، والتذكير باعتبار كون البلدة بلداً أو مكاناً، كما في عبارة أبي السعود (كذلك الخروج) مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، وقدم فيها الخبر للقصد إلى الحصر، ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال:
стр. 9384
(كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس) هم قوم شعيب، وقيل: حنظلة بن صفوان أو نبي آخر أرسل بعد صالح لبقية من ثمود، وتقدم لهذا مزيد كلام في سورة الفرقان، وقيل: هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى، وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: إما موضع نسبوا إليه، أو بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم، وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في سورة الفرقان، أو فعل وهو حفر البئر، يقال: رس إذا حفر بئراً وتأنيث الفعل لمعنى قوم، والجملة إستئناف وارد لتقرير حقية البعث ببيان إتفاق كافة الرسل عليها، وتعذيب منكريها (وثمود
стр. 9385
وعاد وفرعون) وقومه؛ ذكرت ثمود بعد أصحاب الرس، لأن الرجفة التي أخذتهم مبدؤها الخسف بأصحاب الرس، ثم أتبع ثمود بعاد، لأن الريح التي أهلكتهم إثر صيحة ثمود.