(و) أنبتنا به (النخل) تخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، أو لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها، ولذلك شبه ﷺ المسلم بها (باسقات) حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: الباسقات الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات، وقال الحسن وعكرمة والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة: بسقت إذا ولدت، والأشهر في لغة العرب الأول، يقال بسقت النخلة بسوقاً إذا طالت، وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبأ قبل النتاج، وبسق الرجل مهر في علمه، وبسق فلان على أصحابه من باب دخل أي طال عليهم في الفضل.
عن قطبة قال: " سمعت النبي ﷺ يقرأ في الصبح ق، فلما أتى على هذه الآية: والنخل باسقات فجعلت أقول: ما بسوقها؟ قال: طولها (١) أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه، وقال ابن عباس: الطول.
стр. 9382
(لها طلع نضيد) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع طلوعاً، والنضيد التراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن يتفتح فهو نضيد في أكمامه فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد قال ابن عباس: متراكم بعضه على بعض
стр. 9383
(رزقاً للعباد) أي رزقناهم رزقاً، أو أنبتنا هذه الأشياء للرزق، لم يقيد هنا العباد بالإنابة كما قيد به في قوله: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكراً وشاكراً للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، فلم يخصص الرزق بقيد، قاله الخطيب.
(وأحيينا به) أي بذلك الماء (بلدة ميتاً) قرىء بالتخفيف والتثقيل أي مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، والتذكير باعتبار كون البلدة بلداً أو مكاناً، كما في عبارة أبي السعود (كذلك الخروج) مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، وقدم فيها الخبر للقصد إلى الحصر، ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال:
стр. 9384
(كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس) هم قوم شعيب، وقيل: حنظلة بن صفوان أو نبي آخر أرسل بعد صالح لبقية من ثمود، وتقدم لهذا مزيد كلام في سورة الفرقان، وقيل: هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى، وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: إما موضع نسبوا إليه، أو بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم، وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في سورة الفرقان، أو فعل وهو حفر البئر، يقال: رس إذا حفر بئراً وتأنيث الفعل لمعنى قوم، والجملة إستئناف وارد لتقرير حقية البعث ببيان إتفاق كافة الرسل عليها، وتعذيب منكريها (وثمود
стр. 9385
وعاد وفرعون) وقومه؛ ذكرت ثمود بعد أصحاب الرس، لأن الرجفة التي أخذتهم مبدؤها الخسف بأصحاب الرس، ثم أتبع ثمود بعاد، لأن الريح التي أهلكتهم إثر صيحة ثمود.
стр. 9386
(وإخوان لوط) جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره وقيل: هم من قوم إبراهيم وكانوا من معارف لوط
стр. 9387
(وأصحاب الأيكة) تقدم الكلام على الأيكة في سورة الشعراء، وقرىء هنا ليكة، وهي الغيضة أي الشجر الملتف بعضه على بعض، ونبيهم الذي بعثه الله إليهم شعيب ﵇ (وقوم تبع) هو تبع الحميري، الذي تقدم ذكره في قوله: أهم خير أم قوم تبع، واسمه سعد، وقيل: أسعد، وكنيته أبو كرب، قال قتادة: ذم الله سبحانه قوم تبع، ولم يذمه.
(كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من هؤلاء المذكورين كذب رسوله الذي أرسله الله إليه. وكذلك ما جاء به من الشرع. وكان بعض النحاة يجيز حذف تنوينها، وبناءها على الضم كالغايات، كقبل وبعد، فاللام في الرسل يكون للعهد كما سبق أو للجنس، أي كل طائفة من هذه الطوائف كذبت جميع الرسل، لأن من كذب رسولاً فكأنه كذب جميعهم، وإفراد الضمير في كذب باعتبار لفظ كل، وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ كأنه قيل له: لا تحزن ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء، فإن قومهم كذبوهم ولم يصدقهم إلا القليل منهم، والمراد بالكلية هنا التكثير، كما في قوله تعالى. (وأوتيت من كل شيء) فهي باعتبار الأغلب.
(فحق وعيد) حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها أي: وجب عليهم وعيدي، وحقت عليهم كلمة العذاب، وحل بهم ما قدره الله عليهم من الخسف والمسخ، والإهلاك بالأنواع التي أنزلها الله بهم من عذابه.
стр. 9388
(أفعيينا بالخلق الأول)؟ الإستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم، أي: أفعجزنا بالخلق حين خلقناهم أولاً ولم يكونوا شيئاًً؟ فكيف نعجز عن بعثهم؟ يقال: عييت بالأمر إذا عجزت عنه، ولم تعرف وجهه، قال ابن عباس: يقول لم يعينا الخلق
стр. 9389
الأول، قال الكازروني: معناه لم نعجز عن الإبداء فلا نعجز عن الإعادة، قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة وقرىء بتشديد الياء من غير إشباع، ثم ذكر سبحانه أنهم في شك من البعث فقال: (بل هم في لبس من خلق جديد) أي في شك وشبهة وحيرة واختلاط من خلق مستأنف، وهو بعث الأموات، لما فيه من مخالفة العادة، وتنكير خلق لتفخيم شأنه والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتم بمعرفته، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة الله على الخلق الأول (بل هم في لبس من خلق جديد) قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم، وذلك تسويله لهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك الإستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر.
стр. 9390
(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد بالإنسان الجنس، وقيل: آدم، ونعلم حال بتقدير نحن، والجملة إسمية ولا يصح أن يكون ونعلم حالاً بنفسه لأنه مضارع مثبت باشرته الواو وما مصدرية أو موصولة كما في البيضاوي، والباء زائدة كقولك: صوت بكذا وهمس به أو للتعدية، أي نعلم وسوسة نفسه له، أو نعلم الأمر الذي تحدثه نفسه به، فالنفس تجعل الإنسان قائماً به الوسوسة، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره. أي حديث النفس، وهو ما ليس فيه صوت كالكلية لكن مناسبته للمعنى الأصلي الخفاء في كل، أي: نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى:
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت.
فاستعمل لما خفي من حديث النفس.
(ونحن أقرب إليه) أي إلى الإنسان، لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب على الله شيء (من حبل الوريد) هو حبل
стр. 9391
العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه وهما وريدان، أي: عرقان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي نحن أقرب إليه بالعلم من حبل وريده، لا يخفى علينا شيء من خفيانه، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، أي: بعلمه، فإنه سبحانه منزه عن الأمكنة، وحاصله أنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم، قاله الكرخي والإضافة بيانية، أي حبل من الوريد، وقيل: الحبل هو نفس الوريد، فهو من باب مسجد الجامع، سمي وريداً لأن الروح ترد إليه وهو في العنق الوريد، وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر. وفي الذراع والفخذ الأكحل والنسا، وفي الخنصر الأسيلم.
وفي الخازن: الوريد الذي يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن، وهو بين الحلق والعلباوين، وقال الزمخشري: إنهما وريدان يكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما، متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه، قال أبو السعود: وهو عرق متصل بالقلب، إذا قطع مات صاحبه، وقيل: المعنى نحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه، ويجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه.
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " نزل الله من ابن آدم أربع منازل، هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا ". وقال أبو سعيد في حبل الوريد: هو عروق العنق، وعنه هو نياط القلب، قال القشيري: في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم، ذكره الخطيب.
ثم ذكر الله سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاماً للحجة فقال:
стр. 9392
(إذ) أي أذكر إذ (يتلقى المتلقيان) ويجوز أن يكون الظرف منتصباً
стр. 9393
بما في أقرب من معنى الفعل، والمعنى أنه أقرب إليه من حبل وريده، حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، وبما يلفظ به، وما يعمل به، أي يأخذان ذلك ويثبتانه والتلقي الأخذ، وقيل: التلقي التلقن بالحفظ والكتابة، والمعنى نحن أعلم بأحواله غير محتاجين إلا الحفظة الموكلين به. وإنما جعلنا ذلك إلزاماً للحجة وتوكيداً للأمر.
(عن اليمين وعن الشمال قعيد) قال الحسن وقتادة: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك، أحدهما عن يمينك ويكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. وقال مجاهد أيضاًً: وكل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، روي أنهما قاعدان على ثنيتيه، لسانه قلمهما وريقه مدادهما ذكره أبو السعود وإنما قال قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان؛ لأن المراد عن اليمين قعيد. وعن الشمال قعيد. فحذف الأول لدلالة الثاني عليه؛ كذا قال سيبويه. وقال الأخفش والفراء: إن لفظ قعيد يصلح للواحد والإثنين والجمع. ولا يحتاج إلى تقدير في الأول. قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة والنحو: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع، والقعيد المقاعد، كالجليس بمعنى المجالس لفظاً ومعنى.
стр. 9394
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) أي ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لدى ذلك اللافظ ملك يرقب قوله ويكتب، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين. وكاتب الشر ملك الشمال. والعتيد الحاضر المهيأ. قال الجوهري: العتيد المهيأ. يقال: عتده تعتيداً وأعتده إعتاداً. أي أعده. ومنه: (وأعتدت لهن متكأً) والمراد ههنا أنه معد للكتابة مهيأ لها. والإفراد في رقيب عتيد مع إطلاعهما معاً على ما صدر منه لما أن كل منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض لصاحبه كما ينبىء عنه قوله: عتيد. وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص. فعلم أن كلاً منهما يقال له:
стр. 9395
(رقيب عتيد). ويعلم من هذه الآية أن الملكين معدان لذلك بخلاف الأولى فإنه لا يعلم منها ذلك، وأيضاًً يعلم من هذه صريحاً أن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى، قال أبو سعيد في الآية: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) وقال ابن عباس: إنما يكتب الخير والشر، لا يكتب يا غلام أسرج الفرس يا غلام أسقني الماء.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " (١).
وعن عمرو بن ذر قال رسول الله ﷺ : " إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول " أخرجه أحمد وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وابن أبي شيبة وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً مثله.
стр. 9396
(وجاءت سكرة الموت) لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من الموت والبعث، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذاناً بتحققها، وغاية اقترابها، والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ومعنى (بالحق) أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، وقيل: الحق هو الموت نفسه، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذا قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود.
والسكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين، وقيل الباء
стр. 9397
للملابسة كالتي في قوله: (تنبت بالدهن) أي متلبسة بالحق أي بحقيقة الحال وقيل بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عياناً وهو نفس الشدة قاله الجلال المحلي وقال القاري: لم يظهر لي معنى هذه العبارة، وممكن أن يقال الضمير في قوله هو راجع لأمر الآخرة، والمراد بالشدة الأمر الشديد، وهو أهوال الآخرة فعلى هذا تكون هذه الجملة تفسيراً لقوله من أمر الآخرة، وقيل بالحكمة وقيل بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة.
(ذلك) أي الموت (ما كنت منه تحيد) أي الذي كنت تميل عنه وتفر منه في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار، يقال: حاد عن الشيء يحيد حيوداً وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل. وقال الحسن: تحيد تهرب، وقيل تفزع، وقيل: تكره، وقيل تنفر
стр. 9398
(ونفخ في الصور) عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، وهذه هي النفخة الآخرة للبعث عطف على جاءت سكرة الموت والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، وهو من العظمة بحيث لا يعلم قدره إلا الله، وقد التقمه إسرافيل من حين بعث محمد ﷺ منتظراً للإذن بالنفخ ذكره الخطيب (ذلك) أي الوقت الذي يكون فيه النفخ في الصور، والفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان أيضاًً (يوم الوعيد) الذي أوعد الله به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله والمعنى يوم تحقق الوعيد وإنجازه.
стр. 9399
(وجاءت) فيه (كل نفس) من النفوس (معها سائق وشهيد) أي من يسوقها، ومن يشهد لها وعليها، واختلف في السائق والشهيد، فقال الضحاك: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم: يعني الأيدي والأرجل وقال الحسن وقتادة: سائق يسوقها؛ وشاهد يشهد عليها بعملها أي هما ملكان، وقيل: ملك جامع بين الوصفين، وقال ابن مسلم: السائق قرينها من الشياطين سمي سائقاً لأنه يتبعها وإن لم يحثها، والشهيد جوارحه وأعماله، وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان، وقيل: السائق كاتب السيئات
стр. 9400
والشهيد كاتب الحسنات، قال عثمان بن عفان: سائق ملك يسوقها إلى أمر الله وشهيد ملك يشهد عليها بما عملت، قال القرطبي: قلت هذا أصح.
وعن أبي هريرة قال: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال ابن عباس: السائق الملك والشهيد شاهد عليه من نفسه، ثم في الآية قولان.
أحدهما: أنها عامة في المسلم والكافر، وهو قول الجمهور.
الثاني: أنها خاصة بالكافر، قاله الضحاك ويقال للكافر:
стр. 9401
(لقد كنت في غفلة من هذا) وبه قال ابن عباس. وقال الضحاك: المراد بهذا المشركون، لأنهم كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال ابن زيد: الخطاب للنبي ﷺ ، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة، وقال أكثر المفسرين المراد به جميع الخلق برهم وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير لأنه ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة، قرأ الجمهور بفتح التاء من كنت وفتح الكاف في غطاءك وبصرك حملاً على ما في لفظ كل من التذكير وقرىء بالكسر في الجميع على أن المراد النفس.
(فكشفنا عنك غطاءك) الذي كان في الدنيا، يعني رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك، وقال ابن عباس: الحياة بعد الموت، قال البيضاوي: الغطاء الحاجب لأمور المعاد وهو الغفلة والإنهماك في المحسوسات، والإلف بها وقصور النظر عليها، قال السدي: المراد بالغطاء أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل إنه كان في القبر فنشر، والأول أولى.
(فبصرك اليوم حديد) أي: نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا، وتدرك به ما أنكرته فيها والبصر، قيل: هو بصر القلب، وقيل: بصر العين، وقال مجاهد: بصرك أي لسان ميزانك، حين توزن حسناتك وسيئاتك، وبه قال الضحاك.
(وقال قرينه) أي قال الملك الموكل به وهو الرقيب السابق ذكره قد تقدم أنه كاتب الحسنات وكاتب السيئات، وأن للإنسان رقيبين وهما العتيدان فإفراده لتأويله كما مر في الرقيب وفي الشهاب وزاده أن المراد بالقرين الجنس ولو جعلت الخطابات السابقة للكافر لكان وجه إفراد القرين ظاهراً.
(هذا ما لدي) أي عندي من كتاب عملك، وما موصولة أو نكرة موصوفة (عتيد) حاضر قد هيأته، كذا قال الحسن وقتادة والضحاك، وقال ابن عباس: قرينه شيطانه، وقال مجاهد: إن الملك يقول للرب سبحانه هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته، وأحضرت ديوان عمله. وروي عنه أنه قال: إن قرينه من الشيطان يقول ذلك أي: هذا ما قد هيأته لك بإغوائي وإضلالي وقال ابن زيد: إن المراد هنا قرينه من الإنس، وعتيد مرفوع على أنه صفة (ما) ما إن كانت موصوفة، وإن كانت موصولة فهو خبر.
стр. 9404
(ألقيا في جهنم) هذا خطاب من الله للسائق والشهيد، قال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به، وقيل: هو خطاب للملكين من خزنة النار وقيل هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل
стр. 9405
وتكريره. وقال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون أرحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاه للواحد، قال الفراء: العرب تقول للواحد قوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان. فجرى كلام الرجل للواحد على ذلك ومنه قولهم في الشعر خليلي، قال المازني: قوله (ألقيا) يدل على ألق ألق، قال المبرد: هي تثنية على التوكيد، فناب ألقيا مناب ألق ألق، أو الألف ليست للتثنية لا حقيقة ولا صورة بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة على حد قوله:
وابدلها بعد فتح ألفا ... وقفا كما تقول في قفن قفا
وأجرى الوصل مجرى الوقف كنسفعاً، ويؤيده قراءة الحسن في الشواذ ألقين بنون التوكيد الخفيفة، ولم يقرأ بهذه القراءة أحد من السبعة وقال الكرخي: الخطاب للملكين السائق والشهيد، على ما عليه الأكثر وهو الظاهر.
(كل كفار) للنعم (عنيد) مجانب للإيمان؛ معاند لأهله: قال مجاهد وعكرمة: العنيد المعاند للحق، وقيل: المعرض عن الحق يقال عند يعند بالكسر عنود إذا خالف الحق ورده، وهو يعرفه
стр. 9406
(مناع للخير) لا يبذل خيراً، ولا يؤدي زكاة مفروضة، أو كل حق وجب عليه في ماله (معتد) ظالم لا يقر بتوحيد الله (مريب) شك في الحق، من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب
стр. 9407
(الذي جعل مع الله إلهاً آخر) بدل من كل، أو منصوب على الذم أو بدل من كفار، أو مرفوع بالابتداء، والخبر: (فألقياه في العذاب الشديد) أي النار، تأكيد للأمر الأول أو بدل منه.
стр. 9408
(قال قرينه ربنا ما أطغيته) مستأنفة لبيان ما يقوله القرين، والمراد به هنا الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، أنكر أن يكون أطغاه ثم قال:
стр. 9409
(ولكن كان في ضلال بعيد) عن الحق، فدعوته فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه وقيل: إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته وإن الكافر يقول رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا كذا، قال مقاتل وسعيد ابن جبير والأول أولى، وبه قال الجمهور.
стр. 9410
(قال) تعالى: (لا تختصموا لدي) مستأنفة كأنه قيل: فماذا قال الله؟ فقيل قال: لا تختصموا لدي، يعني الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في مواقف الحساب، قال ابن عباس: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم (وقد قدمت إليكم بالوعيد) بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والباء مزيدة للتأكيد، أو على تضمين قدم معنى تقدم قيل: إن مفعول قدمت إليكم هو قوله: ما يبدل أي وقد قدمت إليكم هذا القول متلبساً بالوعيد وهذا بعيد جداً.
стр. 9411
(ما يبدل) أي ما يغير (القول لدي) في ذلك أي لا خلف لوعيدي، بل هو كائن لا محالة؛ وقد قضيت عليك بالعذاب فلا تبديل له وقيل: هذا القول هو قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)، وقيل: هو قوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، وقيل: المراد بالقول هو الوعيد بتخليد الكافر في النار ومجازاة العصاة على حسب استحقاقهم، وقال الفراء وابن قتيبة: معنى الآية أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا ينقص منه لعلمي بالغيب، وهو قول الكلبي، واختاره الواحدي لأنه قال: (لدي) ولم يقل: ما يبدل قولي قيل والمعنى لا تطمعوا أني أبدل وعيدي، والعفو عن بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو في حق عصاة المذنبين تدل على تخصيص الوعيد، ولا تخصيص في حق الكافر فالوعيد على عمومه في حقهم والأول أولى.
(وما أنا بظلام للعبيد) أي لا أعذبهم ظلماً بغير جرم اجترموه ولا
стр. 9412
ذنب أذنبوه، وقال ابن عباس في الآية: ما أنا بمعذب من لم يجترم ولما كان نفي الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم، قيل: إنه هنا بمعنى الظالم، كالتمّار بمعنى التامر، وقيل إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب، في معرض المبالغة في الظلم، وقيل: صيغة المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، وظالم لعبيده، وقيل ظلام بمعنى ذي ظلم لقوله: (لا ظلم اليوم) وإذا لم يظلم في هذا اليوم فنفي الظلم عنه في غيره أحرى فلا مفهوم له، وقيل غير ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران وفي سورة الحج.
стр. 9413
(يَوْمَ نَقُولُ) قرأ الجمهور بالنون، وقرىء بالياء، وقرىء أقول ويقال، والعامل في الظرف ما يبدل القول، أو محذوف، أي: اذكر يوم أو أنذرهم يوم نقول (لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ قيل هذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل، ولا سؤال ولا جواب؛ وبه قال الزمخشري، والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع، قال الكرخي: جعل الزمخشري هذا من باب المجاز مردود، لما ورد: تحاجت النار والجنة، واشتكت النار إلى ربها، ولا مانع من ذلك فقد سبح الحصى، وسلم الحجر على النبي ﷺ ، ولو فتح باب المجاز فيه لاتسع الخرق. قال النسفي: هذا على تحقيق القول من جهنم، وهو غير مستنكر، كإنطاق الجوارح والسؤال لتوبيخ الكفار، لعلمه تعالى أنها قد امتلأت أم لا، وقال الواحدي: قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله: (لأملأن جهنم) فلما امتلأت قال لها: هل امتلأت؟ وتقول هل من مزيد؟ أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلىء. وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان.
وقيل: إن هذا الإستفهام بمعنى الاستزادة، أي: أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها، وقيل إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها
стр. 9414
بأهلها. والمزيد؛ إما مصدر كالمجيد، أو إسم مفعول كالمبيع، فالأول بمعنى هل من زيادة والثاني: بمعنى هل من شيء تزيد فيه؟ قال ابن عباس: وهل في من مكان يزاد فيّ؟.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أنس قال: " قال رسول الله ﷺ : لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في فضول الجنة (١) هذا لفظ مسلم، وأخرجاه أيضاًً من حديث أبي هريرة نحوه، وفيه: فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط، قيل معنى القدم هنا القوم المتقدم إلى النار، ومعنى الرجل العدد الكثير من الناس وغيرهم، وفي الباب أحاديث، ومذهب جمهور السلف فيها الإيمان بها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تمثيل، وإمرارها على ظاهرها، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، قال القرطبي في تذكرته: باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها.
روي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يركب البحر رجل إلا غاز أو حاج معتمر، فإن تحت البحر ناراً " ذكره أبو عمرو وضعفه، قال ابن عمر: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم وضعفه أبو عمرو أيضاًً.
ثم لما فرغ الله سبحانه من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين فقال:
стр. 9415
(وأزلفت الجنة) أي: قربت وأدنيت (للمتقين) الذين اتقوا الشرك تقريباً (غير بعيد) أو مكاناً غير بعيد منهم، بحيث يشاهدونها ويرونها في الموقف، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقيل: المعنى أنها زينت لقلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب فصارت قريبة من قلوبهم، والأول أولى، وقيل: يطوي الله المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب، وذلك إكراماً للمؤمن وبياناً لشرفه وأنه ممن تمشي إليه وقيل: المراد قرب الدخول فيها لا بمعنى القرب المكاني، وقيل: معنى أزلفت جمعت محاسنها لأنها مخلوقة، أو أن المعنى قرب حصولها لأنها تنال بكلمة طيبة، وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها.
стр. 9416
(هذا) إشارة إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها (ما توعدون) والجملة بتقدير القول أي يقال لهم: هذا ما توعدون قرأ الجمهور بالفوقية، وقرىء بالتحتية (لكل أواب حفيظ) هو بدل من المتقين بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال، أي مقولاً لهم: لكل أواب، والأواب الرجاع إلى طاعة الله تعالى بالتوبة عن المعاصي، وقيل: هو المسبح، وقيل: هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها، وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ هو الحافظ حتى يثوب منها، وقال قتادة: هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته قال مجاهد وقيل: هو الحافظ لأمر الله، وقال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله له بالقبول، قال ابن عباس: حفيظ ذنوبه حتى رجع عنها، وقيل: حافظ لحدود الله.
стр. 9417
(من خشي الرحمن بالغيب) بدل أو بيان لكل أواب، أو بدل بعد بدل من المتقين، وفيه نظر، لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، والخبر: ادخلوها بتقدير يقال لهم: ادخلوها والخشية
стр. 9418
انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، والخشية بالغيب أن يخاف الله، ولم يكن رآه، وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد، قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الأبواب (وجاء بقلب منيب) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته، وقيل: بسريرة مرضية، وعقيدة صحيحة، وقيل: المنيب المقبل على الطاعة، وقيل السليم.
стр. 9419
(أدخلوها) الجمع باعتبار معنى من أي ادخلوا الجنة (بسلام) أي بسلامة من العذاب، وكل مخوف، وقيل: بسلام من الله أو من ملائكته، وقيل بسلامة من زوال النعم وحلول النقم، أي متلبسين به أو مع سلام، أي: ليسلم بعضكم على بعض، فالمراد السلام فيما بينهم، ولا مانع من حمل الآية الكريمة على كل (ذلك) إشارة إلى زمن ذلك اليوم الذي حصل فيه الدخول، كما قال أبو البقاء، وخبره: (يوم الخلود) وسماه يوم الخلود، لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبداً، وهذا القول في الدنيا إعلام وإخبار،
وليس ذلك قولاً يقوله عند قوله: ادخلوها، أو أن اطمئنان القلب بالقول أكثر.
стр. 9420
(لهم ما يشاؤون فيها) أي في الجنة ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من فنون النعم، وأنواع الخير (ولدينا مزيد) من النعم التي لم تخطر لهم على بال ولا مرت لهم في خيال قيل: هو النظر إلى وجهه الكريم، قاله جابر وقال أنس: يتجلى لهم الرب ﵎ في كل ليلة جمعة في دار كرامته، فهذا هو المزيد، وعن علي قال: يتجلى لهم الرب ، وقيل: إن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فيقلن: نحن المزيد الذي قال تعالى: ولدينا مزيد، وفي الباب روايات وأحاديث، ثم خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية قبلهم، فقال: