Полный текст (12 043 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.
стр. 9451
والخراص الذي يخرصها، وليس هو المراد هنا، قال ابن عباس في الآية: لعن المرتابون، وعنه قال: هم الكهنة وقيل: هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة ليصرفوا الناس عن الإسلام.
стр. 9452
(الذين هم في غمرة) أي في غفلة وعمى وجهالة عن أمور الآخرة وأصل الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ومنها غمرات الموت، قال ابن عباس: الغمرة الكفر والشوك (ساهون) أي لاهون غافلون، والسهو الغفلة عن الشيء، وذهابه عن القلب، وقال ابن عباس: في غفلة لاهون وعنه قال: في ضلالتهم يتمادون.
стр. 9453
(يسألون أيان يوم الدين)؟ أي يقولون متى يجيء يوم الجزاء، تكذيباً منهم واستهزاء، ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال:
стр. 9454
(يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون ويعذبون فيها يقال فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره وأصل الفتنة الإختبار، قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن، قال ابن عباس: يفتنون يعذبون قال الشهاب: أصلها إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في التعذيب والإحراق وعدى يفتنون بعلى لتضمنه معنى يعرضون.
стр. 9455
(ذوقوا فتنتكم) أي يقال لهم حين التعذيب: ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد، وقال مجاهد: حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة (هذا الذي كنتم به تستعجلون) من جملة ما هو محكي بالقول، أي: هذا ما كنتم تطلبون تعجيله في الدنيا استهزاء منكم، وقيل هي بدل من فتنتكم؛ ولما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة فقال:
стр. 9456
(إن المتقين في جنات وعيون) أي: هم كائنون في بساتين فيها عيون جارية في جهاتهم، وأمكنتهم، لا يبلغ وصفها الواصفون حال كونهم
стр. 9457
(آخذين) أي قابضين (ما آتاهم ربهم) شيئاً فشيئاًً من الخير والثواب
стр. 9458
والكرامة، راضين به ومسرورين، ومتلقين له بالقبول: لا يستوفونه بكماله، لإمتناع استيفاء ما لا نهاية له (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) الجملة تعليل لما قبلها أي لأنهم كانوا في الدنيا قبل دخولهم الجنة محسنين في أعمالهم الصالحة، من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه، قال ابن عباس: أي قبل أن تنزل الفرائض يعملون، ثم ذكر إحسانهم الذي وصفهم به فقال:
стр. 9459
(كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) الهجوع النوم بالليل دون النهار، وبابه خضع والهجعة النومة الخفيفة، والمعنى كانوا قليلاً ما ينامون من الليل ويصلون أكثره، وكذا قال المحلي، وما زائدة أو مصدرية أو موصولة، أي كانوا قليلاً من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه، والتهجاع القليل من النوم وقيل: ما نافية أي ما كانوا ينامون قليلاً من الليل، فكيف بالكثير منه وهذا ضعيف جداً، وهكذا قول من قال: إن المعنى كان عددهم قليلاً، ثم ابتدأ فقال: من الليل ما يهجعون، وبه قال ابن الأنباري، وهو أضعف مما قبله وقال قتادة في تفسير هذه الآية: كانوا يصلون بين العشاءين وبه قال أبو العالية وابن وهب، قال ابن عباس: ما تأتي عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا، إلا يصلون فيها، وعنه قال: يقول: قليلاً ما كانوا ينامون، وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
стр. 9460
(وبالأسحار هم يستغفرون) أي يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار، وقال الكلبي ومقاتل ومجاهد: هم بالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة، وقال الضحاك: هي صلاة الفجر، قال ابن عمر: يستغفرون يصلون، قال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل والمعنى يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين، ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره، وإن اجتهدوا سيد الخلق محمد ﷺ : لا أحصي ثناء عليك،
стр. 9461
وقيل: يستغفرون من تقصيرهم في العبادة، وقيل: من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال:
стр. 9462
(وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) أي يجعلون في أموالهم ويوجبون على أنفسهم، حقاً للسائل والمحروم، تقرباً إلى الله بمقتضى الكرم يصلون بها الأرحام والفقراء والمساكين، وقال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة والأولى أولى، فتحمل على صدقة النفل وصلة الرحم وقَرى الضيف لأن السورة مكية والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة وسيأتي في سورة (سأل سائل) و (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) بزيادة معلوم والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته، واختلف في تفسير المحروم فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنياً، فلا يتصدقون عليه، وبه قال قتادة والزهري، وقال الحسن ومحمد بن الحنفية: هو الذي لا سهم له في الغنيمة، ولا يجري عليه من الفيء شيء، وقال زيد بن أسلم: هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته.
وقال القرظي: هو الذي أصيب بجائحة، وقيل: الذي لا يتكسب، وقيل: هو الذي لا يجد غني يغنيه، وقيل: هو المملوك، وقيل: الكلب، وقيل غير ذلك، قال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي. والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته، ومن حرم العطاء، ومن حرم الصدقة لتعففه، وأظهر هذه الأقوال أنه المتعفف لأنه قرنه بالسائل، والمتعفف لا يسأل، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل، وإنما يفطن له متيقظ، قال ابن عباس: في أموالهم حق سوى الزكاة، يصل بها رحماً ويقري بها ضيفاً، أو يعين بها محروماً، وعنه قال: السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين، وعنه قال:
стр. 9463
المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس، فأمر الله المؤمنين برفده.
وعن عائشة في الآية قالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.
وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه، " عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي عن هذه الآية قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) ".
ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده، ووعده ووعيده، فقال:
стр. 9464
(وفي الأرض آيات) أي دلائل واضحة، وعلامات ظاهرة، من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة، المكذبة لما جاءت به رسل الله، ودعتهم إليه، وهي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي مجزأة فمن سهل ومن جبل صلبة ورخوة وعذبة وسبخة، وفيها معادن مفتتة، ودواب منبثة، مختلفة الصور والأشكال متباينة الهيئات والأفعال إلى غير ذلك من بدائع صنعه وصنائع قدرته وحكمته وتدبيره.
(للموقنين) أي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني، الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون، بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأويلها، فازدادوا إيقاناً على إيقانهم، وخص الموقنين بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به.
стр. 9465
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)
стр. 9466
(وفي أنفسكم) في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل، فإنه خلقهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، إلى أن ينفخ فيهم الروح، ثم تختلف بعد ذلك صورهم، وألوانهم، وطبائعهم، وألسنتهم، ثم نفس خلقهم على هذه الصورة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطرة وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها، دع الأسماع والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما سوى ذلك في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل (فتبارك الله أحسن الخالقين).
وقيل يريد اختلاف الألسن والصور والألوان والطبائع، وقيل يريد سبيلي الغائط والبول، يأكل ويشرب، من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين، وقيل
стр. 9467
المراد بالأنفس الأرواح، أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات، ولا وجه لتخصيص شيء دون شيء، بل اللفظ أوسع من ذلك.
(أفلا تبصرون) أي: تنظرون بعين البصيرة والعبرة الأرض وما فيها، والأنفس وما فيها، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المنفرد بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا ضد، ولا ند، وأن وعده الحق، وقوله الحق، وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه.
стр. 9468
(وفي السماء رزقكم) أي سبب رزقكم وهو المطر فإنه سبب الأرزاق قال سعيد بن جبير والضحاك: الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج وقيل: المراد بالسماء السحاب أي وفي السحاب رزقكم وقيل: المراد بالسماء المطر وسماه سماء لأنه ينزل من جهتها وقال ابن كيسان: يعني وعلى رب السماء رزقكم قال: ونظيره (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وهو بعيد وقال سفيان الثوري: أي عند الله في السماء رزقكم وقيل المعنى وفي السماء تقدير رزقكم قرأ الجمهور بالإفراد، وقرىء أرزاقكم بالجمع.
(وما توعدون) من الجنة والنار قاله مجاهد، وقال عطاء: من الثواب والعقاب وقال الكلبي: من الخير والشر، وقال ابن سيرين: ما توعدون من أمر الساعة وبه قال الربيع، والأولى الحمل على ما هو الأعم من هذه الأقوال فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء والقضاء والقدر ينزل منها والجنة والنار فيها ثم أقسم بنفسه فقال:
стр. 9469
(فورب السماء والأرض إنه) أي إن ما أخبركم به في هذه الآيات (لحق) وقال الزجاج: هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات، قال الكلبي: يعني ما قص في الكتاب، وقال مقاتل: يعني من أمر الساعة وقيل إن (ما) في قوله: وما توعدون مبتدأ وخبره فورب السماء الخ، فيكون الضمير لما ثم قال سبحانه: (مثل ما إنكم تنطقون) أي كمثل نطقكم وما زائدة كذا قال
стр. 9470
بعض الكوفيين وقال الزجاج والفراء: أي لحق حقاً مثل نطقكم وقال المازني إن مثل مع ما بمنزلة شيء واحد فبنى على الفتح وقال سيبويه: هو مبني لإضافته إلى غير متمكن قرأ الجمهور بنصب مثل على تقدير كمثل نطقكم وقرىء بالرفع على أنه صفة لحق لأن مثل نكرة وإن أضيفت فهي لا تتعرف بالإضافة كغير، ورجح قول المازني أبو علي الفارسي.
ومعنى الآية تشبيه تحقيق ما أخبر الله عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده وهذا كما تقول إنه لحق كما إنك ههنا وإنه لحق كما أنت تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة.
عن أبي سعيد الخدري قال: " قال النبي ﷺ ، لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت " أسنده الثعلبي وذكره القرطبي وقال بعض الحكماء، معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره.
стр. 9471
(هل أتاك حديث ضيف إبراهيم)؟ ذكر سبحانه قصة إبراهيم ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك وفي الإستفهام تفخيم للحديث وشأنه وتنبيه على أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله ﷺ وأنه إنما علم طريق الوحي وقيل إن (هل) بمعنى قد كما في قوله: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) والضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة وقد تقدم الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود، وسورة الحجر (المكرمين) أي: إنهم مكرمون عند الله سبحانه لأنهم ملائكة جاؤوا إليه في صورة بني آدم كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى (بل عباد مكرمون) وقيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وقال مجاهد ومقاتل: أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم وكان لا يقوم على رؤوس الضيف
стр. 9472
وأمر امرأته أن تخدمهم، وقال الكلبي: أكرمهم بالعجل أي عجل لهم القرى وقيل لأنهم كانوا ضيف إبراهيم، وهو أكرم الخلق على الله يومئذ وضيف الكريم مكرمون، وقيل: لأنهم كانوا غير مدعوين والأول أولى.
стр. 9473
(إذ دخلوا عليه) العامل في الظرف الحديث، أي: هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه، أو ضيف لأنه مصدر، أو المكرمين، أو محذوف، أي: أذكر كذا ذكر السمين (فقالوا سلاماً) أي نسلم عليك سلاماً، ويحتمل أن يكون المعنى فقالوا كلاماً حسناً لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو فيكون على هذا مفعولاً به.
(قال سلام) أي قال إبراهيم سلام، والمراد به التحية، قرأ الجمهور بنصب سلام الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: عليكم سلام والعدول إلى الرفع لقصد إفادة، الجملة الاسمية للدوام والثبات، بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة، وقرىء بالرفع في الموضعين، وقرىء بالنصب فيهما وقرىء سلم بكسر السين وقرىء سلم فيهما.
(قوم) أي أنتم قوم (منكرون) قيل: إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به لأن ذلك يخالف الإكرام، قيل: إنه أنكرهم لكونهم ابتدأوا بالسلام، ولم يكن ذلك معهوداً عند قومه، وقيل: إنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية، وقيل: لأنه رآهم على غير صور الملائكة الذين يعرفهم وقيل لأنهم دخلوا بغير استئذان، وقيل: المعنى أنتم غرباء ولا نعرفكم، فعرفوني من أنتم وقيل غير ذلك.
стр. 9474
(فراغ) أي عدل (إلى أهله) قاله الزجاج: أي الذين كان عندهم بقرة، وكان عامة ماله البقر قاله الخطيب، فالمراد بأهله خدمه كالرعاء، وقيل؛ ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، والمعنى متقارب، وقد تقدم تفسيره
стр. 9475
في سورة الصافات. يقال: راغ وارتاغ أي: طلب وماذا تريغ، أي تريد وتطلب وراغ إلى كذا مأل إليه سراً وجاد (فجاء بعجل سمين) أي: فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم، كما في سورة هود (بعجل حنيذ)، وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة أي: فذبح عجلاً فحنذه، فجاء به، قال في الصحاح: العجل ولد البقر، والعجول مثله، والجمع العجاجل والأنثى عجلة، وقيل: العجل في بعض اللغات الشاة.
стр. 9476
(فقربه) أي قرب العجل (إليهم) ووضعه بين أيديهم وعرض عليهم الأكل و (قال ألا تأكلون) الإستفهام للإنكار، وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه، أو للعرض، أو للتحضيض
стр. 9477
(فأوجس منهم خيفة) أي أحس في نفسه خوفاً منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم، وقيل: معنى أوجس أضمر، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه، ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمناً منه، فظن إبراهيم أنهم جاؤوا للشر، ولم يأتوا للخير، وفي زاده أن الإنكار الحاصل قبل تقريب العجل كما مر في هود بمعنى عدم العلم بأنهم من أي بلدة، والإنكار الحاصل بعده بمعنى عدم العلم بأنهم دخلوا عليه لقصد الخير أو الشر، فإن من امتنع من تناول الطعام يخاف من شره، وقيل: إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف (قالوا لا تخف) وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه.
(وبشروه بغلام عليم) أي ذي علم كثير عند أن يبلغ مبالغ الرجال والمبشر به عند الجمهور هو إسحق وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل وهو مردود بقوله: (وبشرناه بإسحق) وقد قدمنا تحقيق هذا الكلام في هود بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره
стр. 9478
(فأقبلت امرأته) أي سارة (في صرة) لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي كذا قال الفراء وغيره، والصرة الصيحة والضجة. أي: جاءت صائحة لأنها لما بشرت بالولد وجدت حرارة الدم، أي دم الحيض، وقيل الصرة:
стр. 9479
الجماعة من الناس، قال الجوهري: الضجة والصيحة والصرة الجماعة، والصرة الشدة من حرب أو غيره، وقال عكرمة وقتادة: إنها الرنة والتأوه، والمعنى أنها كانت في زاوية من زوايا البيت تنظر إليهم فأقبلت في صيحة أو ضجة أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة.
(فصكت وجهها) أي ضربت بيدها مبسوطة على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب، قال مقاتل والكلبي: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجباً، ومعنى الصك ضرب الشيء بالشيء العريض يقال: صكه أي ضربه، وقال ابن عباس: في صرة في صيحة، فصكت لطمت (وقالت) كيف ألد (وأنا عجوز عقيم) استبعدت ذلك لكبر سنها، ولكونها عقيماً لا تلد.
стр. 9480
(قالوا كذلك) أي: كما قلنا لك وأخبرناك (قال ربك) فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه، فإن ما أراد الله كائن لا محالة، ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، ذكره القرطبي، وقد سبق بيان هذا مستوفى وجملة (إنه هو الحكيم العليم) تعليل لما قبلها أي حكيم في أفعاله وأقواله عليم بكل شيء.
стр. 9481
(قال فما خطبكم)؟ مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة؟ والخطب الشأن والقصة، والمعنى فما شأنكم وقصتكم؟ (أيها المرسلون) من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة؟.
стр. 9482
(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي كافرين يريدون قوم لوط
стр. 9483
(لنرسل) أي لننزل (عليهم) من السماء (حجارة) أي: لنرجمهم بحجارة (من طين) متحجرة مطبوخ بالنار، واستدل به على وجوب الرجم بالحجارة على اللائط.
стр. 9484
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)
стр. 9485
(مسومة) صفة لحجارة أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها وصفت بالجار والمجرور، أي: معلمة بعلامات تعرف به، قيل: كانت مخططة بسواد وبياض، وقيل: بسواد وحمرة، وقيل: معروفة بأنها حجارة العذاب، وقيل: مكتوب على كل حجر من يهلك بها (عند ربك) ظرف لمسومة أي: معلمة عنده (للمسرفين) المتمادين في الضلال المجاوزين الحد في الفجور بإتيانهم الذكور، وقال مقاتل: المشركين والشرك أسرف الذنوب وأعظمها، قال السدي ومقاتل: كانوا ستمائة ألف فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم وكانت أربعة، ورفع حتى سمع أهل السماء أصواتهم، ثم قلبها، ثم أرسل عليهم الحجارة فتتبعت الحجارة شذاذهم ومسافريهم، أفاده زاده، وهو جمع شاذ أي الخارجين منهم عن أرضهم.
стр. 9486
(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) هذا كلام من جهة الله سبحانه أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به، والفاء مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بذكرها في مواضع أخر، كأنه
стр. 9487
قيل فباشروا ما أمروا به فأخرجنا من كان فيها بقولنا (فأسر بأهلك)
стр. 9488
(فما وجدنا فيها) أي في قرى قوم لوط، وهي وإن لم تذكر لكن دل عليها السياق.
(غير بيت من المسلمين) أي غير أهل بيت، يقال بيت شريف ويراد به أهله، قيل: وهم أهل بيت لوط، وقال مجاهد: لوط وابنتاه، وعن سعيد بن جبير قال كانوا ثلاثة عشر ونحوه قال الأصفهاني والإسلام الإنقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه فكل مؤمن مسلم، ومن ذلك قوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) وقد أوضح الفرق رسول الله ﷺ بين الإسلام والإيمان في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق أنه سئل عن الإسلام فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، وسئل عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " (١) فالمرجع في الفرق بينهما هو الذي قاله الصادق المصدوق ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة مختلة متناقضة.
وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية، والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ ، وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها، قال الكرخي: فيه إشارة إلى ما قاله الخطابي وغيره، أن المسلم قد يكون مؤمناً، وقد لا يكون والمؤمن مسلم دائماً فهو أخص، وبهذا يستقيم تأويل الآيات والأحاديث стр. 9489
(وتركنا فيها) أي في تلك القرى بعد إهلاك الكافرين (آية) أي: علامة ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب. وهي تلك الأحجار أو صخر منضود أو ماء أسود منتن خرج من أرضهم أو آثار العذاب في تلك القرى فإنها ظاهرة
стр. 9490
بينة، وقيل هذه الآية المتروكة نفس القرى الخربة.
(للذين يخافون العذاب الأليم) أي كل من يخاف عذاب الله ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم، فلا يفعل مثل فعلهم وإنما خص هؤلاء لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ، ويتفكرون في الآيات دون غيرهم، ممن لا يخاف ذلك، وهم المشركون المكذبون بالبعث، والوعد والوعيد
следующие страницы →