(هذا) إشارة إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها (ما توعدون) والجملة بتقدير القول أي يقال لهم: هذا ما توعدون قرأ الجمهور بالفوقية، وقرىء بالتحتية (لكل أواب حفيظ) هو بدل من المتقين بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال، أي مقولاً لهم: لكل أواب، والأواب الرجاع إلى طاعة الله تعالى بالتوبة عن المعاصي، وقيل: هو المسبح، وقيل: هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها، وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ هو الحافظ حتى يثوب منها، وقال قتادة: هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته قال مجاهد وقيل: هو الحافظ لأمر الله، وقال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله له بالقبول، قال ابن عباس: حفيظ ذنوبه حتى رجع عنها، وقيل: حافظ لحدود الله.
стр. 9417
(من خشي الرحمن بالغيب) بدل أو بيان لكل أواب، أو بدل بعد بدل من المتقين، وفيه نظر، لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، والخبر: ادخلوها بتقدير يقال لهم: ادخلوها والخشية
стр. 9418
انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، والخشية بالغيب أن يخاف الله، ولم يكن رآه، وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد، قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الأبواب (وجاء بقلب منيب) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته، وقيل: بسريرة مرضية، وعقيدة صحيحة، وقيل: المنيب المقبل على الطاعة، وقيل السليم.
стр. 9419
(أدخلوها) الجمع باعتبار معنى من أي ادخلوا الجنة (بسلام) أي بسلامة من العذاب، وكل مخوف، وقيل: بسلام من الله أو من ملائكته، وقيل بسلامة من زوال النعم وحلول النقم، أي متلبسين به أو مع سلام، أي: ليسلم بعضكم على بعض، فالمراد السلام فيما بينهم، ولا مانع من حمل الآية الكريمة على كل (ذلك) إشارة إلى زمن ذلك اليوم الذي حصل فيه الدخول، كما قال أبو البقاء، وخبره: (يوم الخلود) وسماه يوم الخلود، لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبداً، وهذا القول في الدنيا إعلام وإخبار،
وليس ذلك قولاً يقوله عند قوله: ادخلوها، أو أن اطمئنان القلب بالقول أكثر.
стр. 9420
(لهم ما يشاؤون فيها) أي في الجنة ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من فنون النعم، وأنواع الخير (ولدينا مزيد) من النعم التي لم تخطر لهم على بال ولا مرت لهم في خيال قيل: هو النظر إلى وجهه الكريم، قاله جابر وقال أنس: يتجلى لهم الرب ﵎ في كل ليلة جمعة في دار كرامته، فهذا هو المزيد، وعن علي قال: يتجلى لهم الرب ، وقيل: إن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فيقلن: نحن المزيد الذي قال تعالى: ولدينا مزيد، وفي الباب روايات وأحاديث، ثم خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية قبلهم، فقال:
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) أي قبل قريش ومن وافقهم (من قرن) أي أمة كثيرة من الكفار (هم أشد منهم بطشاً) أي: قوة كعاد وثمود وغيرهم (فنقبوا في البلاد) قرىء بتشديد القاف على الماضي، والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب، أي ساروا وتقلبوا فيها، وطافوا بقاعها طلباً للهرب، وأصله من النقب وهو الطريق، قال مجاهد: ضربوا وطافوا، وقال النضر بن شميل: دوروا، وقال المؤرج: تباعدوا، والأول أولى؛ وقرأ ابن عباس وغيره نقبوا بفتح القاف مخففة والنقب هو الخرق والطريق في الجبل وكذا المنقب والمنقبة؛ كذا قال ابن السكيت: وجمع النقب نقوب؛ وقرىء بكسر القاف مشددة على الأمر للتهديد، أي طوفوا فيها وسيروا في جوانبها.
ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم وتفتيشهم توجه سؤال فيه تنبيه الغافل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله (هل من محيص)؟ لهم أو لغيرهم: أي من معدل ومحيد، ومهرب يهربون إليه من الموت أو مخلص يتخلصون به من العذاب؛ ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا؛ وهل حرف استفهام، ومن زائدة، قال الزجاج: لم يروا محيصاً من الموت؛ والمحمص
стр. 9423
مصدر حاص عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصاً ومحاصاً وحيصاناً أي عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم ولا مفر، وهي من كلام الله تعالى، إذ لو كانت من كلامهم لكان التقدير هل من محيص لنا؟ فليتأمل وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت والعذاب مفراً.
стр. 9424
(إن في ذلك لذكرى) أي فيما ذكر من قصتهم في هذه السورة من أولها إلى آخرها تذكرة وموعظة (لمن كان له قلب) أي عقل، قال الفراء: وهذا جائز في العربية تقول مالك قلب. وما قلبك معك أي مالك عقل وما عقلك معك، وقيل: المراد القلب نفسه، لأنه إذا كان سليماً أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي، وقيل لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن ذلك بالقلب، لأنه وطنها ومعدن حياتها (أو ألقى السمع) أي استمع ما يقال له من الوعظ وغيره يقال: ألق سمعك إليّ أي استمع مني، والمعنى: أنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى على تلك الأمم.
قرأ الجمهور ألقى مبنياً للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول ورفع السمع وأو مانعة الخلو، لا مانعة الجمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب كما يلوح به قوله (وهو شهيد) أي حاضر الفهم أو حاضر القلب لأن من لا يفهم، في حكم الغائب وإن حضر بجسمه فهو لم يحضر بفهمه، قال الزجاج: أي وقلبه حاضر فيما يسمع؛ قال سفيان: أي لا يكون حاضراً وقلبه غائب قال مجاهد وقتادة: هذه الآية في أهل الكتاب، وكذا قال الحسن، وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة.
стр. 9425
(ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) أولها الأحد وآخرها الجمعة، فخلق الأرض في يومين ومنافعها في يومين والسموات في يومين ولو شاء لخلق الكل في أقل من لمح البصر، ولكنه تعالى من فضله علمنا
стр. 9426
بذلك التأني في الأمور، واليوم قد يطلق ويراد به الوقت والحين، وقد يعبر به عن مدة الزمان، أي مدة كانت وقد تقدم تفسير هذة الآية في سورة الأعراف وغيرها مراراً.
(وما مسنا من) زائدة (لغوب) أي تعب وإعياء، يقال: لغب يلغب بالضم لغوباً وقال ابن عباس: لغوب نصب، قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: نزلت رداً على اليهود في قولهم: إن الله استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فلذلك تركوا العمل فيه، فأكذبهم الله بقوله: وما مسنا من لغوب، وانتفاء التعب عنه لتنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، ولعدم المماسة بينه وبين غيره إنما أمره إذا أراد شيئاًً أن يقول له كن فيكون قال الرازي: والظاهر أن المراد الرد على المشركين، والاستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما في أمر البعث وأما ما قاله اليهود ونقلوه فهو ما تحرف منهم، أو لم يعلموا تأويله.
стр. 9427
(فاصبر على ما يقولون) هذه تسلية للنبي ﷺ ، وأمر له بالصبر على ما يقوله المشركون، أي هون عليك ولا تحزن لقولهم، وتلق ما يرد عليك منهم بالصبر (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) أي نزه الله عما لا يليق بجنابه العالي، متلبساً بحمده وقت الفجر ووقت العصر، وقيل: المراد صلاة الفجر وصلاة العصر، قاله ابن عباس، وقيل الصلوات الخمس، وقيل: صلِّ ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، والأول أولى
стр. 9428
(ومن الليل فسبحه) من للتبعيض أي سبحه بعض الليل، وقيل: هي صلاة الليل، وقيل ركعتا الفجر، وقيل صلاة العشاء والأول أولى.
(وإدبار السجود) أي وسبحه أعقاب الصلوات، قرأ الجمهور بفتح الهمزة جمع دبر، وقرىء بكسرها على المصدر من أدبر الشيء إدباراً إذا ولّى وقال جماعة من الصحابة والتابعين: إدبار السجود الركعتان بعد المغرب،
стр. 9429
وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، وقد اتفق القراء السبعة في إدبار النجوم أنه بكسر الهمزة.
وعن ابن عباس قال: " بت عند رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب إدبار السجود " (١) أخرجه الترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه وابن أبي حاتم.
وعن علي بن أبي طالب قال: " سألت رسول الله ﷺ عن إدبار النجوم وإدبار السجود فقال: إدبار السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم ركعتان قبل الغداة " أخرجه مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ إدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر، وعن أبي هريرة مثله، وقال ابن عباس أمره أن يسبح في إدبار الصلوات كلها، وبه قال مجاهد، قال الكرخي:
لخبر أبي هريرة في الصحيح مرفوعاً " من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فذلك تسعة وتسعون وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر " (٢).
стр. 9430
(واستمع) ما يوحى إليك من أحوال القيامة، وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به، وقيل: الاستماع بمعنى الانتظار وهو بعيد، وقيل
стр. 9431
استمع النداء والصوت أو الصيحة، قاله ابن عباس (يوم يناد المناد) هو إسرافيل أو جبرائيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي بالحشر، وهي صيحة القيامة، أعني النفخة الثانية في الصور من إسرافيل، وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي أهل المحشر ويقول هلموا للحساب، فالنداء على هذا في المحشر، قال الشهاب: وهو الأصح، كما دلت عليه الآثار.
قال مقاتل: هو إسرافيل ينادي في المحشر فيقول: يا أيها الناس هلموا للحساب، وقيل ينادي أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
(من مكان قريب) من السماء حيث يصل النداء إلى كل فرد من أفراد المحشر، قال قتادة: كنا نتحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس، وبه قال ابن عباس، قال الكلبي: وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء بإثني عشر ميلاً، وهي وسط الأرض، وقال (١) كعب بثمانية عشر ميلاً
стр. 9432
(يوم يسمعون) أي الخلق كلهم (الصيحة بالحق) يعني صيحة البعث، وهي النفخة الثانية من إسرافيل، ويحتمل أن تكون قبل ندائه وبعده قاله الجلال المحلي، وهذا غير مستقيم لأن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة كما في قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة) قال الكلبي: معنى بالحق بالبعث، وهو حال من الواو أي يسمعون متلبسين بالحق، أو من الصيحة أي متلبسة بالحق، وقال مقاتل: يعني أنها كائنة حقاً.
(ذلك) أي يوم النداء والسماع (يوم الخروج) من القبور، قال ابن عباس: أي يوم يخرجون إلى البعث من القبور، يعني يعلمون عاقبة تكذيبهم
стр. 9433
(إنا نحن نحيي) في الآخرة (ونميت) في الدنيا، لا يشاركنا في
стр. 9434
ذلك مشارك، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث (وإلينا المصير) فنجازي كل عامل بعمله.
стр. 9435
(يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً) أي حال كونهم مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم (ذلك حشر) أي بعث وجمع (علينا يسير) هين، وتقديم الظرف يدل على الاختصاص، أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن، ثم عزى الله سبحانه نبيه ﷺ فقال:
стр. 9436
(نحن أعلم بما يقولون) من تكذيبك فيما جئت به، ومن إنكار البعث والتوحيد.
(وما أنت عليهم بجبار) أي بمسلط، تجبرهم وتقهرهم على الإيمان والآية منسوخة بآية السيف، وجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي، فإن فعالاً إنما يبنى من الثلاثي وفي المصباح أجبرته على كذا بالألف حملته عليه قهراً وغلبة. فهو مجبر، هذه لغة عامة العرب وفي لغة لبني تميم وكثير من أهل الحجاز جبرته جبراً من باب قتل، حكاه الأزهري، ثم قال جبرته لغتان جيدتان، وقال الخطابي: الجبار الذي جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال جبره السلطان وأجبره بمعنى ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: وما أنت عليهم بجبار، أن الثلاثي لغة حكاها الفراء وغيره واستشهد لصحتها بما معناه أنه لا يبنى فعال إلا من فعل ثلاثي نحو الفتاح والعلام ولم يجيء من أفعل بالألف الإدراك، فإن حمل جبار على هذا المعنى فهو وجيه، قال الفراء: وقد سمعت العرب تقول جبرته على الأمر وأجبرته وإذا ثبت ذلك فلا يعول على قول من ضعفها.
(فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد) أي وعيدي لعصاتي بالعذاب وأما من عداهم فلا تشتغل بهم، ثم أمره الله سبحانه بعد ذلك بالقتال قال ابن عباس قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) وهم المؤمنون.
والذاريات ذرواً) يقال ذرت الريح التراب تذروه ذرواً، وأذرته تذريه ذرياً، أقسم الله سبحانه بالرياح التي تذر والتراب وغيره، وقيل: المقسم به مقدر، وهو رب الذاريات وما بعدها، والأول أولى، عن علي قال: الذاريات الرياح، وقال غيره النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد.
стр. 9440
(فالحاملات وقراً) قال علي: هي السحاب، أي تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر، وانتصاب وقراً على أنه مفعول به كما يقال: حمل فلان عدلاً ثقيلاً، قرأ الجمهور بكسر الواو اسم ما يوقر، أي يحمل وقرىء بفتحها على أنه مصدر، وقيل: الرياح الحاملات للسحاب، أو النساء الحوامل
стр. 9441
(فالجاريات يسراً) قال علي: هي السفن أي الجارية في البحر بالرياح جرياً سهلاً أي جرياً ذا يسر، وقيل: هي الرياح الجارية في مهابها أو الكواكب التي تجري في منازلها، وقيل: السحاب والأول أولى واليسر السهل في كل شيء.
стр. 9442
(فالمقسمات أمراً) قال علي: الملائكة، وعن عمر بن الخطاب مثله، ورفعه إلى النبي ﷺ وفي إسناده أبو بكر بن سبرة وهو ضعيف لين الحديث وسعيد بن سلام وليس من أصحاب الحديث كذا قال البزار، قال ابن كثير: فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، وعن ابن عباس مثل قول علي، يعني الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة أو الرياح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب.
قال الفراء: تأتي الملائكة بأمر مختلف، جبريل بالغلظة والوحي إلى الأنبياء وميكائيل صاحب الرحمة والرزق، وملك الموت يأتي بالموت وإسرافيل صاحب الصور واللوح، وقيل تأتي بأمر مختلف بالجدب والخصب والمطر والموت والحوادث، وقيل هي السحب التي يقسم الله بها أمر العباد، وقيل: إن المراد بهذه الأوصاف الأربعة الرياح كما تقدم، فإنها توصف بجميع ذلك لأنها تذرو التراب، وتحمل الأثقال وتجري في الهواء وتقسم الأمطار وهو ضعيف جداً. والترتيب في هذه الأقسام ترتيب ذكرى ورتبى باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على قدرته تعالى، أقسم الله بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته وقدرته لكونها أموراً بديعة مخالفة لمقتضى العادة، فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود به.
стр. 9443
(إنما توعدون لصادق) هذا جواب القسم وما مصدرية أو موصولة أي إن ما توعدون من الثواب والعقاب لكائن لا محالة
стр. 9444
(وإن الدين) أي الحساب والجزاء على الأعمال (لواقع) أي حاصل وكائن لا محالة، ثم ابتدأ قسماً آخر فقال:
стр. 9445
(والسماء) المراد بها هنا هي المعروفة، وقيل المراد بها السحاب والأول أولى.
(ذات الحبك) قرأ الجمهور بضم الحاء والباء، وقرىء بضمها وسكون الباء وقرىء بكسر الحاء وفتح الباء وبكسر الحاء وضم الباء قال
стр. 9446
ابن عطية: هي لغات قال الجلال المحلي: جمع حبيكة كطريقة وطرق، أي صاحبة الطرق في الخلقة، كالطرق في الرمل، واختلف المفسرون في تفسير الحبك فقال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم: المعنى ذات الخلق المستوي الحسن، قال ابن الأعرابي: كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته واحتبكته، وقال الحسن وسعيد ابن جبير: ذات الزينة، وروي عن الحسن أيضاًً إنه قال: ذات النجوم وقيل: ذات البنيان المتقن، وقال الضحاك: ذات الطرائق، وبه قال الفراء: يقال لما تراه من الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك، قال الفراء الحبك تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء إذا مرت به الريح، ويقال لدرع الحديد حبك وقيل: الحبك الشدة أي والسماء ذات الشدة، والمحبوك الشديد الخلق من فرس أو غيره.
قال الواحدي بعد حكاية القول الأول: هذا قول الأكثرين، قال ابن عباس: والسماء ذات الحبك أي حسنها واستوائها، وعنه قال: ذات البهاء والجمال، وإن بنيانها كالبرد المسلسل، وعنه قال: ذات الخلق الحسن: وعن ابن عمر مثله، وعن علي قال: هي السماء السابعة، واستعمال الحبك في الطرائق هو الذي عليه أهل اللغة، وإن كان الأكثر من المفسرين على خلافه، على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا، وذلك بأن يقال إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سبباً لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة لها، وفي البيضاوي ذات الحبك ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي تسلكها البطار ونتوصل بها إلى المعارف أو النجوم فإنها لها طرائق، أو منها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي.
стр. 9447
(إنكم) هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك أي إنكم يا أهل مكة (لفي قول مختلف) متناقض في شأن محمد ﷺ والقرآن، بعضكم يقول: إنه شاعر وبعضكم يقول إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه
стр. 9448
مجنون، والقرآن شعر سحر كهانه ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء، وقيل: المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفي الحشر، وبعضهم يشك فيه، وقيل كونهم يقرون أن الله خالقهم ويعبدون الأصنام، وقيل: (قول مختلف) مصدق مكذب.
стр. 9449
(يؤفك عنه من أفك) أي يصرف عن الإيمان برسول الله ﷺ وبما جاء به أو عن الحق وهو البعث والتوحيد من صرف عن الهداية في علم الله تعالى يقال أفكه يأفكه إفكاً أي قلبه عن الشيء وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا، وقال مجاهد: يؤفن عنه من أفن، والأفن فساد العقل، وقيل يحرم منه من حرم، وقال قطرب: يخدع عنه من خدع، وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع، وقال ابن عباس: يضل عنه من ضل، وفي الخطيب قيل: إن هذا القول مدح للمؤمنين، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول ورشد إلى المستوى.
стр. 9450
(قتل الخراصون) هذا دعاء عليهم، وحكى الواحدي عن المفسرين جميعاً: أن المعنى لعن الكذابون، والمراد بالكذابين أصحاب القول المختلف، وأصل هذا التركيب الوعد بالقتل: أجري مجرى اللعن، واستعمل بمعناه تشبيهاً للملعون. الذي يفوته كل خير وسعادة بالمقتول الذي تفوته الحياة، وكل نعمة، وقال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك قال الفراء معنى قتل لعن، وفي القاموس ما يقتضي أن قتل يأتي بمعنى لعن، ونصه: (قتل الإنسان ما أكفره) أي: لعن (وقاتلهم الله) أي لعنهم، والخراصون الكذابون، الذين يتخرصون فيما لا يعلمون، فيقولون إن محمداً مجنون كذاب شاعر ساحر. قال الزجاج: الخراصون هم الكذابون، والخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً
стр. 9451
والخراص الذي يخرصها، وليس هو المراد هنا، قال ابن عباس في الآية: لعن المرتابون، وعنه قال: هم الكهنة وقيل: هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة ليصرفوا الناس عن الإسلام.
стр. 9452
(الذين هم في غمرة) أي في غفلة وعمى وجهالة عن أمور الآخرة وأصل الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ومنها غمرات الموت، قال ابن عباس: الغمرة الكفر والشوك (ساهون) أي لاهون غافلون، والسهو الغفلة عن الشيء، وذهابه عن القلب، وقال ابن عباس: في غفلة لاهون وعنه قال: في ضلالتهم يتمادون.
стр. 9453
(يسألون أيان يوم الدين)؟ أي يقولون متى يجيء يوم الجزاء، تكذيباً منهم واستهزاء، ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال:
стр. 9454
(يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون ويعذبون فيها يقال فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره وأصل الفتنة الإختبار، قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن، قال ابن عباس: يفتنون يعذبون قال الشهاب: أصلها إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في التعذيب والإحراق وعدى يفتنون بعلى لتضمنه معنى يعرضون.
стр. 9455
(ذوقوا فتنتكم) أي يقال لهم حين التعذيب: ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد، وقال مجاهد: حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة (هذا الذي كنتم به تستعجلون) من جملة ما هو محكي بالقول، أي: هذا ما كنتم تطلبون تعجيله في الدنيا استهزاء منكم، وقيل هي بدل من فتنتكم؛ ولما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة فقال: