(يتنازعون فيها) " أي يتعاطون ويتنازلون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم " (كأساً) " أي يتجاذب بعضهم الكأس من بعض، هذا من يد هذا، وهذا من يد هذا، تلذذاً وتأنساً، والكأس إناء الخمر، ويطلق على كل إناء مملوء من خمر أو غيره فإذا فرغ لم يسم (كأساً) (لا لغو فيها ولا تأثيم) قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي به، ولا ما فيه إثم، كما يجري بين من يشرب الخمر في الدنيا، واللغو من الكلام هو الذي لا نفع فيه ولا مضرة، والتأثيم تفعيل من الإثم، والضمير في (فيها) راجع إلى الكأس وقيل: إلى الجنة، ولا يجري فيها ما فيه إثم، والأولى أولى، قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم، وقال الضحاك: لا تأثيم أي لا كذب، قال قتادة: اللغو الباطل، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها، وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها، وقال ابن زيد لا سباب ولا تخاصم فيها، قال ابن عباس: لا باطل ولا كذب فيها.
стр. 9558
(ويطوف عليهم غلمان لهم) أي يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام والنحف وغير ذلك، مماليك لهم، وقيل: أولادهم، قال الكرخي: لم يضيفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحداً في الدنيا أن يكون خادماً له في الجنة، فيحزن بكونه لا يزال تابعاً، وقيل: إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم، وقيل: هم غلمان خلقوا في الجنة قال الكلبي: لا يكبرون أبداً، وقيل هم أولاد المشركين، وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية التنعم.
(كأنهم) في الحسن واللطافة والبهاء من بياضهم وصفائهم (لؤلؤ مكنون) أي مستور مصون في الصدف، لم تمسه الأيدي، لأنه ما دام رطباً أحسن وأصفى، أو محزون لأنه لا يحزن إلا الثمين الغالي القيمة، قال الكسائي: كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته جعلته في
стр. 9559
الكن، ومنه كننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة.
стр. 9560
(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضاً في الجنة عن حاله، وما كان فيه من تعب الدنيا، وخوف العاقبة، فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم، وما كانوا فيه من الكد والنكد، بطلب المعاش وتحصيل ما لا بد منه من الرزق، وما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة وقيل: يقول بعضهم لبعض: بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة؟ وقيل: إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور، والأول أولى، لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة.
أخرج البزار، عن " أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكىء ذا ويتكىء ذا فيتحدثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما: يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا، يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا " (١).
стр. 9561
(قالوا) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل؟ فقيل: قالوا إيماء إلى علة الوصول لما هم فيه من النعيم ومحط العلة قوله الآتي: (فمنّ الله علينا) (إنا كنا قبل) أي: من قبل الآخرة، وذلك في الدنيا (في أهلنا مشفقين) أي خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا خائفين من عصيان الله أو من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئات، والمقصود إثبات خوفهم في سائر الأوقات، والأحوال بطريق الأولى، فإن كونهم بين أهليهم مظنة الأمن، فإذا خافوا في تلك الحال، فلأن يخافوا دونها أولى، ولعل الأولى أن يجعل إشارة إلى معنى الشفقة على خلق الله، كما أن قوله الآتي (إنا كنا من قبل ندعوه)، إشارة إلى التعظيم لأمر الله.
стр. 9562
(فمن الله علينا) بالمغفرة والرحمة وبالتوفيق لطاعته (ووقانا عذاب السموم) يعني عذاب جهنم والسموم من أسماء جهنم كذا قال الحسن ومقاتل وقال الكلبي وأبو عبيدة: هو عذاب النار، وقال الزجاج: سموم جهنم ما يوجد من حرها، قال أبو عبيدة: السموم بالنهار، وقد يكون بالليل، والحرور بالليل، وقد يكون بالنهار، وقد يستعمل السموم في لفح البرد، وهو في لفح الشمس والحر أكثر، وقيل: سميت الريح سموماً لأنها تدخل المسام وهي في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام، والجمع سمائم، وقيل: سم يومنا أي: اشتد حره، قالت عائشة: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها، وقالوا إيماء أيضاًً إلى علة الوصول:
стр. 9563
(إنا كنا من قبل ندعوه) أي نوحد الله ونعبده أو نسأله أن يمن علينا بالمغفرة والرحمة، ومحط العلة قوله: (إنه هو البر الرحيم) قرىء إنه بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها أي: لأنه، والبر كثير الإحسان، وقيل: اللطيف، قاله ابن عباس، والرحيم كثير الرحمة لعباده.
стр. 9564
(فذكر) أي اثبت ودم على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير (فما أنت بنعمة ربك) التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل، وعلو الهمة، والنبوة وكرم الفعال، وطهارة الأخلاق، أو ما أنت في حال اذكارك بنعمة ربك (بكاهن ولا مجنون) وقيل: المعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله وغناه، وقيل: الباء للقسم والتقدير ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون، والكاهن هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي: ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه، والمقصود في الآية رد ما كان يقوله المشركون أنه كاهن أو مجنون.
стр. 9565
(أم يقولون شاعر)؟ أم هي المنقطعة وقد تقدم الخلاف، هل هي مقدرة ببل والهمزة أو ببل وحدها، قال الخليل: هي هنا للاستفهام، وقال
стр. 9566
سيبويه: خوطب العباد بما جرى في كلامهم، قال النحاس: يريد سيبويه أن أم في كلام العرب للخروج من حديث إلى حديث، أي لا ينبغي منهم هذا القول ولا يليق، قال الكواشي: وإنما قدرت ببل لأن ما بعدها متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، مسؤول عنه، وذكرت أم هنا خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس للمخاطبين بها عنها جواب، لكن قال الثعلبي نقلاً عن الخليل: إن كل ما في سورة الطور من أم فهو استفهام، وليس بعطف، وإنما استفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحاً عليهم، وتوبيخاً لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله.
(نتربص به) بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين، وقرىء على البناء للمفعول نعت لشاعر، وقد كانت العرب تتحرز عن أذية الشاعر، فقالوا: لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وإنما نتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء (ريب المنون) أي صروف الدهر وحوادثه، والمعنى ننتظر به حوادث الأيام، فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله، والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى المنية لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وسمي الدهر منوناً لأنه يقطع الأجل، وإطلاق الريب على الحوادث استعارة تصريحية شبهت بالريب، أي الشك، لأنها لا تدوم ولا تبق على حال، كما أنه كذلك، قال الأخفش: المعنى نتربص إلى ريب المنون، فحذف حرف الجر، كما تقول: قصدت زيداً أي إلى زيد، قال الأصمعي: المنون واحد لا جمع له، قال الفراء: يكون واحداً وجمعاً، وقال الأخفش: جمع لا واحد له.
قال ابن عباس: إن قريشاً لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبي ﷺ قال قائل: منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك هذه الآية. وقال ابن عباس: ريب المنون الموت، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال:
(قُلْ تَرَبَّصُوا) أي انتظروا موتي أو هلاكي، أمر تهديد لا إيجاب، أو ندب أو إباحة لأن تربصهم هلاكه حرام لا محالة (فإني معكم من المتربصين) لموتكم أو هلاككم.
стр. 9569
(أم تأمرهم أحلامهم بهذا)؟ أي بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض؟ فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء، ودقة النظر. والمجنون هو ذاهب العقل، مغطى على فهمه، فضلاً عن أن تكون له فطنة وذكاء، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون قال الواحدي: قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرى الله بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل، وفي القاموس: الحلم بالكسر الأناة والعقل، والجمع أحلام وحلوم، فأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه.
(أم هم قوم طاغون)؟ أي بل طغوا وجاوزوا الحد في العناد فقالوا ما قالوا، وهذه الإضرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام، كما هو مدلول أم المنقطعة، تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدمها، وأكثر جرأة وعناداً.
стр. 9570
(أم يقولون تقوله)؟ أي اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله
стр. 9571
والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب، وإن كان أصله تكلف القول، ومنه اقتال عليه. ويقال: اقتال عليه بمعنى تحكم عليه، ثم أضرب سبحانه عن قوله تقوله وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال: (بل لا يؤمنون) أي سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفاراً لا يؤمنون ولا يصدقون ما جاء به رسوله استكباراً، ثم تحداهم سبحانه وألزمهم الحجة فقال:
стр. 9572
(فليأتوا بحديث) مختلق مفتعل (مثله) أي مثل القرآن في نظمه، وحسن بيانه، وبديع أسلوبه، قال الرازي: والظاهر أن الأمر ههنا على حقيقته، لأنه لم يقل فليأتوا مطلقاً بل قال (إن كانوا صادقين) فيما زعموا من قولهم: إن محمداً ﷺ تقوَّله من عند نفسه، وجاء به من جهته، فهو أمر معلق على شرط، إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به، مع أنه كلام عربي وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم، والممارسون بجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر.
стр. 9573
(أم خلقوا من غير شيء)؟ أم هي المنقطعة كما تقدم فيما قبلها، وكما سيأتي فيما بعدها، أي بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة: والصنعة العجيبة من غير خالق لهم؟ قال الزجاج: أي اخلقوا باطلاً لغير شيء؟ لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون؟ وجعل من بمعنى اللام. قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثاً وتركوا سدى؟ لا يؤمرون ولا ينهون؟ وقيل: المعنى أم خلقوا من غير أب ولا أم؟ فهم كالجماد لا يفهمون ولا تقوم عليهم حجة؟ (أم) أي بل أيقولون: (هم الخالقون) لأنفسهم فلا يؤمرون ولا ينهون، مع أنهم يقرون أن الله خالقهم، وإذا أقروا لزمتهم الحجة، قال الجلال المحلي: ولا يعقل مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق فلا بد لهم من خالق هو الله الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه.
стр. 9574
(أم خلقوا السموات والأرض)؟ وهم لا يدعون ذلك فلزمتهم الحجة
стр. 9575
ولهذا أضرب عن هذا وقال: (بل لا يوقنون) أي ليسوا على يقين من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده، وإلا لآمنوا بنبيه وهذا فيه مزيد تسلية للنبي ﷺ ، يعني أنهم كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم
стр. 9576
(أم عندهم خزائن ربك)؟ أي خزائن أرزاق العباد وقيل: مفاتيح الرحمة قال مقاتل: يقول بأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق، وقيل: مقدوراته وضرب المثل بالخزائن لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس، فلا نهاية لها.
(أم هم المسيطرون)؟ أي المسلطون الغالبون القاهرون الجبارون وقيل: الأرباب القاهرون فلا يكونون تحت أمر ولا نهي ويفعلون ما يشاؤون وقرىء بالسين من سيطر عليه إذا راقبه وحفظه وقهره، ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ، أربعة صفة اسم فاعل مهيمن ومبيقر ومسيطر ومبيطر، وواحد اسم جبل، وهو المحيمر، قال في الصحاح: المصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه. وبتعهد أحواله ويكتب عمله. وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر. أي أهم الحفظة؟ قال أبو عبيدة: سطرت على أي اتخذتني خولاً لك قرىء المصيطرون بالصاد الخالصة، وبصاد مشمَّة زاياً.
стр. 9577
(أم لهم سلم يستمعون فيه)؟ أي بل أيقولون: أن لهم سلماً ومرقى منصوباً إلى السماء يصعدون به، ويستمعون فيه كلام الملائكة، وما يوحى إليهم، ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد ﷺ بطريق الوحي؟ حتى تمكنهم منازعة النبي ﷺ بزعمهم، وهذا الزعم منهم على سبيل الفرض والتقدير، ولم يقع منهم بالفعل لأنهم لما كانوا على حالة المعاندة والمعارضة كأنهم ادعوا ذلك؛ وقيل في بمعنى على أي يستمعون عليه كقوله (ولأصلبنكم في جذوع النخل) قاله الأخفش، وقال
стр. 9578
أبو عبيدة: يستمعون به وقال الزجاج: المعنى أنهم كجبريل الذي يأتي النبي ﷺ بالوحي، وقيل: أي صاعدين فيه.
(فليأت مستمعهم) إن ادعى ذلك (بسلطان مبين) أي بحجة ظاهرة واضحة بينة
стр. 9579
(أم له البنات)؟ أي بل أتقولون: لله البنات؟ (ولكم البنون)؟ سفه سبحانه أحلامهم، وضلل عقولهم، ووبخهم، أي أيضيفون إلى الله البنات؟ وهي أضعف الصنفين، ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث، وجحد التوحيد، ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسول الله ﷺ فقال:
стр. 9580
(أم تسألهم أجراً)؟ أي بل أتسألهم أجراً يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة؟ (فهم من مغرم) أي من التزام غرامة تطلبها منهم (مثقلون) أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل ومتعبون ومغتمون، من أثقله الحمل أتعبه لكن هذا الثقل معنوي لأن العادة أن من غرم إنساناً ما لا يصير الغارم مغتماً منه وكارهاً له فلا يسمع قوله، ولا يمتثله، قال قتادة: يقول هل سألت هؤلاء القوم أجراً فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام.
стр. 9581
(أم عندهم الغيب)؟ أي بل أيدعون أن عندهم الغيب وهو ما في اللوح المحفوظ، المثبت فيه المغيبات، فالغيب بمعنى الغائب، والألف واللام في الغيب بمعنى النوع لا للعهد: ولا لتعريف الجنس، فالمراد نوع الغيب، وهذا الزعم فرضي إذ لم يقع منهم بالفعل، لكنهم على حالة من المكابرة والمعارضة بحيث ينسب إليهم هذا الزعم، قال قتادة: هذا جواب لقولهم: (نتربص به ريب المنون) يقول الله: (أم عندهم الغيب) حتى علموا أن محمداً ﷺ يموت قبلهم (فهم يكتبون) ذلك بعد ما وقفوا عليه، وقيل: هو رد لقولهم، إنا لا نبعث، ولو بعثنا لم نعذب، قال ابن قتيبة: معنى يكتبون يحكمون بما يقولون.
(أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا) أي مكراً برسول الله ﷺ ، فيهلكونه بذلك المكر (فالذين كفروا) هذا من وقوع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على اتصافهم بهذه الصفة القبيحة والأصل: أم يريدون كيداً فهم (هم المكيدون) أي الممكور بهم، المجزيون بكيدهم، فضرر كيدهم يعود عليهم، (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)، أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون فيه اندراجاً أولياً لتوغلهم في هذه الصفة، وكان هذا المكر والتحيل والكيد في دار الندوة، وهي دار من دور أهل مكة، والظاهر أنه من الإخبار بالغيب، فإن السورة مكية، وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة ثم أهلكهم الله تعالى ببدر عند انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من كلمة أم، وهي خمس عشرة، فإن بدراً كانت في الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشر من النبوة، وأذلهم في غير موطن، ومكر سبحانه بهم (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).
стр. 9584
(أم لهم غير الله) أي بل أيدعون أن لهم إلهاً غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم، وهذا استفهام إنكاري، على معنى نفي الحصول من أصله أي ليس لهم في الواقع إله غير الله، وعلى معنى نفي الانبغاء واللياقة بالنظر لاعتقادهم أن هناك آلهة غيره، ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال: (سبحان الله عما يشركون) ما يحتمل وجهين: أحدهما: أن
стр. 9585
تكون مصدرية معناه سبحانه عن إشراكهم، ثانيهما خبرية معناه عن الذين يشركون وعلى هذا فيحتمل أن يكون التنزيه عن الولد لأنهم كانوا يقولون: البنات لله فقال سبحان الله عن البنات والبنين، وأن يكون عن مثل الآلهة لأنهم كانوا يقولون: هو مثل ما يعبدونه، فقال: سبحان الله عن مثل ما يعبدونه، ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم فقال:
стр. 9586
(وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) الكسف جمع كسفة، وهي القطعة من الشيء، والمركوم المجعول بعضه على بعض، قال الفراء: من قرأ كسفاً بكسر الكاف وسكون السين جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعاً، وهذا الكلام على سبيل الفرض والتقدير، فمن المعلوم أن قريشاً لم ينزل عليهم قطع من السماء تعذيباً لهم، كما قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)، كأنه يقول: لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء عليهم لم ينتهوا ولم يرجعوا ويقولون في هذا النازل عناداً واستهزاء وإغاظة لمحمد: إنه سحاب مركوم، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يتركهم فقال:
стр. 9587
(فذرهم) أي: اتركهم وخل عنهم، جواب شرط مقدر، أي: إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحد، وتبين أنهم لا يرجعون عن الكفر فدعهم (حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) أي يوم موتهم، أو يوم قتلهم ببدر، وهو الظاهر قاله البقاعي، أو يوم القيامة قرىء يلاقوا ويلقوا ويصعقون على البناء للمفعول وللفاعل عند السبعة فالأولى يحتمل أن تكون من صعق فهو مصعوق وأن تكون من أصعق رباعياً. يقال: أصعق فهو مصعق، والمعنى أن غيرهم أصعقهم، وقراءة السلمي بضم الياء وكسر العين، تؤذن بأن أفعل بمعنى فعل، والصعقة الهلاك على ما تقدم بيانه.
стр. 9588
(يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاًً) أي لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله ﷺ في الدنيا (ولا هم ينصرون)
стр. 9589
أي: ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقع بهم لا محالة.
стр. 9590
(وإن للذين ظلموا) أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي (عذاباً) في الدنيا (دون ذلك) أي غير عذاب يوم القيامة، أي قبله، وهو قتلهم يوم بدر وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد، وقال مجاهد: هو الجوع والجهد سبع سنين، وقيل عذاب القبر قبل يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقيل: المراد بالعذاب هو القحط والجوع قبل يوم بدر، لأنه كان في ثانية الهجرة، والقحط وقع لهم قبلها، وبالذي يأتي بعده هو قتلهم يوم بدر (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا والآخرة.
стр. 9591
(واصبر لحكم ربك) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به (فإنك بأعيننا) أي بمرأى ومنظر منا، أو في حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم، قال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إليك، وإنما جمع لفظ الأعين مع أن مدلوله واحد، وهو المصدر لمناسبة نون العظمة (وسبح بحمد ربك) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبساً بحمد ربك على إنعامه عليك أي قل سبحان الله وبحمده (حين تقوم) من مجلسك قال عطاء وسعيد وسفيان الثوري وأبو الأحوص: يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده أو سبحانك اللهم وبحمدك عند قيامه من كل مجلس يجلسه.
وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع بن أنس: حين تقوم إلى الصلاة، قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام، لا حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى، وقيل: المعنى صل لله حين تقوم من مقامك. وبه قال أبو الجوزاء، وحسان بن
стр. 9592
عطية، وقال الكلبي وابن عباس: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وهي صلاة الفجر.
وعن " أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ بآخرةٍ إذا قام من المجلس يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس " (١) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه وابن أبي شيبة وأخرجه النسائي والحاكم عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ .
" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك "، أخرجه ابن جرير والترمذي، وقال حسن صحيح، وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة وقيل حين تقوم من منامك.
" عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول
الله ﷺ إذا استيقظ من نومه؟ فقالت: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وسبح عشراً، وهلل عشراً، واستغفر عشراً، وقال: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني. وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " أخرجه أبو داود والنسائي.
стр. 9593
(ومن الليل فسبحه) أمره الله سبحانه أن يسبحه في بعض الليل حقيقة أيضاًً، قال مقاتل: أي صلِّ المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر، و " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الآية قال: الركعتان قبل
стр. 9594
صلاة الصبح " أخرجه ابن مردويه.
(وإدبار النجوم) أي وقت إدبارها من آخر الليل وقبل صلاة الفجر واختاره ابن جرير وقيل هو التسبيح في أدبار الصلوات وقال ابن عباس: ركعتا الفجر، وقيل: سنة الصبح، قرىء إدبار بكسر الهمزة على أنه مصدر وبفتحها على الجمع، أي عقاب النجوم، وأدبارها إذا غربت، ودُبر الأمر آخره وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ق.
стр. 9595
سورة النجم
(إحدى أو اثنتان وستون آية)
وهي مكية جميعها في قول الجمهور، وعن ابن عباس وعكرمة إلا آية منها وهي قوله: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) الآية وقيل: أن السورة كلها مدنية، والصحيح هو الأول.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما " عن ابن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم فسجد رسول الله ﷺ وسجد الناس كلهم إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف " (١) وعنه قال: أول سورة استعلن بها رسول الله ﷺ يقرؤها والنجم.
" وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ والنجم، فسجد بنا وأطال السجود ".
وعن زيد بن ثابت قال: قرأت والنجم عند النبي ﷺ فلم يسجد فيها " أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني والطيالسي وابن أبي شيبة وابن مردويه.
" وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يسجد في النجم بمكة، فلما هاجر إلى المدينة تركها " وعنه أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.