(واصبر لحكم ربك) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به (فإنك بأعيننا) أي بمرأى ومنظر منا، أو في حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم، قال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إليك، وإنما جمع لفظ الأعين مع أن مدلوله واحد، وهو المصدر لمناسبة نون العظمة (وسبح بحمد ربك) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبساً بحمد ربك على إنعامه عليك أي قل سبحان الله وبحمده (حين تقوم) من مجلسك قال عطاء وسعيد وسفيان الثوري وأبو الأحوص: يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده أو سبحانك اللهم وبحمدك عند قيامه من كل مجلس يجلسه.
وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع بن أنس: حين تقوم إلى الصلاة، قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام، لا حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى، وقيل: المعنى صل لله حين تقوم من مقامك. وبه قال أبو الجوزاء، وحسان بن
стр. 9592
عطية، وقال الكلبي وابن عباس: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وهي صلاة الفجر.
وعن " أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ بآخرةٍ إذا قام من المجلس يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس " (١) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه وابن أبي شيبة وأخرجه النسائي والحاكم عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ .
" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك "، أخرجه ابن جرير والترمذي، وقال حسن صحيح، وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة وقيل حين تقوم من منامك.
" عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول
الله ﷺ إذا استيقظ من نومه؟ فقالت: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وسبح عشراً، وهلل عشراً، واستغفر عشراً، وقال: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني. وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " أخرجه أبو داود والنسائي.
стр. 9593
(ومن الليل فسبحه) أمره الله سبحانه أن يسبحه في بعض الليل حقيقة أيضاًً، قال مقاتل: أي صلِّ المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر، و " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الآية قال: الركعتان قبل
стр. 9594
صلاة الصبح " أخرجه ابن مردويه.
(وإدبار النجوم) أي وقت إدبارها من آخر الليل وقبل صلاة الفجر واختاره ابن جرير وقيل هو التسبيح في أدبار الصلوات وقال ابن عباس: ركعتا الفجر، وقيل: سنة الصبح، قرىء إدبار بكسر الهمزة على أنه مصدر وبفتحها على الجمع، أي عقاب النجوم، وأدبارها إذا غربت، ودُبر الأمر آخره وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ق.
стр. 9595
سورة النجم
(إحدى أو اثنتان وستون آية)
وهي مكية جميعها في قول الجمهور، وعن ابن عباس وعكرمة إلا آية منها وهي قوله: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) الآية وقيل: أن السورة كلها مدنية، والصحيح هو الأول.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما " عن ابن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم فسجد رسول الله ﷺ وسجد الناس كلهم إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف " (١) وعنه قال: أول سورة استعلن بها رسول الله ﷺ يقرؤها والنجم.
" وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ والنجم، فسجد بنا وأطال السجود ".
وعن زيد بن ثابت قال: قرأت والنجم عند النبي ﷺ فلم يسجد فيها " أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني والطيالسي وابن أبي شيبة وابن مردويه.
" وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يسجد في النجم بمكة، فلما هاجر إلى المدينة تركها " وعنه أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
(وَالنَّجْمِ) هو الكوكب، وسمي به لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والنبت والقرن إذا طلع، والتعريف للجنس، والمراد به جنس النجوم، يعني نجوم السماء كلها حين تغرب أقسم الله بالنجوم إذا غابت وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد، ومعناه جمع، وبه قال جماعة من المفسرين، وقيل: المراد به الثريا، وهو اسم غلب عليها، تقول العرب: النجم وتريد به الثريا، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وإن كانت في العدد نحو ما يقال: إنها سبعة أنجم، ستة ظاهرة، وواحدة خفية، يمتحن الناس بها أبصارهم، وفي الشفاء للقاضي عياض أن النبي ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجماً، وقيل: المراد بالنجم الشعرى، لذكرها في قوله تعالى: (وأنه هو رب الشعرى).
وقال السدي: النجم هنا هو الزهرة لأن قوماً من العرب كانوا يعبدونها وقيل: النجم هنا النبت الذي لا ساق له، كما في قوله: (والنجم والشجر يسجدان) قاله الأخفش، وقيل: النجم محمد ﷺ ، وقيل: النجم القرآن، وسمي نجماً لأنه نزل منجماً مفرقاً، والعرب تسمي
стр. 9598
التفريق تنجيماً والمفرق المنجم وبه قال مجاهد والفراء وغيرهما، والأول أولى، قال الحسن: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة، وقيل: المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين.
(إذا هوى) أي إذا انصب، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس أو انتثر ومعنى هويه سقوطه من علو، يقال: هوى النجم يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى سفل، وقيل: غروبه، وقيل طلوعه والأول أولى، وبه قال الأصمعي وغيره، ويقال هوى في السير إذا مضى قال الراغب: الهوي ذهاب في انحدار وفي ارتفاع، وقيل هوى في اللغة خرق الهواء، ومقصده السفل، أو مصيره إليه، وإن لم يقصده ومعنى هوى، على قول من فسر النجم بالقرآن أنه نزل من أعلى إلى أسفل، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له أو أنه محمد ﷺ فلا يظهر لهوى معنى صحيح، وفي العامل في هذا الظرف أوجه، وعلى كل منها إشكال ذكرها السمين لا نطول الكلام بذكرها هنا.
وجواب القسم قوله
стр. 9599
(ما ضل صاحبكم وما غوى) أي ما ضل محمد ﷺ عن الحق، والهدى، ولا عدل منه، والغي ضد الرشد، أي ما صار غاوياً، ولا تكلم بالباطل، وقيل ما خاب فيما طلب، والغي الخيبة، وبين الضلال، والغي التباين الكلي، فإن الضلال فعل المعاصي، والغي هو الجهل المركب وبتقدير اتحادهما يكون ذلك من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى، والأول أولى قيل وهو من عطف الخاص على العام للإهتمام بشأن الإعتقاد وإيضاحه أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد لا صالحاً ولا فاسداً وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا الثاني يقال له غي وفي قوله صاحبكم إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله، وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيه، ومقبلة بهم ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره، وهم يعرفون طهارة شمائله، والخطاب لقريش قال
стр. 9600
ابن عباس: أقسم الله أن ما ضل محمد ﷺ ولا غوى.
стр. 9601
(وما ينطق عن الهوى) أي ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره فـ (عن) على بابها، ومثل النطق الفعل، وقال أبو عبيدة: إن عن بمعنى الباء أي بالهوى، وقال قتادة: أي ما ينطق بالقرآن عن هواه
стр. 9602
(إن هو إلا وحي يوحى) أي ما هذا الذي ينطق به من القرآن وكل أحواله وأقواله وأفعاله إلا وحي من الله يوحيه إليه، ويوحى صفة لوحي تفيد الإستمرار التجددي وتفيد نفي المجاز، أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية، كما تقول: هذا قول يقال، وقيل: تقديره يوحى إليه ففيه، مزيد فائدة، والآية دليل على كون السنة المطهرة وحياً يوحى.
стр. 9603
(علمه شديد القوى) جمع قوة، والمعنى أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه. هكذا قال أكثر المفسرين، وقال الحسن: هو الله ، والأول أولى، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ومن شدة قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء، ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من رجعة الطرف، وهذه القوة ثابتة له، ولو كان على صورة الآدميين.
стр. 9604
(ذو مرة) أي قوة وشدة في الخلق، وقيل ذو صحة جسم، وسلامة من الآفات.
" ومنه قول النبي ﷺ : لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " (١) وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأي قال قطرب: العرب تقول لكل من هو جزل الرأي، حصيف العقل: ذو مرة، والتفسير للمرة بهذا أولى، لأن القوة والشدة قد أفادها قوله: شديد القوى، قال الجوهري: المرة إحدى الطبائع الأربع، والمرة القوة وشدة العقل، وقال ابن عباس: ذو
стр. 9605
خلق حسن، وقيل منظر حسن، وقيل: قوة في العقل وحدة، بحيث لا يدفعه عما يزاوله دافع، ولا يسأم من شيء يزاوله، فحصل الفرق بين القوة والمرة، ومن جملة شدته وقوته قدرته على التشكل فلذلك قال:
(فاستوى) أي ارتفع جبريل وعلا إلى مكانه في السماء، بعد أن علم محمداً ﷺ ، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقيل: معناه قام في صورته التي خلقه الله عليها، لأنه كان يأتي النبي ﷺ في صورة الآدميين، كما يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي ﷺ أن يريه نفسه التي جبله الله عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلق عليها إلا نبينا ﷺ ، وقيل: المعنى فاستوى القرآن في صدره ﷺ حين نزل عليه، أو صدر جبريل حين نزل به، وقيل: المعنى اعتدل محمد في قوته أو في رسالته، ذكره الماوردي، وقيل: المعنى ارتفع النبي ﷺ بالمعراج، وقال الحسن: فاستوى يعني الله على العرش، والأول أولى، وقيل: المعنى فاستوى جبريل عالياً على صورته، ولم يكن النبي ﵌ قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا.
стр. 9606
(وهو بالأفق الأعلى) أي فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى، والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، والأفق ناحية السماء، وجمعه آفاق. قال قتادة ومجاهد: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، وكذا قال سفيان، وقيل: هو يعني جبريل والنبي ﷺ بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة.
" عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ
стр. 9607
الْأَعْلَى)، (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) قال: خلق جبريل " (١)، رواه أحمد والطبراني وغيرهما.
" وعنه أن النبي ﷺ قال: رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح " أخرجه أبو الشيخ وابن جرير وأحمد، وعن ابن عباس قال: الأفق الأعلى مطلع الشمس.
стр. 9608
(ثم دنا) جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، أي قرب من الأرض (فتدلى) أي فنزل على النبي ﷺ بالوحي، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير. ثم تدلى فدنا، قاله ابن الأنباري وغيره قال الزجاج: معنى دنا فتدلى واحد أي قرب وزاد في القرب، كما تقول دنا مني فلان، وقرب ولو قلت: قرب مني ودنا جاز قال الفراء الفاء في فتدلى بمعنى الواو، والتقدير تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحداً، أن تقدم أيهما شئت قال الجمهور: والذي دنا فتدلى هو جبريل، وقيل هو النبي ﷺ قال ابن عباس: هو محمد ﷺ دنا فتدلى إلى ربه والمعنى دنا منه أمره وحكمه، والأول أولى قيل: ومن قال إن الذي استوى هو جبريل ومحمد ﷺ ؛ فالمعنى عنده. ثم دنا محمد ﷺ من ربه دنو كرامة، فتدلى أي هوى للسجود، وبه قال الضحاك، وعن ابن عباس قال: دنا ربه فتدلى، والتدلي هو النزول بقرب الشيء.
стр. 9609
(فكان) مقدار ما بين جبريل ومحمد ﷺ ، أو ما بين محمد ﷺ وربه تعالى (قاب) أي قدر (قوسين) عربيين، والقاب والقيب، والقاد والقيد، والقيس المقدار ذكر معناه في الصحاح، قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع والقاب ما بين المقبض والسِّيَّة، ولكل قوس قابان،
стр. 9610
قال بعضهم أراد قابي قوس فقلبه، وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه. ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد كقرب قاب قوسين. قال الزجاج: أي فيما تقدرون أنتم والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا.
وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة: فكان قدر ذراعين والقوس ذراع. يقاس بها كل شيء. وهي لغة بعض الحجازيين. وقيل: هي لغة أزد شنوءة. والقوس يذكر ويؤنث. فمن أنث قال في تصغيرها: قويسة ومن ذكر قال: قويس والجمع قسي وأقواس. والقوس أيضاًً بقية التمر في الجلة. أي الوعاء والقوس برج في السماء وقال الكسائي: أراد قوساً واحدة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن " ابن مسعود في هذه الآية قال: رأى النبي ﷺ جبريل له ستمائة جناح " وعنه قال: في الآية: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين وبه قال ابن عباس والحسن وعائشة وقتادة وقال ابن عباس: القاب القيد والقوسين الذراعين وعن أبي سعيد قال لما أسري بالنبي ﷺ اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى. ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر وعن أنس ودنا الجبار رب العزة حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه رواية عن سلمة عن ابن عباس وفيه جهالة وقال الضحاك نحو ما قال أنس.
(أو أدنى) أو بمعنى الواو. وقيل بمعنى بل والأول أولى. كقوله (أو يزيدون) لأن المعنى فكان بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك؛ وأدنى أفعل تفضيل؛ والمفضل عليه محذوف أي أو أدنى من قاب قوسين، أو أدنى من ذلك، وروي لما رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ على صورة الآدمي، سأله عند الأفق الأعلى أن يراه
стр. 9611
على صورته التي خلق عليها فأراه فرآه النبي ﷺ وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب فخر مغشياً عليه، فدنا منه قرباً زائداً؛ وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه.
стр. 9612
(فأوحى إلى عبده) أي فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ بتعليم من الله لا من نفسه (ما أوحى) فيه تفخيم للوحي الذي أوحي إليه والوحي إلقاء الشيء بسرعة، ومنه الوحا؛ وهو السرعة، والضمير في عبده يرجع إلى الله، كما في قوله: (ما ترك على ظهرها من دابة) وقيل المعنى فأوحى الله إلى عبده جبريل، وبالأول قال الربيع والحسن وابن زيد وقتادة؛ وقيل: فأوحى الله إلى عبده محمد ﷺ ، قيل: وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد ﷺ ولم يبينه لنا فليس لنا أن نتعرض لتفسيره.
وقال سعيد بن جبير: الذي أوحاه الله إليه هو: (ألم نشرح لك صدرك) إلخ و (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)؟ إلخ وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك، وقيل: إن ما للعموم لا للإبهام والمراد كل ما يوحي به إليه؛ والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم.
стр. 9613
(ما كذب الفؤاد ما رأى) أي ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه بصره ليلة المعراج رؤية حقيقية، يقال كذبه إذا قال له الكذب ولم يصدقه، قال المبرد؛ معنى الآية أنه رأى شيئاًً فصدق به قرىء ما كذب مخففاً، وبالتشديد وهما سبعيتان، وما في ما رأى موصولة أو مصدرية قال ابن مسعود في الآية: " رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض " (١) أخرجه الترمذي والحاكم
стр. 9614
وصححاه؛ والبيهقي وغيرهم، وبه قالت عائشة؛ وقيل: هو الله رآه بعين رأسه وقيل بقلبه وقيل جعل بصره في فؤاده، والكلام على هذه المسألة مستوفى في موطنه.
وقد تكلم عليه القاضي عياض في الشفاء، والخفاجي في شرحه والقسطلاني في شرح المواهب اللدنية، والنووي، وقال: والحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه انتهى.
قال سليمان الجمل: وحاصل المسألة أن الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمة، وهو الذي يرجع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر فأخبره بأنه رآه، ولا يقدح في ذلك حديث عائشة لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله ﷺ أنه قال: لم أر، وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم، وجوابه ظاهر؛ فإن الإدراك هو الإحاطة والله ﵎ لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وبأنه عام مخصوص.
стр. 9615
(أفتمارونه على ما يرى)؟ قرىء من المماراة وهي المجادلة والملاحاة، وقرىء أفتمرونه، أي أفتجحدونه، واختار أبو عبيد الثانية قال: لأنهم لم يماروه، وإنما جحدوه، يقال: مراه حقه أي جحده ومريته أنا أي جحدته قال المبرد: يقال: أمراه عن حقه وعلى حقه، إذا منعه منه ودفعه، وقيل على بمعنى عن، وقرىء أفتمرونه بضم التاء من أمريت أي أتريبونه وتشكون فيه، قال جماعة من المفسرين: المعنى على الأول أفتجادلونه؟ وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، أي فتجادلونه جدالاً
стр. 9616
ترومون به دفعه عما شاهده وعلمه، وقال: ما يرى، ولم يقل ما رأى على حكاية الحال الماضية استحضاراً للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين.
стр. 9617
(ولقد رآه نزلة أخرى) اللام هي الموطئة للقسم، أي والله لقد رآه، والنزلة المرة من النزول، أي رأى جبريل نازلاً نزلة أخرى، أو رآه رؤية أخرى، ونصب نزلة على الظرف أو المصدرية أو الحالية، وبالأول قال الزمخشري وهو مذهب الفراء، نقله عنه مكي، وبالثاني قدر أبو البقاء، وبالثالث قال الحوفي وابن عطية، قال جمهور المفسرين: المعنى أنه رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ مرة أخرى في صورة نفسه، وذلك ليلة المعراج، وقيل: رأى محمد ﷺ ربه مرة أخرى بفؤاده وقيل: بعينه.
أخرج مسلم والطبراني وغيرهما.
" عن ابن عباس في الآية قال: رأى محمد ﷺ ربه بقلبه مرتين "، وأخرج نحوه عنه الترمذي وحسنه، وعن أنس قال: رأى محمد ربه، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده، وعنه لقد رأى النبي ﷺ ربه ، وعنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم؟ والكلام لموسى؟ والرؤية لمحمد ﷺ ، وقد روي نحو هذا عنه من طرق.
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه.
" عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك قال نور أنّى أراه ".
" وعنه سأل رسول الله ﷺ هل رأيت ربك قال رأيت نوراً " أخرجه مسلم وابن مردويه.
" وعنه قال: رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه، ولم يره ببصره "، أخرجه النسائي وابن المنذر وغيرهما، قال صاحب التحرير:
стр. 9618
والحجج في المسألة وإن كانت كثيرة لكن لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس: أتعجبون الخ.
" وعن عكرمة سئل ابن عباس هل رأى محمد ﷺ ربه قال: نعم "، وقد روي بإسناد لا بأس به، وعن أنس نحوه.
وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد ﷺ ربه، والأصل في المسألة حديث ابن عباس حبر هذه الأمة وعالمها، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا حديث عائشة، لأنها لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول لم أر ربي وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) الآية، وقوله (لا تدركه الأبصار)، وإذ قد صحت الروايات عن ابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بإثبات لرؤية وجب المصير إلى إثباتها لأنها ليس مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسمع، ولا يستجيز لأحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم ابن عباس أثبت ما نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي انتهى.
стр. 9619
(عند سدرة المنتهى) لما أسري به في السموات، قاله الجلال المحلي، ومن المعلوم أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر، أو بثلاث سنين على الخلاف، والرؤية الأولى كانت في بدء البعثة، فبين الرؤيتين نحو عشر سنين، والسدرة هي شجرة النبق، قال مقاتل: تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان لو وضعت ورقة منها في الأرض لأضاءت لأهلها، وهي شجرة طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد والنبق بكسر الموحدة ثم السدرة الواحدة نبقة ويقال فيه نبق بفتح النون وسكون الباء ذكرها يعقوب في
стр. 9620
الإصلاح وهي لغة البصريين والأولى أفصح وهي التي ثبتت عن النبي ﷺ وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح وروي أنها في السماء السابعة عن يمين العرش.
والمنتهى مكان الانتهاء، أو مصدر ميمي والمراد به الإنتهاء نفسه قيل: إليه ينتهي علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها وقيل: ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء وقيل غير ذلك وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار البستان، أو من إضافة المحل إلى الحال، كقولك كتاب الفقه والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة الملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي: سدرة المنتهى إليه وهو الله قال تعالى: (وأن إلى ربك المنتهى) واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال ذكرها القرطبي وغيره.
" وعن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى وهو في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها ويقبض منها " (١) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم.
стр. 9621
(عندها جنة المأوى) أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى، وهي عن يمين العرش، وسميت بها لأنه أوى إليها آدم، وقيل، إن أرواح المؤمنين تأوي إليها، وقيل: يأوي إليها جبريل والملائكة، وقيل: يصير إليها المتقون قرىء جنة بالرفع على الابتداء، وقرىء جنة فعلاً ماضياً من جن يجن، أي ضمه المبيت أو ستره إيواء الله له، قال الأخفش: أدركه كما تقول؛ جنة الليل، أي ستره وأدركه، قال ابن مسعود: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى.
стр. 9622
(إذ يغشى السدرة ما يغشى) الغشيان بمعنى التغطية والستر، وبمعنى
стр. 9623
الإتيان، يقال: فلان يغشاني كل حين أن يأتيني، وفي إبهام الموصول وصلته من التفخيم والتكثير للغواشي ما لا يخفى، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلالته، أشياء لا يحيط بها الوصف، ولا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد، وقيل: يغشاها جراد من ذهب، وقال ابن مسعود: فراش من ذهب، قال الرازي: وهذا ضعيف، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له، وقيل: طوائف من الملائكة، وقال مجاهد: رفرف أخضر، وقيل: رفرف من طيور خضر، وقيل غشيها أمر الله، وقيل نور الخلائق، وقيل نور رب العزة، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً للصورة البديعة أو للدلالة على الإستمرار التجددي.
стр. 9624
(ما زاغ البصر) أي ما مال بصر النبي ﷺ عما رآه، ولم يتلفت إلى ما غشى السدرة من فراش الذهب وغيره، هذا بالنظر لكون الذي غشيها هو فراش من الذهب، وبالنظر لكونه أنوار الله لم يلتفت يمنة ولا يسرة، بل اشتغل بمطالعتها، مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم، وفيه من العجائب ما يحير الناظر (وما طغى) أي ما جاوز ما رأى، وفي هذا وصف أدب النبي ﷺ في ذلك المقام، حيث لم يلتفت، ولم يمل بصره، ولم يمده إلى غير ما رأى، وقيل: ما جاوز ما أمر به.
стр. 9625
(لقد رأى) أي والله لقد رأى تلك الليلة (من آيات ربه الكبرى) أي العظام ما لا يحيط به الوصف، قيل: رأى رفرفاً سد الأفق، وقيل: رأى جبريل في حلة خضراء كما تقدم، وقيل: عجائب الملكوت، وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى، وقيل: هو كل ما رآه في مسراه تلك الليلة وعوده، ومن للتبعيض، ومفعول رأي: الكبرى، أو رأى شيئاًً عظيماً من آيات ربه، أو من زائدة ولما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخاً لهم ومقرعاً:
стр. 9626
(أفرأيتم اللات والعزى) أي أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها، وهل أوحت إليكم شيئاًً كما أوحى الله إلى محمد ﷺ أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع، وقال أبو السعود: الهمزة للإنكار، والفاء لتوجيهه إلى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤونه تعالى المنافية لها غاية المنافاة، والمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمته، وإحكام قدرته، ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وما تحت الثرى، وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وذلتها شركاء لله؟ على ما تقدم من عظمته.
стр. 9627
(ومناة الثالثة الأخرى) ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها قال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات، ومن العزيز؛ العزى، وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره، قرىء اللات بتخفيف التاء وهي مأخوذة من اسم الله، وقيل: أصله لات يليت فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي، لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتوون ويعتكفون عليها، ويطوفون بها، وقرىء اللات بتشديد التاء، فقيل: هو اسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل.
وقال مجاهد: كان رجلاً في رأس جبل له غنيمة يتخذ من لبنها وسمنها حيساً، ويطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف له صرمة غنم، وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني، قال في الصحاح: واللات اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وقيل: بعكاظ، وقيل: بنخلة، ورجح ابن عطية الأول، وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء، " قال ابن عباس: كان اللات رجلاً يلت
стр. 9628
السويق للحاج " أخرجه البخاري وغيره، والألف واللام في اللات زائدة لازمة، وقال أبو البقاء: ليست بزائدة وهو غلط، والعزى من العز وهي تأنيث الأعز، وهي اسم صنم لقريش وبني كنانة، قال مجاهد: هي شجرة كانت لغطفان وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي ﷺ خالد ابن الوليد فقطعها.
وقيل: كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، وقال سعيد بن جبير: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه، وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة، وعن ابن عباس: أن العزى ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف وأن مناة كانت بقديد، ومناة صنم بني هلال، وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة: كانت للأنصار وقرىء مناة بألف من دون همزة، وبالمد والهمزة فالأولى اشتقاقها من منى يمني أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها، يتقربون بذلك إليها وعلى الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل: هما لغتان للعرب ووقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف وبالهاء.
قال في الصحاح: ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة، والثالثة الأخرى وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة، وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلا أخرى، قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله: (مآرب أخرى) وقال حسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة، وقيل: إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم، لأنها كانت عند المشركين عظيمة، وقيل: إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد: المتأخرة الوضيعة القدار، كما في قوله: (وقالت
стр. 9629
أخراهم لأولاهم)، أي وضعاءهم لرؤسائهم، وهذا للزمخشري، وقال ابن عادل: وفيه نظر لأن الأخرى إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعرض لمدح ولا ذم، فإن جاء شيء من ذلك فلقرينة خارجية، ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال:
стр. 9630
(ألكم الذكر وله الأنثى)؟ أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور، قيل وذلك قولهم: إن الملائكة بنات الله، وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء لله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث، ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام، قسمة جائرة، فقال: