قرينة تنقله أو دليل يدل عليه، وأتى ذلك.
قال الرازي: قال بعض المفسرين: المراد سينشق، وهذا بعيد لا معنى له لأن من منع ذلك وهو الفلسفي خذله الله يمنعه في الماضي والمستقبل ومن يجوزه لا يحتاج إلى التأويل، ثم رد على المانع وقال: والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له وامكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه وحديث امتناع الخرق والإلتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات وذكرناه مراراً، وقيل: معنى انشق وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح، وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه.
قال ابن كثير: قد كان الإنشقاق في زمن رسول الله ﷺ : كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة قال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل العلم، لأن قوله الآتي:
стр. 9697
(وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال: إنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء، ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، وأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة وهم مغطون بثيابهم فَقَلَّ من يتفكر في السماء أو ينظر إليها.
ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء، في الليل من العجائب والأنوار الطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا
стр. 9698
يتحدث به إلا أحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرنا من غفلة الناس عنه وكان هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها فلم يتأهب غيرهم لها.
قال بعض أهل العلم: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهراً لقوم غائباً عن قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم.
ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله، والحاصل إنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسوله ﷺ فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ، واستبعاد من استبعد، وفي الباب رسائل شتى للشيخ رفيع الدين الدهلوي ﵀ وغيره.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن " أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما " (١)، وروي عنه من طرق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهما وقال فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن " ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا " (٢).
стр. 9699
وعنه قال رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين، مرة بمكة قبل أن يخرج النبي ﷺ ، شقة على أبي قبيس، وشقة على السويدا، وذكر أن هذا سبب نزول الآية أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
وعنه أيضاًً قال: " رأيت القمر وقد انشق وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر "، أخرجه أحمد وأبو نعيم وابن جرير وغيرهم، وله طرق عنه.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن " ابن عباس قال انشق القمر في زمن النبي ﷺ " وله طرق عنه، وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما.
" عن ابن عمر في الآية قال كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق القمر فرقتين فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال النبي ﷺ : اللهم أشهد ".
" وعن جبير بن مطعم عن أبيه في الآية قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله ﷺ حتى صار فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم "، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه وعبد بن حميد وغيرهم.
وعن عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اقتربت الساعة وانشق القمر)، ألا وإن الساعة قد اقتربت ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله ﷺ ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار، وغداً السباق "، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم، ونقل في المواهب عن الحافظ ابن حجر أن الانشقاق لم يقع إلا مرة
стр. 9700
واحدة وأن رواية مرتين مؤولة مصروفة عن ظاهرها وكان أي الانشقاق قبل الهجرة بنحو خمس سنين.
(وإن يروا) أي كفار قريش (آية) تدل على صدق الرسول والمراد بها هنا انشقاق القمر (يعرضوا) عن تأملها والإيمان بها (ويقولوا) هذا (سحر مستمر) أي: دائم مطرد قوي، وكل شيء دام حاله قيل فيه مستمر وذلك لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات أعرضوا عن التصديق بها وقالوا هذا سحر مستمر.
قال الواحدي: قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد فقال الله (وإن يروا) آية يعني: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق بها والإيمان بها، ويقولوا سحر قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم استمر الشيء إذا قوي واستحكم، وقد قال بأن معنى مستمر قوي شديد جماعة من أهل العلم، قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله وبه قال أبو العالية والضحاك واختاره النحاس.
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة (سحر مستمر) أي ذاهب مار سوف يذهب ولا يبقى، من قولهم مر الشيء واستمر أي ذهب وبطل وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما واختاره النحاس، وقيل: يشبه بعضه بعضاً وقيل: قد مر من الأرض إلى السماء، وقيل: هو من المرارة، يقال مر الشيء صار مراً أي مستبشع عندهم مر على أهوائهم لا يقدرون أن يسيغوه كما لا يساغ المر، وبه قال الزمخشري.
وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان في زمن رسول الله ﷺ كما قررناه سابقاً، وفي التفهيمات للشيخ ولي الله المحدث الدهلوي ﵀: وأما شق القمر فعندنا ليس من المعجزات، إنما هو من آيات القيامة كما قال تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولكنه صلى الله
стр. 9701
عليه وسلم أخبر عنه قبل وجوده فكان معجزة من هذا السبيل انتهى. واعترضه بعض من لا يسمن قوله ولا يغني من جوع، ودفعه جماعة من علماء الهند وغيرهم، وليس في هذه العبارة إنكار تلك المعجزة كما فهمه بعض القاصرين عن بلوغ رتبة الكمال بل هي أدل دليل على إثباتها عند من يفهم كلام العلماء بالله تعالى، تأمل.
ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال:
стр. 9702
(وكذبوا) رسول الله ﷺ وما عاينوا من قدرة الله (واتبعوا أهواءهم) ما زينه لهم الشيطان الرجيم من دفع الحق بعد ظهوره ذكر هذين بصيغه الماضي، للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة، مع أن الظاهر المضارع لكونهما معطوفين على يعرضوا (وكل أمر مستقر) مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب واتباع الهوى ولإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره ﷺ حيث قالوا سحر مستمر، ببيان ثباته ورسوخه أي وكل أمر من الأمور منتهي إلى غاية يستقر عليها لا محالة، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر.
قال الفراء: تقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب، وقيل: كل ما قدر فهو كائن لا محالة وقال الكلبي: المعنى لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف، وقيل: هو جواب قولهم: (سحر مستمر)، أي ليس أمره بذاهب كما زعمتم، بل أمر محمد ﷺ سيظهر إلى غاية يتبين فيها أنه حق، وقيل: كل أمر من أمرهم، وأمره ﷺ مستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا أو شقاوة أو سعادة في الآخرة، ذكره أبو السعود والظاهر هو الأول.
وإبهام المستقر عليه، للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم الحاجة إلى التصريح به. قرأ الجمهور مستقر بكسر القاف، وهو مرتفع على أنه خبر
стр. 9703
والمبتدأ وهو كل وقرىء بالجر على أنه صفة لأمر، وقرىء بفتح القاف قال أبو حاتم: ولا وجه لها، وقيل: وجهه كل أمر ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكانه على أنه مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان.
стр. 9704
(ولقد جاءهم) أي كفار مكة أو الكفار على العموم (من الأنباء) أي من بعض أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن (ما فيه مزدجر) أي: ازدجار عن الكفر على أنه مصدر ميمي، يقال: إزدجرته وزجرته إذا نهيته عن السوء ووعظته بغلظة، أو إسم مكان والمعنى جاءهم ما فيه موضع ازدجار، أي: أنه في نفسه موضع لذلك وأصله مزتجر. وتاء الافتعال تقلب دالاً بعد الزاي والدال والذال، كما تقرر في موضعه وهذا في آخر كتاب سيبويه، وقرىء مزجر بإبدال التاء زاياً وإدغامها، وقرىء مزجر إسم فاعل من أزجر أي صار ذا زجر، وما موصولة أو موصوفة.
стр. 9705
(حكمة) خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من (ما) بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، أو من مزدجر (بالغة) تامة أي إن القرآن حكمة قد بلغت الغاية، ليس فيها نقص، ولا خلل، وقرىء حكمة بالنصب على أنها حال من ما، أي: حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة نهاية الصواب (فما تغن النذر) ما استفهامية أي أيُّ شيء أو أيُّ إغناء تغني النذر؟ وتحصله وتكسبه؟ أو نافية، أي: لم تغن النذر شيئاًً ولم تنفع فيهم والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة، ولا ترسم الياء هنا بعد النون اتباعاً لرسم المصحف، والنذر جمع نذير بمعنى النذر، أي الأمور المنذرة لهم كأحوال الأمم السابقة وما بلغ إليهم من العذاب الذي بلغ قريشاً وتسامعوا به أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر.
ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم فقال:
стр. 9706
(فتول عنهم) أي أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وهي منسوخة بآية السيف، قاله
стр. 9707
أكثر المفسرين وقال الرازي: إن قولهم بالنسخ ليس بشيء بل المراد منها لا تناظرهم بالكلام، ذكره الخطيب.
(يوم) اذكر يوم (يدع الداع) وإليه ذهب الرماني والزمخشري وفيه وجوه هذا أقربها، وسقطت الواو من يدع إتباعاً للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا وحذفت الياء من الداع مبالغة في التخفيف واكتفاء بالكسرة، والداعي هو إسرافيل، وقيل: جبريل والأول أولى (إلى شيء نكر) أي: أمر فظيع ينكرونه استعظاماً له، لعدم تقدم العهد لهم بمثله وهو هول يوم القيامة، وقيل: هو الحساب، قرأ الجمهور نكر بضم الكاف، وقرىء بسكونها تخفيفاً، وقرىء بكسر الكاف، وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول.
стр. 9708
(خشعاً أبصارهم) قرأ الجمهور: خشعاً، جمع خاشع، وقرىء خاشعاً على الإفراد، وقرأ ابن مسعود: خاشعة، قال الفراء: الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث، والجمع، يعني جمع التكسير لا جمع السلامة لأنه يكون من الجمع بين الفاعلين، والخشوع في البصر الخضوع والذلة وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين فيها، ويظهر أكثر من ظهوره على بقية البدن.
(يخرجون) أي الناس مطلقاً مؤمنهم وكافرهم (من الأجداث) واحدها جدث وهو القبر (كأنهم) لكثرتهم وتموجهم واختلاط بعضهم ببعض (جراد منتشر) أي منبث: في الأقطار، مختلط بعضه ببعض في الأماكن لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة
стр. 9709
(مهطعين إلى الداع) الإهطاع الإسراع في المشي، أي حال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل وقال الضحاك: مقبلين، وقال قتادة: عامدين، وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة وغيره، وقال ابن عباس: ناظرين إليه بأبصارهم لا يقلعون، وقيل: مادي أعناقهم إليه.
(يقول الكافرون هذا يوم عسر) أي صعب شديد على الكافرين كما
стр. 9710
في المدثر: (يوم عسير على الكافرين غير يسير) وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين، ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة فقال:
стр. 9711
(كذبت قبلهم) أي: قبل قريش (قوم نوح) أي كذبوا نبيهم وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ .
(فكذبوا عبدنا) تفصيل بعد إجمال، وتفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد تقرير وتأكيد أي فكذبوا نوحاً والفاء على هذا تفصيلية فإن التفصيل يكون عقب الإجمال، وقيل معناه كذبوه تكذيباً بعد تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعه قرن مكذب والفاء حينئذ للتعقيب، والمكذب الثاني غير الأول، وإن اتحد المكذب أو كذبوه بعد ما كذبوا جميع الرسل والفاء على هذا للتسبب، وإنما لم يرتض القاضي هذين الوجهين، وإن جرى في الكشاف عليهما، لأن الظاهر هو الاتحاد في كليهما.
ثم بين سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرد التكذيب فقال: (وقالوا مجنون) أي نسبوا نوحاً إلى الجنون (وازدجر) معطوف على قالوا، أي وزجر عن دعوى النبوة، وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر، وقيل: إنه معطوف على مجنون، أي: وقالوا: إنه ازدجرته الجن وتخبطته، وذهبت بلبه، والأول أولى، قال مجاهد: هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب، وأنواع الأذى، قال الرازي: وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي ﷺ بذكر من تقدمه.
стр. 9712
(فدعا) نوح (ربه) على قومه: (أني) أي بأني، وقرىء بكسر الهمزة إما على إضمار القول، أي فقال: إني، وإما إجراء للدعاء مجرى القول، وهو مذهب الكوفيين (مغلوب) من جهة قومي، لتمردهم عن الطاعة، وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة، وذلك بعد صبره عليهم غاية الصبر حيث مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً يعالجهم، فلم يفد فيهم شيئاًً ولما يئس
стр. 9713
عن إجابتهم وعلم تمردهم وعتوهم، وإصرارهم على ضلالتهم، طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم فقال: (فَانْتَصِرْ) أي: انتقم لي منهم ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال:
стр. 9714
(ففتحنا) مخففاً ومشدداً، وهما سبعيتان (أبواب السماء) أي كلها في جميع الأقطار، وهو على ظاهره، وللسماء أبواب تفتح وتغلق، ولا يستبعد ذلك لأنه قد صح في الحديث أن للسماء أبواباً، وقيل هو على الاستعارة فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب، والأول أولى (بماء) الباء للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها، كما تقول: فتحت بالمفتاح (منهمر) غزير، نازل بقوة، أي منصباً انصباباً شديداً في كثرة وتتابع، لم ينقطع أربعين يوماً، والهمر: الصب بكثرة يقال: همر الماء والدمع يهمر همراً وهموراً إذا كثر.
стр. 9715
(وفجرنا الأرض عيوناً) أي جعلنا الأرض كلها عيوناً متفجرة، وهو أبلغ من قولك: فجرنا عيون الأرض، قرأ الجمهور: فجرنا بالتشديد، وقرىء بالتخفيف، قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون وسالت بالمياه (فالتقى الماء على أمر قد قدر) وقرىء الماءآن وقرأ علي ومحمد بن كعب: الماوان أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضى عليهم، أي كائناً على حال قدرها الله، وقضى بها في اللوح المحفوظ أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، قيل: كان ماء السماء أكثر وقيل: بالعكس.
وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء، قال قتادة: قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا قال ابن عباس: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم، ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءآن.
(وحملناه) أي: نوحاً (على) سفينة (ذات ألواح) وهي الأخشاب العريضة (ودسر) قال الزجاج: هي المسامير التي تشد بها الألواح واحدها دسار، وكل شيء أدخل في شيء يشده فهو دسر، وكذا قال قتادة ومحمد ابن كعب وابن زيد وسعيد بن جبير وغيرهم، وقال الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة: الدسر ظهر السفينة التي يضربها الموج، سميت بذلك لأنها تدسر الماء، أي تدفعه، والدسر الدفع، وقال الليث: الدسار خيط يشد به ألواح السفينة.
قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر، وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ويقال: هي المسامير وقيل: صدر السفينة وقيل: عوارضها وأضلاعها وقيل: الألواح جانبا السفينة، والدسر أصلها، وقيل أصلها وطرفاها قال ابن عباس: الألواح ألواح السفينة، والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة وقال أيضاًً: المسامير وقال أيضاًً: الدسر كلكل السفينة، وقال مجاهد: نطق السفينة وعنه أيضاًً أضلاع السفينة.
стр. 9718
(تجري بأعيننا) أي بمنظر ومرأى منا، وحفظ مالها، كما في قوله:
стр. 9719
واصنع الفلك بأعيننا، وقيل: بأمرنا، وقيل: بوحينا، وقيل: بالأعين النابعة من الأرض، وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها والأول أولى (جزاء) قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم: ثواباً، فالنصب على العلة، وقيل: أي أغرقوا انتصاراً، وهو تفسير للمعنى، وقيل: جازيناهم جزاء.
(لمن كان كفر) به، وجحد أمره، وهو نوح ﵇، فإنه كان لهم نعمة كفروها، إذ كل نبي نعمة على أمته، قرأ الجمهور كفر مبنياً للمفعول والمراد به نوح، وقيل: هو الله سبحانه، فإنهم كفروا به، وجحدوا نعمته وقرىء كفر بفتح الكاف والفاء مبنياً للفاعل، أي جزاء وعقاباً لمن كفر بالله.
стр. 9720
(ولقد تركناها) أي السفينة (آية) عبرة للمعتبرين قال قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل على الجودي زماناً مديداً، ودهراً طويلاً حتى نظر إليها ورآها أوائل هذه الأمة، أو أبقينا خبرها، أو أبقينا جنس السفن أو تركنا بمعنى جعلنا، وقيل: المعنى تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة لمن يعتبر ويتعظ بها.
(فهل من مدكر)؟ أصله مذتكر، فأبدلت التاء ذالاً ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما، وأدغمت الدال في الدال، والمعنى هل من متعظ ومعتبر؟ يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟ فيترك المعصية، ويختار الطاعة، ثم إنه تعالى لما أجاب دعوة نوح بأن أغرقهم أجمعين، قال: استعظاماً لذلك العقاب وإبعاداً لمشركي مكة:
стр. 9721
(فكيف كان عذابي)؟ الذي عذبتهم به (و) كيف كان عاقبة (نذر)؟ أي: إنذاري قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، والإستفهام للتهويل والتعجيب، أي كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، وقيل: نذر جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار.
стр. 9722
(ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه للإدكار والإتعاظ، بأن وشحناه بأنواع المواعظ والعبر الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد، يحفظه الصغير والكبير، والعربي والعجمي وغيرهم، قال ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله.
وأخرج الديلمي. عن أنس مرفوعاً مثله، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن، والجملة قسمية وردت في آخر القصص الأربع، تقريراً لمضمون ما سبق، وتنبيهاً على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الإدكار فيها، كافية في الازدحار، ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار، أي: وتالله لقد سهلنا القرآن لقومك، بأن أنزلناه على لغتهم.
(فهل من مدكر)؟ أي متعظ بمواعظه، ومعتبر لعبره، وطالب لحفظه، فيعان عليه، وقارىء يقرأه، وطالب علم وخير، وقال ابن عباس: هل من متذكر؟ كرر هذا في هذه السورة للتنبيه والإفهام، وقيل: إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم، وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو تذكر، وإنما كرر هذه الآية عند كل قصة بقوله: فهل من مذكر؟ لأن هل كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم، وجعلها حجة عليهم، فاللام من هل للإستعراض، والهاء للإستخراج، وفي الآية الحث على درس القرآن، والإستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه.
стр. 9723
(كذبت عاد) هم قوم هود، ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب، ولم يقل: فكذبوا هوداً كما قال في قصة نوح، فكذبوا عبدنا، لأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم، وكثرة
стр. 9724
عنادهم، وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة (فكيف كان عذابي ونذر)؟ أي فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف كان عذابي لهم؟ وإنذاري إياهم؟ ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم، والاستفهام للتهويل والتعظيم، والغرض بهذا توجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره.
стр. 9725
(إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) هذه الجملة مستأنفة مبينة لما أجمله سابقاً من العذاب، والصرصر شدة البرد، أي: ريح شديدة البرد، وقيل: الصرصر شدة الصوت، وقد تقدم بيانه في حم السجدة. قال ابن عباس: ريحاً صرصراً أي باردة (في يوم نحس مستمر) أي: دائم الشؤم إلى الأبد، استمر عليهم بنحوسة، واستمر فيه العذاب إلى الهلاك، وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم، قال الزجاج: أي بيوم الأربعاء في آخر الشهر، أي شهر شوال لثمان بقين منه، واستمر إلى غروب الشمس، قال الخطيب: وقد قال في سورة الحاقة: سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وفي حم السجدة في أيام نحسات، فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان انتهى.
قال الضحاك: كان ذلك اليوم مراً عليهم، وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا: هو من المرارة كالشيء المر، تكرهه النفوس، وقيل: هو من المرة بمعنى القوة، أي في يوم قوي الشؤم مستحكمه. كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه، والظاهر أنه من الاستمرار لا من المرارة: ولا من المرة أي دام عليهم العذاب فيه حتى أهلكهم، وشمل إهلاكه كبيرهم وصغيرهم، وقيل: استمر بهم إلى نار جهنم، قال ابن عباس: في أيام شداد، " عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأربعاء يوم نحس مستمر "، أخرجه ابن المنذر وابن مردويه، وأخرجه هو عنه من وجه آخر (١) مرفوعاً.
стр. 9726
" وعن علي أيضاًً مرفوعاً وعن أنس أيضاًً مرفوعاً وفيه قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأهلك فيه عاداً وثمود "، وأخرج ابن مردويه والخطيب بسند قال السيوطي: ضعيف.
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ". قرأ الجمهور بإضافة يوم إلى نحس مع سكون الحاء وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة أو على تقدير مضاف، أي في يوم عذاب نحس، وقرىء بتنوين يوم على أن نحس صفة له، وقرىء بكسر الحاء.
стр. 9727
(تنزع الناس) أوقع الظاهر موضع المضمر ليعم ذكورهم وإناثهم وإلا فالأصل: تنزعهم أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم، وتبين رؤوسهم من أجسادهم، وقيل: تنزع الناس من البيوت، وقيل: من قبورهم، لأنهم حفروا حفائر، ودخلوها. روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر، وتمسك بعضهم ببعض، فنزعتهم الريح منها، وصرعتهم موتى.
(كأنهم) وحالهم ما ذكر (أعجاز نخل منقعر) الأعجاز جمع عجز، وهو مؤخر كل شيء، وعن ابن عباس قال: أصول النخل، وعنه أعجاز سواد النخل، والمنقعر المنقطع المنقلع من أصله، يقال: قعرت النخلة إذا قطعتها من أصلها حتى تسقط، شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليس لها رؤوس وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم أولاً ثم كبتهم على وجوههم، وهذا ما جرى عليه الزجاج وغيره، وفيه إشارة إلى قوتهم وثباتهم في الأرض بأجسامهم، فكأنهم لعظم أجسامهم وكمال قوتهم، يقصدون مقاومة الريح لما صرعتهم وألقتهم على الأرض، فكأنها أقلعت أعجاز نخل منقعر، وتذكير منقعر مع
стр. 9728
أنه صفة لأعجاز نخل وهي مؤنثة اعتباراً باللفظ، ويجوز تأنيثه اعتباراً بالمعنى، كما قال: (أعجاز نخل خاوية) قال المبرد: كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً، وقيل: إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث.
стр. 9729
(فكيف كان عذابي ونذر)؟ أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم، كرر للتهويل، وقال أبو السعود: تهويل لهما وتعجيب من أمرهما، بعد بيانهما، فليس فيه شائبة تكرار كما قيل: وما قيل من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي.
стр. 9730
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده، حيث يدل على أنه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم، لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه ببيان تكذيب ثمود فقال:
стр. 9731
(كذبت ثمود بالنذر) جمع نذير، أي كذبت بالرسل المرسلين، أو مصدر بمعنى الإنذار أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيباً للرسل، لأن من كذب واحداً من الأنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع.
стр. 9732
(فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ)؟ الإستفهام للإنكار، أي كيف نتبع بشراً كائناً من جنسنا منفرداً وحده؟ لا متابع له على ما يدعو إليه؟ قرأ الجمهور بنصب بشراً على الاشتغال، أي أنتبع بشراً واحداً منا؟ وهو الراجح لتقدم أداة، هي بالفعل أولى، وقرىء بالرفع على الابتداء، وواحد صفته، ونتبعه خبره؛ وقرىء برفع بشر، ونصب واحد على الحال (إنا إذاً لفي ضلال) أي إنا إذا اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق والصواب (وسعر) أي عذاب وعناء وشدة، كذا قال الفراء وغيره، وقال أبو عبيدة: وهو جمع
стр. 9733
سعير، وهو لهب النار، والسعر الجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدة، وقال مجاهد: سعر بعد عن الحق، وقال السدي في احتراق، وقيل: المراد به هنا الجنون من قولهم: ناقة مسعورة أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، وقال ابن عباس: في شقاء ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا:
стр. 9734
(أألقي الذكر عليه من بيننا)؟ أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة؟ وفينا من هو أحق بذلك منه، ثم اضربوا عن الإنكار، وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذاباً أشراً فقالوا: (بل هو كذاب أشر) الأشر المرح والنشاط، أو البطر والتكبر، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام، قرأ الجمهور أشر كفرح، صفة مشبهة وعلى أنه أفعل التفضيل، وقرىء بضم الشين وفتح الهمزة، ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله:
стр. 9735
(سيعلمون غداً) السين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بقوله غداً وقت نزول العذاب الذي حل بهم في الدنيا، أو في يوم القيامة، جرياً على عادة الناس في التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر، وإن بعدكما في قولهم إن مع اليوم غداً، والأول أولى، قرأ الجمهور بالتحتية على أنه إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة على سبيل الالتفات، وقرىء بالتاء على أنه خطاب من صالح لقومه.
(من الكذاب الأشر)؟ من استفهامية أي أيّ فريق هو الكذاب الأشر المتكبر البطر، أهو هم؟ أم صالح ﵇.