← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن جميعها نعم ظاهرة واضحة لا تجحد ولا تنكر.

стр. 9872

(فيهما عينان نضاختان) ألنضخ فوران الماء من العين، والمعنى أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين، قال أهل اللغة: والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة، لأن بالحاء الرش، وبالخاء المعجمة فوران الماء، قاله السمين، قال الحسن ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر، وقال سعيد بن جبير:

стр. 9873

تنضخ بأنواع الفواكه والماء، قال ابن عباس: فائضتان تنضخان بالماء، وقيل: بالخير والبركة على أهل الجنة

стр. 9874

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنها ليست بموضع للتكذيب ولا بمكان للجحد.

стр. 9875

(فيهما فاكهة ونخل ورمان) هذا من صفات الجنتين المذكورتين قريباً والنخل والرمان -وإن كانا من الفاكهة- لكنهما خصصا بالذكر لمزيد حسنهما، وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه كما حكاه الزجاج والأزهري وغيرهما، وقيل: إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب، قال الخطيب، كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالشراب، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم الثمار التي يعجبون بها وقيل: خصهما لأن النخل فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم، وبه قال الشافعي فيحنث بأكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، وحينئذ فعطفهما عليها من عطف الخاص على العام تفصيلاً ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة ﵀ وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد، وهو قول خلاف قول أهل اللغة ولا حجة له في الآية.

стр. 9876

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملها هذه النعم التي في جنات النعيم ومجرد الحكاية لها تؤثر في نفوس السامعين وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين.

стр. 9877

(فيهن خيرات حسان) قرأ الجمهور خيرات بالتخفيف وقرىء بالتشديد، فعلى الأولى هي جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين يقال: امرأة خيرة وأخرى شرة، أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى الثانية جمع بالتشديد. قال الواحدي قال المفسرون: الخيرات النساء خيرات الأخلاق، حسان الوجوه قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجهات الأربع، ولا وجه لهذا، فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف، كأنهن الياقوت والمرجان وبين الصفتين بون بعيد.

стр. 9878

" عن ابن مسعود في الآية قال: لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة وهدية، لم يكن قبل ذلك لا مراحات ولا طماحات، ولا بخرات ولا دفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً. واختلف أيهما أكثر حسناً؟ وأبهى جمالاً؟ هل الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور، لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة. " كقوله ﵇ في دعائه على الميت في الجنازة: وأبدله زوجاً خيراً من زوجه " وقيل الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف وروي مرفوعاً وقيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج الأنبياء والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن، وفيه بعد بعيد، والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، وإنما هن مخلوقات في الجنة، لأن الله قال: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)، وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات " ولأن النبي ﷺ قال: إن أقل ساكني الجنة النساء فلا يصيب كل واحد منهم امرأة "، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنهن من غير نساء الدنيا ذكره القرطبي.

стр. 9879

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن شيئاًً منها كائناً ما كان لا يقبل التكذيب.

стр. 9880

(حور مقصورات في الخيام) أي محبوسات فيها، ومنه القصر، لأنه يحبس من فيه، وقيل: مخدرات مستورات لا يخرجن، لكرامتهن وشرفهن، يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة، أي: مخدرة، والحور جمع حوراء وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها، وقد تقدم بيان معنى الحوراء والخلاف فيه وقيل: معنى مقصورات أنهن قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، وحكاه الواحدي عن المفسرين، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة ومقاتل وغيرهما قال في الصحاح: قصرت الشيء أقصره قصراً حبسته، والمعنى أنهن خدرن في الخيام

стр. 9881

والخيام جمع خيمة، وقيل: جمع خيم والخيم جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب فتكون أبرد من الأخبية، قيل الخيمة من خيام الجنة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ. قال ابن عباس: مقصورات محبوسات في الخيام، قال: في بيوت اللؤلؤ، وقال: الحور سود الحدق. " وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ : قال الخيام در مجوف "، أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. " عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسدم قال: الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن ".

стр. 9882

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) الذي صوركم فأحسن صوركم، وجعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (تُكَذِّبَانِ)؟ أبهذه النعم؟ أم بغيرها.

стр. 9883

(لم يطمثهن إنس قبلهم) أي: قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكر الجنتين (ولا جان) وقد تقدم تفسيره في صفة الجنتين الأوليين

стр. 9884

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنها كلها نعم لا تكفر ومنن لا تجحد.

стр. 9885

(متكئين على رفرف خضر) قرأ الجمهور رفرف على الإفراد، وقرىء رفارف على الجمع، وقرىء خضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمة وبضمها وهي لغة قليلة، قال أبو عبيدة: الرفارف البسط، وبه قال الحسن ومقاتل والضحاك وغيرهم. وقال ابن عيينة: هي الزرابي. وقال ابن كيسان: هي المرافق، وروي عن أبي عبيدة أنه قال: هي حاشية الثوب، وقال الليث: ضرب من الثياب الخضر، وقيل: الفرش المرتفعة، وقيل: كل ثوب عريض قال في الصحاح: والرفرف ثياب خضر يتخذ منهما المحابس الواحدة رفرفة

стр. 9886

اسم جمع، أو اسم جنس جمعي، نقلهما مكي. وقال الزجاج: قالوا: الرفرف هنا رياض الجنة، وقالوا الرفرف: الوسائد، وقيل: المحابس انتهى. وقيل: الطنافس، ومن القائلين بأنها رياض الجنة خضر مخصبة سعيد بن جبير، واشتقاق الرفرف من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر، وهي تحريك جناحيه في الهواء، وقال ابن عباس: رفرف فضول المحابس والفرش والبسط، وعن علي قال: هي فضول المحابس. (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) أي الزرابي والطنافس الموشية، قال ابن عباس العبقري الزرابي، والرفرف الرياض، قال أبو عبيدة: كل وشي من البسط عبقري، وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، قال الفراء: العبقري الطنافس الثخان وقيل: الرقيق، وقيل: البسط، وقيل: الديباج، قال ابن الأنباري: الأصل فيه أن عبقر قرية تسكن فيها الجن ينسب إليها كل فائق، قال الخليل: العبقري عند العرب كل جليل فاضل، فاخر من الرجال والنساء. قال الجوهري: العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا عبقري وهو واحد وجمع، قرأ الجمهور عبقري وقرىء عباقري وعباقر، وهما نسبة إلى عباقر اسم بلد، وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي.

стр. 9887

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن كل واحد منها أجل من أن يتطرق إليه التكذيب، وأعظم من أن يجحده جاحد، أو ينكره منكر، وقد قدمنا في أوائل هذه السورة وجه تكرير هذه الآية فلا نعيده.

стр. 9888

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة للرب سبحانه، وقرىء بالرفع على أنه صفة للاسم، وتبارك تفاعل من البركة، قال الرازي: وأصل التبارك من التبرك، وهو الدوام والثبات ومنه برك البعير وبركة الماء، فإن الماء يكون دائماً، والمعنى دام اسمه، وثبت أو دام

стр. 9889

الخير عنده، لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير، أو يكون معناه علا، وارتفع شأنه، وقيل: معناه تنزيه الله سبحانه وتقديسه. وإذا كان هذا التبارك منسوباً إلى اسمه فما ظنك بذاته سبحانه. وقيل: الاسم بمعنى الصفة، وقيل: هو مقحم. " عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ ، إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام " (١)، أخرجه أبو داود والنسائي غير قولها: إلا مقدار ما يقول. " وعن ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " أخرجه مسلم وقد تقدم تفسير ذي الجلال والإِكرام في هذه السورة، وذكر سليمان الجمل هنا كلاماً طويلاً يتعلق بشرح هذه الآيات من تذكرة القرطبي وغالبه في تفسيره لا نطول بذكره لقلة الفائدة.

стр. 9890

سورة الواقعة (هي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية) وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) وقال الكلبي: إنها مكيّة إلا أربع آيات منها، وهي: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ)؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، نزلتا في سفره إلى مكة، وقوله: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) نزلتا في سفره إلى المدينة قال ابن عباس: نزلت الواقعة بمكة، عن ابن الزبير مثله. وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه الفاقة أبداً " (١)، أخرجه البيهقي في الشعب، والحرث بن أبي أسلمة، وأبو يعلى، وابن مردويه وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " سورة الواقعة سورة الغنى فاقرأوها وعلموا أولادكم " أخرجه ابن عساكر. وعن أنس عن النبي ﷺ قال " علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى " أخرجه الديلمي. وقد تقدم قوله ﷺ : شيبتني هود والواقعة قال مسروق من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.

стр. 9891

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) (بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 9892

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) أي قامت القيامة، وقيل: إذا نزلت صيحة القيامة، قال المفسرون: وهي النفخة الأخيرة الثانية وقيل: هي اسم للقيامة كالآزفة وغيرها، وسميت الواقعة لأنها كائنة لا محالة أو لقرب وقوعها أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، أي اذكر وقت وقوع الواقعة أو إذا وقعت كان كيت وكيت قاله مكي، وقيل: غير ذلك.

стр. 9893

(ليس لوقعتها كاذبة) الكاذبة مصدر كالعاقبة أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلاً، والمعنى أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب لها أصلاً أو لا تكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة، ووقوع القيامة لأن كل نفس تكذب حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات واللام كقوله تعالى (يا ليتني قدمت لحياتي)، وقال الزجاج: معناه لا يردها شيء، وبه قال الحسن وقتادة وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها، وقال الكسائي: ليس لها تكذيب، أي لا ينبغي أن يكذب بها أحد وقال ابن عباس: ليس لها مرد يرد.

стр. 9894

(خافضة رافعة) قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدأ أي هي خافضة، وقرىء بنصبهما على الحال، والجملة تقرير لعظمتها، وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها لنثر الكواكب وإسقاط السماء كسفاً، وغير ذلك، قال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله. وقال محمد بن كعب: خفضت أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين، والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة، والعز والإهانة، ونسبة الخفض والرفع إليها على طريق المجاز، والخافض والرافع في الحقيقة هو الله سبحانه، قال ابن عباس: (خافضة رافعة) تخفض ناساً وترفع آخرين، وعنه قال: أسمعت القريب والبعيد، وعن عمر بن الخطاب قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.

стр. 9895

(إذا رجت الأرض رجاً) أي إذا حركت حركة شديدة، يقال: رجه يرجه رجاً إذا حركه، والرجة الاضطراب. وارتج البحر وغيره اضطرب، قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها

стр. 9896

(وبست الجبال بساً) البس الفت، يقال: بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتاً، ويقال: بس السويق إذا لَتَّهُ بالسمن أو بالزيت، قال مجاهد ومقاتل: المعنى أن الجبال فتت فتاً، وبه قال ابن عباس، وقال السدي: كسرت كسراً، وقال الحسن: قلعت من أصلها، وقال مجاهد أيضاً: بست كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت، والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت.

стр. 9897

وقال أبو زيد: البس السوق، والمعنى على هذا سيقت " جبال سوقاً قال أبو عبيد: بس الإبل وابتسها لغتان إذا زجرها، وقال عكرمة: المعنى هدت هداً، وقيل: صارت كثيباً مهيلاً بعد أن كانت شامخة، وقال قتادة ومقاتل وابن عباس ومجاهد: معنى رجت زلزلت، أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو مرتفع وقيل المعنى وقوع الواقعة هو رج الأرض وبس الجبال.

стр. 9898

(فكانت هباء منبثاً) أي غباراً متفرقاً منتشراً بنفسه، من غير حاجة إلى هواء يفرقه، وقال مجاهد: الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار، وقيل: هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت يطير منها على صورة الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاًً، قاله ابن عباس وعطية، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله: (فجعلناه هباء منثوراً)، قرأ الجمهور منبثاً بالمثلثة، وقرىء بالمثناة الفوقية، أي: منقطعاً من قولهم: بته الله أي قطعه. وقال ابن عباس: شعاع الشمس، وعنه الهباء ما يثور مع شعاع الشمس وانبثاثه تفرقه، وقال علي: الهباء المنبث رهج الدواب والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة، ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال:

стр. 9899

(وكنتم أزواجاً ثلاثة) الخطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليباً أو للحاضرة فقط، والمعنى وكنتم في ذلك اليوم أصنافاً ثلاثة، اثنان في الجنة واحد في النار، صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج، قال ابن عباس: الأزواج الأصناف وهي التي في سورة الملائكة (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال:

стр. 9900

(فأصحاب الميمنة) وهي ناحية اليمين، أي أصحاب اليمين وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم أو الذين تؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب الميمنة مبتدأ خبره (ما أصحاب الميمنة)؟ أي أيُّ شيء هم في حالهم وصفتهم وسعادتهم؟ وتكرير المبتدأ هنا بلفظة مغن عن الضمير الرابط كما في قوله (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ)، و (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ) ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التعظيم والتفخيم. والكلام في قوله:

стр. 9901

(وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)؟ كالكلام فيما تقدم، والمراد بهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمائلهم، والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة، كأنه قيل فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وغاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وغاية سوء الحال، فالاستفهام في كلا الموضعين للتعجيب، وقال السدي: أصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله، وقال زيد بن أسلم: أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من شقه الأيسر، وقال ابن جريج: أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الحسنة، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة، وقال المبرد: أصحاب الميمنة أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر، والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين، وقيل: المراد أصحاب المنزلة السنية الرفيعة، وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، أخذاً من تيامنهم بالميامن، وتشاؤمهم بالشمائل. أخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ ، تلا

стр. 9902

هذه الآية: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ) (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)، فقبض بيديه قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي.

стр. 9903

(وَالسَّابِقُونَ) مبتدأ وخبره قوله: (السَّابِقُونَ) والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين، كما نقول: أنت أنت وزيد زيد، وفيه تأويلان. أحدهما بمعنى السابقون، هم الذين اشتهرت حالهم بذلك، وعرفت محاسنهم. والثاني أن متعلق السبقين مختلف، والتقدير: السابقون إلى الإِيمان السابقون إلى الجنة، والأول أولى، لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم، وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وقال محمد بن كعب: إنهم الأنبياء وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات، وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات، وقال مجاهد: هم الذين سبقوا إلى الجهاد وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر، وقال الزجاج: المعنى والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، قال ابن عباس: السابقون يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه سبق إلى رسول الله ﷺ ، وعنه قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب ﵁، وكل رجل منهم سابق أمة، وعلي أفضلهم سبقاً. " وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم

стр. 9904

قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئِلوا بذلوا، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " (١) أخرجه أحمد،

стр. 9905

قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث، مع كونه أشرف من الصنفين الأولين، وأسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل، هو أن يقترن به ما بعده وهو قوله: (أولئك المقربون في جنات النعيم) فالإشارة هي إليهم، أي: المقربون إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، أو الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم، وأعليت مراتبهم، ورقت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية. وما في أولئك من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، ومحله الرفع على الإبتداء، وخبره ما بعده، هذا أظهر ما ذكر في إعراب هذه الجملة، وأشهره وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل، وجنات النعيم، خبر ثان، أو حال من الضمير في المقربون، أو متعلق به؛ أي: قربوا إلى رحمة الله فيها، قرأ الجمهور جنات بالجمع، وقرىء جنة بالإفراد وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: دار الضيافة، ودار الدعوة، ودار العدل.

стр. 9906

(ثلة من الأولين) أي هم ثلة، وهي الجماعة التي لا يحصر عددها، قال الزجاج: معنى ثلة فرقة من ثللت الشيء إذا قطعته، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا ﷺ ، من بينهما من الأنبياء العظام

стр. 9907

(وقليل من الآخرين) أي من هذه الأمة وسموا قليلاً بالنسبة إلى من كان قبلهم، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم، وكثرة من أجابهم قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، قال الزجاج: الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي ﷺ ، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح. " من قوله ﷺ ، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة،

стр. 9908

ثم قال: ثلث أهل الجنة، ثم قال: نصف أهل الجنة " (١)، لأن قوله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) إنما هو تفصيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة. والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما، لجواز أن يقال: هذه الثلة أكثر من هذه الثلة. كما يقال؛ هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: لما نزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فنزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فقال النبي ﷺ : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثاني " أخرجه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال:

стр. 9909

(عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قرأ الجمهور بضم السين والراء الأولى، وقرىء بفتح الراء، وهي لغة كما تقدم، جمع سرير، وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العليا، الموضوعة للراحة والكرامة، والموضونة المنسوجة، والوضن النسج المضاعف، يقال: وضن الشيء يضنه فهو موضون ووضين، ثنى بعضه على بعض وضاعفه، والغزل نسجه، والموضونة الدرع المنسوجة أو المتقاربة النسج، أو المنسوجة حلقتين حلقتين، أو بالجواهر، كذا في القاموس. قال الواحدي: قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب، وقيل:

стр. 9910

مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وقيل: إن الموضونة المصفوفة، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: هي المرمولة بالذهب، والمعنى مستقرين على سرر.
следующие страницы →