(لو نشاء جعلناه أجاجاً) الأجاج الماء الشديد الملوحة، الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما.
(فلولا) أي فهلا (تشكرون) نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذباً تشربون منه وتنتفعون به
стр. 9977
(أفرأيتم النار التي تورون) أي أخبروني عنها، ومعنى تورون تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال: أوريت النار إذا قدحتها، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند والسفلى الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة.
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا)؟ التي تكون منها الزنود وهي المرخ والعفار، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وزاد الجلال المحلي الكلخ، نقل سليمان الجمل عن شيخه أنه قال: ولم نجدد في القاموس ولا في المختار، غير أنه أخبر بعض أهل المغرب والشام بأنه موجود معروف عندهم شبيه بالقصب تؤخذ منه قطعتان وتضرب إحداهما بالأخرى فتخرج النار (أم نحن المنشئون) لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة.
стр. 9980
(نحن جعلناها) أي النار التي في الدنيا. (تذكرة) لنار جهنم الكبرى حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به، قال مجاهد وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن وقال ابن عباس: تذكرة للنار الكبرى.
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله؛ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها " (١) أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 9981
(وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) أي للمسافرين، قاله ابن عباس، يعني منفعة للذين ينزلون بالقواء وهي الأرض القفر، كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة، يقال أرض قراء بالمد والقصر؛ أي مقفرة، ويقال أقوى إذا سافر أي نزل القوى، وخصوا بالذكر لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين، فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ذلك من المنافع، وقال مجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والإصطلاء والإستضاءة، وتذكر نار جهنم، وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم، يقال: أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئاًً وبات فلان القوى أي جائعاً.
وقال قطرب: القوى من الأضداد، يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله والمعنى جعلناها متاعاً ومنفعة للأغنياء والفقراء لا غنى لأحد عنها، وقال المهدوي: الآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير وحكى الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الأول وهو الظاهر.
стр. 9982
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الفاء لترتيب ما بعدها من ذكر الله سبحانه وتنزيهه على ما قبلها مما عدده من النعم التي أنعم بها على عباده، وجحود المشركين لها، وتكذيبهم بها، وقيل: قل سبحان ربي العظيم.
" وجاء مرفوعاً أنه لما نزلت هذه الآية قال اجعلوها في ركوعكم "، وسبح متعدّي بنفسه وبحرف الجر، فالباء زائد والإسم باق على معناه، أو بمعنى الذات أو بمعنى الذكر، قال الكرخي قالوا: كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب، وقيل: لفظة باسم زائدة، والمعنى: فسبح ربك وهذا أبلغ لما يلزم ذلك بالطريق الأولى على سبيل الكناية الرمزية، وأثبتوا ألف الوصل هنا في إسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة.
стр. 9983
(فلا أقسم) ذهب الجمهور إلى أن (لا) مزيدة للتوكيد، والمعنى فأقسم ويؤيد هذا قوله بعد:
стр. 9984
(وإنه لقسم)، وقال جماعة من أهل التفسير: إنها للنفي والمنفي بها محذوف، وهو كلام الكفار الجاحدين، قال الفراء هي نفي والمعنى ليس الأمر كذلك، ثم قال مستأنفاً: قسم وضعف هذا بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قال أبو حيان وغيره، وقيل: إنها لام الإبتداء، والأصل فلأقسم فأشبعت الفتحة فتولد منها الألف. وقد قرىء هكذا بدون ألف، وعلى هذا التقدير: فلا، أنا أقسم بذلك، وقيل: إن لا ههنا بمعنى: ألا التي للتنبيه، وهو بعيد، وقيل: إن لا هنا على ظاهرها، وأنها لنفي القسم، أي: فلا أقسم على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك، وهذا مدفوع بقوله: (وإنه لقسم) مع تعيين المقسم والمقسم عليه.
(بمواقع النجوم) أي مساقطها وهي مغاربها، كذا قال قتادة وغيره: ولعل لله في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم، فلذلك أقسم بمواقعها، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون؛ مطرنا بنوء كذا وكذا، قال الماوردي: ويكون قوله: (فلا أقسم) مستعملاً في حقيقته من نفي القسم، وقال القشيري: هو قسم ولله أن يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله وصفاته القديمة، وقيل المراد نزول القرآن نجوماً من اللوح المحفوظ وبه قال السدي وغيره.
وحكى الفراء عن ابن مسعود بأن مواقع النجوم هو محكم القرآن، قال ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق بين السنين، وفي لفظ نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً ثم قرأ هذه الآية، وعنه قال نجوم القرآن حين ينزل، قرأ الجمهور (مواقع) على الجمع وقرىء موقع على الإفراد: قال المبرد موقع ههنا مصدر
стр. 9985
فهو يصلح للواحد والجمع ثم أخبر الله سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه فقال:
(وإنه لقسم) هذه الجملة معترضة بين المقسم به والمقسم عليه وقوله: (لو تعلمون) جملة معترضة بين جزئي الجملة المعترضة، فهو إعتراض في اعتراض، قال الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير في أنه يعود على القسم الذي يدل عليه قسم والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم (عظيم) لو تعلمون لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال:
стр. 9986
(إنه لقرآن كريم) أي كرمه الله وأعزه، ورفع قدره على جميع الكتب وكرمه عن أن يكون سحراً وكهانة أو كذباً، وقيل: إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور وقيل لأنه يكرم حافظه، ويعظم قارئه، وحكى الواحدي عن أهل المعاني: أنه وصف القرآن بالكريم لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين، قال الأزهري: الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى، والبيان والعلم والحكمة، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه ويحتج به، والأديب يستفيد منه ويتقوى به، فكل عالم يطلب أصل علمه منه، وقيل: حسن مرضي أو نفاع جم المنافع، أو عزيز مكرم، لا يهون بكثرة التلاوة، ولا يخلق بكثرة الرد، ولا يمله السامعون، ولا يثقل على الألسنة، بل غض طري يبقى أبد الدهر.
стр. 9987
(في كتاب مكنون) أي مستور مصون من التغيير والتبديل، على حد قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقيل: محفوظ عن الباطل وهو اللوح المحفوظ، قاله جماعة، وقيل: هو كتاب مصون من غير المقربين
стр. 9988
من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم وقال عكرمة: هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، وقال السدي: هو الزبور، وقال مجاهد وقتادة هو المصحف الذي في أيدينا.
стр. 9989
(لا يمسه إلا المطهرون) من جميع الأدناس، قال المحلي خبر بمعنى النهي أي لا يمسوه، أي: يحرم عليهم مسه بدون الطهارة ولم يبق صريحاً على خبريته لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، لأنه كثيراً ما يمس بدون طهارة، والخلف في خبره تعالى محال، وقيل إن لا ناهية والفعل بعدها مجزوم لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى (لم يمسسهم سوء) ولكنه أدغم ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، وضعف ابن عطية النهي، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون، أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، وقيل هم الملائكة والرسل من بني آدم، والمعنى لا يمسه المس الحقيقي، وقيل: المعنى لا ينزل به إلا المطهرون.
وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، كذا قال قتادة وغيره.
وقال الكلبي: المطهرون من الشرك، وقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا، وقال محمد بن الفضل وغيره: المعنى لا يقرأه إلا الموحدون وقال الفراء: لا يجد نفعه وبركته إلا المؤمنون، وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق، وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي، وروي عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة أنه يجوز للمحدث مسه، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا في شرحه للمنتقى فليرجع إليه قرأ الجمهور المطهرون
стр. 9990
اسم مفعول من التطهير، وقرىء بكسر الهاء على أنه اسم فاعل أي المطهرون أنفسهم وقرىء على أنه اسم مفعول من أطهر، وقرىء بتشديد الطاء وكسر الهاء أصله المتطهرون، قال ابن عباس في الآية الكتاب المنزل من السماء لا يمسه إلا الملائكة.
وعن أنس قال: المطهرون الملائكة.
وعن " علقمة قال: أتينا سلمان الفارسي فخرج علينا من كنيف فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبد الله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا قال: إنما قال الله (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا "، أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر.
" وعن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا على طهر " أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر. وأخرجه أبو داود في المراسيل.
من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد الله المذكور أن رسول الله ﷺ قال: ولا يمس القرآن إلا طاهر "، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وغيره، وفي أسانيده نظر، وعن ابن عمر أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئاً و " عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجته فتوارى عنا ثم خرج علينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن؟ فقال سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا هذه الآية " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وغيرهم.
و" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لا يمس
стр. 9991
القرآن إلا طاهر "، أخرجه الطبراني وابن مردويه.
و" عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده أن لا يمس القرآن إلا طاهر "، أخرجه ابن مردويه.
стр. 9992
(تنزيل) أي منزل وسمي المنزل تنزيلاً على اتساع اللغة، يقال للمقدور: قدر، وللمخلوق خلق، قرأ الجمهور بالرفع، وقرىء بالنصب على الحال (من رب العالمين) صفة رابعة لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف، وفيه رد على من قال، إن القرآن شعر أو سحر أو كهانة.
стр. 9993
(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)؟ الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة، والمدهن والمداهن المنافق، كذا قال الزجاج وغيره وقال عطاء وغيره: هو الكذاب، وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مدهنون كافرون كما في قوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) وقال ابن عباس: مدهنون مكذبون، وقال الضحاك: مدهنون معرضون وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه، ويدفعه بالعلل والأول أولى، لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه يشبه الدهن في سهولته، قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر وقال في الكشاف: مدهنون متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه، تهاوناً به انتهى.
قال الراغب: والادهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد كما جعل التقريد، وهو نزع القراد عبارة عن ذلك، قلت: سميت المداراة والملاينة مداهنة، وهذا استعارة ومجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عوفية لذا جُوِّزَ به هنا من التهاون أيضاً لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه، وقال بعض اللغويين تاركون للحزم في قبول القرآن.
стр. 9994
(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) في الكلام مضاف محذوف، كما
стр. 9995
حكاه الواحدي عن المفسرين، أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله فتضعون التكذيب موضع الشكر، وقال الهيثم: إن أزد شنوءة يقولون: ما رزق فلان، أي ما شكر وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر ووجه التعبير بالرزق عن الشكر، أن الشكر يقتضي زيادة الرزق فكون الشكر رزقاً تعبيراً بالسبب عن المسبب، ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله وأنزل عليهم المطر: سقينا بنوء كذا، ومطرنا بنوء كذا قال الأزهري: معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزاق قرأ علي بن أبي طالب وابن عباس تجعلون شكركم وقرأ الجمهور تكذبون بالتشديد من التكذيب وقرأ بالتخفيف من الكذب.
أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه. " عن ابن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فنزلت هذه الآية (فلا أقسم -إلى قوله- تكذبون)، وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني.
" ومن حديث أبي سعيد الخدري، وعن علي عنه ﷺ في الآية قال: شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا "، أخرجه أحمد والترمذي والضياء في المختارة، وغيرهم وفي الباب أحاديث.
" وعن عائشة قالت: ما فسر رسول الله ﷺ من القرآن إلا آيات يسيرة تجعلون رزقكم قال: شكركم " رواه ابن عساكر.
" وعن علي أن رسول الله ﷺ قرأ وتجعلون شكركم " أخرجه ابن مردويه.
(فلولا إذا بلغت الحلقوم) أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت، ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى عندهم إذا جاؤوا بمثل هذه العبارة والحلقوم ممر الطعام والشراب
стр. 9998
(وأنتم حينئذ) التنوين عوض من الجملة المضافة إليها إذ أي إذ بلغت الحلقوم، خلافاً للأخفش حيث زعم أن التنوين للصرف والكسر للإعراب (تنظرون) أي إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم، قال الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه، والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه، ولا يستطيعون شيئاًً ينفعه، أو يخفف عنه ما هو فيه.
стр. 9999
(ونحن أقرب إليه منكم) أي بالعلم والقدرة والرؤية، وقيل: أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم (ولكن لا تبصرون) أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، أو لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه أو لا تعلمون ما هو فيه من المشقة والكرب.
стр. 10000
(فلولا إن كنتم غير مدينين) يقال دان السلطان رعيته، إذا ساسهم واستعبدهم، قال الفراء: دنته ملكته، ويقال: دانه إذا أذله واستعبده. وقيل: معنى مدينين محاسبين قاله ابن عباس، وقيل: مجزيين والمعنى الأول
стр. 10001
ألصق بمعنى الآية، أي: فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين؟
стр. 10002
(ترجعونها) أي النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه والعامل في إذا بلغت قسوله ترجعونها (ولولا) الثانية تأكيد لفظي للأولى، وقال الفراء: وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد.
(إن كنتم صادقين) ولن ترجعوها، فبطل زعمكم أنكم غير مربوبين ولا مملوكين، وقيل: معناه إن صدقتم في نفي البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده، لينتفي عنه الموت فينتفي البعث، ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال:
стр. 10003
(فأما إن كان) الذي بين حاله (من المقربين) أي: السابقين من الثلاثة الأصناف التقدم تفصيل حالهم
стр. 10004
(فروح وريحان) قرأ الجمهور (روح) بفتح الراء ومعناه الراحة من الدنيا والإستراحة من أحوالها، وقال مجاهد: الروح الفرح، وقرىء بضم الراء ومعناه الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم وبه قال الحسن، وفي القاموس: الروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح، والريحان الرزق في الجنة، قاله مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل، وقال: هو الرزق بلغة حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه، وقال قتادة: إنه الجنة.
وقال الضحاك: هو الرحمة، وقال الحسن: هو الريحان المعروف الذي يشم قال قتادة والربيع ابن خيثم: هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث، وكذا قال أبو الجوزاء وأبو العالية.
(وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) يعني: أنها ذات تنعم، قال ابن عباس: أي مغفرة ورحمة وترسم جنة هنا مجرورة التاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير والكسائي وغيرهما، والباقون بالتاء على الرسم وهل الجواب لـ (أما) أو لـ (إن) أو لهما أقوال ومعنى (أما) عند أبي إسحق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ في غيره، وعلى هذا الجواب لإن فقط، لأن أما ليست شرطاً، ورجح بعضهم أن جواب لأما، لأن (إن) كثر حذف جوابها منفردة، فادعاء
стр. 10005
ذلك مع شرط الجر أولى.
стр. 10006
(وأما إن كان) ذلك المتوفى (من أصحاب اليمين) الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، وقد تقدم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم، وما أعده الله لهم من الجزاء
стр. 10007
(فسلام لك من أصحاب اليمين) أي لست ترى فيهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم بذلك فإنهم يسلمون من عذاب الله، وقيل: المعنى سلام لك منهم أي أنت سالم من الإغتمام بهم، وقيل المعنى أنهم يدعون لك ويسلمون عليك.
وقيل: إنه ﷺ يحيي بالسلام إكراماً، وقيل: هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض، وقيل: المعنى وسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، يعني: أنه إلتفات بتقدير القول و (من) للإبتداء، كما يقال سلام من فلان على فلان، وفسر المحلي السلام بمعنى السلامة، قال القاري: وهذا تفسير غريب، قال ابن عباس: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله يسلم عليه ويخبره أنه من أصحاب اليمين.
стр. 10008
(وأما إن كان من المكذبين) بالبعث (الضالين) عن الهدى وهم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم، وإنما وصفهم بأفعالهم زجراً عنها وإشعاراً بما أوجب لهم هذا العذاب، وإلا فمقتضى الظاهر أن يقال. وأما إن كان من أصحاب الشمال لكن عدل عنه لما ذكر، تأمل.
стр. 10009
(فنزل) أي: فله نزل يعد لنزوله (من حميم) وهو الماء الذي قد تناهت حرارته وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه، قال الربيع ابن خيثم: هذا عند الموت وهذا تهكم بهم
стр. 10010
(وتصلية جحيم) يقال أصلاه النار وصلاه إذا جعله في النار، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أو إلى المكان، قال المبرد: وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع محذوف، والتقدير مهما يكن من شيء فروح الخ وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين.
стр. 10011
(إنَّ هذا) أي إن ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها، أو إن المذكور قريباً من أحوال المحتضرين وقصتهم (لهو حق اليقين) أي: محضه وخالصه، وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء إلى نفسه، قال البرد: هو كقولك عين اليقين، ومحض اليقين، هذا عند الكوفيين وجوزوا ذلك، أي: إضافة الموصوف إلى الصفة لاختلاف اللفظ، وأما البصريون فيجعلون المضاف إليه محذوفاً والتقدير حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، قال ابن عباس: لهو حق اليقين ما قصصنا عليك في هذه السورة.
стр. 10012
(فسبح باسم ربك العظيم) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي نزهه عما لا يليق بشأنه فسبح متلبساً باسم ربك للتبرك به، وقيل: المعنى فصل بذكر ربك. وقيل: الباء زائدة، وادعاء زيادتها خلاف الأصل، والإسم بمعنى الذات، وقيل: هي للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى، والأول أولى.
" عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ فسبح باسم ربك العظيم قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم "، أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم، وصححه البيهقي.
стр. 10013
سورة الحديد
هي تسع وعشرون آية، وهي مدنية
قال القرطبي: في قول الجميع قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، وعليه الجمهور، وقال الزمخشري: إنها مكية، ويؤيده ما نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه لما قرأ هذه الآيات إلى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وكانت مكتوبة في صحيفة عند أخته أسلم، فهذا يقتضي أن هذه الآيات مكيّة، فعلى هذا تستثنى على القول بأن السورة مدنية، تأمل.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء وخلق الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه الثلاثاء " أخرجه الطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن جابر مرفوعاً " لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت عليّ يوم الثلاثاء " أخرجه الديلمي.
وعن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: " إن فيهن آية أفضل من ألف آية " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم، وفي إسناده بقية ابن الوليد وفيه مقال معروف.
стр. 10014
وأخرجه النسائي عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ ولم يذكر العرباض بن سارية فهو مرسل وأخرجه ابن الضريس.
عن يحيى بن أبي كثير قال: كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ المسبحات وكان يقول: " إن فيهن آية أفضل من ألف آية " قال يحيى فنراها الآية التي في آخر الحشر، وقال ابن كثير في تفسيره والآية المشار إليها والله أعلم هي قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الآية والمسبحات هي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن.