(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ)؟ الكلام في هذا وما فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين. والشمال والمشأمة واحدة
стр. 9942
(في سموم وحميم) السموم حر النار، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة، وقيل السموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، وقد سبق بيان معناهما.
стр. 9943
(وظل من يحموم) اليحموم يفعول من الأحم، أو الحميم وهو الأسود تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد، والمعنى: إنهم يفزعون إلى الظل فيجدونه ظلاً من دخان جهنم، شديد السواد، وقيل هو مأخوذ من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم والرماد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود، قال ابن عباس: يحموم دخان أسود، وفي لفظ دخان جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: اسم من أسمائها، والأول أظهر، ثم وصف الله سبحانه هذا الظل بقوله:
(لَا بَارِدٍ) أي ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة بل هو حار ضار لأنه من دخان نار جهنم (وَلَا كَرِيمٍ) قال سعيد ابن المسيب: أي ليس فيه حسن منظر، وكل ما لا خير فيه فليس بكريم، وقال الضحاك: ولا كريم ولا عذب، قال الفراء: العرب يجعل الكريم تابعاً لكل شيء نفت عنه وصفاً تنوي به الدم، تقول ما هو بسمين ولا كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، والنعتان المذكوران لقوله: ظل لا ليحموم وما قيل من أنه يلزم على ذلك تقديم غير الصريحة على الصريحة فلا يرد، لأن الترتيب غير واجب نص عليه الرضى مع أنه هنا يفضي إلى عدم توازن الفاصلتين، وجعلهما نعتين ليحموم لا يلائم البلاغة القرآنية، وكان من حق الظاهر أن يقال: وظل حار ضار، فعدل إلى قوله (وظل من يحموم) ليتبادر منه إلى الذهن أولاً الظل المتعارف، فيطمع السامع، فإذا نفى عنه ما هو المطلوب من الظل، وهو البرد والاسترواح جاءت السخرية والتهكم والتعريض بأن الذين يستأهلون الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء، فيكون أشجى لحلوقهم، وأشد لتحسرهم.
قال الرازي: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال:
стр. 9946
(إنهم كانوا قبل ذلك) أي قبل هذا العذاب النازل بهم (مترفين) في الدنيا أي منعمين بما لا يحل لهم
стр. 9947
فمنعهم ذلك من الإنزجار، وشغلهم عن الإعتبار، وإنما كان الترفة هنا ذماً من حيث إنهم جعلوا من جملته القعود عن الطاعات وتركها، فصح ذمهم بهذا الإعتبار مع أنه في الواقع ليس ذماً في حد ذاته، والمترف المتنعم، وقال السدي: مشركين، وقيل: متكبرين والأول أولى والجملة تعليل لإستحقاقهم هذه العقوبة.
قال الرازي: والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك للتنبيه على أن الثواب منه تعالى فضل والعقاب منه عدل والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يوهم بالمتفضل نقصاً ولا ظلماً، وأما العدل فإنه إن لم يذكر سبب العقاب يظن أنه ظالم، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين (جزاء بما كانوا يعملون) كما قال في السابقين، لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته فإنه يحسن إطلاق الجزاء في حقه.
стр. 9948
(وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) الحنث الذنب، أي: يصرون على الذنب العظيم، قال الواحدي: قال أهل التفسير: عنى به الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين. أي كانوا لا يتوبون عن الشرك، وبه قال الحسن والضحاك وابن زيد، وقال قتادة ومجاهد: هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه، وقال الشعبي: هو اليمين الغموس، وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون، وكذبوا في ذلك، يدل عليه قوله:
стр. 9949
(وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) الإستفهام في الموضعين للإنكار، والإستبعاد وقد تقدم الكلام على هذا في الصافات وفي سورة الرعد.
والمعنى أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت وقد صاروا عظاماً وتراباً، والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم تراباً. وصارت عظامهم نخرة بالية والعامل في الظرف ما يدل عليه: مبعوثون، لأن ما بعد الإستفهام لا يعمل فيما قبله، أي أنبعث إذا متنا؟
стр. 9950
(أو آباؤنا الأولون)؟ معطوف على الضمير في (لمبعوثون) لوقوع الفصل بينهما بالهمزة، والمعنى أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم فقال:
стр. 9951
(قل) لهم يا محمد ﷺ رداً لإنكارهم، وتحقيقاً للحق:
(إن الأولين) من الأمم (والآخرين) منهم الذين أنتم من جملتهم
стр. 9952
(لمجموعون) بعد الموت (إلى ميقات) أي لوقت (يوم معلوم) معين عند الله، وهو يوم القيامة، والميقات ما وقت به الشيء، أي: حد، ومنه مواقيت الإحرام، والإضافة بمعنى من كخاتم فضة، والمعنى أنهم يحشرون إلى ما وقَّتَّ به الدنيا من يوم الحساب.
стр. 9953
(ثم إنكم أيها الضالون المكذبون) هذا وما بعده من جملة ما هو داخل تحت القول، وهو معطوف على: (إن الأولين) والمراد أهل مكة ومن في مثل حالهم، ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين. وهما الضلال عن الحق والتكذيب للبعث وثم للتراخي زماناً أو رتبة.
стр. 9954
(لآكلون) في الآخرة (من شجر من زقوم) أي من شجر كريه المنظر كريه الطعم، وهو من أخبث الشجر المر، ينبت في الدنيا بتهامة، وفي الآخرة ينبته الله في الجحيم، وهو في غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الريح وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات، ومن الأولى لابتداء الغاية، والثانية: بيانية، أو الأولى: مزيدة والثانية بيانية، أو الثانية: مزيدة، والأولى للإبتداء
стр. 9955
(فمالئون منها) أي: من شجر الزقوم، وتأنيث الضمير لكون الشجر إسم جنس، وإسم الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه لغتان (البطون) أي: بطونكم لما يلحقكم من شدة الجوع.
стр. 9956
(فشاربون عليه من الحميم) الضمير عائد إلى الزقوم المأكول، والحميم الماء الحار الذي قد بلغ حره إلى الغاية، والمعنى فشاربون عقب أكله من الماء الحار، أو يعود الضمير إلى شجر، لأنه يذكر ويؤنث، أو يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله: (لآكلون) وقرىء من شجرة بالإفراد
стр. 9957
(فشاربون شرب الهيم) قرأ
стр. 9958
الجمهور (شرب الهيم) بفتح الشين وقرىء بضمها وبكسرها وهي لغات.
قال: أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها، قال المبرد: الفتح أصل المصدر، والضم إسم المصدر، والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وهذه الجملة بيان لما قبلها، أي لا يكون شربكم شرباً معتاداً، بل يكون مثل شرب الهيم، التي تعطش ولا تروى بشرب الماء، ومفرد الهيم أهيم والأنثى هيماء.
وقال الضحاك وابن عيينة والأخفش وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل. والمعنى أنهم يشربون كما تشرب هذه الأرض الماء، ولا يظهر له فيها أثر. قال في الصحاح: ألهيام بالضم أشد العطش. والهيام كالجنون من العشق، والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى، يقال: ناقة هيماء، والهيماء أيضاًً المفازة لا ماء بها، والهيام بالفتح الرمل الذي لا يتماسك في اليد للينه، والجمع هيم مثل قذال وقذل، والهيام بالكسر الإبل العطاش، قال النسفي: وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة، وصفتين متفقتين لأن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب.
وشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاًً فكانتا صفتين مختلفتين.
стр. 9959
(هذا) أي ما ذكر من الزقوم المأكول، والحميم المشروب (نزلهم) أي رزقهم وغذاؤهم، قرأ الجمهور (نزل) بضمتين، وقرىء بضمة وسكون (يوم الدين) أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، والمعنى: أن ما ذكر من شجر الزقوم وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة، وفي هذا تهكم بهم، لأن النزل هو ما يعد للأضياف تكرمة لهم، ومثل هذا قوله: (فبشرهم بعذاب أليم)، والجملة مسوقة من جهته تعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون الكلام غير داخلة تحت القول، ثم التفت سبحانه إلى خطاب الكفر تبكيتاً لهم وإلزاماً للحجة فقال:
(نحن خلقناكم فلولاً) فهلا (تصدقون)؟ بالخلق أو بالبعث إذ القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، قاله المحلي، وقال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئاًً وأنتم تعلمون ذلك فهلا تصدقون بالبعث؟
стр. 9962
(أفرأيتم) أي: أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة (ما تمنون) أي ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، قرأ الجمهور تمنون بضم الفوقية من أمنى يمني، وقرىء، بفتحها من منى يمني وهما لغتان، وقيل: معناهما مختلف يقال: أمنى إذا أنزل عن جماع، ومنى إذا أنزل من احتلام، وسمي المني منياً لأنه يمني أي يراق.
стр. 9963
(أأنتم تخلقونه) أي أتقدرون المني وتصورونه أنتم بشراً سوياً، وهذا من باب الإشتغال، أو أنتم مبتدأ والجملة بعده خبره، والأول أرجح لأجل أداة الاستفهام (أم نحن الخالقون) أي المقدرون المصورون له، وأم هي المتصلة وقيل: هي المنقطعة والأول أولى.
стр. 9964
(نحن قدرنا بينكم الموت) قرأ الجمهور (قدرنا) بالتشديد، وقرىء بالتخفيف، وهما لغتان وقراءتان سبعيتان، يقال: قدرت الشيء وقدرته أي قسمناه عليكم ووقتناه لكل فرد من أفرادكم، وقيل: قضينا، وقيل: كتبنا، وقيل: أوجبنا، والمعنى متقارب، قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيراً ومنكم من
стр. 9965
يموت صغيراً. وقال الضحاك: معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء.
(وما نحن بمسبوقين) أي بمغلوبين وعاجزين بل قادرين
стр. 9966
(على أن نبدل أمثالكم) أي نأتي بخلق مثلكم، قال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا وقال السمين: الأمثال جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء، أي نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ)، أو جمع مثل بفتحتين وهو الصفة، أي نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقاً وخلقاً، قلت: والأول أولى، وقال ابن جرير: المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم، بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم، أي لا يتقدم متأخر، ولا يتأخر متقدم.
(وننشئكم فيما لا تعلمون) من الصور والهيئات، قال الحسن أي نجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بأقوام قبلكم، وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، وقال سعيد بن المسيب: يعني في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف وبرهوت واد باليمن، وقال مجاهد: يعني في أي خلق شئنا، ومن كان قادراً على هذا فهو قادر على البعث.
стр. 9967
(ولقد علمتم النشأة الأولى) وهي ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئاًً، أو الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم من تراب (فلولا تذكرون) أي فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخرى وتقيسونها على النشأة الأولى؟ فإن من قدر على الأولى يقدر على الثانية، فإنها أقل كلفة من الأولى في العادة، قرأ الجمهور النشأة بالقصر وقرىء بالمد، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت، وفيه دليل
стр. 9968
على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.
стр. 9969
(أفرأيتم) أي أخبروني (ما تحرثون) من أرضكم وتثيرون فتطرحون، وتلقون فيها البذر، والمعنى أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين
стр. 9970
(أأنتم تزرعونه)؟ أي تنبتونه وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السنبل والحب والزرع طرح البذر، والزرع أيضاًً الإنبات، يقال: زرعه الله أي أنبته.
(أم نحن الزارعون)؟ أي المنبتون له الجاعلون له زرعاً لا أنتم، قال المبرد: زرعه الله أي أنماه، فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث؟ " عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت، قال أبو هريرة: ألم تسمعوا الله يقول: أفرأيتم ما تحرثون؟ " الآية أخرجه البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وضعفه
стр. 9971
(لو نشاء لجعلناه) أي: لجعلنا ما تحرثون (حطاماً) أي متحطماً مفتتاً متكسراً أي نباتاً يابساً لا حب فيه، والحطام الهشيم الذي لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شيء مما يطلب من الحرث، وقيل: تبناً لا قمح فيه.
(فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي فصرتم تعجبون، قاله ابن عباس، قال الفراء: تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم، قال في الصحاح: وتفكه تعجب ويقال تندم، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: معنى الآية تعجبون من ذهابه وتندمون مما حل بكم، وقال عكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله، وقال أبو عمرو والكسائي: هو التلهف على ما فات، قرأ الجمهور: (فَظَلْتُمْ) بفتح الظاء مع لام واحدة، وقرىء بكسرها معها، وقرىء ظللتم بلامين أولاهما مكسورة على الأصل، وروي فتحها وهي لغة، وقرأ الجمهور (تَفَكَّهُونَ) بالهاء، وقرىء تفكنون بالنون مكان الهاء أي تندمون، قال ابن خالويه: تفكه تعجب، وتفكن تندم، وفي الصحاح: التفكن التندم، والتفكه التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل في الحديث.
стр. 9972
(إنا لمغرمون) قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر، وقرىء بهمزتين على الاستفهام، أي أتقولون: إنا لملزمون غرماً بما هلك من زرعنا؟ والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، قاله الضحاك وابن كيسان والكرخي، وقال الزمخشري: أي لملزمون غرامة ما أنفقنا، وقيل: المعنى إنا لمعذبون: قاله قتادة وغيره، وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا يقال: أغرم فلان لفلان أي أولع به، وقال مقاتل: مهلكون أي لهلاك رزقنا، قال النحاس: مأخوذ من الغرام وهو الهلاك؛ والظاهر من السياق المعنى الأول أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثنا ومصيره حطاماً، ثم أضربوا عن قولهم هذا وانتقلوا فقالوا:
стр. 9973
(بل نحن محرومون) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا، والمحروم الممنوع من الرزق الذي لا حظ له فيه، وهو المحارف، وقيل: محارفون محدودون لا مجدودون.
стр. 9974
(أفرأيتم الماء الذي تشربون) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ، واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثر فوائد الماء ومنافعه، لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه
стр. 9975
(أأنتم أنزلتموه من المزن)؟ أي السحاب قاله ابن عباس، وقال أبو زيد: المزنة السحاب البيضاء، والجمع مزن والمزنة المطر قاله في الصحاح (أم نحن المنزلون) دون غيرنا، فإذا عرفتم ذلك فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال:
стр. 9976
(لو نشاء جعلناه أجاجاً) الأجاج الماء الشديد الملوحة، الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما.
(فلولا) أي فهلا (تشكرون) نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذباً تشربون منه وتنتفعون به
стр. 9977
(أفرأيتم النار التي تورون) أي أخبروني عنها، ومعنى تورون تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال: أوريت النار إذا قدحتها، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند والسفلى الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة.
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا)؟ التي تكون منها الزنود وهي المرخ والعفار، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وزاد الجلال المحلي الكلخ، نقل سليمان الجمل عن شيخه أنه قال: ولم نجدد في القاموس ولا في المختار، غير أنه أخبر بعض أهل المغرب والشام بأنه موجود معروف عندهم شبيه بالقصب تؤخذ منه قطعتان وتضرب إحداهما بالأخرى فتخرج النار (أم نحن المنشئون) لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة.
стр. 9980
(نحن جعلناها) أي النار التي في الدنيا. (تذكرة) لنار جهنم الكبرى حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به، قال مجاهد وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن وقال ابن عباس: تذكرة للنار الكبرى.
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله؛ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها " (١) أخرجه البخاري ومسلم.