← Адаб

Адаб · id 37468

الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى

أبو سعد العميدي

Полный текст (160 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيا ليت شعري كيف أرجو سلامتي ... وعمري وشيبي والزمان خصوم قال المتنبي: إذا كان الشبَابُ السكرَ والشَيْ ... بُ هَمَّا فالحياة هي الحِمَامُ يحتاج إلى سراج يستضاء به لمعرفة هذا البيت، مع شدة تكلفه. لبشار بن برد: إذا اعتذر الجاني إلىّ عَذَرْته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَه ... ومن لام من لا يعرفُ اللوم أفسدا قال المتنبي: وما كلٌّ بمعذورٍ ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام هذه الألفاظ إذا سمعتها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم. لأبي سعد المخزومي، وكان يهاجي دعبلا، مطبوع الشعر يمدح من قصيدة له: لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادته ... ولم يَشِنْ وعدَه كذبٌ ولا خلف فلا يلام على إتلافه كرماً ... أموالَه والذي لم يُعْطِه تَلَفُ حفظ المروءة يؤذي قلبَ صاحبِها ... والحبّ مغرىً به المستهتَرُ الكَلِف قال المتنبي: تلذ له المروءة وهى تؤذى ... ومن يعشقْ يَلَذّ له الغرام السيد الحميري: وإن مسيري فى ذَرَاك ضرورةٌ ... ولولا اضطراري ما رضيت بذلكا وما رحلتي إلا تبشر عاجلا ... بأني أقيم الدهر تحت ظلالكا لغيره: سنرجع إن عشنا ونقضي أذمَّةً ... فكم من فراق كان داعية الوصل

стр. 107

أبو تمام: أآافةَ النحيبِ كم افتراقٍ ... أظَلّ فكان داعيةَ اجتماع قال المتنبي: لعل الله يجعله رحيلا ... يُعينُ على الإقامة في ذَرَاكا ابن الرومي: يرى الصعب سهلا أن توجه نحوه ... بعزم صقيل لا تُفَل مضاربه وغرة وجه يهزم النحسَ سعدُه ... وتطلع في أفق السعود كواكبه قال المتنبي: فإنك ما مَرّ النحوسُ بكوكب ... وقابَلْتَه إلا ووجهك سعدُه الخبزأرزي: قابلت عُرفك وهو غير مكدّر ... بجميل شكري وهو غير مُقَتَّر فغدوتُ ما استصغرت ما أوليته ... ورأيتنا في الشكر كالمستقصر قال المتنبي: فَسَاق إلىّ العُرْف غير مكَدَّر ... وسقت إليه الحمدَ غيرَ مُجَمْجَم محمد بن سعد الكاتب: إني لأعرف ما يُجنّ ضميرُ مَنْ ... أهواه من أفعاله وكلامه ما ساء ظنّي بالصديق وإن رمى ... قلبي بأسهم عَتْبه ومَلاَمه أنا في صباح من يقين مودّتي ... وسواي يَخْلِط شكه بظلامه

стр. 108

قال المتنبي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عِداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم أصادق نفسَ المرءِ من قبْل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم وما يخفى على شاعر غوصُه على هذه المعاني وأخذه لها. محمد البجلي الكوفي، كان في أيام المأمون، وكان مطبوعاً: كساكَ إلهُ الناسِ ثوبَ رياسة ... وأعطاك فضلا لم يُشَبْ بفضول فأغنيت قبل المالِ بالبشر من رَجَا ... نوالَكَ واستقبلته بقبول فلا حسن في الدنيا كبشرٍ لمنعم ... ولا يُمن أجدى من يمين بذول قال المتنبي: فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كفّ فيهم كفُّ منعم لقد تصبب عرقاً هذا الشاعر حتى أستنبط هذا المعنى. محمد بن صبيح البصري أبو مسلم: ويوم كليل العاشقين وصَلْتُه ... بليل كوجدي ليس تفنى أواخره قال المتنبي: ويوم كليل العاشقين كَمَنْتُه ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب أبو العتاهية: وغرّاَء مثلُ المشترِى في جبينها ... وسربالُها ليلٌ أحمُّ بهيم قطعت بها بَهْماء أما سهولها ... فبحرٌ وأما حرّها فجحيم قال المتنبي: وعيني إلى أذْنَيْ أغرَّ كأنَّه ... من الليل باق بين عينيه كوكب

стр. 109

هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذّل أخبار: تحملت عنهم فاعترتهم لجاجة ... أبادت رجالا واستباحت منازلا فلا تحتقر شَرّا فكم من شَرَارَة ... بها أحرقت أرضٌ فصارت مجاهلا وربَّ مُزاح صار جِدّاً ولفظة ... بها استحكمت حرب فجرّت زلازلا وأضحت مهار الخيل في الحرب قرحاً ... وطَلُّ دماء القوم أصبح وابلا ولَلحزْم خيرٌ من توانٍ وغفلة ... وإهمال أمر يترك الرأي فائلاً قال المتنبي، وقد لمح هذه الأبيات: لعلَّ بَنيهم لبَنِيك جندٌ ... فأولُ قُرَّحِ الخيلِ المِهَار الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بأبي عريان العثماني: إذا نال بالسيف الفتى سُؤْلَ نفسِه ... تَرَفعَ عن تدنيسها بسؤال ومن لم يَصُن في حاجة ماَء وجهه ... عن الناسِ لم يلبَسْ ثياب جلال قال المتنبي: من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا كم بين القولين إذا تأملتهما، وتصفحتهما.

стр. 110

لنصر بن سيار بن نافع: وماء تَقَلَّصُ منه الخُصي ... لفرط البرودة بين الثَّغَبَ وردناه ليلا ومِن خَلْفنا ... وقدامِنا الموتُ كالمرتَقِب قال المتنبي ولاحظ البيت الأول: يَقْمُصْن في مثل المُدَى من بارد ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيان ولاحظ البيت الثاني، فقال من قصيدة أخرى: يرون الموت قدّاماً وخلفاً ... فيختارون والموت اضطرار لموسى بن عمران، وقد ضرب المأمون عنقه بسرخس، وقد أتهمه بقتل الفضل بن سهل: أصبحتُ من مَعْشر ما في قلوبهم ... من السيوف ومن خوض الردى فَرَق يستسهلون صعاب الحادثات فهم ... يلقونها بنفوس ما بها قلق قال المتنبي: وإنا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثيرُ الرزايا عندهُنَّ قليلُ لمن هوّن الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكُماة صليل البحتري: كستك يدُ الأيام ثوبَ جلالة ... فغابَتْ عواديها وزالت خطوبها إذا أعتلّ ذو فقر فأنت شفاؤه ... وإن شكتِ الدنيا فأنت طبيبها قال المتنبي: وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب

стр. 111

لزهير بن أبى سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم ولعمرو بن الأهتم: إذا المرء لم يحببك إلا تكرماً ... بدا لك من أخلاقه ما يغالب ولمحمد بن جميل الكاتب التميمي الكوفي في حميد الطوسى: إليك فأني لست أقصد ناكلا ... لأسأل فعل العاجز المتكفف وما أنا من يَخْفَى عليه لجهله ... أبِالطبع يَسْخُو المرءُ أم بالتكلف ولا يعتريني الطيشُ في كل مشكل ... ولا حيرةٌ كالأخرق المتخلف وأني ألوفٌ لو رجعت إلى الصبا ... من الشيب لاستقبلته بالتلهف قال المتنبي: وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا ولاحظ البيت الآخر فقال: خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا ... لخلفت شيبي موجع القلب باكيا ابن الرومي من قصيدة أولها: قلبي من الطرْف السقيم سقيم ... لو أنّ من أشكو إليه رحيم إن أقبلَتْ فالبدرُ لاح وإن مشت ... فالغصن فاحَ وإن رَنَتْ فالرِّيمُ قال المتنبي: بدت قمراً ومالت خُوطَ بان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا زاد العنبر في البيت ليفوح رائحته.

стр. 112

صالح بن حيّان الطائي الحلبي من قصيدة يمدح بها القاسم بن عبد الله: قد نلت قرباً وبعداً من مواهبه ... فلا أطيق له ما عشتُ تعديدا أعطاني البيض والبيضَ المناصلَ وال ... سمرَ الذوابل والقبّ القناديدا فصرت من بعد فقر عارضاً هطلا ... ورحت من بعد ضعف الجأش صنديدا قال المتنبي في سيف الدولة: مُعْطى الكواعِبِ والجْردِ السَّلاهب وال ... بِيضِ القواضِبِ والعسَّالَةِ الذُّبُلِ وجمع الطائي بين البيض والبيض يعنى السيوف والجوارى مليح جدّاً. للسري بن عبد الرحمن بن عوف الأنصاري المدني من أبيات له: إذا استحلت النفسُ الحمام من الوغى ... ففى فمه طعمُ الحمام زعاق وليست عتاق الخيل تنفع والقنا ... إذا لم يكن فوق العتاق عتاق وفيها: وليس لشمس إن رحلتَ إضاءةٌ ... وليس لبدر إن أقمْتَ محاق قال المتنبي، ولمح البيت الأول: تَغُرُّ حلاواتُ النفوسِ قلوبَها ... فتختارُ بعضَ العيشِ وهو حِمام ولاحظ البيت الثاني فقال: وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القنا ... إذا لم يَكِن فوقَ الكرامِ كرام ولمح البيت الثالث فقال: وليس لشمس إن نأيْتَ إنارةٌ ... وليس لبدر مذ تممت تمام

стр. 113

وبين تلك الأبيات وهذه الأبيات بون بعيد. مروان بن أبي حفصة: همامٌ أمام له قدرة ... تَذِلّ الرِّقابُ لآياتها فلا مجدَ في الأرض لم يَبْنِه ... ولا غايةً فيه لم يأتِها له إن رأى سائلا يجْتديه ... نفسٌ تجود بأقواتها ويكسر في الحرب أسيافه ... ليكفى معظم آفاتها وينحر في المحْل للطارقين ... كُومَ المطايا بفضلاتها قال المتنبي: وصُحبَةَ قومٍ يذبحون قَنِيصَهم ... بِفَضْلات ما قَدْ كَسَّروا في المفارق لأبي عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب: شجاعٌ له في الطعن والضرب عادةٌ ... تعدَّدَها لا فعله خيفة العذل يرى العار جبناً والفرارَ فضيحةً ... وليس يُبالي بالمنية والقتل قال المتنبي: إذا الطعنُ لم تُدْخِلْكَ فيه شجاعةٌ ... هى الطعنُ لم يُدْخلْكَ فيه عذول ما أوحش إعادة الإدخال في هذا البيت! الخبزأرزي: إذا ابتسمَتْ أحيَتْ نفوساً وأطربت ... قلوباً وقوّت جسم كلّ عليل وغير جميل أن أعَافَى وجسمُ مَنْ ... كَلِفت به يبقى كجسم عليل قال المتنبي: بأدنى ابتسام منك تحيا القرائح ... وتَقْوى من الجسم الضَّعيف الجوارحُ وإن محالا إذ بك العيش أن أُرى ... وجسمُكَ معتلّ وجِسْمي صالح

стр. 114

فأما قوله إذ بك فحشو بارد، وجسمي من فصل الخطاب. أبو عبد الله بن هارون بن علي بن يحيى بن أبى منصور المنجم من أبيات له: كريمٌ بصير بأمر الزمان ... فضائله حجة شائعه يروح بعرض مصون له ... ولكنّ أموالَه ضائعه عزائمه ومآثيره ... لآجال أعدائه قاطعه ولو حاربته نجوم السماء ... لما لبثت ساعة طالعه ولو طلبت يده مسّها ... لدانت له ودنت طائعه فلا زال في نعمة لا تزول ... لأغراضه كلها جامعه قال المتنبي وقد لاحظ أبياتاً من هذه القصيدة: وقد زعموا أن النجومَ خوالدٌ ... ولو حارَبَتْه ناح فيها الثواكل وما كان أدناها له لو أرادها ... وأقربها لو أنه المتناول لجابر بن والان السنبسي: هو الموت لا ينساغ في الحَلْق شُربُه ... هو السيف يَبْرى حدُّه من يلامسه فلا مجد إلا ما بَنَتْه يمينهُ ... ولا فخر إلا ما حوته ملابسه قال المتنبي: وما تركوك معصية ولكن ... يُعاف الوِردُ والموتُ الشراب لوضّاح الشاعر وكان مع المهلب بن أبى صفرة بخراسان يمدحه: رميتَهم لما عصوك جهالةً ... ببحر مَراسيه القنا والقواضبُ فأفنيتهم بالسيف لم تُبق يافعاً ... ولا ناشئاً منهم ولا عاش ثائِبُ كذا فلْيَسِرْ من همه طلب العلا ... ومن يقصد الأعداء والرأى صائب

стр. 115

قال المتنبي: رميتَهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عُباب كذا فَلْيَسْرِ من طلب الأعادي ... ومثلَ سُرَاك فليكن الطِلابُ للناشئ من قصيدة له يصف فهدةً: وضئيلةٍ تختال في حركاتها ... عندَ الطّراد وتنطوي كالمختفي وتجسّ بالرفق التراب إذا مشت ... جسّ الطبيب يد العليل المُدْنف قال المتنبي يصف أسداً: يطأ الثرى مترفقاً في تيهه ... فكأنه آسٍ يجسّ عليلا لناقد بن عطارد العسمي: ذر الخمر تسلم من عيوب كثيرة ... وإياك أن ترتاد ما يورث الجهلا فما عاقل يرضى بإنفاق عقله ... على الخمر إن الخمر تستلب العقلا قال المتنبي من أبيات له معروفة: وأنْفسُ ما في الفتى لُبُّه ... وذو اللب يكرَهُ إنفاقَه بشار بن برد: وأني لقادتني إليه محبتي ... ورغبته في الشكر يحويه والحمد فما جئتُه حتى رأيت خلائقاً ... يُداوى بها المرضى ألذَّ من الشهد وصغَّر في عيني اختبارُ خصاله ... محاسنَ أخبار أتتني على البعد فكم نعمةٍ أُلْبستها بعدَ نعمةٍ ... وكم نفحةٍ في جوده حصلت عندي قال المتنبي: وما زلتُ حتى قادني الشوقُ نحوه ... يسايرني في كُل رَكْب له ذكر واسْتكبر الأخبارَ قبل لقائه ... فلما التقينا صغّرَ الخبرَ الخُبْر

стр. 116

أزالت بك الأيام عتبى كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر أبو العتاهية: أخشى الرقيب وأمشى تحت هَوْدجها ... لعل مَشْيِيَ يَشْفيني من الكمد وكم سقتني مُداماً من مُقبَّلها ... ومص ثغر شبيه الشهد بالبرد داويت عيني بما داست مطيّتها ... من التراب فأبراها من الرمد قال المتنبي: ودسنا بأخفاف المطيّ ترابَها ... فلا زلت استشفى بلثم المناسم محمد بن سلامة بن أبي زرعة الدمشقي: نوائب دهر برّحت في صروفه ... فأورطنني في موبقات المهالك رحلن فهيجن الجوى داخل الحشا ... فمن بين موف بالعهود وتارك وقضبان بانٍ فوقهن إذا مشت ... شموس تضئ الأرض غير دَوالك تَقَلدن أبكار اللآلي فأشرقت ... بهنّ لآلٍ مثلُها في المضاحك قال المتنبي: ويبسمن عن درّ تقلدن مثله ... كأن التراقي وُشّحت بالمباسم وهذا المعنى في أشعار المحدثين كثير متداول.

стр. 117

أبو ضمضم سعيد بن ضمضم الكلابي: وأني لأُروي المشرفيات والقنا ... إذا ضاق رزقي من دماء العباهل لعلمي بأن الدهر يحرم فاضلا ... مناه ويعطى سؤلَه غيرَ فاضل قال المتنبي: ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روّى رمحه غير راحم لمعوّج الرقي من قصيدة له مليحة عجيبة: وروضة أحيت الأنواءُ زهرتها ... لما غذتها بأبكار المباكير كأنما السوسن الأزاذ ناشرة ... أعلامَها الصبحُ محمودَ التباشير والوردُ فاحت قبيل الفجر رائحةٌ ... منه كما امتزجت مسك بكافور وللبلابل تغريدٌ يذكرنا ... ألحانَ مَعْبد بين البم والزير والشمسُ من فُرَج الأشجار ناثرة ... على المجالس أشباه الدنانير فكم هموم أثارتها وقد كمنت ... بين الجوانح أصواتُ النواعير وإنما جئت بأكثر أبيات هذه القصيدة لحسنها. قال المتنبي، وقد لاحظ هذه القصيدة: تمرّ عليه الشمسُ وهى ضعيفة ... تطالعهُ من بَيْنِ ريش القشاعم إذا ضوءُها لاقَى من الطير فرجة ... تَدَوَّرَ فوق البِيضِ مثل الدّراهم فأما قوله في قصيدته: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان

стр. 118

وألقى الشمس منها في ثيابي ... دنانيراً تفرّ من البنان وقد لاحظ قصيدته خالد بن المسافر الفقعسي وهو قوله: إلى من أشتكى ما قد عراني ... من الدهر المسيء وما دهاني وكم أشكو الزمان وحالتيه ... ولست أذم أبناء الزمان أناس أصبحوا ولهم مساع ... عجافٌ بين أجسام سمان ثم يمر في مدحه ويقول: لقد كثرت أياديه فما لي ... بأدنى شكره أبداً يدان كساني واكتسى حلل القوافي ... فخَيّر ما اكتسى مما كساني وأعطاني منقشة صغاراً ثقالا لا تفرّ من البنان ويروى: مدورة تطن على اللسان وأغناني على رغم الأعادي ... فبتّ من الحوادث في أمان مخلد بن بكار الموصلي من قصيدة له: لا عدمناه من همام كريم ال ... عهد غمر الندى حميد الخصال يُحْسن الكرّ في الكلام وفى ال ... إقدام يومَ الوغى وعند النوال قال المتنبي: همُ المحسنون الكرّ في حَوْمة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم أبو العتاهية: أجداده علموه في طفولته ... قتلَ العدا واكتساب الحمدِ بالجود فاجتَثّ دابرَ أعداءٍ ذوى حسد ... وفى السَّماحة أفنى كل موجود قال المتنبي: فتى علمته نفسه وجدوده ... قِراعَ الأعادي وابتذالَ الرغائب ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعَزّ فهذا فعله بالكتائب

стр. 119

بشار بن برد: لعمري لقد أهديت قولي ولم أدع ... مقالا لمغتاب ودعوى لمن لَحا ومن كان ذا فهم بليد وغفلة ... به علة عاب الكلام المنقحا قال المتنبي: وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من العقل السليم داود بن محمد بن أبى عيينة: به ازدهت الدنيا وسُرّت وأشرقت ... بذكر المعاني في صدور المجالس فأغمد في هام الأعادي سيوفه ... وساق إليهم موبقات المناحس فلا زال في مسراه تحت سلامة ... وجدٍّ له في محنة الدهر حارس قال المتنبي، ولاحظ هذه الأبيات: وإذا ارتحلتَ فشيّعتْك سلامة ... حيث اتجهت وديمةٌ مدرار وأراك دهرُك ما تحاول في العدى ... حتى كأنّ صروفَه أنصار أنت الذي نجح الزمانُ بذكره ... وتزينّت بحديثه الأسْمار صالح بن عبد القدوس: إن النفوس على البقاء حريصة ... ولَها وإن كرهته يومٌ طَالح والدهر يضحك بالفتى مستهزئاً ... وله خِلالَ الضّحك وَجهٌ كالح قال المتنبي: فقلت لكل حيّ يومُ سوء ... وإن حَرَصَ النفوسُ على الفلاح

стр. 120

أحمد بن صالح الحرون الحرار البغدادي: كأن جميعَ مالِكَ حين تسخو ... يَدَاك به أراه في المنام أشِيمُ من ارتياحك كلَّ يوم ... ومن جَدْواك بارقَةَ الغمام جمعت مكارمَ الدنيا جميعاً ... لذلك حُزْتَ تاريخ الكرام قال المتنبي: أنا منك بين فضائل ومكارم ... ومن ارتياحك في غمام دائم ومن احتقارك كلَّ ما تحبو به ... فيما ألاحظه بعيَنيْ نائم لزينب النصراني من رأس العين: إلى متى يَطْمعُ العذّالُ في رَشَدي ... وليس في الحبّ لي عقلٌ ولا رَشَد واللهِ واللهِ لا أنساكم أبداً ... ولا يُغِيّر حُبي فيكمُ أحد قال المتنبي: إلام طَمَاعيَة العاذل ... ولا رأىَ في الحبِّ للعاقل يرادُ من القلبِ نسيانُكم ... وتأبَى الطّباع على الناقل للبحتري: ومَن لو تُرى في ملكه عدتَ نائلا ... لأول عافٍ من مرجّيه مقتر قال المتنبي: خِفتُ إن صِرتُ فى يمينكَ أن تَأ ... خُذَني في هِبَاتِكَ الأقوام

стр. 121

وللبحتري: فلا تُغليَنْ بالسيف كلّ غَلايَة ... ليَمضى فإن الكفّ لا السيف يقطع قال المتنبي: إذا ضربت في الروع بالسيف كفّه ... تبّينت أن السيف بالكفّ يضرب عبد الله بن الزبير الأسدي: إن شددنا من أخدعيه قليلا ... لبنينا من الرءوس منارا سعيد بن ضمضم الكلابي من أولاد المحلِّق من قصيدة: لا تقضم الخيلُ حَبّاً من علائقها ... إلا وَمِن تحتها هامٌ وأعناق ولا من الماء تُروى قط إن عطشت ... إلا وفيه دم الأعداء مُهراق قال المتنبي: تعوَّدَ ألا تَقْضَم الحبَّ خيلُه ... إذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوب العلائق حسان بن ثابت: لا عيب في القوم من طولٍ ومن قصرٍ ... جسمُ البغالٍ وأحلامُ العصافير عباس بن مرداس السلمي: فما عِظَمُ الرجالِ لهم بفخرٍ ... ولكن فخرهم كرمٌ وخير

стр. 122

خالد بن مسافر الفقعسي، وقد تقدم ذكره: أناس أصبحوا ولهم مساعٍ ... عجافٌ بين أجسام سمان قال المتنبي: ودهر ناسُه ناسٌ صغارٌ ... وإن كانت لهم جُثَثٌ ضخام عمران بن حطان: وكنت أجِنُّ السرَّ حتى أميتَه ... وقد كان عندي للأمانة موضع ديك الجن: لقد أحللتُ سرَّك من ضميري ... مكاناً لم يحسّ به الضمير فمات بحيث ما سمعته أذن ... فلا يُرجى له أبداً نشور قال المتنبي: وسرّك بين الحشا ميّت ... إذا نُشر السرّ لا ينشر ابن المعتز: فكنت كنصل السيف تتلو لواقحاً ... كأن حصا الصَّمَّان من وقعها رَمْل العوني: كم موام قطعتُها باعتزام ... وحسام ماض وعزم طُوال

стр. 123

ومهار إذا وطئن صخوراً ... ترَكتْها أخفافها كالرِّمال قال المتنبي: إذا وَطِئت بأيديها صخوراً ... بَقينَ لوطء أرْجُلها رمالا ولعل هذا توارد. ولنصيح بن منظور الفقعسي: إذا أبصرتَني أعرضت عنى ... كأن الشمس من قبلي تَدُور أبو الحسن الناشئ في أمير المؤمنين ﵇ (يمدح عليّاً ﵁: كأنكَ الشمسُ والأبصار حائرةٌ ... عن ضوئها ولها نورٌ وإشراق قال المتنبي: كأن شعاعَ عينِ الشمس فيه ... ففي أبصارِنا عَنْه انكسار أبو تمام: كأن السحاب الغرَّ غَيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهنّ مدامع ابن أبى زرعة: كأن صَبَّين باتا طول ليلهما ... يستمطران على غدرانها المقلا العوني: وترى السحاب على حدائق نرجس ... تبكي بعيني عاشق مهجور قال المتنبي: وكأن كل سحابة وقفت بها ... تبكى بعيني عُروةَ بن حزام عبد الرحمن بن دارة: فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بقايا للخَلُوق وللكحل وبيعوا الرُّدينياتِ بالخمر وأقعدوا ... علي وابتاعوا المغازل بالنبل

стр. 124

للناشئ الأكبر: إن كنتَ بالذلّ راضياً فأرح ... في الجفن حدَّ المهند الخَذم لا تركب الخيل كالرجال ولا ... تلبس لبوس الفوارس البُهَمِ فالمرء بالجود والشجاعة واله ... مّة يحوى محاسن الكرم علي بن محمد الورزنيني البصري صاحب الزنج: سأبغي العلا بالبيض والسمْر جاهداً ... فعجزُ الفتى عن مطلب الرزق قاطعه إذا المرءُ لم يحفظ من الذلّ عرضه ... فلا السيفُ مُغنيه ولا الرمحُ نافعه وهل يُتّقَى الليث الهصور إذا وَنى ... عن الصيد والجوعُ المُعَفِّر فاجعه قال المتنبي: إذا كنت ترضى أن تعيشَ بذلّة ... فلا تستَعِدّن الحسامَ اليمانيا ولا تستطيلن الرّماحَ لغارة ... ولا تستجيدن العِتَاق المذاكيا فما ينفع الأسْدَ الحياءُ من الطوى ... ولا تُتّقَى حتى تكون ضَوَاريا بشار بن برد: والجِدّ ليس بزائد في رزق من ... يسعى وليس بنائم عن نائم حكم الإلهُ بكل ما هو كائنٌ ... حتى القيامة وهو أعدل حاكم ويموت راعى الضأن عند تمامه ... موتَ الطبيب الفيلسوف العالم قال المتنبي: يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه

стр. 125

الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بأبي العُريان العثماني من قصيدة: أعاذلتي كم مهمةٍ قد قطعته ... أليفَ وحوش ساكناً غيرَ هائب أنا ابن الفلا والطعن والضّربِ والسُّري ... وجُرْد المذاكي والقنا والقواضب حليم وقور في النّوادي وهيبتي ... لها في قلوب الناس بَطْشُ الكتائب قال المتنبي: فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم صحبتُ في الفَلَوات الوحشَ منفرداً ... حتى تعجَّبَ منّى القورُ والأكم وقال: قَدْ نابَ عنكَ شديدُ الخوفِ واصطَنعتْ ... لَكَ المهابةُ ما لا تصنَعُ البُهَمُ عبد الرحمن بن دارة: إذا انهزموا فلا عارٌ عليهم ... وكيف تُقَاوم الأسدَ الكلابُ قال المتنبي: عليك هَزْمهم في كل مُعْتَرك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا المعوج الرقى: وسقيمة الألحاظ لا من علة ... غير الفتور بها الفؤادُ معلق لبست ثياباً كالرياض بديعةً ... من وشى عبقر نورها يتألّق أشجارها لا تُجتنى ثمراتُها ... أبداً كما حيوانها لا ينطق قال المتنبي: وما ادّخَرَتْها قُدرَةً في مُصَوِّر ... سوى أنها ما أنطقت حَيَوانَها

стр. 126

عبد الله بن عبد الله بن طاهر: هتكن الحجاب فبانَت لهن ... بدورُ دجىً مالها من أفول ولما انهتكن شَقَقْن الجيوبَ ... فصارت عليهن مثلَ الذّيول وسوّدن بالنِّقس حُمْر الخدود ... وبيضَ الثياب وَشُهبَ الخيول وكانت مجالسُهُ جنَّة ... فها هِيَ من بَعْدِه كالطلول قال المتنبي: وأمْسَى السَّبايا يَنْتَحِبْن بَعرْقَة ... كَأنَّ جُيوبَ الثاكِلاتِ ذُيُولُ العوني: وإني حمولٌ للرزايا وصابرٌ ... على كل خطب غيرِ داعية الهجر قال المتنبي: وَمَلّ القنا مما تَدُقّ صُدُورَه ... ومَلّ حديدُ الهندِ مما تُلاَطِمُه وقال في موضع آخر: وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول محمد بن حازم الباهلي أبو جعفر: إذا سَلمت نفسُ الفتى من مصيبة ... تُلِمّ به فالأمْرُ في غيرها سهل لغيره: لا تعتِبنّ على الزمان وصَرْفه ... ما دام يقنع منك بالأطراف

стр. 127

قال المتنبي: يهون علينا أن تصابَ جسومُنا ... وتسلمَ أعراضٌ لنا وعقول البحتري: إياك أن تطمع في حاسد ... في كل ما يبديه من ودّه فإنه يَنْقُض في سرعة ... جَميعَ ما يُبْرم من عَقْدِه العوني: وليس يطمعني في حاسِديَّ يدٌ ... جادوا بها لي ولا ودّ ولا حَدَب المتنبي: فلا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل جرير: ولقد نظرت فرَدّ نظرتي الهوى ... بِحَزِيزِ رامة والمطيُّ سوامِ المتنبي: قفى تَغْرَمِ الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلفُ الشيَء غَارِمُه تمّ الجزء الثالث من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، سامحه الله تعالى، يتلوه في الرابع إن شاء الله: (قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات)، والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين صلاة إلى يوم الدين.

стр. 128

الجزء الرابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ على الله توكلت قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات وجدتها للشعراء في دواوينهم عند قراءتي لها، واشتغالي بالبحث عما أخذ المتنبي بعض ألفاظها ومعانيها، وأنكر أسماءهم وفضائلهم فيها، ثم وجدْت بعدها أبياتاً آخر لهم ولغيرهم من المتقدمين، فلم أستجز إسقاطها من جملة ما كنت دللت عليه، وأوضحت الطريق إليه، من أبياته التي ادعى أصحابه أنه ابتدعها، واقتضابها، واخترعها من ذات نفسه، وما أغتصبها، فألحقتها بما تقدم، وأضفتها إليها غير معتقد أني إذا استقصيت في أستنباط أمثالها، وروّيت في استخراج أشكالها، لم أجد سواها، ولم أظفر بما يجري مجراها، ولعلّ جماعة من المتعصبين له يطعنون فيما أوردته، ويستهجنون بعضاً مما سردته، ويزعمون أن المتنبي وإن أخذ معاني تلك الأبيات فقد زاد من ألفاظه فيما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخفّ على القلوب موضعه، ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، ويسلم من فجاجة أشعار المتقدمين وتعقيدها وغموضها وتنكيدها، وكساها من عنده معارض استوفى شروط الجمال في كلها، وأستكمل أقسام الكمال بتسهيلها وحلها، ونظم محاسنها التي كانت متفرقة بحسن صنعته، وأزال الكزازة والجهامة التي اشمأزت عنها النفوس بحذقه وبراعته، حتى صار هو أولى بها من مبدعها، وأحق بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها لجلالة موقعها، فإذا ألزمتهم الكلام على بيت بعينه، وأرشدتهم إلى ما تصوّر في نفوسهم، ورسخ في عقولهم من استحسانه زاغوا عن الحق، وراغوا، واحتالوا على محال لا يدرك بوهم ولا يجول في فطنة وفهم، ولست أقول إنه وإن أخذ شعر غيره، وضرب على قالب من سواه، فكان المقتدى، لا المبتدى، واللاحق، لا السابق، وأورد من عنده ألفاظاً سهلة تعلق بالنفوس حلاوة، وتسبق ما سواه طلاوة، فقد أفسد الترتيب، وأساء التأليف؛ إذ أفضل جميع أشعار من تقدمه على أشعاره، أو أنسبه في كل ما سلبه

стр. 129

وانتهبه، وادعاه لنفسه وأغتصبه إلى أنه سكيت في مضماره، بل أبطل دعاوى القائلين بعصمته، وأكذبهم فيما يعتقدونه من فضل حكمته، ومجلس المحاكمة بينه وبين غيره في جميع ما شرحته، وأوضحته غير هذا المجلس الذي دللت فيه على أخذه ونقله، وبينت فيه ما لا يشك أحد فيه إذا حكم بإنصافه وعدله، ولا أنكر أن يكون لشاعر بيت مستبرَدٌ غث، وكلام مستثقل رث، ولفظة مُحيت آثار الحلاوة عنها، ونكتة بعدت أوصاف الدماثة منها، ثم تتداوله الألسن، فيسير في الآفاق سير الأمثال، وتميل إلى إنشاده العامة ناظرة بعين الكمال، وإن كان عند التأمل يلوح عليه أثر الخطأ واللحن، ويجتمع فيه مع مجاجته التصنع وفساد الذوق والوزن؛ فمن أراد أن يتكلم على سلامة الألفاظ والمعاني، ويعارضني فيما أوردته من فساد التأليف والمباني، ويحب أن يعرف عند وضوح الحق بعينه تأخر هذا الرجل (المجمع عند أصحابه على إعجازه) عن طبقات المتقدمين، وسقوطه عن منازل أكثر المحدثين عن المخضرمين، بعد أن يلقي رداء العصبية عن منكبه، ويجرى في أتباع الحق على منهاج الصواب ومذهبه لم أمنعه من الملاحة في المحاجة، ولم أدفعه عن المكابرة عند المناظرة، وقد أوردت في صدر الكتاب الذي دللت فيه على الأبيات التي أخذ معانيها دون الألفاظ فصولا تزيل الشك عن قلوب أولى العقول، وبراهين تشهد بالصدق عند تأمل الفروع والأصول، ومن عند الله التوفيق. فمن الأبيات التي أخذ ألفاظها ومعانيها قول العوني: ولما رفعت السَّجف أبصرتُ خلفَها ... نَفُوراً من الغزلان في أذْنِها شَنْفُ قال المتنبي: لجنية أم غادَة رُفِع السَّجْف ... لِوَحشية لا ما لوحشية شَنْف أبو أحمد الخراساني: يومي يحاكى عطاء الباخلين فما ... يُسلى فؤادي إدماني على الراح يا ليت شعري إلى من أشتكى ضجري ... وحيرتي عند إمسائي وإصباحي

стр. 130

قال المتنبي: فؤاد ما تسلّيه المدام ... وعمرٌ مثلُ ما تَهَبُ اللئام مطيع بن إياس الكندي: أبى جزائي على مدحي له وغدا ... يعمّ هاجِيَه جهلا بنائله فلا يميّز مِنْ هاجيه مادَحه ... ولا يُحَقّق فيه ظنّ آمله لو كان للسيف عقل أو محافَظةٌ ... لما فرى جيد جَاليه وصاقله قال المتنبي: ولو حِيَز الحِفَاظُ بغير عَقْلٍ ... تجنّب عُنْقَ صَيقَله الحسام الخبزأرزي: إن نفسي تذوب في كل يوم ... حَسَراتٍ ومن جفوني تسيل الجهمى بعده: وليس الذي يَجْرى من العين مَاَءها ... ولكنّه نفسٌ تذوب فَتَقْطُر الواسطي: وقائلةٍ أين الدّماءُ التي غَدَتْ ... تجود بها عند الوداع المحاجر فقلتُ لها نارُ الحشا صَعّدتْ بها ... فهنّ على خَدّيَّ بيضٌ بوادر ألم تر حُمْرَ الورد يَبْيَضّ ماؤها ... فيقطر من نار تجنّ الضمائر العُجَيْفِي الكوفي: دمعي جرى من جفوني يوم بينهم ... فلست أدرى أدمعي كان أم روحي بشار بن برد: حشاشتي ودعتني يوم بينهم ... وشيّعتْهم وخلّتني وأحزاني

стр. 131

وقد أشاروا بتسليم على حذر ... من الرقيب بأطراف وأجفان قال المتنبي: حُشَاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا ... فلم أدر أيَّ الظاعِنَيْنِ أشَيّع أشاروا بتسليم فجُدْنا بأنْفُس ... تسيل من الآماق والسِّمُ أدمع سابق البربري: وقور وما في قلبه قَلَقُ الصبا ... غضوب وما في لفظه الفحش والهجر المتنبي: وأوْحَدَتْه وما في قلبه قَلَقٌ ... وأغْضَبَتْه وما في لفْظِه قَذَع عبيد الله بن طاهر الخراساني: صرفنا وجوه الخيل بالسيف بعدما ... تَكَدَّسْنَ مثل السيل من كل جانب وعُدنا سراعاً غانمين وهَمُّنا ... طِلاب المعالي واكتسابُ المناقب قال المتنبي: وخيلْ حشوناها الأسِنَّةَ بعدما ... تَكَدَّسْنَ مِن هَنَّا عَلَيْنَا ومِن هَنّا لعلّ ابن طاهر لما كان من العجم قال في شعره من كل جانب، ولو كان مثل هذا الشاعر بدويّاً قحّاً لقال من هنّا علينا ومن هنّا، كما قال طريح الثقفي في أبيات

стр. 132

يغنى بها: أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الحِنِيّ والولج طوبى لفرعيك من هنا وهنا ... طوبى لأعراقك التي تشج أبو العتاهية: قد صار يحسدني من كان يعذلني ... فيها ويعذرني رهطي وأضدادي والسقم لازمني حتى أنِستُ به ... وفرّ منى أطبائي وعوادي قال المتنبي: عواذِلُ ذاتِ الخال فيّ حَوَاسِدُ ... وإنَّ ضجيج الْخَوْدِ مِنى لماجد ألحّ علىّ السقمُ حَتى ألِفْتُه ... ومَلّ طبيبي جَانبي والعَوائِدُ العوني: رأينا دياراً دارساتٍ ربوعُها ... وسُكّانها الآرام والعِينُ والعفر فجدنا مكان الدمع بالدم وحشة ... فمن دمنا أجفاننا أبداً حُمر قال المتنبي من قصيدة أولها: أريقك أم ماء الغمام أم الخمر رَأيْنَ التي لِلسحْرِ في لَحَظَاتها ... سيوفٌ ظُبَاها من دَمى أبداً حُمْر مروان بن سعد غلام الخليل بن أحمد: ما للصُّوار رحلن عن عرصاتها ... وتركنها وقفاً على غزلانها

стр. 133

إن الجيادَ عَرَفْنَ معهد دارِها ... فَصَهَلْنَ باكيةً على سكانها قال المتنبي: مرَرْتُ على دار الحبيب فَحَمْحَمَتْ ... جوادي وهل تَشْجو الجيادَ المعاهدُ مروان بن أبى حفصة: قاسيت شدة أيامي فما ظفرت ... يداي منها بصابٍ لا ولا عسل ولا أغيِّر شيبي بالخضاب وهل ... في العقل تغيير شيب الرأس بالحيل قال المتنبي: قد ذقت شِدةَ أيامي ولَذّتَها ... فما حَصَلْت على صَابٍ ولا عسل وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني ... فهل أراني المشيبُ الروح في بَدَلي المعوّج الرقى: لبّت دموعي وقد دَعَتْها ... طُلولُ ربع وهُنّ خُرْس سكانها الوحش بعد عهدي ... بحسنها والوحوشُ إنس قال المتنبي: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل أبو البيدا: لا ينشر الله سرى إن نشرت ولا ... يُذيعُ ما دمتُ حيّاً بعد إضماري فليت شعري وقد أخفيت حبكم ... لِمْ صار دمعي مذيعاً كلّ أسراري قال المتنبي: وسرّكم في الحشا ميت ... إذا نشرّ لا ينشر

стр. 134

وأظرف من هذا قول السري بن الكندي الرفا: أنَمّ بما استودعتَه من زجاجة ... يُرَى الشيءُ منها ظاهراً وهو باطن أبو الشيص: دعتني جفونُك حتى عَشِقْت ... وما كنت من قبلها أعشَق فدمعي يسيل وصبري يزول ... وجسمي في عبرتي يَغْرق قال المتنبي: وما كنتُ ممن يدخُلُ العشقُ قلبَه ... ولكنَّ من يُبْصرْ جفونَك يَعشَقِ ابن المستورد: ما بالُ تسليمكم قد صار مختصراً ... وقربكمْ دائماً بعداً وهجرانا قد كنت أعرَفُ بالرأي الأصيل فَلِمْ ... تركتموني غداة البين حيرانا قال المتنبي: أرى ذلك القربَ صارَ ازورارا ... وصارَ طويلُ السلام اختصارا تَرَكْتَنِيَ اليومَ في حَيْرَة ... أموتُ مِراراً وأحيا مِرَارا الناشئ الأكبر: كلام يخوض غِمارَ البحارِ ... ويَصْعد في شاهقات الجبال بدائعه تُطرِب السامعين ... وينمى سناها نماء الهلال قال المتنبي: قوافٍ إذا سِرْن عَنْ مِقْولي ... وثَبْن الجبال وخُضْنَ البحارا ولي فيك ما لم يَقُل قائلٌ ... وما لم يسر قمرٌ حيثُ سارا

стр. 135

خالد بن يزيد الكاتب: ليلى طويلٌ وحزني مثلُه وكذا ... ليلُ المحبّ طويل حيثما كانا لم أسْلُ بعدهم يوماً وقد حملت ... نفسي من الوجد والأحزان ألوانا قال المتنبي: لياليّ بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول أبو العتاهية يمدح: لكل زمان في يديه أزمة ... يقود بها ما يشتهيه بلا كدّ هو الشمس لكن بالعراق محله ... ومطلعه يخفى على الأعين الرُّمد قال المتنبي: فَتىً يَتْبَع الأزمانُ في الناسِ خَطْوَهُ ... لِكّلِ زمان في يديه زِمَامُ المعوج الرقى: ومنهل ماؤُه موتٌ فلا أحدٌ ... يأتيه مستسقياً خوفاً من العطب

стр. 136

طلبتَهم عندَه حتى ظَفِرت بهم ... وقدتهم بالحواشي ليلة القرب ويروى: بزمام الويل والحرب. قال المتنبي: وما تركوك معصيةً ولكن ... يُعاف الورْدُ والموت الشراب طلبتَهُمُ على الأمْوَاه حتى ... تخوّفَ أن تفتشه السحاب الكميت: وبرّية ضل فيها الدليل ... من الحرّ والبعد والقسطل تعسفتها فمزجت المياه ... بالدم والطعم بالحنظل ولما تخلف عنك الدليل ... رأوك لهم جحفل الجحفل المتنبي: وأنّى اهتدى هذا الدليل بأرضه ... وما سَكَنَتْ مُذْ سِرْتَ فيها القَسَاطل ومن أيّ ماء كان يَسْقى جِيادَه ... ولم تَصْفُ من مَزْج الدّماء المناهِل عثمان بن عمارة الحريمي: وخيل كأمثال اليعاسيب ضمر ... عتاق ومن فوق العتاق عتاق جرين فغادرن الرياح حسيرة ... وخضن بحاراً ماؤهن زعاق

стр. 137

لمحها المتنبي فقال: وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام أبن أبى الرعد: بها جثث القتلى لقيً فكأنها ... نخيل ولكن ما لهن عُذوق كأن على الغُدران لونَ دمائهم ... شقائقُ حمرٌ شابهن خلوق قال المتنبي: ولا تَرِدُ الغدرانَ إلا وماؤها ... من الدّمِ كالريحان تحت الشقائق مكيكة وهو أبو بكر إبراهيم الفقيه مليح الشعر مطبوعه: قد سار في الأسماع طيب ثنائه ... مثل الغناء على الرحيق السلسل في جحفل من فضله وكتيبة ... من عقله وعن العيوب بمعزل أضحى ربيع السائلين وقبلة ... للآملين وزينة للمحفل قال المتنبي: وأضحى ذكره في كل أرض ... تُدارُ على الغِناء به العُقار ومن تأمل هذا تقصيره ونقصانه عن درجة مكيكة. وقال عمر بن أبى ربيعة: وسرنا بليل كأن القتام ... وقد ثار من طيبه عنبر وقول العوني مليح: ودوّية أحيا الحيا هضباتها ... كأن ثراها في المفارق عنبر

стр. 138

نزلنا على ماء كأن مذاقه ... جني النحل لا يَفنى ولا يتكدر قال المتنبي: وليلاً توسَّدنا الثَّويةَ تحته ... كأن ثراها عنبر في المرافق لم يقصر المتنبي في تبديل المفارق بالمرافق وأحسن ما شاء. مخيم الراسبي: سرى نحوهم جيش على الأرض زَحْفُه ... وزَحْمتُه جازتْ بطونَ الفراقد وخدّت بأيديها الجيادُ صخورها ... فتحسبُ ما فيها مَجَرَّ الأساود وفوق ثناياها رءوسٌ تبددت ... كَمَالٍ توَّلتْ نقدَه كفُّ ناقد قال المتنبي: خميسٌ بِشرق الأرض والغربِ زَحْفُه ... وفى أذن الجوزاء منه زَمَازِم إذا زَلِقَت مَشَّيْتَها ببطونها ... كما تَتَمشى في الصعيدِ الأراقم نثرتهمُ فوقَ الأحيدب نَثْرة ... كما نُثِرتْ فوق العروس الدراهم أبدع المتنبي ما شاء حين بدّل الناقد والمال بالعروس والنثار، وصيّر الأساود أراقم، وجعل الفراقد الجوزاء. معبد بن طوق البصري، وهو شاعر مبدع يمدح: تذل له القواضب والعوالي ... وتخدمه المسومة العراب إذا أغضبته صافحت منهم ... حساماً ليس يحجبه القراب وإن أرضيته قابلت نفساً ... تضئ فلا يغطيها سحاب

стр. 139

قال المتنبي: تَخِرّ له القبائلُ ساجداتٍ ... وتحمَدهُ الأسنة والشفار أبعد هذا التقسيم من كلام معبد وفصاحته وحذقه وملاحته؟ أبو راسب البجلي أشعر أهل زمانه يمدح أبا دلف قاسماً: رأيتُ ملوكَ الأرض شرقاً ومغرباً ... فَمَوْلاهم عند الحقيقة قاسم صرائمه في المشكلات صَوَارِمٌ ... وآراؤه في المعضلات أراقم ترى سَيْبَه يُحيْى العُفَاةَ وسيفه ... يُبيد عِدَاه فهو مُعْط وحَارِمُ قال المتنبي: وقد رأيْتُ الملوكَ قاطبةً ... وسِرْتُ حتى رأيتُ مولاها ومَن مَنَايَاهُمُ براحته ... يأمرها فيهم وينهاها ولا أدري أرأى الملوكَ المتنبي قاطبة عابسة أو ضاحكة مستبشرة، ولكنه بالإجماع جاء بكلام غثّ بارد كذب. السيد الحميري يمدح بعض أولاد عبد الله بن الحسن بن الحسين الشريف: همة تنطح الثريَّا وعزٌّ ... نَبَوِيٌّ يزعزع الأجبالا وعطاءٌ إذا تأخر عنه ... سائلوه اقتضاهم استعجالا قال المتنبي: شرفٌ ينطحُ النجومَ برَوْقيْ ... هِ وعزٌّ يُقَلقل الأجْبَالا

стр. 140

لا أعرف للمتنبي فضيلة في هذا المدح، ولا براعة إلا أنه بدّل يزعزع بيقلقل وصيَّر الشرف قرنانا. أبو حويه السكسكي: بحارُ عطاياكَ تحيى النفوسَ ... وبحرُ سِوَاكَ يحاكى السرابا بُليتُ بقوم قباحِ الوجوهِ ... يرون السماحة ذَنْباً وَعَابا إذا ما تَصَفَّحتُ عن لُؤمهم ... أكبوا عليه فكانوا جوابا قال المتنبي: وهمُ البحر ذو الغَوَارب إلا ... أنه صَار عند بحرك آلا ولمح الثاني فقال في قصيدة أخرى: وتسأل عنهم الفَلَواتِ حَتى ... أجابَك بعضُها وهمُ الجوابُ أبو الشمقمق: خاض بحر الموت الزؤام كناسٍ ... أو كمستحقر له مستهين وسعى في اكتساب شكر وحمد ... وحَوَى ما أبتغي بغير معين قال المتنبي: خاض الحِمامَ بهن حتى ما درى ... أمِن احتقار ذاك أم نسيان صاحب الزنج أو غيره منحولا إليه: ببيض الصّفاح وَسُمْر الرّماح ... طلبتُ العلا وعلوتُ الرتب

стр. 141

وإنّي كالشمس بي يُهْتدى ... إذا غطّت الشمسَ سودُ السحُب قال المتنبي: تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كُلَّ شهوة ... فليس لنا إلا بِهِنَّ لِعَابُ وإني لنجم يهتدي صحبتي به ... إذا حَال من دون النجوم سحاب ديك الجن عبد السلام: وإني بريءٌ من أخي وانتسابه ... إليّ إذا ألفيتُ في طبعه بخلا فإن لم تكن بالطبع نفسي كريمةً ... وإن كرُم الآباء لم أره فضلا المتنبي: وآنف من آخي لأبى وأمي ... إذا ما لم أجده من الكرام ولست بقانع من كل فضل ... بأن أعْزَي إلى جدّ همام أبو الهندي صاحب نصر بن سيار: طالَ عَتْبُ الزمان ظلماً علينا ... وجفانا فما لَه إعْتَابُ فأجِرنا من عتبه وأذاه ... أنْتَ تُرْجى لمثله وَتُهاب ما لنا منصف سواك فيشكي ... أنت كالنصل والملوك قراب قال المتنبي: لَنَا عندَ هذا الدّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّه ... وقد قلّ إعتابٌ وطالَ عِتَاب ولا مُلْكَ إلا أنْتَ والمُلكُ فضلةٌ ... كأنكَ سيف فيه وَهْوَ قِرَابُ

стр. 142

إبراهيم بن متمم بن نويرة: والخيل قد نسجت على صَهَواتها ... أيْدي الرياح براقعاً وجلالا ضاقت عليهن الفلاةُ فلا ترى ... من كثرة القتلى لهنّ مجالا قال المتنبي: خافياتِ الألوانِ قد نَسَج النَّق ... عُ عليها بَرَاقِعاً وَجَلالا ولَتَمْضنّ حيث لا يجد الرُّم ... حُ مداراً ولا الحصانُ مجالا هذه طريق التوارد لا يشك فيه شاعر، ولا يسمح لأحد بمثله خاطر. ديك الجن عبد السلام: الكلبُ فوقَ أناس أنت مالكهم ... ونعمةُ أنتَ فيها عندنا نِقَمُ وإن دهراً علوتَ الناسَ كلَّهم ... فيه فبالجهل والخذلان متهم قال المتنبي يهجو كافوراً: جَازَ الألَى مَلَكَتْ كَفاك قَدْرهم ... فَعُرِّفوا بك أنّ الكلبَ فوقهم فإنهُ حُجةٌ يُؤْذِى القلوبَ بها ... مَنْ دِينُه الدَّهْرُ والتعطيلُ والقِدَمُ هذا البيت عليه أثر العيّ؛ لأن الدهر والتعطيل والقِدم إلحادٌ كله، وأحسن من هذا قول ابن الرومي: لا قُدّسَتْ نُعمى تسربلتَها ... كم حُجةٍ فيها لزنديق صبراً أبا الصقر فكم طائرٍ ... خرّ صريعاً بعد تحليق الخبزأرزي: خليتني ضائعاً والحال حائلة ... ورمت في الكيل بخساً بعد تطفيف أسْنَى العوارف ما يأتي الزمان به ... عفواً وطوعاً بلا مطل وتسويف

стр. 143

إذا أساء وضيع القدر خامله ... إلىَّ لم يخل من لوم وتعنيف قال المتنبي وقد ذكرت قبل هذه في جملة ما أخذه عن هذه الثلاثة الأبيات: إذا أتت الإساءةُ من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم بشار بن برد: حظي من الخير منحوسٌ وأعجبُ ما ... أراه أنى على الحرمان محسودُ أغدو وأمْسى وآمال قطعتُ بها ... عمري تخيب وأموالي المواعيد وأكرمُ الناس من تأتى مواهِبُه ... من غير وعد وفيه الجود موجود قال المتنبي: ماذا لقيتُ من الدُّنْيَا وأعجبُها ... أنّى بما أنَا باكٍ مِنْه محسودُ أمسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيداً ... أنا الغنىّ وأموالي المواعيد جودُ الرجال من الأيدي وجودهم ... مِنَ اللّسان فلا كانوا ولا الجود من قال إن هذه غير مأخوذة من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز وحُرِمَ الرشاد والتوفيق، وجهل مواضع الأخذ، وأحتاج أن يسقى شربة تشحذ فهمه، وتجلو طبعه، وتزيل العمى والغمة عنه، وقال المتنبي في قصيدة أخرى ضرباً على قالب ابن الرومي في تكرير المعنى إذا أستحسنه بألفاظ مختلفة: واجِز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونُعمى الناس أقوال وأحسن من هذا كله قول البحتري: وأكْثَرُ ما لسائلهم لديهم ... إذا ما جاء قولهم تَعُود ووعدٌ ليسَ يُعْرَف من عبوس ... ألفناه أوعدٌ أم وعيد

стр. 144

محمد بن أبى عيينه المهلبي: إني لأختار الحِمَا ... م على مصاحبة اللئام وأفرّ منهم ما حيي ... تُ ولا أفرّ من الحسام نفسي الكريمة لا تق ... رّ على المذلة والملام والموتُ أطيبُ في فَمي ... عند الهَوَانِ من المُدام قال المتنبي: وعندها لذّ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذّل قِنْديد قد أنصف المتنبي في إبدال المدام بالقنديد؛ ليُعَدّ بسبب هذه الفصاحة في شعراء الجاهلية، عند استعماله الألفاظ الغريبة، والقنديد نبيذ يعمل من القَنْد وذُكر في اشتقاق أسماء الخمر شرفُها. أبو العتاهية: أزفّ أبْكارَ أشعاري إليك فما ... عندي سوى الشكر لا خيلٌ ولا مال فأقبل هديةَ من تصفو مودتُه ... إن لم تساعِدْه فيما رامه الحال قال المتنبي: لا خيل عندك تُهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال هذه الأنواع من السرقات فاضحة لصاحبها؛ لأنه أخذ اللفظ والمعنى والرّوي، ثم ادعى هذه المعجزات لنفسه:

стр. 145

هشام بن إبراهيم الكرماني: لا يحوز المجدَ إلا سيدٌ ... باذلٌ للمال مفضالٌ فَطِن يَكْسِب الحمدَ بوجه ضاحك ... يسترِقُّ الحرَّ والخلقَ الحسن عبد الصمد بن المعذل: أفنى بجدّ السيف آجالَ العدا ... وسيوفَه وعوالِيَ المُرَّان والضرب يفعل بالحسام وحدِّه ... ما تفعل الآجال بالإنسان قال المتنبي: القاتلُ السيفَ في جسمِ القتيلِ به ... وللسيوفِ كما الناس آجال أغرب المتنبي في سلخ هذين البيتين، ومسخهما، والله يطالبه بما فعل. رزيق العروضي من قصيدة أولها: قد بكينا لما رأينا الطلولا ... دارسات وما خَشِينا العذولا نحن في دهرنا إذا ما اجتَنَبْنا ... قبحَ أفعالنا فعلنا الجميلا إن موتَ الفتى جواداً سخيّاً ... هو خيرٌ من أن يعيشَ بخيلا المتنبي: إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال علي بن الجهم: ولا خيرَ في عيش امرئ وهْو خامل ... وذكرُ الفتى بالخير عمرٌ مجدَّد
следующие страницы →