Полный текст (160 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال المتنبي:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طَعْنُ نحورِ الكماةِ لا الحُلُم
لمبشر بن هذيل الفزاري من قصيدة له:
إني امرؤ ليس يثني عزمتي فشل ... عما أؤمل فيه النصر والظفرا
أسرى بليل كأني السرّ يكتمني ... ظلامه فإذا أصبحت قد جهرا
قال المتنبي:
وكنتُ إذا يممتُ أرضاً بعيدة ... سَرَيْتُ فكنتُ السرَّ والليلُ كاتمه
المعوّج الرقي:
يا من به تمت المعالي ... وما له في الجلال ندّ
أيامه كالربيع حسناً ... لو أن زهر الربيع ورد
قال المتنبي:
لو كنت عَصْراً مُنْبتاً زَهَراً ... كنتَ الربيعَ وكانت الوَرْدا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم الأنصاري:
يا قاتَلَ اللهُ قوماً عن مساءتهم ... نمنا فما غفلوا عنا ولا ناموا
стр. 72
وليلة سَتَرَتْ سِرّى حنادسُها ... حتى افترقنا وضوءُ الصبح نمّامُ
صدّت فأذرت دموعاً وهى منشدة ... ويلي على العمر إن العمر أحلام
قال المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
الخبزأرزي:
كم جاهل وادع في عيشه فرح ... وعاقل شفّه الإقتار والتعب
يرى الغنى عند قوم لا غَنَاء لهم ... والجَدُّ ينفرُ ممن عنده الأدب
دعبل:
وقد علمتُ وما لي ما أعيش به ... أن التي أدركتني حرفة الأدب
الحمدوني:
إن المقدّم في علم بصنعته ... أنّى توجّه منها فهو محروم
قال المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجدّ وألفهما
للعوني:
كم هموم كشفتها بكلام ... مؤيس مطمع له أشياع
وخطاب لو كان شتماً صريحاً ... ما نبت عن سماعه الأسماع
المتنبي:
وأسمع من ألفاظِه اللُّغَةَ التي ... يَلَذُّ بها سمعي وإن ضُمّنَتْ شَتْمي
стр. 73
بشار بن برد من قصيدته المشهورة التي تقدمت:
إذا ما اجتداه مُجْتدٍ قلت ما له ... شقي ثمود ريع من صيحة البكر
للمستهل بن الكميت الأسدي:
يَرَى البحرُ بحراً من عطاياه مُزْبِداً ... فيعجب من آذيّه المتدفق
وينعب في أمواله جود كَفّه ... نعيب غراب البين يوم التفرق
قال المتنبي:
مالٌ كأنّ غرابَ البين يرقُبُه ... فكلما قيل هذا مجتَد نَعَبا
أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقاً على المُدّاح
قال المتنبي:
وعلّموا الناس منك الجود واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا
أبو تمام:
أحدّ اللفظ ينطق عن سواه ... فيُفْهم وهو ليس بذي سماع
المتنبي:
يمجُّ ظلاماً في نهارٍ لسانُه ... ويُفْهم عمن قال ما ليس يَسْمَع
الحسن بن مالك مؤدب العباس بن المأمون (وهو أبو العالية الشامي):
أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها
المتنبي:
أنْعَمْ ولَذَّ فللأمور أواخرٌ ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
стр. 74
وقال أيضاً:
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً وقفارا
المتنبي:
قُصدتَ من شرقها ومغربها ... حتى اشتكَتْك الركاب والسُّبل
أبو تمام:
يوم أفاضَ جوىً أغاض تعزّياً ... خاض الهوى بحري حجاه المزبد
المتنبي:
وكلما فاض دمعي غاض مُصْطبري ... كأنّ ما فاض من جفنيّ من جلدي
وللحسن بن داود الجعفري في هذا المعنى وهو أطبع وأملح:
جرت عبرتي فاستجرت الصبر والأسى ... ففاضا جميعاً وأشتكى خَطْبَها القلب
سأبكى ولو أبكي دماء لأن لي ... لهيبَ جوىً بين الجوانح لا يخبو
سعيد الخطيب كان في أيام المعتصم مطبوع الشعر:
تسرى بنا أرحبيات مذللة ... مثلُ القداح سليماتٌ من العلل
يطوين كل فلاة لا أنيس بها ... طيّ الليالي مع الأيام للأجل
стр. 75
قال المتنبي:
من بَنَات الجديلِ تمشى بنا في ال ... بيد مَشْىَ الأيام في الآجال
لجرير:
إن كان شأنُكم الدلالَ فإنه ... حَسَنٌ دلالُكِ يا أميم جميلُ
قال المتنبي:
وأرى تدلّكِ الكثيرَ مُحَبَّبا ... وأرى قليل تَدَلُّلٍ مملولا
للسيد الحميري:
وعصبة فتشت عني وعن حسبي ... فزادها حسَداً بحثٌ وتفتيشُ
تخفى على أغبياءِ النّاس مَعْرفتي ... أنّي النهار وهم فيه الخفافيش
قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... ألاّ تراني مقلة عمياء
قيس بن ذريح:
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأسكت حتى ما أكاد أجيب
لغيره:
وإذا بدا منع الشكاية حبُّه ... وبقيت منقطعاً كأني أبكم
стр. 76
المتنبي:
الحب ما منع الكلام الألسنا
وأما قوله: وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا. فمن قول أبى نواس:
ولا خير في اللّذّاتِ من دونها سِتْر
ابن الرومي:
لا تغفلوا عن أعاديكم فإن لهم ... ظلماً يبين لكم في القول والعمل
وما الرسائل في الأعداء مغنية ... عن السيوف وأطراف القنا الذبل
قال المتنبي:
وهل تغنى الرسائل في عدو ... إذا ما لم يَكُنّ ظُباً رِقاقا
العطوي:
وإني امتحنت الناسَ طرّاً فعِفْتهم ... مَوَدّتُهم ممزوجةٌ بنفاق
فما وثقت نفسي بهم وتركتهم ... وما فيهم مجني وطيبُ مذاق
الخبزأرزي من قصيدة له:
لا يخدعنك فودُه ... خدع ومذهبه نفاق
ما إن تظل على كذو ... ب مثلِه السبعُ الطِّباق
стр. 77
قال المتنبي:
إذا ما الناس جرّبهم لبيب ... فإني قد أكلتُهمُ وذَاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعاً ... ولم أرَدِينَهم إلا نفاقا
العوني من قصيدة له:
يا صاحبيَّ بَعُدتما فتركتما ... قلبي رهينَ صبَابةٍ وتَصَابى
أبكى وفاَءكما وعهدَكما كما ... يبكى المحبّ مَعاهِد الأحباب
المتنبي في أول بيت من السيفيات:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسِمُه ... بأن تُسْعِدا والدمعُ أشفاهُ ساجِمه
والله لو أوقد الإنسان ألف شمعة ليستضئ بنورها إلى استنباط غوامض هذا البيت
مع قلة الفائدة فيه لصعب عليه، وهو معنى بيت العوني محمود بن الحسين الوراق الكوفي من قصيدة:
سيد طالَ وما في ... وَعْدِه الصّادقِ طولُ
وله في الجود والمج ... دِ فروعٌ وأصولُ
سئمته البيض والسم ... ر وملّته الخيول
فهو للأهوال في الحر ... ب إذا اشتد حَمُول
جابر بن أحمد الشعباني، كان في أيام المعتصم يصف فرساً:
وأغرّ إلا أن باقي جسمه ... أمسى بسربَالِ الدُّجى مُتَقَمّصا
يمشى ويمرح في اللجام كأنه ... نشوانُ أطْرِب فاشتهى أن يرقصا
قال المتنبي:
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياءٌ عاقَها رَقَصَتْ بِنَا
стр. 78
أبو نواس:
فأجابني والسكر يُفْسِدِ نُطْقَهُ ... بتلجلج كتلجلج الفأفاء
قال المتنبي:
يَتعثّرن بالرءوسِ كما مَرَّ ... بتاءاتِ نُطْقه التمتام
للعوني من قصيدة له في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم:
ألا مُسعِدٌ يَبْكى بشَجْوي فأنني ... لَمُسْتعذِبٌ مَاَء البكاء ومُسْتحلي
أحِبّ ابن بنتِ المصطفى وأزورُه ... زيارةَ مهجورٍ يحنُّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيها نحو قبره ... بأفضل منها رتبة مركز العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرءوسُ ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
البحتري:
أغتنم فرصة من الدهر وأطرب ... ليس شيء من الجديدين باق
وزمان السرور يمضى سريعاً ... مثلَ طيبِ العِنَاق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنها ... قُبَلٌ يزوّدها حبيب راحل
المنصور النمري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميداً والكريمُ ألوفُ
ولست أعاف الموتَ إن جاء زائراً ... وربّي لطيف بالعباد رءوفُ
قال المتنبي:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبى ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
стр. 79
الميّاس العابدي واسمه مهر بن النعم مخضرم:
ويومَ القادسية قد دعتنا ... إلى تبديد شَمْلِهم دَوَاع
لقيناهم ونحن على عِتَاق ... تُجاري الريحَ حبّاً للقِراع
تجاذبنا الأعنة وهى تجري ... كأنا قابضون على أفَاع
فحكّمنا الأسنة في طُلاهم ... وكايلناهم صاعاً بصاع
فلما أن ملكناهم عفونا ... وحسنُ العفوِ في كرم الطباع
وأبنا غانمين وليس يَحْظَى ... بما يرتاد ذو حزم مضاع
وإنما جئت بأكثر هذه الأبيات لحسنها.
قال المتنبي:
تُجاذِبُ فُرسَانَ الصّباحِ أعنّةً ... كأن على الأعْنَاقِ منها أفاعيا
ولا أقول إلا (من سَلّ سيفَ البغي قُتِلَ به).
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
إن الفتوح على قدر الملوك وهمّ ... اتِ الوُلاةِ وإقدامِ المقَاديم
لسليمان بن عيسى الكوفي:
وليس يَقْنَع ذو فضلٍ بمنْزلَة ... حقيرةٍ ولأهل الفضل أقْدار
стр. 80
ولعلي بن أمية الكاتب:
ولقد شُغِفْتَ ببذل ما ... لِك في المفاخر والمغارم
شغف الأفاضل بالفضا ... ئل والأكارم بالمكارم
قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
البحتري:
تَعْنو له وزراءُ الملك خاضعةً ... وعادةُ السيفِ أن يَسْتَخدِم القَلَما
ابن الرومي وقد قلب المعنى وأجاد:
كذا قضى الله للأقلام مذ خلقت ... أنّ السيوفَ لها مذ أرْهِفَتْ خدم
قال المتنبي وعكس المعنى:
حتى رَجَعت وأقلامي قَوَائلُ لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكْتب بنا أبداً بعدَ الكتابِ به ... فإنما نحن للأسيافِ كالخدم
وهذا النسخ لا السلخ:
البحتري:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيّبا
الخبزأرزي:
وما حاجة الركب السراة إذا بدا ... لهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعَة البدر
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعانِ حولَكَ في الدجى ... إلى قمرٍ ما واجدٌ لك عادمه
لقد تكلف وتعسف.
стр. 81
لعمران بن حطان:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
قال المتنبي:
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناس في موضعٍ منك خال
بُكم الخرس أحسن من هذا النطق.
للعلوي الحمّاني:
أُعْدُد ثلاثَ خلالٍ قد جُمِعْنَ له ... هل سبّ من أحد أم سُب أو بخلا
لأبي عيينة المهلبي:
مُغْرىً بكسب المكرما ... ت وابتناء المجد طَبّ
ما إن يَذُم ولا يُذَ ... مّ ولا يَسُبّ ولا يُسبّ
قال المتنبي:
ولكن نفاها عنه غير كريمة ... كريم الثنا ما سَب قط ولا سُبّا
لبشار بن برد:
لا الطير تلقط حبّاً في سباسبها ... ولا تهب السوافي في أقاصيها
قال المتنبي:
تَصُدُّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةً ... وتفزَع منها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحبّا
أبو تمام:
حَلّمتني زَعمْتُمُ وأراني ... قبلَ هذا التَّحليم كنتُ حليما
стр. 82
محمد بن الفضل الجرجراي الكاتب:
أدينُ بالله لا أبْغي به بدلا ... ومذهبي العدلُ والإفضالُ والجودُ
لا الحلم فيّ بديع أنني حدث ... الحلم في الشيب والشبان موجود
قال المتنبي:
فما الحداثةُ من حِلْم بمانِعَةٍ ... قد يوجدُ الحلم في الشُّبان والشيب
لعلي بن جبلة:
قمر نَمّ عليه نورُه ... كيف يُخِفى الليلُ بدراً طلعا
الشعباني:
وإذا فزعتَ من الرّقيب فلا تَزُر ... فالبدر يفضح كلَّ ليلٍ مُظْلم
قال المتنبي:
أمن ازديارَكِ في الدجى الرُّقباء ... إذ حيثُ كنتِ من الظلام ضياءُ
أبو تمام:
مقيمُ الظنّ عندَكَ والأماني ... وإن قَلِقَتْ ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وأني عنك بعد غد لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غاد
стр. 83
أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
المتنبي:
محبّك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنتُ من البلاد
هذان البيتان يناديان في البوادي، ويستغيثان من المتنبي:
قال البحتري:
ولم أرَ في رَنْق الصَّرى لي موردا ... فحاولْتُ وِرْدَ النيلِ عند احتفاله
وللكسروي:
وما أنا تاركٌ بحراً نميرا ... وأطمعُ في الجداول والسّواقي
إذاً لجحدتُ ما أوْليتَنِيه ... من النُّعمى ومُتُّ على النفاق
للعطوى:
أأمتاحُ من بئرٍ قليلٍ معينُها ... وأقعدُ عن بحرٍ زُلالٍ مشاربُه
قال المتنبي:
قواصدَ كافورٍ تواركَ غيره ... ومَنْ قَصَد البحرَ استقَلّ السواقيا
لأبي حويه السكسكي:
ألا فاصطنعني وأطّرح كل مدّعٍ ... يَبِن لك من يَشْأء ومن يتأخّر
أنا السيف إن جرّدتَه لضريبةٍ ... تبيَّن منه في الغِرَارين جوهر
стр. 84
قال المتنبي:
وكن في اصطناعي مُحسِناً كمجَرّبٍ ... يَبِنْ لك تقريبُ الجوادِ وشَدُّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كَغيْره ... إذا لم يُفارقْه النجادُ وغِمْده
للهرمزي من قصيدة يمدح بها أبا الحسن عبيد الله بن يحيى يقول فيها:
يبكى السحابُ إذا ابتسمت فلا ترى ... إلا ثَرىً يَندى وأرضاً تُخْصِب
(لبعضهم):
إذا ما رأيت ابتسامَ الأميرِ ... في الجدبِ فأبشر بصَوبِ المطر
قال المتنبي في تهنئة سيف الدولة ببرء من علة لحقته:
وَلاَحَ برقُكَ لي من عارِضَيْ مَلِكٍ ... ما يَسْقط الغَيثُ إلا حيثُ يَبْتَسِم
وهذا لمح منه:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسمت ... من مَطَرٍ برقُه ثناياها
لمحمد بن يحيى الأسدي يمدح ابن نوبخت عامل الخراج بكسكر يقول من قصيدة فيه:
لا انْقَضَى عمرُكَ يا مَنْ ... ما لجَدْواه انقِضَاءُ
أنت في الدهر ربيعٌ ... لم يعاقبه شتاء
عش كما تهوى وللأع ... داء لا كانوا الفناءُ
стр. 85
قال المتنبي:
ما ينقضي لك في أيامه كَرَمٌ ... ولا انقضى لك في أعوامه عُمُرُ
ما الدهر عندك إلا روضةٌ أنُفٌ ... يا من شمائله في دهره زَهَرُ
ومن كان له طبع صقيل عرف الفرق بين الطبعين.
ليحيى بن هلال العبدي يمدح الرشيد، من قصيدة:
حجب النقع أعين الخيل عنهم ... فهمُ من ثباتها في أمان
ضل فيها الدليل من هبوة القس ... طل لا يهتدي إلى النيران
قال المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضه ... وما سكَنَتْ مُذْ سِرتَ فيها القساطل
لدعبل بن علي:
ولما وردنا ماء بيشة لم يكن ... تَكَدّرَ إلا من دماء الترائب
سقينا عتاق الخيل منه فلم تذق ... سوى مذقة لم تُرْوِ غُلّة شارب
للناشئ بن الحسن يرثى أهل البيت ﵈:
منعوا الماء والخنازيرُ تُروى ... منه لم يرحموا بكاَء النساء
كيف نسقى من الفراتِ جياداً ... ماؤه شِيبَ منهمُ بالدماء
стр. 86
قال المتنبي:
ومن أيّ ماء كان يَسْقِى جيادَهُ ... ولم تَصْفُ من مَزْج الدماء المناهل
لإسحاق بن سماعة المعيطي الرقي شاعر مبدع من قصيدة له:
لما أتاك أتاه الجبن وانفصلت ... منه المفاصل ذعراً والتوى العنق
فكان أقصرَ ما في نفسِه أملٌ ... وكان أصغرَ ما في رأسه الحَدَق
قال المتنبي:
أتاك كأنّ الرأس يجحَدُ عُنْقَه ... وتنْقَدُّ تحت الذُّعرِ منه المفاصل
ولو سمع إسحاق هذا لقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
لجهم بن عوف من قصيدة:
ودوّيَّة ما إن يطيرُ بها القطا ... ولا يعرف الأقطارَ منها عُقَابها
تعشّقتها والليل كُدْرٌ نجومه ... وضاقت على الخرّيت فيها رحابها
على شُزَّب قبّ البطون كأنما ... يلين لها بين الفيافي صعابها
فما تغتذي غير الرياح وطالما ... كفاها عن الماء الزلال سرابها
ومنها:
فَزَارةُ لما أبصرتك تخاذلت ... جماجمها ذلا وذلت رقابها
ولولاك لم تصغر كبار نفوسها ... ولم يخل من سُودِ الضراغم غابها
والقصيدة طويلة، اقتصرت على هذا القدر لما تعلق منها بأبيات المتنبي.
стр. 87
قال عفا الله عنه:
إذا ما سرتَ في آثار قوم ... تخاذَلَتِ الجماجمُ والرقابُ
وخيلا تغتذي رِيحَ الموامي ... ويَكْفِيها من الماءِ السَّراب
ومثل هذا الأخذ ينبئ عن افتضاحه.
لعلي بن عاصم الأصفهاني الكسروي:
قارَعْتَ دهرَك فاسترجعت ما عَصَبت ... أيامُه وأعدْت الملكَ منتظما
وإن أرضاً من الأنْواءِ قد نَهِلَتْ ... عَلّلْتها من رءوس الجاحدين دما
ولجعد الرقاشي (أحد الشُّراة):
وأعجبُ من أرضٍ سقاها حسامُه ... ولم تُرْو يوماً من عزالي السحائب
قال المتنبي:
سقتها الغمامُ الغرُّ قبلَ نزولِه ... فلما دنا منها سَقَتْها الجماجم
طريدةُ دهرٍ ساقها فَرَدَدْتَها ... على الدين بالخَطّىّ والدهرُ راغمُ
وهذا المعنى متداول، قد تصرف فيه الشعراء، فأكثروا.
إبراهيم بن عيسى من دير قطني، كاتب مليح الشعر يقول من أبيات له يعاتب:
стр. 88
يا وارثَ المجد التلي ... د وبنَى الكرم الأصيل
ما لي أراك قَبِلت أق ... والَ الوُشَاة بلا دليل
صدّقتهم في كل ما ... خلقوه من قال وقيل
ونظرت نحوي نظرةً ... دلّتْ على رأىٍ عليل
قد كنتُ أحسَبُ أنّني ... أحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيتُ وسائلي ... خَلَقت وضاعت في السبيل
فعلمت أنى قد غلط ... ت وتهتُ في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفاً ... أرجوك في أمر قليل
أنْصِف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل
إمّا إزاحةُ عِلَّةٍ ... فيها الشفاء من الغليل
أم لا فَقُوتٌ ما أعي ... شُ يصونُ وجهي عن بخيل
أم لا فَإذْنٌ استَق ... لُّ به على وجه جميل
من لم يعنك على المُقَا ... م فقد أعان على الرحيل
وإذا تأملت هذه الأبيات علمت أن المتنبي لمح جميعها وسلخ البيت الأخير منها في قوله:
إذا ترحَّلْت عن قوم وقد قَدَروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
للعبدي من أبيات قليلة له:
جلستَ فقامَ الدهرُ فيما تريده ... ونمتَ عن الأشْغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كُلِّهم ... إمامٌ وإن غابوا فإنك حاضر
المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساً ... وأيامُه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
стр. 89
أترى يخفى على النساء دون الرجال هذا وما يجرى مجراه سرقة؟ فما معنى أصحابه يدّعون التوارد؟ لولا المكابرة والجحود.
أبو خلد محمد بن المهلب بن المغيرة المهلبي يعاتب صاحباً له:
أصْفيه وُدّي باختيا ... ري وهو يصحبني اضطرارا
وإذا جني أظهرتُ لي ... منه احتجاجاً واعتذارا
ومن العجائب أن أصا ... دِقَ من يعاديني جهارا
أبو العتاهية:
وإذا صفا ودّي له ... زادتْ مودتُه كدوره
فكأنما مات الوفا ... ءُ فلست مرتجياً نُشُورَه
والحُرّ يُظْهر للعد ... وّ صَدَاقةً عند الضروره
أبو نواس
إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق
قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوّاً له ما من صداقته بدّ
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي من قصيدة له يعزى ابن أبي طاهر:
إذا ما صفا مجدُ الكريم من القَذى ... أتاه الرَّدى من حيثُ يدرى ولا يدرى
تَسَلَّ بفكرٍ في النبيين واعتبر ... بهم واستعن عند المصيبة بالصبر
أبو تمام:
بنات نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لها ... والشمسُ والبدرُ منه الدهرَ في الرقم
والحادثات عدو الأكرمين فما ... تعتامُ إلا امرأً يشفى من القرم
стр. 90
قال المتنبي:
كأنَّ الردى عَادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يعوّذْ مجدَه بعيوب
تَسَلَّ بفكرٍ في أبيك فإنما ... بَكَيْتَ فكان الضِحْك بعد قريبِ
عبيد الله بن محمد الرقي المكنى بابن حُمران يعزى صديقاً له:
صِينَتْ ظهورُ مطاياه لغَيْبَته ... فليس يركبُها من بعده أحدُ
من يصحبِ الدهرَ لم يأمن تقلُّبه ... يعيش حيران حتى يَنْفَدَ الأمد
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكْوار نمشى كرامَةً ... لمن بان عنا أن نُلمّ به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
عبد الله بن سلام:
تذكرتُ أيامَ الوصالِ فلم أجد ... لها لذّة إذْ طارَ عنى غُرابها
وكانَتْ أيادي الدهرِ عندي حميدةً ... لألفَتنا حتى تبدّى انقضابها
قال المتنبي وقد لمح البيت الأول:
ذكرتُ به وصلا كأنْ لَمْ أفُزْ به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطَعُه وثبا
стр. 91
ولمح البيت الثاني فقال:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
مثقال الواسطي من قصيدة له:
وجيش تَزَعْزَع منه الجبال ... وتهتزّ كالغُصُنِ الناعم
ترى الشمسَ يحجبها نقْعُه ... فتبرزُ في مِدْرَع قاتم
قال المتنبي:
وجيشٌ يُثَنّى كلَّ طَوْدٍ كأنه ... خَريقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُنَا رَطْبا
كأنّ نجومَ الليل خافَتْ مُغَارَه ... فَمدَّتْ عليها في عَجاجَته حُجْبا
أبو عمرو محمد بن العمراوي البصري يقول في عبيد الله بن يحيى:
وما بلد في الأرض ناءٍ مرامه ... على الناسِ إن حاولته ببعيد
وهبتَ فما أبقيتَ في الأرض سائلا ... وحُزْتَ ثناءً لم يكن بزهيد
قال المتنبي:
وكاتَبَ من أرض بعيدٍ مَرامُها ... قريبٍ على خيل حوالَيْك سُبَّقِ
ولمح البيت الآخر فقال:
لقد جُدْتَ حتى جدت في كل مِلّةٍ ... وحتى أتاك الحمدُ من كل منطق
стр. 92
وترديده جدت وجدت ومنطق غث جدّاً.
إسماعيل بن محمد الراذاني من أهل جرجان يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوقون من ظُلَم ... وأنت وحدك مخلوق من النور
تهتزّ كالغصن عندَ الجودِ من طَربٍ ... وتستعين بقلب غير مذعور
المتنبي:
فلو خُلقَ الناس من دهرهم ... لكانوا الظلامَ وكنتَ النهارا
أشدهُمُ في ندىً هِزّةً ... وأبعدُهم في عدُوّ مُغارا
وأبيات الجرجاني مع سخافتها أسلم من أبيات المتنبي لتركه الإطباق فيها.
أبو عبد الله أحمد بن محمد الجهمي شاعر خبيث اللسان، كان في أيام المتوكل يقول:
قلعت قلاعاً لو طلبت رجالها ... لألْقتهم طُرّاً إليك بلا عهد
ولما رآك الناسُ وحدَكَ أيقنوا ... بأنك بين الخلق واسطةُ العقد
فهانوا ولانوا واستكانوا وأشرفوا ... على خطة تُوهي صفا الحازم الجلد
قال المتنبي ولمح هذه القصيدة:
تَمَلّ الحصونُ الشمُّ طولَ نزالنا ... فَتُلقى إلينا أهلها وتزول
ولما وحدَه قبل جيشِه ... دَرَوْا أن كلَّ العالمين فُضُول
أبو جعفر محمد بن بشر الحميري:
وليس ينال المجد غيرُ ابن حُرَّة ... فَتىً لا يبالي بالمنايا وبالقتل
стр. 93
إذا الناس سادوا باتفاق فإنما ... تَحَمَّلْتَ أعباَء السيادةِ بالفضل
قال المتنبي:
فإن تكنِ الدَّوْلاتُ قِسْماً فإنها ... لمن وَرَدَ الموتَ الزؤامَ تَدُول
لِمنْ هَوَّنَ الدنيا على النفس ساعةً ... وللبِيضِ في هَامِ الكُمَاة صليل
لأبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن طاهر من قصيدة له:
هو البحر إلا أنه ليس يُتَّقى ... حصاهُ كبارُ الدُّرِ مشرَبُه عذب
هو الدهر إلا أن في صرفه الغِنَى ... وفي حكمه الإنصافُ والبشرُ والرُّحبُ
قال المتنبي:
ومن كنتَ بحراً له يا عليُّ ... لم يقبَلِ الدرَّ إلا كبارا
وهو بيت عاميّ متكلف جدّاً.
أبو أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أديب شاعر يقول:
يا طبيباً لكل داءٍ وسُقْمٍ ... كيف تشكو الأدواء والأسقاما
أترى ما ملِلْت خوضَ المنايا ... كلَّ يوم أو ما تريد جمَاما
لست تعتدّ من حياتك يوماً ... لم تُثِر فيه للقتال قَتَاما
قال المتنبي:
وكيف تُعِلُّك الدنيا بشيءٍ ... وأنت لعلّة الدنيا طبيبُ
مللت مُقَامَ يوم ليسَ فيه ... طِعانٌ صادقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غيرُ حبكَ أن تراها ... وعثيرهَا لأرْجُلها جَنِيبُ
стр. 94
وللهرمزي صاحب يمدح الحسن بن مخلد من قصيدة له:
قالوا أشتكيتَ فقلتُ عُوفى من به ... تؤْسَى الكُلوم وَيُجْيَرُ المنهاضُ
عمت سلامتُك الكرامَ وكلَّ من ... يهوى بقاَءكَ واللئامُ مراضُ
وله أيضاً في علي بن يحيى:
سقم المجد مذ سقمت ويَبْرَا ... حين تَبْرا وبالأعادي السَّقام
وإذا ما سلمتَ فالناسُ طرّاً ... سَلِموا مثل ما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام البصري، وهو شاعر رقيق الشعر يقول:
فلا تبغ أمراً لست مضطلعاً به ... فينقَضّ منه أولَ الأمر آخرُه
ومن يتكلفْ ما يخالفُ طبعه ... يَبِنْ عجزه فيه وتعْمى بصائره
قال المتنبي:
وأسرع مفعول فعلت تغيّراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
стр. 95
أبو تمام من قصيدة له:
هنّ البحاري يا بجير ... أهدى لها الأبؤسَ الغويرُ
في عصبة إن سرت فجنّ ... أو يممت شقة فَطيرُ
قال المتنبي:
نحن ركب مِلْجِنّ في زيّ ناس ... فَوقَ طير لها شخوصُ الجِمَال
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي:
أكنتَ حَسِبْتَني يوم القتالِ ... ضعيفَ القلبِ أن دُعيَتْ نَزَالِ
وفيها:
أبِيتُ وهمتي فوقَ الثريَّا ... عديمَ المثل في شَرفِ الفعال
ولَستُ أُسئ بالأيام ظَنّي ... إذا أصبحت محمود الخصَال
قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
أبو تمام:
إذا أنا لم ألمْ عثراتِ دهرٍ ... أُصبْتُ به الغداة فمن ألوم
قال المتنبي:
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍ ... ولم ألُمِ المسيَء فمنْ ألوم
قد أخذ الوزن والمعنى جميعاً، وأصحابه يسمون هذا التوارد.
стр. 96
لسعيد الخطيب.
وما كنت أدرى أن في كفّكَ الغنى ... وأنك قد أصبحت للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليلٍ من الشكّ مظلم ... إلى أن بدا صبحُ اليقين فأسفرا
تبرعتَ بالأموالِ في غير كُلْفةً ... وحزتَ بها عنى الثناء المحبَّرا
قال المتنبي:
وعادَى محبّيه بقولِ عُداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
البحتري يقول من قصيدة له معروفة:
وأكون طوراً مشرقاً للمشرق ال ... أقصى وطوراً مغرباً للمغرب
المستهل بن الكميت من قصيدة له:
وإني وإن أُلبسْتُ ثوبَ خصاصة ... فلستُ لعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدحَ الباخلين فإنه ... ضعيفُ أساس العقل بادي القبائح
نصحتك لا تكرم عدوّاً ولا تُهِن ... صديقاً لك الخيراتُ فأقبل نصائحي
وما أرَبى في العيش لولا محبتي ... لنفع محبّ أو مَضَرّةِ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرورَ محبٍّ أو مساءة مجرم
ترك الإطباق وأفسد.
لمنصور الفقيه:
لو أن ما فيه من جود تقسَّمَه ... أولادُ آدمَ عادوا كلهم سمحا
للقاسم بن محمد بن عبد الله النميري المكنّى بأبى الطيب نديم المعتز:
стр. 97
ملكٌ أبْرَأ بالإن ... عام أجساماً عليله
وشفى من كل ضدٍّ ... لا يُواليه غليلَه
لو كما فرّق في النا ... سِ عطاياه الجزيله
فرّق الجود لما غا ... دَرَ ذا نفس بخيله
قال المتنبي:
لو فرّق الكرمَ المفرِّقَ مالَه ... في الناس لم يكُ في الأنامِ شحيحُ
أبو الحسن ابن بنت الحارثي، هو شاعر ظريف، يمدح محمد بن عبد الله بن طاهر:
إني امرؤٌ لا أبالي بالخطوب ولا ... أخاف من صَرْفِ دهري الحرَب والحَرَبا
عزمي يرى أبعد الأشياء أقربها ... إليه إن رامه بالجدّ أو طلبا
قال المتنبي:
إذا فَلَّ عزمي عن هوى خوفُ بعدِه ... فأبعدُ شئٍ ممكنٌ لم يجد عزما
للمعوج الرقي:
بنفسي زائرٌ في غير وَعْدٍ ... يواصلني اختياراً لا اضطرارا
خلوت به أقبله وأبكي ... وأشرب من ثناياه عُقارا
فأسْبَلَ دمعه خجلا وولّى ... وصار شقيقُ خدّيه بَهَارا
قال المتنبي:
وقد صارت الأجفانُ قَرْحَى من البكا ... وصار بَهاراً في الخدود الشقائِقُ
هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذل أخبار وهو الذي يقول:
ولي في غنى نفسي مُرادٌ ومذهبٌ ... إذا انصرفَتْ عنى وجوه المذاهب
стр. 98
إذا كنت تدري أن عمرَك ذاهبٌ ... فلا تَنِ يوماً عن طلاب المراتب
وأيقن بأن العزَّ صعبٌ مرامُه ... وأنّ العُلا بينَ القَنَا والقواضِبِ
قال المتنبي:
ذر النفس تأخذْ وُسْعَها قبل بَيْنِها ... فمفترقٌ جاران دَارُهما العُمْر
البحتري:
إذا ما الجرح رُمّ على فساد ... تببّن فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح يَنْفِرُ بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فساد
أبو العتاهية:
يا جامع المال والآمال تخدعه ... خوفاً من الفقر هذا الفقر والعدم
أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابَتْ قلبَكَ الظلم
ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخلٍ فإنه ... فقيرٌ أتاه الفقرُ من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفِقِ الساعات في جمع ماله ... مخافةَ فقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ
أحمد بن بهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةٌ ... يعظمها عجباً بها كُلُّ كاتب
معانٍ كأخلاق الكرام حميدةٌ ... صحاحٌ وألفاظٌ كزُهر الكواكب
стр. 99
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحةِ لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائِقك الزهرُ
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
قد بلوناه مرة بعد أخرى ... فوجدناهُ صالحَ الآثار
واختبرنا منه خلائق زُهْراً ... صغرت ما أتَى على الأخبار
قال المتنبي:
واستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبرَ الخبرُ
ابن الرومي:
جِيَف أنْتَنَتْ فَأضحتْ على اللج ... ةِ والدُّرُ تحتها في حجاب
وغثاءٌ علا عُبَاباً من الْيَ ... مّ وغاصَ المرجَان تحتَ العُباب
قال ابن الرومي:
إذا ما الفجائع أكسبتني ... رضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
стр. 100
ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصماً وفىّ محكماً ... فكيف بخصم ضالع وهو الحكم
المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
عاصم بن محمد المدني، كنيته أبو صالح، شاعر من أولاد رافع مولى عمر بن الخطاب ﵁:
قد هدّه الفقر وقد بانَ مِن ... أحوالِه الرّثَّة إعوازه
كأنّه من حيرة دائماً ... أعمى ضعيفٌ ضاع عكّازُه
قال المتنبي:
ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائعُ العكاز
تم الجزء الثاني من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث.
стр. 101
الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال أبو بكر المعروف ببرمة النحوي:
وأني امرؤٌ لا قدرَ عندِيَ لامرئ ... لئيم يرى أنْ ليس لي عنده قدْرُ
أرى الفقر في عيني غنىً من جماله ... إذا شئت أن ألقى امرأ شابه كبر
المتنبي:
وأني رأيْتُ الضُّرَّ أحسنَ منظراً ... وأهونَ من مرأى صغيرٍ به كِبْرُ
أبو محمد الحسن بن تَختاخ الخراساني، وهو كثير المدح للرشيد:
وليس يَضُرّني ضعفى وفقري ... إذا أنفقتُ مَالي في المعالي
رأيت العار في بُخْل وكبرٍ ... ولست أراه في فقر الرجال
قال المتنبي:
غَثَاثَةُ عيشي أنْ تَغِثَّ كرامتي ... وليس بغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكل
لقد صار هذا البيت غثّاً من اجتماع الغثاثات فيه.
الحبيس بن وهب الفزاري، وهو جاهلي حضر حرب داحس والغبراء:
أرى الموتَ في الحرب مثلَ الحياةِ ... لتبليغِيَ النفسَ فيها الأملَ
واعلم أني امرؤ لا أذوق ... طعمَ المماتِ بغيرِ الأجل
стр. 102
قال المتنبي:
فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في أرب النفوس
وبين الأبيات التي تقدمت وبين هذا البيت بون بعيد.
لشعيب بن يزيد، وهو شاعر مطبوع، كان في فتنة نصر بن سيار بخراسان يقول:
وما أنا من يَثْنيه عَما يَرُومُه ... شروعُ العوالي في الوغى والشدائدُ
إذا ما بذلت الروح في طلب العلا ... فأدنى مَرَاقٍ أرتقيها الفراقدُ
المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
لتميم بن خزيمة التميمي، وهو مطبوع الشعر من قصيدة له:
وليس يضرُّنى قومى إذا ما ... عواهم في ديارِهم كِلاب
زنادي غير مصلدة وسيفي ... عليه من دمائِهم قِراب
فلا تستَحْقِرَنيّ لانفرادي ... فإن التبرَ مَعْدِنه التراب
المتنبي:
وما أنا منهُمُ بالعيش فيهم ... ولكنْ معدِن الذهب الرَّغام
стр. 103
لغني بن مالك:
أعَدّاءُ ما وجدي عليك بهين ... ولا الصبرُ إن أعْطِيتُه بجميل
قال المتنبي:
أجد الجفاَء على سِواكَ مروَءةً ... والصبرَ إلا في نَوَاكَ جميلا
السيد الحميري رحمه الله تعالى:
ما أتعبَ الإنسانَ في مسعاته ... إلا إذا واتاه جَدٌّ صاعدُ
ثِق وأستَعِن بالله فيما تبتغى ... تبلغْ مُنَاكَ وأنتَ عنه راقدُ
وإذا أردتَ تَنَاهِياً في مَطْلب ... فُخُطاكَ قاصرةٌ ونقصُكَ زائدُ
المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التَّنَاهي ... فقد وَقَعَ انتقاصِي في ازدِيادِي
لسابق البربري في أرجوزة له معروفة:
لا دَرَّ دَرُّ مَعْشَرٍ أنجاس ... سَادُوا وقادُوا في بني العباس
بحب دنيانا خساس الناسِ ... ما أشبَه الأجناسَ بالأجناسِ
لغيره من أبيات يغنى بها:
بعينيك ما ألقى إذا كنتَ حاضراً ... وإن غبت فالدنيا عليّ محابس
فلا تحتقر روحي وأنتَ حبيبُها ... فكلّ امرئ يصبو إلى من يجانس
стр. 104
قال المتنبي:
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطَّغَام
لبشار بن برد:
إن النساء مضيئاتٌ ظواهرُها ... لكن بواطنُها ظلمٌ وإظلام
كالدهر في صَرْفه سقمٌ وعافيةٌ ... وكالزَّمان له بؤس وإنعامُ
قال المتنبي:
ومن خَبَرَ الغواني فالغواني ... ضياء في بواطنه ظلام
لعنترة العبسي:
وأنا المنية في المواقف كُلها ... والطعنُ منّي سابقُ الآجال
المتنبي:
يسابق سيفي منايا العباد ... إليهمْ كأنَّهم في رِهان
وبين الألفاظ بون بعيد للمتأمل.
محمد بن أبى عيينة المهلبي من قصيدة أولها:
ًدمنة قفرة وَرْبعٌ جديب
لا تثق بالكذوب وأعلم يقيناً ... أن شَرّ الرجال عندي الكذوب
لي وفاء محضٌ وكفُّ جوادٌ ... وَجَلالٌ بادٍ ورأىٌ صليبُ
أخبثُ الأرضِ ما خلَتْ من صديق ... وأضَرُّ الأفعال فعلٌ مَعيبُ
стр. 105
قال المتنبي، وقد لمح القصيدة فغيّر البيت:
شر البلاد بلادٌ لا صديق لها ... وشَرّ ما يكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
والوصم والعيب بمعنى واحد.
لصاحب العلوي الداعي بطبرستان وهو الذي يقول:
أحبك في البَتُول وفى أبيها ... ولكنى أحبك من بعيد
في قصيدة طويلة يعاتب فيها صاحبه فيقول:
أنا في جنابِ سواك في مرعى ندٍ ... وأقيم عندَكَ في جنابٍ مُجدب
إن كنت ذا بصر فميز فضل ما ... بين الفراء وبين صيد الأرنب
قال المتنبي، ولمح هذه الأبيات في المعاتبة، فأخذ المعنى بغير اللفظ فقال:
وشر ما قبضته راحتي قَنَصٌ ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
قلب معنى الفراء وهو حمار الوحش إلى البازي الأشهب والأرنب إلى الرخم ولم يقصر في الأخذ، وأنا معترف بأني لا أعرف أحداً أحذق على الأخذ وتغيير المعنى، وطلب الدواوين التي للمكثرين لئلا تبين سرقته إذا أخذ منها شيئاً، فإن المقلين أشعارهم مشهورة معروفة، والمكثرين لا يكاد يستوعبها، ويأتي على حفظ قصائدها إلا الشواذ من الأدباء والنوادر من الحفظة والآحاد من أهل الفضل.
أبو العتاهية:
أتصفو حياتي والشباب نسيته ... لسكري وأيام المشيب هموم
стр. 106
فيا ليت شعري كيف أرجو سلامتي ... وعمري وشيبي والزمان خصوم
قال المتنبي:
إذا كان الشبَابُ السكرَ والشَيْ ... بُ هَمَّا فالحياة هي الحِمَامُ
يحتاج إلى سراج يستضاء به لمعرفة هذا البيت، مع شدة تكلفه.
لبشار بن برد:
إذا اعتذر الجاني إلىّ عَذَرْته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا
فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَه ... ومن لام من لا يعرفُ اللوم أفسدا
قال المتنبي:
وما كلٌّ بمعذورٍ ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام
هذه الألفاظ إذا سمعتها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم.
لأبي سعد المخزومي، وكان يهاجي دعبلا، مطبوع الشعر يمدح من قصيدة له:
لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادته ... ولم يَشِنْ وعدَه كذبٌ ولا خلف
فلا يلام على إتلافه كرماً ... أموالَه والذي لم يُعْطِه تَلَفُ
حفظ المروءة يؤذي قلبَ صاحبِها ... والحبّ مغرىً به المستهتَرُ الكَلِف
قال المتنبي:
تلذ له المروءة وهى تؤذى ... ومن يعشقْ يَلَذّ له الغرام
السيد الحميري:
وإن مسيري فى ذَرَاك ضرورةٌ ... ولولا اضطراري ما رضيت بذلكا
وما رحلتي إلا تبشر عاجلا ... بأني أقيم الدهر تحت ظلالكا
لغيره:
سنرجع إن عشنا ونقضي أذمَّةً ... فكم من فراق كان داعية الوصل
стр. 107
أبو تمام:
أآافةَ النحيبِ كم افتراقٍ ... أظَلّ فكان داعيةَ اجتماع
قال المتنبي:
لعل الله يجعله رحيلا ... يُعينُ على الإقامة في ذَرَاكا
ابن الرومي:
يرى الصعب سهلا أن توجه نحوه ... بعزم صقيل لا تُفَل مضاربه
وغرة وجه يهزم النحسَ سعدُه ... وتطلع في أفق السعود كواكبه
قال المتنبي:
فإنك ما مَرّ النحوسُ بكوكب ... وقابَلْتَه إلا ووجهك سعدُه
الخبزأرزي:
قابلت عُرفك وهو غير مكدّر ... بجميل شكري وهو غير مُقَتَّر
فغدوتُ ما استصغرت ما أوليته ... ورأيتنا في الشكر كالمستقصر
قال المتنبي:
فَسَاق إلىّ العُرْف غير مكَدَّر ... وسقت إليه الحمدَ غيرَ مُجَمْجَم
محمد بن سعد الكاتب:
إني لأعرف ما يُجنّ ضميرُ مَنْ ... أهواه من أفعاله وكلامه
ما ساء ظنّي بالصديق وإن رمى ... قلبي بأسهم عَتْبه ومَلاَمه
أنا في صباح من يقين مودّتي ... وسواي يَخْلِط شكه بظلامه
стр. 108
قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عِداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
أصادق نفسَ المرءِ من قبْل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم
وما يخفى على شاعر غوصُه على هذه المعاني وأخذه لها.
محمد البجلي الكوفي، كان في أيام المأمون، وكان مطبوعاً:
كساكَ إلهُ الناسِ ثوبَ رياسة ... وأعطاك فضلا لم يُشَبْ بفضول
فأغنيت قبل المالِ بالبشر من رَجَا ... نوالَكَ واستقبلته بقبول
فلا حسن في الدنيا كبشرٍ لمنعم ... ولا يُمن أجدى من يمين بذول
قال المتنبي:
فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كفّ فيهم كفُّ منعم
لقد تصبب عرقاً هذا الشاعر حتى أستنبط هذا المعنى.
محمد بن صبيح البصري أبو مسلم:
ويوم كليل العاشقين وصَلْتُه ... بليل كوجدي ليس تفنى أواخره
قال المتنبي:
ويوم كليل العاشقين كَمَنْتُه ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
أبو العتاهية:
وغرّاَء مثلُ المشترِى في جبينها ... وسربالُها ليلٌ أحمُّ بهيم
قطعت بها بَهْماء أما سهولها ... فبحرٌ وأما حرّها فجحيم
قال المتنبي:
وعيني إلى أذْنَيْ أغرَّ كأنَّه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
стр. 109
هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذّل أخبار:
تحملت عنهم فاعترتهم لجاجة ... أبادت رجالا واستباحت منازلا
فلا تحتقر شَرّا فكم من شَرَارَة ... بها أحرقت أرضٌ فصارت مجاهلا
وربَّ مُزاح صار جِدّاً ولفظة ... بها استحكمت حرب فجرّت زلازلا
وأضحت مهار الخيل في الحرب قرحاً ... وطَلُّ دماء القوم أصبح وابلا
ولَلحزْم خيرٌ من توانٍ وغفلة ... وإهمال أمر يترك الرأي فائلاً
قال المتنبي، وقد لمح هذه الأبيات:
لعلَّ بَنيهم لبَنِيك جندٌ ... فأولُ قُرَّحِ الخيلِ المِهَار
الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بأبي عريان العثماني:
إذا نال بالسيف الفتى سُؤْلَ نفسِه ... تَرَفعَ عن تدنيسها بسؤال
ومن لم يَصُن في حاجة ماَء وجهه ... عن الناسِ لم يلبَسْ ثياب جلال
قال المتنبي:
من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كم بين القولين إذا تأملتهما، وتصفحتهما.
стр. 110
لنصر بن سيار بن نافع:
وماء تَقَلَّصُ منه الخُصي ... لفرط البرودة بين الثَّغَبَ
وردناه ليلا ومِن خَلْفنا ... وقدامِنا الموتُ كالمرتَقِب
قال المتنبي ولاحظ البيت الأول:
يَقْمُصْن في مثل المُدَى من بارد ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيان
ولاحظ البيت الثاني، فقال من قصيدة أخرى:
يرون الموت قدّاماً وخلفاً ... فيختارون والموت اضطرار
لموسى بن عمران، وقد ضرب المأمون عنقه بسرخس، وقد أتهمه بقتل الفضل بن سهل:
أصبحتُ من مَعْشر ما في قلوبهم ... من السيوف ومن خوض الردى فَرَق
يستسهلون صعاب الحادثات فهم ... يلقونها بنفوس ما بها قلق
قال المتنبي:
وإنا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثيرُ الرزايا عندهُنَّ قليلُ
لمن هوّن الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكُماة صليل
البحتري:
كستك يدُ الأيام ثوبَ جلالة ... فغابَتْ عواديها وزالت خطوبها
إذا أعتلّ ذو فقر فأنت شفاؤه ... وإن شكتِ الدنيا فأنت طبيبها
قال المتنبي:
وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب
следующие страницы →