Полный текст (489 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مكشوف الوجه. فأصبت غفلة من أصحابي وأتيت تلك القبور ومعي مصباح وجعلت
أتصفح واحداً بعد واحد حتى انتهت إليها، فلما رأيتها عرفتها، فلم أملك نفسي أن وقعت عليها، فجعلت ألثمها وأقبلها فسمعت ناحية البيت هينمة خفية فأوحشني ذلك وجعلت الثمها وأقبلها أريد منها أمراً وذلك بعد ثلاث لها وجعلت الهينمة تدنو مني، فإذا أنا بثلاثة نفر عليهم أحسن ما رأيت من الثياب بياضاً ورائحة طيبة ووجوه جميلة، وأخذني هيبة لهم فدنا أحدهم فتفل في وجهي وقال: بؤساً لك. ثم أتى الثاني فمسح على صدري فخفق قلبي في صدري وعشي علي بصري. ثم دنا مني الثالث فمسح يده على وجهي وصدري وقال: أضلت الأصنام عبادها واغتبط من عرف الله لا اله إلا الله محمد رسول الله، فتجلى عن بصري الغشاء وسكن قلبي في صدري. فوليت هارباً إلى نجران فأصبت دعاة النبي ﵌. فمضيت من فوري ذلك إلى المدينة فدخلت على النبي ﵌، فاحمر وجهه كلما أخبرته حتى ذكرت له فعل الآخر وكيف ذهب عني عشا عيني وعن قلبي الوجيف فأشرق قلبه ﵌، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله أهدني، فشرح ﵌ لي الإسلام، فأسلمت وقرأت سوراً من كتاب الله.
قال أبو محمد: حدثني أبو عبد الايلي عن ابن لهيعة إنه قال: إن آخر مال الحارث بن مضاض أصابه عبد الله بن جدعان التيمي من قريش.
قال: حدثني مكحول عن أبي صالح عن عبيد بن شرية الجرهمي، وكان عبيد بن شرية معمراً أدرك حرب داحس وبلغ إلى أيام معاوية في الإسلام وكان مسامراً له. قال عبيد: جمع الحجيج بمكة عبد الله بن جدعان وكان أوسع المال كثير المعروف جواداً، فاجتمع وجوه العرب في داره
стр. 212
على مائدة، فقلنا له: ما كان أصل مالك يا عبد الله؟ قال: نعم كنت صعلوكاً من صعاليك قريش فتاكاً أطلب الغوائر فبينما أنا كذلك إذ آتاني عامر البراض أخو بني كنانة فقال لي: ألا أبغيك قنصاً يا
عبد الله، قلت: نعم، قال لي: أن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن نزل بعراعر آمناً على أسرابه فركبت فرسي وسرت أنا ومالك البراض، فطردنا مائة ناقة حتى ألقيناها بالطائف، فأرسل كلاب إلى قريش أن سفيهكم أغار علي وطرد لي مائة ناقة فليس لكم أن تشهدوا سوق عكاظ ولي لديكم وبرة. وكان عكاظ في وسط أرض قيس عيلان، وإن قريشاً ائتمرت بقتلي لا أجني عليهم الجرائر فيطلبون بسيء وهم تجار لا يستغنون عن بلد. فلما أتيت منزلي من الطائف قيل لي: إن قبائل قريش ائتمرت بقتلك فانج بنفسك، فأخذت زاداً ومزاداً وخرجت هارباً مع الصباح إلى دوحة الزيتون أتظلل فيها وقريش تطلبني، واني أتيت دوحة الزيتون هارباً مستسلماً للقتل، فلم أزل أهرب وأطلب موضعاً أختفي فيه والقوم في طلبي حتى أتيت إلى حجر طبق على حجر بينهما خلل يدخل منه النحيف متجانفاً في ذلك الخلل، فدخلت وأدخلت معي زادي ومزادي، ثم هال علي السرب، ثم قلت لنفسي موتي في هذا السرب أحب إلي من أن يقتلني قومي فيشمت عدو ويحزن حبيب وأترك قومي دحلاً في قريش. فسرت هارباً ملججاً في السرب حتى دخلت داراً عظيمة فيها بيت وفي وسط البيت جوهر وياقوت ولجين وعقيان وفيها أربعة أسرة على كل سرير رجل قاعد وعلى رأسه لوح من رخام مكتوب بالمسند. فقرأت الألواح فأصبت فيها أن أهل الألواح الحارث بن مضاض وعبد المسيح ونفيلة ومضاض بن عبد المسيح فأقمت خمسة أيام في ذلك البيت آكل من زادي وأشرب من
стр. 213
مزادي حتى أيست قريش مني فخرجت ليلاً وأحرزت فلم أجد أحداً في الغيضة فأخرجت ما أصبت من المال وأخذت الألواح خيفة من قريش تكون لي عندهم براءة، ثم بلغت منزلي فأخذت جملاً وخرجت إلى ذات الحليفة ليلاً. فلما أصبح أتت سيارة يريدون مدين، فسرت معهم لا يدرون من أنا ولا ما معي حتى بلغت مصر فبعت ما معي وأصبت مالاً
جليلاً فرجعت فنزلت ينبع على مالك البراض أخي بني كنانة، فقصصت عليه قصتي مع قريش، فقال لي: هاك خمسين ناقة واجعل أنت مثلها وسر بنا إلى كلاب فقلت لها: لا أنا قد وسع علي في رزقي ولكن اشتر لي مائة فاشتراها وسقتها أنا وهو حتى أتينا كلاباً فأرسلنا إلى ابنه جعفر بن كلاب فدفعنا إليه العكرة من النوق، ثم تبعنا كلاب في بيته وهو شيخ كبير فقلت له: لا تموت هزلاً، فلما آتانا قال لي: ارجعوا بالرحب والسعة، فرجعنا من عنده، ثم سرنا إلى سوق عكاظ وأرسلت إلى قريش فشهدت عكاظ ذلك الموسم، ثم انصرفت معهم إلى مكة، فلما ظهر بعض مالي وثبوا علي وقالوا: غدرت وأعلمتهم بما كان من المغارة وأخرجت لهم الألواح فأرسلوا معي خويلد بن أسد بن عبد العزي وخويلد أبو خديجة زوج النبي ﵌ ووهب بن عبد مناف الزهري وهو جد رسول الله ﵌ أبو آمنة أم النبي ﵌. فسارا معي وسرت بالألواح حتى دخلت ودخلا معي وعاينا الأشباح قالا لي رد الألواح فرددت كل لوح إلى مكانه وخرجنا واعتونا على حجر عظيم فسددنا به الخلل لئلا يكون القبر ملعبة للسفهاء.
ولاية عمرو بن الحارث بن مضاض
قال أبو محمد: إنه لما هرب الحارث بن مضاض من مكة، ولي الملك بعده
стр. 214
عمرو بن الحارث بن مضاض، وكان ملك عمرو ملكاً ضعيفاً، فأقام بذلك مدة، ثم مات فولي الملك بعدة بمكة وأرض تهامة ابنه البشر بن عمرو ابن الحارث بن مضاض، فأقام بمكة دهراً طويلاً وكان ملكه من تحت ملك بلقيس حتى أتى سليمان بن داود مكة والبشر يومئذ ملكها فآمن البشر بسليمان وأمره أن يدفع أمر مكة إلى بني نابت بن إسماعيل، وكان آخر ملك تملك من جرهم البشر إلا إنه أقرهم على السقاية وتركهم على سدانة البيت فولي أمر مكة عدنان دهراً طويلاً،
ثم مات فولي مكة بعده ابنه معد بن عدنان، فأقام دهراً طويلاً، ثم مات، فتنازل الأمر بمكة بين نزار بن معد وقنص ابن معد فغلب عليه نزار فخرج قنص إلى العراق فزعم بعض أهل النسب أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة إنه من أبناء قنص بن معد.
قال أبو محمد عن البكائي عن أبي مالك عن محمد بن إسحاق: إنه لما افتتح عمرو بن الخطاب العراق دخلت مغارة في الحيرة فأصابوا فيها سيف النعمان المرهف فأتوا به إلى عمر فقال جبير بن مطعم - وكان جبير نسابة عن أبي بكر - فقال له عمر: ممن كان النعمان بن المنذر؟ قال: سمعت أبا بكر يقول: هو من أشلاء قنص بن معد بن عدنان، فسلحه عمر بالمرهف سيف النعمان.
وأقام نزار بن عدنان بمكة مقدماً دهراً طويلاً.
قال أبو محمد: حدثني أبي عن محمد بن السائب الكلبي عن علماء العرب أن نزار بن معد بن عدنان لما حضرته الوفاة قسم ماله بين أولاده وكانوا أربعة - وكان أكبرهم إياد - وقال: لك العصا والحلة وأنت صبي. وقال: يا مضر لك القبة الحرماء وهي قبة من أدم، وقال لربيعة: لك
стр. 215
الفرس والقنا - فسمي مضر الحمراء وربيعة الفرس - ويا انمار: لك النخلة امة سوداء والحمار. وقال عباس بن مرداد السلمي يذكر مضر الحمراء:
إلى مضر الحمراء ينمي عديدنا ... وأحسابنا إذ مجدنا غير قعدد
وقال الحارث بن أوس يذكر ما ورث إياد من أبيه نزار:
نحن ورثنا من نزار كله ... ونحن أرباب العصاء والحلة
وأما ربيعة بن نزار فانه سمي ربيعة الفرس للفرس الذي ورث من أبيه لأنه اختصه به دون أولاده، وعمر ربيعة دهراً طويلاً فسمي ربيعة القشعم.
قال أبو محمد: أكرم الإبل في العرب ابل مضر المهاري وخيل ربيعة أكرم
الخيل، ثم خيل بني تغلب خاصة، وغنم انمار أكرم الغنم تأكل في سواد وتربض في سواد وغير ذلك انقص. وأوصى ربيعة للأكبر من ولده فأول من ورث الخيل عنزة بن أسد بن ربيعة.
قال أبو محمد: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدثنا محمد ابن إبراهيم حدثنا محمد بن السائب الكلبي قال: حدثنا إسماعيل بن مخزوم عن ابن عباس قال: لما حضر نزار بن معد الوفاة جمع بنيه وهم أربعة: إياد الأكبر وابنه ربيعة وابنه انمار وابنه مضر، وكانت أم مضر وربيعة عاتكة بنت يزيد بن زيد بن عمرو بن الهدهاد الحميري، وأم إياد أروى بنت ليث بن عمر الكلبي، وكانت أن انمار وازعة بنت غالب من بني مالك بن عريب ابن زيد بن كهلان. وقال لما حضرت نزار الوفاة: أوصى إياداً واستخلفه في أهله وأوصى له بأمة شمطاء وبالحلة والعصا، وأوصى لمضر بالقبة قبة حمراء من ادم وخاتمه من ذهب فسمي إياد الشمطاء ومضر الحمراء، وأوصى لربيعة بالفرس والقناة واللواء فسمي ربيعة الفرس، وأوصى لأنمار بالحمار
стр. 216
فسمي أنمار الحمار. وأعطى لكل واحد منهم قلة مسدودة على فمها وقال لهم: اذهبوا إلى القلمس بن عمرو - أفعى نجران - فهو حكيم العرب وقاضيهم. فلما مات نزار بن معد بن عدنان رثاه ابنه ربيعة، فقال - وهو أول من قال الشعر من بني معد بن عدنان:
نزار بن خير الناس قدما وحادثاً ... معد بن عدنان سنا ليس يقبر
فمن لمجال الروع والموت حائم ... إذا الخيل تدمي والفوارس تزأر
سيذهب روح العز عن مستقره ... ويقبر معروف الندى حين يقبر
سكنت بأعلام المحصب من منى ... وخلفت ريب الدهر في الخلق يعبر
فيا ليت شعري ما الذي قلت بعدنا ... ويا ليت شعري أم إلى أين تعبر
ثم أنهم ساروا فمروا بكلبة وجرو صغير يرضعها فنبحهم الجرو والكلبة ساكتة
فعجبوا منه، ثم ساروا على مزابل منورة فتعجبوا منها، ثم أتوا على طريقهم فأصابوا ثلاث شجرات معطفة متقابلات واحدة في طريقهم وأخرى بارحة والثالثة سانحة، وعلى السانحة طائر وعلى البارحة طائر آخر فيطير الذي على البارحة إلى السانحة فينزل عليها ويطير الذي على السانحة إلى البارحة فينزل عليها، ثم يقيمان ساعة فيعود هذا إلى مكانه ويعود الآخر إلى مكانه والوسطى من الشجرات لا ينزل عليها منهما أحد. ثم ساروا فأصابوا شيخين قد اقتتلا وتضابطا باللحى، فأمروا انمار الصغير أن يفرق بينهما فأقبل انمار ليفرق بينهما، فكلما ضرب أحد منهما صاحبه وقعت الضربة على أنمار حتى أوجعاه فتركهما وتبرأ منهما. ثم نزل إليهما ربيعة ففعلا به مثل ما فعلاه بانمار، فلما أوجعاه تبرأ منهما، فنزل إليهما مضر. فلما دنا منهما افترقا وفر كل واحد منهما إلى ناحية، فلم يبعد كل واحد
стр. 217
منهما عن صاحبه حتى غابا. ثم ساروا فمروا على آثر جمل فقال إياد: هذا أثر جمل أعور. وقال مضر: بل أبتر، قال ربيعة: بل أزور. وقال انمار: بل شرود. فلقيهم صاحب البعير فقال: هل أحسستم من بعيري حساً؟ فقال له إياد: هل هو أعور؟ قال: نعم، وقال له مضر: هل هو ابتر؟ قال: نعم، وقال له ربيعة: هل هو أزور؟ قال: نعم، وقال له انمار: هل هو شرود؟ قال: نعم قال لهم: فأين البعير؟ قالوا: ما رأينا لك بعيراً. فتعلق بهم ثم أتوا أفعى نجران وهو متعلق بهم، فقال: أيها الحكيم ان بعيري قد ضل وهؤلاء عرضوا علي صفته وأبوا أن يدفعوه إلي! فقال لهم أفعى نجران: ادفعوا إلى الرجل بعيره أن أحطتم به علماً، قالوا له: مررنا على أثر بعير فعرفنا صفته بالأثر، قال لهم: كيف وصفتم؟ قال له إياد: مررت بأثر بعير أعور، قال له مضر: مررت بأثر جمل ابتر، قال له ربيعة: مررت بأثر جمل أزور، قال له انمار: مررت بأثر جمل شرود. قال لإياد: ما دليلك إنه أعور؟ قال: رأيته يركب أثر عينه الصحيحة وعليها رعيه. قال لمضر:
ما دليلك إنه أبتر؟ قال: رأيت بعيره يقع مجتمعاً ولو كان له ذنب لفرقه به ووقع منتشراً، وقال لربيعة: من أين علمت إنه أزور؟ قال: رأيت أثؤر خفي يديه يركب بعضهما بعضاً وربما خالف بينهما فعلمت إنه أزور، ثم قال لانمار: من أين علمت إنه شرود: قال: رأيت أثره ربما زاغ عن طريقه فعلمت إنه يروغ عن طريقه يعترض له فيروغ، ولو كان غير شرود لأصبناه ثابتاً في مكانه. فقال أفعى نجران للرجل: اذهب اطلب بعيرك فليس هؤلاء به. ثم نظر إليهم أفعى نجران طويلاً فقال: (إن العصا من العصية وإن خشينا من أخشن وأراد الجبيل من الجبل وإذا لم يبرق لمع نور يدب أي حراك بنور، فذهب مثلاً.
стр. 218
قال أبو محمد: في قوله لم يبرق لمع نور يدب: إلى حرار يثرب أراد إنه رأى عليهم محمد ﵌ القائم بيثرب. قال ثم أمر لهم بطعام وشراب، ثم أجلسهم مجلساً وقعد قريباً منهم يسمعهم ويراهم وهم لا يرونه، ثم قال لغلام له: يا غلام رأيت قوماً خليق أن يكون لهم نبأ عظيم، فلما أكلوا وشربوا وكان قدم إليهم عناقاً مشوية وخمراً. فقال إياد: هذه العناق أرضعتها كلبة، وقال مضر: إن هذه الخمر من كرمة نبتت في قبر، وقال ربيعة: إن هذا الرجل صاحبنا لغير أبيه، وقال انمار: إن هذا الغلام الذي آتاكم بالطعام من أبناء الملوك الحر. فقام أفعى نجران إلى الراعي، فقال له ما قصة هذه العناق؟ قال الراعي: ماتت أمها ولم يكن في الغنم شاة تحلب فأرضعتها هذه الكلبة. ثم أتى صاحب الكرم فقال له: هذه الخمر من أي كرم عصرتها؟ قال له: من هذه، قال له: احفر! فلما حفر على عروقها فأصابها في جوف طفل صغير شقيت جوفه، ثم أتى أمه فقال لها: نزل بي شياطين وقد زعموا أني لغير أبي وقد صدقوا في كل ما قالوا فاخبريني واصدقيني، فإن كشفك غدا أعظم من كشفك اليوم والحكم اليوم لك وغدا عليك، قال: يا بني ما عملت تحقيق أمري ألا يومي هذا وما كنت داعرة ولا كان
أبوك عاهراً غير إنه تنافس أبوك وعمك، وكان أبوك شديد الملكة قاسياً، فضجرت الرعية منه فلجأت إلى عمك فقدموه وقاموا به على أبيك فتحاربا دهراً طويلاً، وإن أباك أتجمع إلى البلقاء من أرض نجران وأنه خرج تلقاء البحرين في عسكر وبلغ عمك الخبر فأتى بعسكر، وأخذ جميع الحي وصار بي إلى قصره وأدخلني القصر وأنه سكر ليلة من ذلك وغلبه السكر فخرج يمشي في قصره فلقيني فوقع علي. فلما أصبح أخبر بما فعل فندم وخلي سبيلي، وأتيت أباك فكنت في شك من
стр. 219
أبيك وعمك. وتالله ما كنت أرضى بالزنا وأنا كريمة لكرم وإن عمك حرم الخمر على نفسه، وهو أول من حرمها، وقال:
شربت من الخرطوم صهباه مزة ... لها مسلك بين الحشا والجوانح
لها نشوة تدعو الحليم إلى الصبا ... وتذهب من أحزانه كل فادح
سوى أنها بالحي تجحف بالفتى ... وتفسد من أحواله كل صالح
تجور بأهل الرأي عن فصل رأيهم ... وتزري بأرباب الحلوم الرواجح
إذا لم أكن أنفك فيها أبت بها ... على شرجع ما بين أيدي النوائح
فوالله ثم الله لازلت بعدها ... لها قالياً ما بين غاد ورائح
أحرمها ما حرم البيت ربه ... وتحريم إبراهيم دم الذبائح
وهو هرم بن عمرو - وكان أول من حرم الخمر على نفسه بلا ديانة - قال، ثم أتى إلى القوم وهو لا يدري من هم وقد سمع ما سمع منهم، فجلس مجلس قضائه وأحكامه ثم قال: ائتوني بالنفر المستضيفين، فقال لهم: هل من حاجة أقضيها لكم وتنصرفون؟ قالوا: نعم أيها الملك آتيناك نسألك عن بعض شأننا ونتحاكم إليك في أمرنا، وكان أفعى نجران أعلم أهل ذلك الزمان بعلم سليمان بن داود ﵈، وكان داعياً من دعاته وكان قبل سليمان أعلم العرب بالنجم والزجر، وكانت العرب أعلم أهل الدنيا بالنجم عن إبراهيم وإسماعيل. فقالوا له: أيها الملك
خرجنا نريد إليك في أمورنا فرأينا ثلاث شجرات سانحة وبارحة ووسطى على طريقنا، وعلى السانحة طائر وعلى البارحة طائر فجعل الذي على السانحة يطير إلى البارحى ويعافي الوسطى، ففعلا ذلك مراراً قال لهم: سيأتي زمان يهدي الغني إلى الغني والضعيف المحتاج بينهما لا يهدون إليه شيئاً، قالوا: ثم مضينا إلى
стр. 220
رياض جديدة وأقضينا منها إلى مزابل منورة، قال: سيأتي زمان يرتفع فيه العبيد والسفلة ويذلك فيه ويسقط الأحرار والأخيار. قالوا: ثم سرنا على كلبة وعلى بطنها جرو صغير ولا يكاد يقف، أعمى العينين فنبح وأمه ساكتة قال: سيأتي زمان ينطق أهل الجهل ويصمت العلماء. قالوا: ثم مررنا على شيخين وقد تضابطا باللحى فأمرنا أخانا وهو أصغرنا يفرق بينهما فاختلف بينهما الضرب فكان يقع عليه، فلما أوجعاه تنحى عنهما وأمرنا آخانا هذا الثاني ففعلا به كذلك، فزوال عنهما ثم أمرنا آخانا الثالث، فلما دنا منهما افترقا وهربا منه فجعل كلما دنا منهما وليا هرباً حتى غابا عنا، فال فنظر إلى مضر وهو الذي هربا منه نظراً طويلاً فقال له: بخ بخ أنت الشجرة المثمرة. ثم قام عن مجلسه فأجلسه فيه، ثم قال لهم: ذلك شيطانان أرادا أن يخبراكم ليعلما أيكم السبط وأنت أيها المرء مضر بن نزار في ظهرك محمد ﵌ أكرم مولود وأحمد محمود له الدعوة الصادقة اليوم والمقام المحمود غداً به تستنقذون من الهلكة وبه تنالون الزلفى، وأنتم بنو نزار اختلفتم في ميراثكم وجئتم إلي أحكم بينكم وأنتم كما أرى وتسألوني؟ قالوا: إن أبانا أمرنا أن نأتيك إن اختلفنا تحكم بيننا، قال: فإن القبة والخاتم لمضر وإليه حكوماتكم، وإن إياد صاحب العصا والكلمة والحلة والشمطاء وإليه أمر معاشكم، وإلى ربيعة صاحب الفرس والقناة واللواء أمر حروبكم، فكونوا تحت لوائه في الحروب، وأما انمار صاحب الحمار فاحملوا عليه فادح وصاحب خدمة أهل الدنيا أعطاه الحمار لتكونوا له كذلك فقال في ذلك بعد ذلك الزمان
يحيى بن أبي سلمة البجلي وبجيلة من ولد انمار.
стр. 221
نزار كان أعلم حين أوصى ... لأي بنيه أوصى بالحمار
قال: أعطوه القلال المطبوع عليها، ففك قلة إياد فأصاب فيها تقليم الأظفار قال: يا إياد خذ ماله من عبد وغيره، ثم فك قلة مضر فأصاب قطعة من ذهب وقطعة من فضة، قال له: يا مضر خذ ما ترك من ذهب وفضة، ثم فك قلة ربيعة فأصاب قطعة مة حافر فقال له: خذ ما ترك من فحل وحافر وفرس وبغل وحمار، ثم فك قلة انمار فأصاب فيها ظلفاً فقال له: يا انمار لك الخف والظلف فتراضوا بذلك فقال: الأرض بينكم فقيل من يومئذ إياد الشمطاء ومضر الحمراء وربيعة الفرس وانمار الحمار. وكان أطولهم ربيعة وكان يقال له لذلك: ربيعة القشعم وقال رسول الله ﵌ لبشير بن الخصاصية السدوسي (ألست من ربيعة القشعم اللذين يزعمون إنه لولا ربيعة لانكفأت الأرض بأهلها) قال: نعم يا رسول الله. وكانت تلبية ربيعة في الجاهلية: لبيك ألهم لبيك رب ربيعة القشعم ثم لبيك. قال علي بن أبي طالب: نعم الحي ربيعة إباء الفجار أنجاد سادة.
قال أبو محمد: حدثني أسد عن أبي إدريس عن وهب عن ابن عباس إنه قال: لما ولي الملك ناشر النعم، وإنما سمي (ناشر النعم) أي محي النعم لما أحيا ملك حمير بعد أربعين عاماً أيام سليمان بن داود ﵉، وناشر النعم هو مالك بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ.
قال أبو محمد: لما ولي ناشر النعم الملك جمع حمير وقبائل قحطان وخرج
стр. 222
بالجيوش إلى ما حوى آباؤه والتبايعة العظماء فوطئ موطئاً من الأرض عظيماً واشتد سلطانه فخرج إلى المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط فأمر ابنه شمر وهو شمر يرعش بن ناشر النعم، وإنما سمي يرعش لأنه مسه ارتعاش من شرب
الخمر. وقال الايلي: كان يسمى شمر يرعش، والشمر: البوار في لغة حمير، أن يركب البحر المحيط فركب في عشرة آلاف مركب وسار يريد وادي الرمل، وقال له: لا ترجع حتى تعبره وترجع إلي بما رأيت، فركب شمر ونزل ناشر النعم على صنم ذي القرنين فأخرج عساكر إلى الإفرنج والسكس وعبرت عساكره إلى أرض الصقالبة فغنموا الأموال وسبوا الذراري ورجعوا إليه بسبي من كل أمة في جزائر البحر. ثم سمع بالليل دوياً عظيماً على رأس منارة الصنم وهبت ريح عاصفة تكاد تهلك من معه فسمع عند وجه الصباح هاتفاً من رأس المنارة وهو يقول: أبي الله، أبي الله، سبق العلم الأول بالسبب الصادق والعلم النافذ من طلب معدوماً عدم، فقال ناشر النعم: يا أيها الناس هلك ابني شمر يرعش ومن معه. ثم أقبلت مراكب شمر يرعش بعد أيام وقد هلك منها ألف سفينة ونجا تسعة آلاف فقال لشمر يرعش: ما ردك يا شمر يرعش عن أمري؟ قال: أيها الملك حيل بيني وبين الحكم سمعت دوياً عظيماً وقعقعة علت رؤوسنا فكدت أن أهلك، ثم سمعت هاتفاً يقول: سبق العلم من طلب معدوماً عدم. ثم هبت الريح ففرقت المراكب، فلم تجتمع إلى عند قال: فعبر ناشر النعم البحر وسار على ساحله يريد أرض الحبشة فأخذها، ثم قفل على طريقه خوفاً من المخالب إلى ساحل البحر من شمال الأرض حتى بلغ مدينة شداد بن عاد فأقام فيها حولاً. ثم سار إلى المشرق، ثم أرسل عساكره إلى عزوة أرض الروم بني الأصفر وملكهم يومئذ باهان بن سحور بن
стр. 223
مدين بن روم بن اسطوم بن روم بن اسطوم بن روم بن ناطس بن سامك بن رومي بن عيص، وهو الأصغر ابن يعقوب النبي ﷺ فلقيهم فهزموه وغلبوا عليه فهرب منهم إلى جبل فاعتصم به ورجعوا إليه بالغنائم والسبايا، وكان باهان متوجاً، ثم مر على أرض بابليون وأخذ على الشام يريد مطلع الشمس.
قال أبو محمد: لما رجع شمر إلى أبيه من المحيط أمر بمنارة فبنيت إلى جانب
منارة ذي القرنين، ثم أمر فكتب في صدر التمثال الذي عليها من النحاس بالمسند: ليس وراء هذا المكان مذهب لا يتكلف المضي أحد فيعطب بلغ من بلغ أثره وانتهى قدره، ثم أمر بالمنارة التي بني فهدمها ومضى.
قال أبو محمد: لما توجه إلى المشرق نشر النعم عبر قنطرة سنجة، ثم قال:
أنا تبع الأتباع في المجد والندى ... نشرت علا الآباء في الزمن الخالي
ملكت وقومي مالكون ولم أكن ... لا ملك أعلى الملك إلا بأمثالي
فرضت ملوك الأرض شرقاً ومغرباً ... جبالاً اسامي شامخيها باجبال
يجمع كأن الليل تحت متونه ... بقوم غضاب غير نكس وأعزال
فدانت لنا الأيام شرقاً ومغربا ... وسقنا سبايا كل حجل وخلخال
وأذعن منها كل عاص ممنع ... واسلم فيها ما حوى ثم من مال
وأقبلت نحو الشرق للصين قاصداً ... أدافع باب الترك جالاً على حال
فهل تبلغ الأقوام في المجد مجدنا ... واني لهم في المجد في المركب العالي
ولم أصحب الدنيا على أن لي بها ... خلوداً ولكن أغمضت عنه آجالي
واني على ما نلت من ذاك موقن ... بأني سافني ثم تهلك آمالي
ألم تر آثار الذين تقدموا ... تولوا عن الدنيا وباتوا بأوجال
قال: فغلب على أرض الترك، ثم سار على طبرستان وباب الأبواب
стр. 224
ولجج جبال الصغد إلى أرض الكرد والزط والخوز وفرغان فغلب عليهم. فلما فصل يريد أرض التبت إلى الصين وأرض الهند وصار بنهاوند ودينور مات فدفنه شمر ابنه وولي الملك بعده.
ملك شمر يرعش بن ناشر النعم
وقال شمر يرثي أباه ناشر النعم:
بمغاني الأيك والسمر ... ملك أشفى على قدر
ما على الأرضين إن ونيت ... عن سنا الدنيا أبي شمر
ماتت الدنيا لميتته ... ونأى بالسمع والبصر
يا منار العز عدت صدى ... بنهاوند ودينور
ثم قفل بالجيوش يريد أرض المغرب، فاخذ على باب ونزل بغمدان، وولي الملك شمر يرعش وهو تبع الأكبر الذي ذكره الله سبحانه في القرآن لأنه لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه لم يكن عنده من العرب طرف أغنى وأقنى يتجاوز عن مسيئهم ويحسن إلى محسنهم فكان جميع العرب بنو قحطان وبنو عدنان شاكرين لأيامه، وكان أعقل من رأوه من الملوك وأعلاهم همة وأبعدهم غوراً وأشدهم مكراً لمن حارب فضربت به العرب الأمثال وهو عندهم تبع الأكبر وإن كان قبله تبابعة عظماء أعظم منه ولكن لمحبتهم فيه وعظمته في قلوبهم. وإن الصغد والكرد والخوز والزط والقوط كلهم بنو يافث بن نوح النبي ﷺ بعثوا إلى إخوانهم من بني يافث من كان منهم بأرض أرمينية إلى بلجا وجاجا فقالوا لهم: ألا تغضبون
стр. 225
لما نزل بنا من ناشر النعم سبى منا مائة ألف بكر وقتل منا مائة ألف مقاتل فأجابهم إخوانهم من بني يافث إلى النصرة والقيام وهم: الترك والديلم والغور والخوز وبلغ ذلك بني فارس بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح. فاجتمعوا اللسان الأعجمي وكرهوا أيام التبابعة لما يكلفونهم من السخرة في المغازي وغير ذلك من أصناف العمل من المتاع والسلاح. فقدم بنو فارس قباذ بن شهريار الفارسي في الملك وتوجوه وإن الصغد والكرد وأهل نهاوند ودينور عمدوا إلى قبر ناشر النعم فهدموه وفرقوا رخامه وزجاجه وما كان فيه من جزع وغيره وبلغ ذلك تبعاً شمر يرعش فنذر الله نذراً ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلاً منيعاً شامخاً كما كان وغضب غضباً شديداً وغضبت العرب لغضبه، وكان بنى قبر أبيه ناشر النعم بالرخام الأبيض والأحمر والجزع الأزرق والأحمر حتى
جعله جبلاً منيفاً شامخاً وأمر جميع من حوله من القبائل ألا تقرب منه ولا يقطنون حوله فيدمونه وما حوله فأمر تبع شمر يرعش بالجيوش فبرزت وخرج جميع أهل جزيرة العرب طوعاً وغضباً لغضب شمر يرعش بمحبتهم فيه فخرج في عساكر لم يجمع أحد مثلها من التبابعة من بعد ذي القرنين وبلغ ذلك بني يافث وقدمت فارس قباذ إلى قتال تبع شمر يرعش وأقبل بنو يافث بأجمعهم يناصرون قباذ وهم: الترك والديلم والخزر والغور والتبت والصغد والكرد والزط والخوز، وبلغ ذلك شمر يرعش وكان انتصاب قباذ بن شهريار ومن معه من فارس وبني يافث بجبال الري، فسار تبع شمر يرعش حتى نزل بالمشلل فخلف ابنه عمراً الأقرن بالمشلل في مائة ألف فارس وخلف ابنه صيفياً بعمان في مائة ألف، ثم سار فترك العراق الذي فيه جمع فارس وبني يافث وقصد الجزيرة وأخذ على الفرات يريد أرمينية وأنشأ يقول:
стр. 226
اثن على الله بالآية ... وارغب إلى الحق عن الباطل
لعله ينسى مدى إنه ... ويرسل العاجل للآجل
إلى مجوس الصغد والكرد أو ... خزر محل الأرذل السافل
فقل لقحطان حلوم النهى ... أهل المقام الباذخ الهائل
وقل لعدنان سليل الرضى ... قوموا فإن الرشد للفاعل
أنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واصطرع الناس بألبابهم ... نقضي بعلم فاصل عاجل
لا نجعل الجاهل في أمره ... يوماً ولا الأنوك كالعاقل
ولا ذوي الغفل كأهل الحجا ... ولا رشيد الرأي كالجاهل
نقضي على ذا وعلى ذا بما ... نقضي على العالم والواهل
لعام أحلام لها منصب ... يجلي عمى الجهل عن السائل
برزت في جمع كمثل الحصى ... يقذف بالرامح والنابل
تسعين ألفا كالدبا يلقها ... والدهم مثل العارض الوابل
والكمت والشقر وأسرابها ... مثل القطا المستورد الناهل
والخيل تشتد بفرسانها ... بكب قرم ماجد باسل
يا لك من جمع إذا ما دنا ... ليس بموهون ولا خاذل
أقسم لا أنفك حتى أرى ... جماجماً تسحج بالآفل
والسيف يمضي والردى حاكم ... يحكم بالمقتول للقاتل
إن أغفلوا العهد وآياته ... فإن شمراً ليس بالغافل
سيصبحوا يوماً على ذلة ... تجحف بالمأكول للآكل
كم من فتاة طفلة غادة ... تصبح بالفيء إلى النافل
стр. 227
نكاح نمي غير ذي رشدة ... تفرح أو تحزن للعاقل
إن صبحوا الأمن فلابد من ... ساعة شغل في مدى شاغل
حتى يذيقوهم حتوفاً كما ... ذاقت ثمود الحتف في العاجل
لنا وجوه الأرض مأمورة ... نطاع باليم وبالساحل
والذهب الأحمر يجبي لنا ... يحمله الرق مع الجامل
والمسك والأنجوج من صيته ... والدر في أصدافه الذابل
لاشين إلا الموت يحدو بنا ... محلول الموت في تائل
وإن تبعا شمر يرعش بلغ أرمينية فبلغ ذلك قباذ فأمر الترك بالمسير إلى أرمينية، فسارت الترك تريد أرمينية فقاتلهم قتالاً شديداً، ثم هزمهم فقتلهم قتلاً ذريعاً إلا من تحصن له في قلة جبل وسبى وخرب المدائن من أرض أرمينية وإن قباذاً زحف من موضعه يمن معه من فارس وفرغان والصغد والكرد والزط والخوز يريد أرض العرب لما بلغه ان تبع يرعش بأرمينية فسار قباذ بن شهريار حتى بلغ
حنوقراقر من ارض العراق وبلغ ذلك عمراً الأقرن ابن شمر يرعش تبع فلقيه بالمشلل فاقتتلوا أياماً وبعث الاقرن إلى أخيه صيفي فآتاه من عمان في مائة ألف ونفر إليه المخلفون من أهل اليمن في مائة ألف فلما وصل صيفي إلى أخيه الاقرن هزم قباذ فهرب إلى القادسية فطلبوه، فهرب إلى القصر الأبيض من جبال خراسان وتحصن في رؤوس الجبال، وبعث الأقرن وصيفي إلى أبيهما فاعلماه بما كان من أمر قباذ، فرجع من بلجا وجاجا، وقد أمعن في قتل أهل المشرق فعبر الفرات وسار يريد أرض بابل، ثم قصد قباذ بن شهريار وقد تمنع في رأس جبل، فلما رأى قباذ الغلبة قال لابنه بلاس بن قباذ: اقتلني يا بلاس فاني ميت على يد تبع قال له
стр. 228
بلاس: لا تطاوعني يدي على ذلك، قال له: إن لم تفعل قتلت أنا وأخوتك وقومك وطلب من بقي من فارس، ولكن اقتلني وامض برأسي فخذ أماناً لك ولأخوتك وقومك ولودك من بعدك، فقال له بلاس: لست أقتلك ولكن إذا رأيت ذلك هو الرأي فانظر أي ميتة أهون عليك فمت بها، قال فعمد نفسه ففجر الأكحلين ثم تركهما يجريان حتى مات ثم عمد بلاس إلى رأسه فجزه وسار إلى نبع شمر يرعش فقال له: أيها الملك هذا رأس قباذ، هذا سبيل من عصاك فما يكون سبيل من أطاعك ولجأ إليك ورغب في رضاك، قال تبع: من طلب رضاي فله رضاه، قتلت أباك في رضاي فلك رضاك، قال بلاس: أيها الملك ليس أبي ممن أراد هلاكي ولكن أبي ممن أراد بقائي، قال له تبع: فما تريد يا بلاس؟ قال له أماني وآمان أخوتي وقومي ومن بقي من فارس ويجعلني الملك من بعض خدمه، قال له تبع: لك ما سألت. وكان يرعش أكرم ملك على الأرض وأعقلهم وأكثرهم عفواً وأقربهم رأفة. فقال له بلاس: نحن فارس بنو حام حاشية الملك، قال له: أما أني لم أرد قتلكم يا آل فارس لأنكم أخواننا الكرام من بني سام ولكن اعترضتم دون بني يافث وقد عدلت اتقاء عليكم وقد سألتني يا بلاس أن أجعلك
من خدمي، فإن خجمتني في أرضي وفي قومي، لم تطب لك معيشة ولا وفيت لك بانقطاعك إلي ولا كافيتك فيما صنعت فانه ما سبقك أحد ممن كان قبلك إلى مثل فعلك وقد كرهنا لك قتل أبيك ورضينا لك قصدنا، فقد وليتك على قومك فارس، فخذ جيشاً من فارس ثم تقدم بين يدي إلى الصغد والكرد قال: أيها الملك إن أنا لم أنبلهم بين يديك بالسهام الكرمانية والنصال الهندية لم أف لك، فسار بلاس إلى أرض نهاوند ودينور فقتل الصغد والكرد والزط وأكثر القتل في الصغد والخوز والزط فهم
стр. 229
أقل بني يافث إلى اليوم وكانوا أكثرهم، وأخذ من كل أمة غلب عليها أمماً يستخدمهم في الصناعات كل قوم فيما أحكموه فيما أحكموه من الصناعات، ثم بلغ سنجار إلى قبر أبيه مالك ناش النعم فأمر ببناء قبر أبيه تبع ناشر النعم وكان نذر لله إنه إن ظفر بالزط والكرد والصغد أن يبني قبر أبيه بجماجم الصغد والكرد حتى يعود جبلاً منيعاً كما كان وأنه أمر بقبر أبيه فبني بجماجم الصغد والكرد حتى عاد كما كان فمشى إليه أشراف حمير فقالوا: أيها الملك وما في هذا من الشرف أن تبني قبر الملك ناشر النعم بجيف هؤلاء العلوج، وقد بلغ الملك أربه وقضى نذره فأمر به فهدم وأمر الكرد والصغد والزط أن يبنوه بأنواع الرخام الأبيض والأحمر والأزرق والأخضر ورصعوه بالجزع اليماني حتى عاد جبلاً شامخاً كما كان فطاف به ومشى في داخله، فلك يعجبه من بنائهم شيء فأمرهم يهدمه فهدموه وأمر الفرس ببنائه فينوه بأنواع الرخام وأنواع الجزع والزجاج والدر والياقوت، وأنه طاف به ومشى في داخله فلم يعجبه من بنائهم شيء. قال: ائتوني ببقايا سحرة سليمان بن داود بلقيس بنت الهدهاد فآتوه بهم فأمرهم ببنيانه فينوه بالكلس الأزرق وأجادوا فيه الصنعة بالدهن والصقل حتى صار جبلاً منيفاً وصار كالمرآة السجنجل ثم إنه طاف به فرأى نفسه وفرسه وجميع من معه فيه كما رأى نفسه فيه من خارجه في جميع جهاته، فأعجبه. فرأى الطير إذا همت أن
تنزل عليه رأت تمثالها فيه فنفرت فلا ينزل عليه طائر، فأمرهم بعقد الجن حوله أن لا يدنوه منه أحد من الناس ففعلوا ذلك فمن نزل حوله رجمته الجن، فانه كذلك إلى اليوم بسنجار بين نهاوند ودينور. ثم هدم المدائن بدينور وسنجار فجميع الأرض التي خرب شمر يرعش سماها بنو فارس شمر كند أي شمر خرب باللسان الفارسي فأعربته العرب بلسانها فقالوا: سمرقند وهو اسمها إلى
стр. 230
اليوم. ثم رجع إلى قطربيل وسار يريد ارض الصين، وكان ملك الهند بأرض الصين نفير الهندي - والهند والسند والحبشة والنوبة والقبط بنو حام بن نوح ﵇ فلما بلغ نفير خروج تبع من بابسير من ارض قطربيل جمع الهند من جميع أرض الصين وانتصب إلى تبع من بابسير من ارض وعش، وخلف تبع الجرحى والزمني والمرضى بأرض نهاوند وسنجار ودينور، ثم أن تبعاً لقي نفير العندي ومن معه فقاتله قتالاً شديداً أياماً، ثم غلب عليه تبع فقتل أمماً من الهند وغلب على أرض الصين وتمنع نفير ومن معه في جبل عظيم، فلما رأى غلبة تبع وتثاقله في أرض الصين ضاق من ذلك واشتد عليه، فدعا آهل مملكته وجنده فقال: لي فيما تقدم من دهري عمر يرضاه المرء لم يبق لي من آخره إلا ما آسف به على أوله وإن شيئاً يكون الفناء آخره وغايته لحقيق على الحازم أن يزهد فيه وقد أردت أمراً فيه الموت والشقاء، ثم جمع أهل المكر والسحر فقال لهم: ماذا ترون في تبع وأجناده؟ قال له أهل المكر: أيها الملك (المحاجزه قبل المناجزة - والمكر قبل القسر - وليس بعد القسر إلا الرضا للأمر)، فقال لهم: سمعتكم، فقالوا أيها السحرة، قال له السحرة: أيها الملك الموت أعجل والسحر أنبل وقد سبق المثل الدهر عبد الدول وأنى ينفع سحرنا وقد سقط جدنا قال نفير: عرف الرأي أهله، ثم عمد إلى أذنيه فقطعهما وجدع انفه وأمرهم فضربوه بالسياط، ثم أتى تبعاً فقال له: أيها الملك إن قومي الهند هم في هذا الجبل الوعر وهم أهل غدر ومكر،
وقد أمرتهم أن يسمعوا للملك ويطيعوا فأبوا ذلك وفعلوا في ما ترى، ولكن أيها الملك أقود بك وبعسا كرك إلى موضع تطلع منه إلى هذا الجبل فلا يعلمون حتى يؤخذ عليهم الجبل فتقتل من أحببت وتدع من أحببت؟ قال له تبع: ليس لعساكري في أرضكم ما يحملها أجمع ولكنني أرسل معك عسكراً جحفلاً أهل النجدة والبأس والفضل في
стр. 231
الرأي والسابقة، قال له نفير: افعل أيها الملك. فأمر تبع بعسكر لميدع من أهل الفضل والبأس أحداً إلا بعث معهم وتقدمهم نفير فسار بهم حتى أتى ماء فقال لهم: خذوا الماء لثلاثة أيام، فأخذوا، ثم مضى بهم إلى مجانة لا آخر لها فلجج بهم في المجانة فقال لهم: اتقوا من الماء فاني ذاهب إلى موضع الماء فاحتسبوا معهم شيئاً من الماء، فاسرع بهم في المجانة وهم يتعللون بذلك الماء اليسير الذي معهم فأبعدهم مسيرة أيام في المجانة وفرغ الماء الذي معهم، وقد خلفوا خلفهم من المجانة ما لا يقدرون أن يقطعوه بلا ماء مسيرة أيام، فقالوا: ويلك يا هندي أين الماء ومتى نقطع هذه المجانة؟ فقال لهم: إلى الأبد الآبد تقطعونها وترون الماء، ويلكم أسعدتكم أيامكم فحملتم أموركم على الغرور وصحبتموها بالجهل، هل أبصرتم طائراً ووحشاً يدلكم على أن بين أيديكم ماء والله إنها مجانة لا تخرجون منها أبد الأبد أيها العرب لكم الصبر ولا تعلمون الغدر، أتدرون من أنا؟ قالوا له: لا قال لهم: أنا نفير ملك الهند فعلت بنفسي ما ترون لأقتلكم وأشتفي منكم نقمة لقومي وشفقة عليهم فأخذوه ورجعوا في طريقهم.
قال أبو محمد: لما سار نفير عن تبع بعسكره جمع حمير فقال: معاشر حمير أن العجم قليل صبرهم عند اللقاء وسريع غدرهم عند البلاء وقد مضى هذا الهندي بجميع رجالي ولم يمض بهم إلا إلى معاطش فاني لا أرى في أرضهم شيئاً يكاد به إلا المجانة فأخرج ذا جدن بن المسكين الحميري وأمره بحمل الماء على الجمال ففعل ذو جدن ما أمره به تبع، وتبع أثرهم فلقيهم وهم يتساقطون عطشاً
فشربوا وسقوا خيولهم ورجعوا. فلما نظر
стр. 232
إليهم نفير لم يمت منهم إلا اليسير من الأتباع قال: يا نفير دافعت القضاء بالمنى، ولكن أنت بين أمرين إن خلصت ناصحت لتبع وإن مت وفيت لقومك وكلا الحالين كرم. ثم إن عسكر تبع رجع إليه وأمر بنفير فمثل بين يديه فقال له تبع: أنت نفير؟ قال له: نعم أيها الملك، قال له تبع: لم غدرت؟ قال له نفير: أيها الملك إني لم أغدر لأني لم أعهد بل وفيت لقومي ومكرت بعدوهم فإذا قتلتني قتلت مانحاً وإن تركتني تركت ناصحاً والعفو أخلق بقدرة الكريم. قال له تبع: يا نفير وفيت لقومك وقد يكون لك منهم العدو الكاشح والحسود الضاغن والمماري الملحد فكيف بك أن أحسن؟ فاني يا نفير قد عفوت عنك وصفحت عن زلتك وذنبك ووليتك على قومك، قال له نفير: أيها الملك أسأت إليهم وأحسنت إلي فأوثقت به عهدي وملكت به رقي وهل أنت مطيعي أيها الملك؟ قال تبع: قل، قال نفير: أيها الملك أرض الهند وبيئة لطارئها فلا تقارعها بالمهج فمن تاجر بروحه لم يربح وقومي في جبل كما تراهم يموتون اجمع فيه ولا ينزلون فيطلق يدي الملك افعل برأيي. فطلع نفير إلى قومه الهند إلى الجبل فأنزلهم وأنزل جميع أولاده حتى أتى بهم تبعاً - قال له يا نفير: أمنهم وأنزلهم منازلهم وبلغهم مراتبهم فإن كل أمة لم تبلغ مراتبها دخلت صدورها ووغرت قلوبها فاستخفت فتكها وهانت عليها أعمارها وملك أمورها أشرارها وأنت أعلم بها - ففعل نفير ما أمره به تبع، ثم جمع بنيه ودخل بهم على تبع فقال: أيها الملك غرست ولم تأكل ثمر غرسك هؤلاء أولادي وهم بقايا عفوك وغرس نعمتك فامنحهم بالطاعة لك فمن أوفى فقد كافى ومن غدر ففي سيفك الوزر والحكم لمن غدر، قال تبع: أنا لا آمرك فيهم ولا أنهاك، لأن المرء أعلم بولده. فقال له نفير: أيها الملك هذا أحزم أولادي وأضبطهم للملك وأصلبهم حجراً وأحسنهم عقلاً فقدمه تبع
стр. 233
على أرض الصين وكان اسمه جلهم بن نفير فهو أول
من تتوج بأرض الصين تأسى في ذلك بتبع. قال تبع لنفير: أنت أقوم بهذا الأمر؟ قال له نفير: أيها الملك أزعجني عن أرض الصين فإن قومي الهند قد أدركهم ثلاث خلال: أما واحدة فإنه مات من قومي ما بغضت إلي أرض الصين إلا بعدهم، والثانية ذهب أنفي وأذناي فكرهت أن ينظر إلي بالنقص من يعرفني بالتمام، والثالثة وهي أعظمهن عندي إن عجزت عن خدمتك لم أكافئك بإحسانك وإني لبصير بكيد الملوك وإدارة الحرب ولن يستغنى عني الملك لأن رجال الملك لهم آلات كآلات الصناع رجال للمشورة ورجال للحجاجة ورجال إدارة الحرب عند اللقاء ورجال يصلون الناس ورجال للخدمة، فلا يقوم للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات من الرجال، وأنا أيها الملك معي عامة الخصال المحمودة وأنا أيها الملك من خاصتك ما عشت. فشكر له تبع قوله وفعله، ثم جمع نفير بنيه فقال: يا بني عليكم بالسمع والطاعة لجلهم ولا تنازعوا فتهدموا ملككم ولا تخالفوا.
أمره فيجيش صدره عليكم، ثم أقبل إلى جلهم فقال له: ساجلهم لا تستأثر عنهم لملكك فيحسدوك ولا تطاول عليهم فيقتلوك ولا ترغب في أموالهم فيغضبوك، ابسط لهم وجهك ويدك وجنبهم سخطك وبطشك وكن لهم معقلا ومرتقى، أحسنوا حالكم يا بني فإنكم لن تروني بعدها ولن تخشى علي من سطوة تبع ولا من غدر العرب، إن لم أوت من قبلي لم أحذر ولكن أفي للملك بإحسانه وأكون بين يديه عمري. ثم رجع إلى تبع فقال له تبع: يا نفير أي وجه من الأرض آخذ عليها راجعاً عن بلدك، قال له نفير: العلم كثير والخير قليل والأرض واسعة والرأي يصيب ويخطئ وأنت أيها الملك امرؤ نبيل والطريق قطربيل والأمر يحدث والسيف
стр. 234
حيث أراد، واني أيها الملك أرى ما تلاه، فقال له تبع: وما هو يا نفير؟ قال: أنتم العرب لكم بأس عند اللقاء وسلامة صدور عند الرضا وأراك أكثرت في عساكرك من الأعاجم وهم قليل صبرهم عند اللقاء كبير غدرهم عند الرضا،
فأخرجهم عن عساكرك لا وغرون صدور العرب فإن الفرس السوء تملي، واعلم أيها الملك أن الأعجمي يضطرب إلى الغدر كما يضطرب البازي إلى صيده. فأمر بهم تبع فشردهم من عساكره ثم قفل من أرض الصين ومعه نفير ملك الهند حتى بلغ إلى قطربيل، فآتاه أن الزط والكرد والخوز غدروا عساكره التي كانت عندهم من المرضى والجرحى، وكان أسباب علوم الدهر عن ذي القرنين وموسى الخضر وسليمان بن داود ﵈ وكان قريب العهد من سليمان فقال:
أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن بدا لي وهنا سبب
قتلت جموعاً فأفنيتها ... وفي الأرض مني لقومي أرب
وخبرت بالصين لي بغية ... ثياب الحرير وكنز الذهب
فسرت إليهم بجيش لهام ... كثير اللهاء شديد اللجب
لقيت من الترك آسادها ... فقتلتها حين جد الوصب
فغادرت أيامها سدفة ... وموطنها بالقنا منهب
لها عاصفات إذا وجهت ... تكاد الجباتل لها تنقلب
وبالشرق والغرب آثارها ... وبالخافقين رياح تهب
بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل أسد صميم العرب
رزان الحلوم نجوم العلوم ... خفاف المعاذير بيض النقب
стр. 235
فلما نزلت بأرض العراق ... عبرت العراق بعزم حرب
فسار قباذ إلى فارس ... إلى البحر يسعى لأمر كتب
فبادره الأقرن المستطيل ... سريعاً حثيثاً شديد الأرب
واقبل صيفي منارض عمان ... لمن شذ منهم ومن قد قرب
فكان ببابل يوم عبوس ... بقتل ذريع أليم النصب
فخام قباذ وأشياعه ... وولي سريعاً حثيث الهرب
رأى الموت تحت ظلال السيوف ... وحتى النفوس له يضطرب
تجر المنية أذيالها ... فكان العزيز بها من غلب
فأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذاك العزيز بها من غلب
فأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذام الزمان إذا ما انقلب
فاتبعه شمر في جمعه ... إلى القصر ذي شرفات الحجب
سقينا البرية في دهرنا ... سماماً مدوناً بضرب القضب
نقود الجياد لأقصى البلاد ... إذا ما قضينا قضاء وجب
نهضت بجمع كمثل الدبا ... صباح الوجوه صلاب الحسب
ربيعة منها هداة السبيل ... علوم المجال لنول الشعب
وبأس إياد رفيع القذال ... طويل العنان شديد الكلب
وانمار عند اللقا سادة ... تزيل النفوس وترجي السلب
ترى مضراً عند ارزامها ... مكللة روسها بالذهب
لها لجة عند نار الوطيس ... ببيض مضار بها تلتهب
تصاممت عن نبأة أسمعت ... لقد صرحت عن حديث عجب
لقد جد غدر بني يافث ... وجد المنون بهم فاقترب
عذيري لحرب تلافيتها ... لقد ألهبوا بأسها والتهب
стр. 236
جموع ليافث لما بدت ... تريد النزال فتمسي حصب
لقد غدروا بعدما أكدوا ... مهاريق عهد يقوم غيب
سيعلوا المشيب على طلفها ... بيوم مخوف ولما يشب
وسوف إذا ما اقتضاني الردى ... يلي الملك بعدي كآل قسب
ويستلب الملك من حمير ... مجوس وسود عليها رهب
وينقلب الدهر عن وجهه ... ويضحى به الرأس تحت الذنب
للعشرين حولاً بها يقتلون ... ويستلب الجمع منها الحلب
إلى أن يلي الملك من هاشم ... بني أمين كريم النسب
رسول من الله أتباعه ... على الحق منا رجال غلب
فلو مد عمري إلى عمره ... لفرجت عنه جميع الكرب
واني أدين بما دانه ... ولا أقول له قد كذب
فيبلى به الله من خلقه ... قرونا من الناس أعطوا الغلب
وتأتي العجائب من بعده ... إذا ما بدا نجمها ذو الذنب
وتأتي الدلائل حتى ترى ... لهم الشم عن أسرها تنقلب
ويرقى الدخان بآفاقها ... ويعلو بيثرب صوت صخب
إذا قتل الروح روح الرضا ... وسالت دماء بني المطلب
هنالك خسف بأرض الحجاز ... فلا تنظر العين غير الشهب
ويأتي على النيل حيشانه ... إلى البيت قصداً لها بالقضب
يهدون منه ذرى سمكه ... ويعلون أركابه بالصلب
كأنه لم يكن حرماً قبلها ... إذا أعاد نهباً محالاً خرب
يقوم بها من بني حمير ... كريم شجاع كريم النسب
стр. 237
حديد السلاح رفيع الصياح ... ربيط الجنان لها محتسب
فيأتي بقوم من أقصى العراق ... ومن حضر موت ومن ذي حلب
ثمانين ألفاً على نجبها ... فليس لهم عندنا منتصب
ويقتل بالنيل أملاكهم ... ويعطب في لجة من عطب
ومن بعده الملك في حمير ... يقوم به الماجد المغترب
ومن بعده الموت يزجى بنا ... إلى البعث والفصل غير الكذب
قال أبو محمد: ثم سار تبع شمرؤ يرعش حتى بلغ دينور ونهاوند وسنجار فقتل
من أصاب بها من بني يافث وهم الزط والكرد والصغد والخوز وسبى النساء فقال لهم تبع: احبسوا ما أخذتم من نساء الصغد والزط ولا تحسبوا من نساء الكرد والخوز سباء بيعوهن فإنهن يفسدن النسل ويغيرن العقل ويدلن الألسن ففعلوا ومضى تبع حتى بلغ أرض فارس، فقدم على فارس بلاس بن قباذ وجعله بأرض فارس وأرض خراسان، ومضى تبع فسار على الشام إلى أرض بابليون فأصاب الحبشة على النيل نازلين، فلما علموا بتبع وقد قاتلوا مصر شهراً بعثوا إلى تبع بهدية ليداروه بها حتى يخلصوا من بين يديه من أرض بابليون، فلما انتهت الهدية إليه أي إلى تبع جمع رجاله فقال: هذه هدية الحبشة فما رأيكم؟ فقال المعترف بن عامر الحميري: أيها الملك لن يجوز سخر هذه الخدعة عن ذي لب رصين، قال له نفير: أيها الملك من رام أن يخدعك حمل النقص على عقلك، قال مقداد بن ينفر بن شرحبيل الحميري: أيها الملك لو راموا مسألتك لم يزحفوا إلى قومك ولو أرادوا برك أهدوا إليك من أرضهم إلى أرضك ولا يخدع بهذا الخدع إلا أم عامر فتمكن من عدوها
стр. 238
نفسها في بيتها ونصف حمق الدنيا في رؤوس السود وقد راموا أن يسخروا من الملك فهلا قدموا هديتهم قبل الزحف إليك كما قدموها قبل الهرب. فعبر إليهم النيل فقاتلهم بالقس والبهنسة أياماً، ثم هزمهم وتبعهم على النيل يقتلهم، فلما رأوه أمعن في طلبهم زالوا له عن النيل إلى الرمل فافترقوا له في الرمل فقتل من قتل وتلف من تلف في الرمل وبقي أياماً فكاد يهلك ويهلك معه عطشاً حتى أفضوا إلى ماء معين ورمل مبسوط فنزل وأقام بها عشرين سنة يغرس النخيل ويبني القصور ويتخذ المصانع حتى بعث الرواد والأدلاء إلى أرض الحبشة وعلموا مسالكها ومناهلها، ثم رجعوا إليه. فرجع إليهم فدخل عليهم أرضهم فانتصب له أملاك الحبشة من ارض فقاتلهم قتالاً ذريعاً فلم يكن لهم به طاقة غلبهم بالنبل، ولم تكن الحبشة ترمي بالنيل إلا من زمان تبع شمر يرعش - فداس
أرض الحبشة وقتلهم قتلاً ذريعاً فهربوا إلى غربي الأرض إلى البحر المحيط وتبعهم تبع فهبت عليهم ريح سوداء من نحو البحر المحيط فهلك جمع من عساكره. فقفل عنهم راجعاً فجعل طريقه على أرض بني ماريع بن كنعان فقتل أمماً وهربوا إلى فنن الجبال فبلغ البحر المحيط، ثم رجع قافلاً إلى المشرق فمر إلى قمونية وتمادى إلى أرض بابليون ثم مر على الشام وعبر الفرات والدجلة يريد زيارة قبر أبيه تبع ناشر النعم بسنجار، فبلغ سنجار، ثم أمر أن يكتب على باب مدينة سنجار - وهي أعظم مدينة بأرض سمرقند - جنبيه وكتب فيها بالمسند: هذا ملك عرب لا عجم لشمر يرعش الأشم نزلها في الشهر الأصم فروى السيف من مهج ودم من فعل
стр. 239
فعلي بعدي فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني بريت قسمي ووفيت لذمتي.
قال أبو محمد: حدثني عامر بن جرهم الأنصاري عن مكحول عن الشعبي، قال: حدثني رجل من خيوان همدان يقال له عبد الله قال: بينما نحن بالصغد مع قتبية بن مسلم الباهلي حين افتتح سمرقند ونظر إلى حجر في جنبة باب مدينة سمرقند وفيه خطوط كأنها بالعربية وليست هي قال قتيبة: والله إني لأظن هذا حمقات حمير اطلبوا في الجند رجلاً حديث العهد باليمن يعرف كتاب حمير فوجد فانطلق به إلى قتيبة فقال له: اقرأ هذا الكتاب. فقرأه فقال قتيبة: ما أرى بتبع من حمير إلا الآثار فما في هذا أعظم شيء وهذا أنا بلغتها. قال له الحيواني: يا قتيبة لم تصغر بالأول ولكن بالآخر إن بلغت الصين وجاجا وقطربيل فقل - فاسكت قتيبة - ثم قال: يا قتيبة تقدم فرسخاً وإلا اشمت بضعف الإسلام. قال: فرجع من سمرقند.
قال أبو محمد: ورجع تبع إلى اليمن يريد غمدان فقال الباني بن قطن ابن مالك بن همدان بن منتاب الحميري شعراً:
تقول عرسي حين جد النجا ... حتى متى أنت تريد النوى
أليس في عيش قد أوتيته ... مقام ذي الدهر بعيش غلا
قلت فقد قلت فما خيرنا ... بعد الذي فيه الطيب الثنا
إنا نرى أن أك ذا هبوة ... جليسكن اليوم دون الوغى
وجارح اقصدني سهمه ... ماذا عليه في الهوى لو وفا
стр. 240
يرمي ولم يرم فما أخطأن ... وراش بالسهمين لما رما
رمى بطرف العين الطرف غيري فما ... جادت به عيني سهام الردى
ويحك يا مي على ما الذي ... قلت على ماذا تطيل النوى
وحمير تسمو بأفعالها ... فيها أسود البأس يوم اللقا
وشمر رعش ذو النهى قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا
فقد وطئنا أرض حمر بها ... وساعفت منا ليوثاً ضرا
وكان يوم شانه معظم ... وقرت العيان يوم الفنا
فسائلي يا مي عن يومنا ... في مغرب الأرض بيوم الوفا
يخبرك من يعلم أفعالنا ... بصبرنا عند حلول اللقا
إنا لنعتام رؤوس الوغى ... فقد جميع الناس ذبح وحى
كانت لنا الأيام مأمورة ... والدهر نجريها بحكم القضا
فآبت الفرسان من حمير ... بكل بيضاء كعفر الظبا
وحل من سنجار قطانة ... فشيد القصر بصم الصفا
وغودر الصين على بابه ... يجيب للداعي متى ما دعا
فأصبحت جاجا وقطربيل ... يحدوهما الدهر لغير البقا
أثر في آفاقها تبع ... أثراً يزيل الريب عن ذي العمى
تكون للعابران هو رأى ... أمراً إعجاباً منه بعد الثنا
ورجع تبع شمر يرعش بن عمرو ناشر النعم إلى قصر غمدان، وقد ملك الأرض كلها ودانت له ملوكها. فجمع أبناء ملوك حمير ووجوه العرب فقال: معاشر العرب عندنا علم مصون مكنون نعمل بأمره ونزدجر لنهيه ونتبع الأثر ويهجم علينا الأمر وقد غيب عنا القدر فحيناً تخطئ وحيناً نصيب وكل إلى غاية ومدة، وقد جاريت الدهر وقضيت
стр. 241
ولم يقض لي وحاكمت فحكم عليّ، فإذا كان ما هو كائن فإن ابني صيفيا هو تبع ثان، فإن رأيتم خيرا منه فلكم، وإن رأيتم شراً فالأمر للعام لا للخاص، قدموا أفضل منه. ثم قال:
سرت على الآفاق كالشمس ... بين طلوع السعد والنحس
أجوب غور الأرض في أثره ... بما رج للعلم عن أس
أوجفت بالخلق فلم أنتظر ... أسير في رفق وفي همس
انقل من أرض إلى أرضها ... أصبح في أرض ولا أمسي
كنت على الأرض كشمس بدت ... تشرق للناس بلا حس
حتى إذا عادت إلى حجبها ... عاد ضياء الشمس في طمس
حفظت ما خولت حتى إذا ... سلبته أمهل عن نفسي
من ذا يرجي العيش من بعد من ... حاط جموع الجن والأنس
أفصح ذو القرنين يوماً على ... ترجمه العالم في طرس
لا يصحب الأيام إلا امرء ... غاد وإن خلد كالأمس
والدهر يحدو أهله مسرعاً ... عن زهرة الدنيا إلى رمس
ثم مات تبع شمر يرعش فكان عمره ألف سنة وستين عاماً، وكان قد منع الولد فلم يولد له إلا بعد ثمانمائة عام. فقال الباني بن قطن ابن همدان بن مالك بن منتاب الحميري يرثى تبعاً:
أيها السائل الحوادث جهلاً ... هل سألت الزمان عن شمر رعش
ملك أطد الجبال فلت ... وأطاعته حيث يمشي فتمشي
قاد بالصين من تهامة حتى ... ترك الهند بين بهش ونهش
كاد نفير حين كاد وولي ... ترك الجيش بين قفر وعطش
стр. 242
لم يهب للزمان صرفا فأعطاه ... مقاليده على غير غش
وردت خيله نهاوند تسقي ... أهلها المرهفات عن سم رقش
ساعدته الأيام حتى إذا ما جدت ... هفوة أراشت بهش
قصدته من المنون سهام ... حملت شلوه على ظهر نعش
وقال أيضاً:
عاد رهن الهمود والأطلال ... نصباً للصبا وريح الشمال
شمر رعش ومن كشر إذا ما ... طرفت بالعضال إحدى الليالي
بعد ملك وعزه واقتدار ... لم يجد للردى محيداً بحال
وقال تبع الأقرن بن تبع شمر يرعش يرثى أباه:
يا بعد تبع حين شط مزاره ... بل بعد حالي عزتي وفلاحي
لم ترتقي زهر النجوم لموته ... فالموت أفلته عن الإصباح
لم ترتقي زهر النجوم لموته ... فالموت أفلته عن الإصباح
ناحت مقلقلة فقلت لها اذهبي ... دهري ودهرك هالك الأنواح
قلي العويل أو كثري فلك العزا ... أن المنية منهل الأرواح
هل بعد ملك الصعب يرتجى ... يهدي بكل مسا وكل صباح
ملك السعود بكل أرض حكمه ... تبع الهدى مستبصراً بنجاح
سامي إلى الظلمات عن أسبابه ... والشمس تسجد في حما الضحضاح
ولي وخلف ذكره من بعده ... وهما لنا شبحاً من الأشباح
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أبيه عن جده محمد بن السائب قال: حدثني
أبو صالح عن ابن عباس، إنه قال: أول ملك أمر بصنعة الدروع السوابغ المفاضة التي منها سواعدها وأكفها وهي الأبدان تبع شمر يرعش بن ناشر النعم.
قال أبو محمد: جعل على فارس ألف درع يؤدونها كل عام، وكان عامله على فارس بلاس بن قباذ. وجعل على الروم ألف درع يؤدونها كل
стр. 243
عام، وكان عامله على الروم ماهان بن هرقل، وكان بلاس متوج في فارس وهرقل أول متوج في الروم، وفي استعماله لفارس الدروع يقول امرؤ القيس مهلهل بن ربيعة بعد ذلك الزمان شعراً:
سيبكي كليباً كل عاق وعامل ... وخطية سمر وخيل عوابس
وتبكيه بيض للخدود لواطم ... وما ذية مما اقتنتهن فارس
وكان أصعب الدروع دروع الروم وهي كذلك إلى اليوم، وجعل على أهل بابل وعمان والبحرين ألف درع، وكان أهل اليمن ألف درع. وأحسن السيوف اليمانية والدروع الفارسية، وكان بلاس ملك فارس يرسل بما عملت فارس من الدروع مع إتاوة إلى تبع شمر يرعش، ويرسل ماهان ملك الروم من الدروع بألف مع إتاوة إلى تبع شمر يرعش وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد في الإسلام:
من حمير نسل العرنجيج إذ جرت ... لهم على حقب الزمان دهور
ملكوا على الدنيا فما أحد بها ... إلا وهو في حكمهم مقهور
أعطاهم ذل الإتاوة قيصر ... وجبي إليهم خرجه سابور
وفي تبع شمر يرعش يقول أبو ذؤيب الهذلي بعد زمانه:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داوداً وصنع السوابغ تبع
وهذا البيت له في شعره الذي رثى به بنيه اذ قتلوا بذات الهجال.
قال أبو محمد: كان يؤتى بها إلى تبع كل عام طول مدته.
قال أبو محمد: وكان مما حقق أمر ذات الهجال إنه كان أديار بين بني يعصر بن
سعد بن قيس بن الياس وهو عيلان - وإنما سمي الياس
стр. 244
عيلان - لفرسه، وكانت له فرس تسمى عيلان. وكان بنو يعصر باهلة ابن معن بن يعصر وغني بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر يطلبون بني عمرو بن مدركة بن الياس بن مضر بذحول سلفت لهم (فكان يغير عليهم). وبنو عمرو بن مدركة هذيل بن عمرو بن مدركة بن الياس ابن مضر ولحيان بن عمرو بن مدركة والقارة بن عمرو بن مدركة، وكان يغير عليهم ثابت بن جابر وهو تأبط شراً. - وإنما قيل له تأبط شراً لأنه سارق صرة فمر على حاو فسرق جرابه وفيها حيات وظن أن فيها مالاً وانه تاجر فتأبطها. فلما خلا بها فتحها فرفعت إليه الحيات رؤوسها فألقاها وقتل الحيات - وقال: ضل عن سيده ولبده من حمل حتفه بيده وكان أحد السرعان، وكان يغير راجلاً مسيرة سبعة أيام يمشي الليل ويختفي نهاراً، وكان أجسر أهل زمانه تطلبه الخيل فلا تناله ويفوتها بسرعة قاتل الأصمعي عبد الملك بن قريب الباهلي: كان يثير الظبي، ثم يطلبه فيدركه، وتأبط شراً هو القائل:
عوى الذئب فاستأنست إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
رأى الله إني للبرية مبغض ... ويشنؤهم لي مقلة وضمير
وفيه يقول السليك بن السلكة أحد الغرابيب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا من خلال المسالك
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالي من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخضر باتك
стр. 245
يهب هبوب الريح عند انحراقها ... ويسري على نهج النجوم الشوابك
تكل متون الصافنات إذا جرت ... تباريه أو تدمي نسور السنابك
فكان يغير على هذيل ولحيان نهاراً ويغير على القارة ليلاً يتقي نبلها لأنها كانت
أرمى العرب بالنبل لا تخطئ ما تريد، وقال في ذلك ابن عباس:
قد أنصف القارة من رامها ... عن مقوس الغلوة أو ساماها
وان تأبط شراً أغار على هذيل راجلاً فقتل قوماً أصابهم على ماء لهم فناموا وهم لا يعلمون إنه تأبط شراً، فقام إليهم فقتل منهم ثلاثة نفر ونجا منهم واحد ستره الليل ونادى في نادي قومه: يا بني هذيل والله ما أعلم أذل من قوم قتلهم تأبط شراً في حريمهم وغنم أموالهم ونجال سالماً. فنفرت هذيل خيلاً وراجلاً في طلبه فاقتصوا أثره - وتأبط شراً أشغل بسوق الغنائم - فما شعر حتى أدركته الخيل مع الليل فتثاقل في وعث من الأرض حتى أدركته الرجل فأسلم الغنيمة وولى هاربا، وتصدى له رجل من القارة كان مع هذيل فرماه بسهم فأصاب ودجه فصرعه فتعاوره القوم فقتلوه واستاقوا أموالهم التي غنم لهم ورجعوا. وبلغ خبر ثابت تأبط شراً قومه باهله وغنياً ابني يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان فركبوا إليه ليرفعوه فأصابوا كل ما أكل من لحمه من سباع الوحش وسباع الطير وهوام الأرضي موتى حوله.
قال أبو محمد: قال الأصمعي وزعمت العرب أن لحمه سم. قال: وكان غذاؤه العلهز وشحوم الحيات وهبيد الحنظل ويحنذ قومه الحيات، فزعموا إنه إذا عض من كان غذاؤه هذا أحداً ممن كان غذاؤه البر واللحمان والغذاء الحسن، وأثر في لحمه بأسنانه إنه يبرصه أو يجذمه أو يقتله.
стр. 246
قال عبد الملك: وإن الهجال ابن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً - وكان رئيساً شاعراً فارساً - استدعى باهلة بن معن بن يعصر وغني ابن يعصر ونصرهم أخوانهم من بني سعد بن قيس بن عيلان، وهم بنو غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن معد بن قيس بن عيلان، وعبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وبنو عبد الله بن غطفان، وبنو ثعلبة بن
بكر بن غطفان. وأشجع ومحارب ابنا غطفان. وهؤلاء القبائل أخوة، وبلغ ذلك أبو ذؤيب - وهو عمير بن مرثد زيد بن عامر بن قراد بن هذيل - وكان أبو ذؤيب معمراً، فجمع أبو ذؤيب هذيب بن عمرو، ولحيان بن عمرو والقارة بن عمرة بن مدركة ابن الياس بن مضر فقال: يا بني عمرو آتاكم جمع بني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأرى بني مدركة بن الياس وطابخة قطعوا رحمهم منا وحقروا ودنا وأضاعوا ذمامنا واني سائر إلى بني الشقيقة - وبنو الشقيقة بنو كنانة بن خزيمة بن مدركة قريش وبنو بكر وبنو أسد بن خزيمة وغفار ابن خزيمة ومدلج بن خزيمة - وأمهم شكل بنت عمرو أخت هذيل ولحيان والقارة، وكان رئيس بني خزيمة عمرو بن بكر الأسدي - وكان يكنى بأبي الهزبر - فآتاهم أبو ذؤيب فقال: يا أبا الهزبر ان بني قيس بن عيلان تناصروا علينا بثأر تأبط شراً ثابت بن جابر الفتاك فما فعلكم يا بني الشقيقة؟ فعزمت قريش وبكر - وهما كنانة على نصر أبي ذؤيب - فقام عمرو بن بكر الأسدي فجمع بني فقعس بن أسد ودودان بن أسد ومدلج بن خزيمة وغفار بن خزيمة فقال: يا أخواننا، ما لأخوننا كنانة قريش وبني بكر يسرعون إلى حرب قيس يحملوننا على الضغائن ويورثوننا أحقاد قيس بن عيلان فإنما حكمه على رد أبي ذؤيب وخذلان هذيل ولحيان والقارة
стр. 247
مخالفة لذبيان وعبس وذبيان ابنا بن ريث بن غطفان - هم الأحلاف - فلما بلغه زحف ذبيان إلى هذيل والقارة، لم يرد أن يزاحف بني ذبيان بالحرب فقال سهم بن بكر البكري: يا بني كنانة إن أسداً أقرب إليكم من هذيل، وإنا إن طلبنا رضا هذيل بسخط بني أسد وغفار ومدلج لم تربح ومن اشترى وجد قريب برضا بعيد اشترى خسراناً. فلما يئس أبو ذؤيب من نصرة بني خزيمة، رجع إلى قومه فقالوا له: ما الذي أجابك به القوم؟ فقال: يا قوم من نصره الله وخذله أبو الهزبر فمنصور ومن خذله الله ونصره أبو الهزبر فمخذول، وأنشأ أبو
ذؤيب يقول:
ألا لله نصره آل عمرو ... وليس إلى الخليع أبي الهزبر
أبعد المنذرين أرى سؤالا ... يرد بدعوة من غير عذر
تحامتنا الفوارس من معد ... بخذلان وهل شفع كوتر
أبعد فوارس النعمان أسعى ... إلى الأقيال من أسد وفهر
وثقت بعامر وبني أبيه ... ومن عدوان أدعو كل صقر
طويل الباع أبلج مشرفي ... أشد به على عزمات دهري
وطابخة الذين رأوا مقامي ... وأهل العز من أبناء مر
وقوله (طابخة الذين رأوا مقامي) أراد بذلك نصرة بني طابخة - وهم تميم بن مر بن اد بن طابخة، ومزينة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر - وقوله (وثقت بعامر وبني أبيه) يريد عامر بن الظرب العدواني - إمام مضر وحكمها وفارسها وخطيبها - وهو عامر بن الظرب بن عمرو بن عياذ ابن يشكر بن عدوان، واسم عدوان الحارث بن أسلم بن قيس بن عيلان، وإنما سمي الحارث عدوان - لأنه عدا على أخيه فهم بن أسلم بن قيس بن عيلان
стр. 248
فقتله فسمي عدوان - وكان بنو عدوان اعز قيس بن عيلان - وذلك أن عدوان كان كثير المال - فولد له ثلاثون ولداً كلهم أعقبوا. فلما بلغ قول أبي ذؤيب إلى عامر بن الظرب العدواني، جمع بني عدوان وسار يريد نصرة أبي ذؤيب، وكان أبو ذؤيب حليف عدوان، فقال زهير ابن مرخة العدواني:
كبرت وساويت طمساً وعاداً ... ولابد مما ألاقي المعادا
أقول لقومي ألا فاسمعوا ... وإني أرى القول فيه سدادا
دعتني هذيل إلى نصرة ... أطيع عميراً بها حين نادى
فأقسم لا بد من موته ... وتسمى عظامي رفاتاً رمادا
وعاذبكم عائذ فاعصموا ... ولبوا دعاه إلى ما أرادا
ومن لم يكن غرضاً للردى ... يجازى من الدهر حتماً سدادا
وإن عامر بن الظرب لم يصل إلى هذيل ولحيان والقارة حتى نزل عليهم الهجال بن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً، وكان نزل هذيل والقارة ولحيان بذي قار، فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزمت هذيل والقارة ولحيان فقتلوا قتلاً ذريعاً.
قال أبو محمد: فمن يوم ذي قار الأول صارت هذيل والقارة ولحيان أقل حي في مضر. فلما انصرف الهجال - وكان حرم على نفسه الخمر حتى ينتقم لخاله تأبط شراً - قال الهجال بن امرئ القيس يرثى خاله:
أطرفك مأموم أم الوجد مانع ... أم الأشوس الفتاك عن ذك شاسع
فمتى كان شهم النفس للذل دافع ... وإن سيل عرفا فهو بالجود نافع
стр. 249
يشيم يروق الموت عن كل مأزق ... ويسرع إقداماً إذا لاح لامع
حديداً كنصل السيف ينهض للوغى ... تلاعبه فيه السيوف القواطع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وما شاب من أعوام دهر تطاولت ... عليه ولكن شيبته الوقائع
يغادي أناساً كل يوم بفتكه ... وينأى فلا تأويه إلا البلاقع
يسامر رجل الجن في فلواتها ... تباريه في ميدانهن الزعازع
يطيل الطوى في العارمات وتارة ... له من سرابيل السموم مدارع
يجاري مدى الآجال والأمر غائب ... وكل فتى يوماً إلى الله راجع
وما هذه الأيام إلا وديعة ... ولا بد مما أن ترد الودائع
ثم قال أيضاً:
إن بالشعب الذي جند سلع ... لقتيل دمه ما يطل
قذف العبء على وولي ... أنا بالعبء له مستقل
ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل
مطرق يرشح سما كما أط ... رق أفعى ينفث السم صل
خبر ما نابنا مصئل ... جل حتى دق فيه الأجل
بزنى الدهر وكان غشوماً ... بأبي جاره ما يذل
يركب الهول وحدياً ولا يص ... حبه إلا اليماني الآفل
ينفل المال منيلاً ويمسي ... وهو في الحي كريم مقل
عل بصدق على حاذيته ... وله المغنم شربي محل
إن رأى البأس فليث هموس ... أو رأى طمعاً فسمع أزل
стр. 250
يابس الجنين من غير بؤس ... وندى الكفين شهم مدل
شامس في القر حتى إذا ما ... ذكت شعري فبرد وظل
وله طعمان أرى وشرى ... وكلا الطعمين قد ذاق كل
رائح بالخمر غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب همل
فهو في المهمة سمع صموت ... ولدى الأحياء أحوى رفل
افيح الباب مفيد مبيد ... جاد من جدوى يديه المقل
فلئن فلت هذيل شباه ... لبما كان هذيلاً يفل
وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب فيه الأظل
صليت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا
يورد الآلة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل
تضحك الضبع لقتلي هذيل ... وترى الذئب لها يستهل
وسباع الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما نستقل
وفتو هجروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلوا
فاحتسوا أنفاس نوم فلما ... هوموا رعتهم فاشمعلوا
كل ماض قد تردى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسل
فاسقينها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي يعد خالي لخل
حلت الخمر وكانت حراماً ... وبلأي ما ألمت تحل
فأتى عامر بن الظرب بجميع عدوان إلى هذيل والقارة ولحيان وقد قتلوا فقال لهم شهاب بن أبي ذؤيب: كان الموت أقرب من نصركم يا قومنا فقال عامر بن الظرب: اقسم بالله قسماً حقا لأطلين بوتركم كل واتر. وتركهم فسار بنو خزيمة، فقال شهاب بن أبي ذؤيب لقوم بني أسد:
следующие страницы →