← История

История · id 37473

التيجان في ملوك حمير

عبد الملك بن هشام

Полный текст (489 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال عبد الملك: وإن الهجال ابن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً - وكان رئيساً شاعراً فارساً - استدعى باهلة بن معن بن يعصر وغني ابن يعصر ونصرهم أخوانهم من بني سعد بن قيس بن عيلان، وهم بنو غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن معد بن قيس بن عيلان، وعبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وبنو عبد الله بن غطفان، وبنو ثعلبة بن بكر بن غطفان. وأشجع ومحارب ابنا غطفان. وهؤلاء القبائل أخوة، وبلغ ذلك أبو ذؤيب - وهو عمير بن مرثد زيد بن عامر بن قراد بن هذيل - وكان أبو ذؤيب معمراً، فجمع أبو ذؤيب هذيب بن عمرو، ولحيان بن عمرو والقارة بن عمرة بن مدركة ابن الياس بن مضر فقال: يا بني عمرو آتاكم جمع بني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأرى بني مدركة بن الياس وطابخة قطعوا رحمهم منا وحقروا ودنا وأضاعوا ذمامنا واني سائر إلى بني الشقيقة - وبنو الشقيقة بنو كنانة بن خزيمة بن مدركة قريش وبنو بكر وبنو أسد بن خزيمة وغفار ابن خزيمة ومدلج بن خزيمة - وأمهم شكل بنت عمرو أخت هذيل ولحيان والقارة، وكان رئيس بني خزيمة عمرو بن بكر الأسدي - وكان يكنى بأبي الهزبر - فآتاهم أبو ذؤيب فقال: يا أبا الهزبر ان بني قيس بن عيلان تناصروا علينا بثأر تأبط شراً ثابت بن جابر الفتاك فما فعلكم يا بني الشقيقة؟ فعزمت قريش وبكر - وهما كنانة على نصر أبي ذؤيب - فقام عمرو بن بكر الأسدي فجمع بني فقعس بن أسد ودودان بن أسد ومدلج بن خزيمة وغفار بن خزيمة فقال: يا أخواننا، ما لأخوننا كنانة قريش وبني بكر يسرعون إلى حرب قيس يحملوننا على الضغائن ويورثوننا أحقاد قيس بن عيلان فإنما حكمه على رد أبي ذؤيب وخذلان هذيل ولحيان والقارة

стр. 247

مخالفة لذبيان وعبس وذبيان ابنا بن ريث بن غطفان - هم الأحلاف - فلما بلغه زحف ذبيان إلى هذيل والقارة، لم يرد أن يزاحف بني ذبيان بالحرب فقال سهم بن بكر البكري: يا بني كنانة إن أسداً أقرب إليكم من هذيل، وإنا إن طلبنا رضا هذيل بسخط بني أسد وغفار ومدلج لم تربح ومن اشترى وجد قريب برضا بعيد اشترى خسراناً. فلما يئس أبو ذؤيب من نصرة بني خزيمة، رجع إلى قومه فقالوا له: ما الذي أجابك به القوم؟ فقال: يا قوم من نصره الله وخذله أبو الهزبر فمنصور ومن خذله الله ونصره أبو الهزبر فمخذول، وأنشأ أبو ذؤيب يقول: ألا لله نصره آل عمرو ... وليس إلى الخليع أبي الهزبر أبعد المنذرين أرى سؤالا ... يرد بدعوة من غير عذر تحامتنا الفوارس من معد ... بخذلان وهل شفع كوتر أبعد فوارس النعمان أسعى ... إلى الأقيال من أسد وفهر وثقت بعامر وبني أبيه ... ومن عدوان أدعو كل صقر طويل الباع أبلج مشرفي ... أشد به على عزمات دهري وطابخة الذين رأوا مقامي ... وأهل العز من أبناء مر وقوله (طابخة الذين رأوا مقامي) أراد بذلك نصرة بني طابخة - وهم تميم بن مر بن اد بن طابخة، ومزينة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر - وقوله (وثقت بعامر وبني أبيه) يريد عامر بن الظرب العدواني - إمام مضر وحكمها وفارسها وخطيبها - وهو عامر بن الظرب بن عمرو بن عياذ ابن يشكر بن عدوان، واسم عدوان الحارث بن أسلم بن قيس بن عيلان، وإنما سمي الحارث عدوان - لأنه عدا على أخيه فهم بن أسلم بن قيس بن عيلان

стр. 248

فقتله فسمي عدوان - وكان بنو عدوان اعز قيس بن عيلان - وذلك أن عدوان كان كثير المال - فولد له ثلاثون ولداً كلهم أعقبوا. فلما بلغ قول أبي ذؤيب إلى عامر بن الظرب العدواني، جمع بني عدوان وسار يريد نصرة أبي ذؤيب، وكان أبو ذؤيب حليف عدوان، فقال زهير ابن مرخة العدواني: كبرت وساويت طمساً وعاداً ... ولابد مما ألاقي المعادا أقول لقومي ألا فاسمعوا ... وإني أرى القول فيه سدادا دعتني هذيل إلى نصرة ... أطيع عميراً بها حين نادى فأقسم لا بد من موته ... وتسمى عظامي رفاتاً رمادا وعاذبكم عائذ فاعصموا ... ولبوا دعاه إلى ما أرادا ومن لم يكن غرضاً للردى ... يجازى من الدهر حتماً سدادا وإن عامر بن الظرب لم يصل إلى هذيل ولحيان والقارة حتى نزل عليهم الهجال بن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً، وكان نزل هذيل والقارة ولحيان بذي قار، فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزمت هذيل والقارة ولحيان فقتلوا قتلاً ذريعاً. قال أبو محمد: فمن يوم ذي قار الأول صارت هذيل والقارة ولحيان أقل حي في مضر. فلما انصرف الهجال - وكان حرم على نفسه الخمر حتى ينتقم لخاله تأبط شراً - قال الهجال بن امرئ القيس يرثى خاله: أطرفك مأموم أم الوجد مانع ... أم الأشوس الفتاك عن ذك شاسع فمتى كان شهم النفس للذل دافع ... وإن سيل عرفا فهو بالجود نافع

стр. 249

يشيم يروق الموت عن كل مأزق ... ويسرع إقداماً إذا لاح لامع حديداً كنصل السيف ينهض للوغى ... تلاعبه فيه السيوف القواطع ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع وما شاب من أعوام دهر تطاولت ... عليه ولكن شيبته الوقائع يغادي أناساً كل يوم بفتكه ... وينأى فلا تأويه إلا البلاقع يسامر رجل الجن في فلواتها ... تباريه في ميدانهن الزعازع يطيل الطوى في العارمات وتارة ... له من سرابيل السموم مدارع يجاري مدى الآجال والأمر غائب ... وكل فتى يوماً إلى الله راجع وما هذه الأيام إلا وديعة ... ولا بد مما أن ترد الودائع ثم قال أيضاً: إن بالشعب الذي جند سلع ... لقتيل دمه ما يطل قذف العبء على وولي ... أنا بالعبء له مستقل ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل مطرق يرشح سما كما أط ... رق أفعى ينفث السم صل خبر ما نابنا مصئل ... جل حتى دق فيه الأجل بزنى الدهر وكان غشوماً ... بأبي جاره ما يذل يركب الهول وحدياً ولا يص ... حبه إلا اليماني الآفل ينفل المال منيلاً ويمسي ... وهو في الحي كريم مقل عل بصدق على حاذيته ... وله المغنم شربي محل إن رأى البأس فليث هموس ... أو رأى طمعاً فسمع أزل

стр. 250

يابس الجنين من غير بؤس ... وندى الكفين شهم مدل شامس في القر حتى إذا ما ... ذكت شعري فبرد وظل وله طعمان أرى وشرى ... وكلا الطعمين قد ذاق كل رائح بالخمر غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب همل فهو في المهمة سمع صموت ... ولدى الأحياء أحوى رفل افيح الباب مفيد مبيد ... جاد من جدوى يديه المقل فلئن فلت هذيل شباه ... لبما كان هذيلاً يفل وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب فيه الأظل صليت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا يورد الآلة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل تضحك الضبع لقتلي هذيل ... وترى الذئب لها يستهل وسباع الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما نستقل وفتو هجروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلوا فاحتسوا أنفاس نوم فلما ... هوموا رعتهم فاشمعلوا كل ماض قد تردى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسل فاسقينها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي يعد خالي لخل حلت الخمر وكانت حراماً ... وبلأي ما ألمت تحل فأتى عامر بن الظرب بجميع عدوان إلى هذيل والقارة ولحيان وقد قتلوا فقال لهم شهاب بن أبي ذؤيب: كان الموت أقرب من نصركم يا قومنا فقال عامر بن الظرب: اقسم بالله قسماً حقا لأطلين بوتركم كل واتر. وتركهم فسار بنو خزيمة، فقال شهاب بن أبي ذؤيب لقوم بني أسد:

стр. 251

أكل بني الشقيقة قد أطاعوا ... على خذلاننا عمرو بن بكر لقد عدلوا برأي أبي ذؤيب ... وقد جهلوه رأي أبي الهزبر سيحملهم بذاك على هلاك ... بجعجاع لدى ضنك ووعر سيبلغ عنهم قابوس أمر ... يعز على بني سعد بن مر جلبت بفعلهم صبراً وحسبي ... بما ألقى به من مر صبري بنو شكل أضاعوني ولما ... يروا نصراً يعزهم كنصري أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر ولو بعده أو قول ليت ... على لهف وما شفع كوتر فلم يجبه بنو أسد بشيء. فسار شهاب بن أبي ذؤيب مع أخوته يريدون بني طابخة - وكان بني أبي ذؤيب عشرة شهاب والحارث وزهير والأزهر والأزور وعمرو وعامر وسالم والقسور وسهيل - ركبوا خيلهم في درعهم ومغافرهم حتى بلغوا موضعاً يقال له ذات الهجال من أرض بني أسد فغشيهم الليل فنزلوا وهم في حزن من الأرض، وهم نازلون إلى أن أقبل قانص من بني أسد ومعه كلاب له وهو سباق بن سابق بن بكر ابن أخي عمرو بن بكر، وقد أرسل سباق الأسدي كلابه على ظبي والكلاب في طلبه. فلما مر بين أيديهم رموه بالنبل فعقروا الظبي وأصاب سهم كلباً من كلاب سباق الأسدي فقتله - فأتى الأسدي فأصاب كلبه مقتولاً فأغلظ على بني أبي ذؤيب - فقال له شهاب بن ابي ذؤيب: يا سباق أردنا الظبي والسهم يخطئ ويصيب، فتمادى الأسدي في غضبه وبطش علي الأزور بن ذؤيب فضربه بالسيف فألقى إليه المجن وضربه الأزور بالقوس فشجه في رأسه فولى ودمه يهطل على وجهه فسار حتى

стр. 252

هجم على بني عمه عمرو بن بكر وهم على خمر لهم وميسر، فقال لهم: أترضون بالذل وتقرون للضيم، أما والله ما أعلم أذل من قوم أتى ناديهم بنو أبي ذؤيب فضامومهم فألهبهم حمية وأسعرهم لهباً - فركب بنو عمرو ابن بكر واستنفروا بني أسد وأجابوهم وساروا يأخذون على بني أبي ذؤيب الشعاب ليلاً وبنو أبي ذؤيب لايدرون بذلك. فلما أصبح نهضوا إليهم فنقر من بين أيديهم ظبي أعضب فمر عليهم وهجم في غيضه اثل وضال، ثم ظهر إليهم جمل أجرب عليه رجل أعور، فقال شهاب بن أبي ذؤيب - وكان زاجراً شاعراً -: اركبوا فإن هذا ظبي أعضب عضب أمركم، وجمل أجرب جرب دهركم، ورجل منقوص مقص جمعكم، وسلك الظبي أثلاً وضالا يمر يومكم ويشوك جمع آتاكم وقال شعراً: قل لركب السرى بذات الهجال ... احذروا من مصارع الآجال أيها النائمون هبوا فهذا ... أعضب بارح بأثل وضال زجر الزاجر المترجم أمراً ... روعة الظبي عيلة الاقيال ورأى أثله من الخطب مرا ... وشبا ضاله صدور العوالي إنني والذي يحج له النا ... س حليف الهموم والأوجال يا تراث الأيام لا تأمنوها ... واحذروا مكرها وصرف الليالي وخذوا من أخي التجارب نصحا ... وأفيقوا من نومة الجهال اركبوا مسرعين حتى وإلا ... صرتم بعدها كقيل وقال ثم آتاهم بنو أسد بالعدد وتداعى عليهم بنو أسد وعطف عليهم شهاب

стр. 253

ابن أبي ذؤيب يناشدهم الله والرحم. قالوا له: تركت العفو خلفك وأناخ الموت فرسك، فكان يعطف عليهم ولا يضرب، وتكاثرت عليهم بنو أسد فأصيب أخوه الحارث. فلما رأى أن الحارث قتل قال: يا بني أبي ذؤيب لا ينقذكم من شر اليوم إلا اليأس من غد، ثم هجم فأدرك فارساً لبني أسد فصرعه، ثم يكر القوم فقتلوا من بني أسد نفراً. فلم يزل بنو أسد - وقد أخذوا عليهم الشعاب - يتكاثرون عليهم بالخيل والرجل، وبنو أبي ذؤيب يسقطون واحداً بعد واحد حتى قتلوا العشرة، وأخذوا خليهم وسلاحهم. وبلغ ذلك أبا ذؤيب وعامر بن الظرب فركبا في هذيل وعدوان حتى رفعوهم وأتوا بهم - وكان إذا مات الشريف لا يدفن حتى يحضره أشراف العرب ورؤساؤهم من كل أوب - فنصب أبو ذؤيب على أولاده قبة على شرف ونصب عليهم لواء. فآتاه أشراف الناس من كل قبيل من العرب وىتاه قابوس بن النعمان الأكبر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمير بن نمارة ابن لخم - وكان قابوس ملكاً بالمشلل - فجمع جيشاً عظيماً وأتى أبا ذؤيب. فلما اجتمع الناس إلى أبي ذؤيب فدم بنيه فنصبهم ووقف عليهم، وأنشأ يقول: أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع إلى آخرها. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن الهيثم بن عدي عن أبي عباد الهمداني، عن محمد بن إسحاق إنه قال: لما اجتمع أشراف العرب إلى

стр. 254

عمير بن مرثد أبي ذؤيب الهذلي، قام المستوغر الأكبر وهو - سالم بن منفر بن سعد بن زيد مناة بن تميم - فقال: يا أبا ذؤيب لا تدفن أولادك حتى يتكلم أشراف الناس فتعلم من يخذلك ومن ينصرك. وأتى الأشراف إلى عامر بن الظرب فقالوا له: يا أبا مالك هذا مشهد عظيم وأنت إمام العرب وحكيمها فقم زودنا منك حكمة نتأسى بها بعدك ويدركنا نفعها - وكان معمراً عمراً طويلاً عمر ثلاث مائة عام - وإن أبا ذؤيب نصب كرسياً لقابوس بن النعمان الأكبر - والنعمان الأكبر محرق أول من عاقب بالنار وأحرق بها - وهو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة - وعمرو بن عدي أول من ولي من لخم العراق وأول من حير الحيرة - فقام نمارة بن سعد من بني عمرو بن تميم فقال: أيها الناس هذا أبو ذؤيب يطلب عمرو بن بكر بثأر بنيه ولايطلب أسداً ويهدم شرف مضر - وكان نمارة بن سعد يعبد بيتاً يقال له ذو الخلصة - فقال أبو ذؤيب: لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زوراً ... ولم تر النصرة فيه بورا فخفت أمراً لم يكن محذوراً ... إذ كان حتماً قتلنا مقدورا وكرهت العرب فعل بني أسد وعظم عليهم قتل بني أبي ذؤيب ظلماً فقام المستوغر الأكبر - وكان عمره ثلاثمائة عام - فقال: أيها الإملاء من أنصف من نفسه حمد عاقبة أمره ومن لم ينصف من نفسه ضلت حكمته ومن مارس الأمور حكمته ومن جارى الأحقاب افتنه ومن قامر

стр. 255

الدهور قمرته رأتني الأيام من حيث لا أراها، ذهب الطرب وبقي الجرب لابد من دعوة الداعي وإجابة المجيب، فقال شعراً: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السنين كئينا مائة حدتها بعدها مائتان لي ... وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمر وليلة تحدونا هل ترغب الأرواح إلا ساعة ... تلقى سقاماً عندها منونا فانظر لما قدمت سوف تزوره ... حتماً وتمسي عنده مرهونا أيها الإملاء: ما رغبة امرئ القيس بالعيش إذ ليس بد من الموت وهو يرى موقف المظلوم من الظالم! أبت الأحساب الزكية والمناقب السنية من الأمور الدنية، أما إنه على كل امرئ منكم رقيب يأمره وينهاه، فإن من لا يرضى الظلم عدو للظالمين ومن والى الخالق نبذ المخلوقين ومن عرف الحق وجهل الباطل، هذا أبو ذؤيب بعد العز الرفيع والعدد الجميع والشرف المنيع تناولته الأيدي بالظلم وقد اضطر من ظلم إلى مانع عدل حكم فليس لكم قول صادق الخالق دون إيضاح العذر فقد أرسلكم إليه ووجه الأمر بالمقدرة دون المعذرة ومن حذر مائقاً فذاك مائق، وأنشأ يقول: وما كل ذي لب يعاش بعقله ... ولكن إذا قاد الأمور حكيمها برأي ذوي الألباب في الأمر يهتدي ... وهل يبرم الآراء إلا عليمها وقد يتقي المظلوم من ذي ظلامة ... بعير همام أو يطاع ظلومها وما سقطت يوماً من الناس أمة ... إلى الذل إلا أن يسود ذميمها فعندك عن هذا أو ذاك ما هما ... فهذا له حط وذاك سقيمها

стр. 256

وما قادها للخير إلا مجرب ... عليهم بإقبال الأمور كريمها إذا ساد فيها بعد ذل لئيمها ... تصدى له ذل وقد أديمها أيها الإملاء: من أبصر أمر ومن جهل أقصر إلا وإن لكل حيلة غيلة، ولكل ساقطة لاقطة، ولكل عوراء واع. افعلوا الخير وقوله ودعوا الشر واهجروه انبذوا الخبيث وانصروا المستغيث، من استنصر بكم فانصروه، ومن بغى عليكم فانذروه، ومن اعتذر إليكم فاعذروه. ثم قام عامر بن الظرب فقال: أيها الناس إن عامر الأيام طليق العوام وغرض الأسقام فد فنى وجرب على أسف وكلف كلفت بغرور الأمل وأسفت على شباب أفل منعت الدنيا وأعطيت الآخرة فتركى لمنزل أنا عنه زائل، أحسن من الغفلة من منزل أنا إليه راحل ذهب منا الجميل وتحكم منا البديل بدلت من الصحة سقماً، ومن الشباب هرماً، ومن القوة ضعفاً، ومن الجمال قبحاً. إني لأرى ما يعمل الإصباح وما يؤدي الرواح يتعاقبان فلا يملان ويذهبان، أما والله لئن مضيا فهم سفر يرتقبون ليلحق بهم الباقون، غلقت منهم الرهائن على خوف وآمان، أيها الناس: إن أحزم الرأي ترك ما يفوت والعمل لما يأتي به الموت وأنشأ يقول: لعمري لقد ذهبت الأطيبان ... شبابي ولهوي فعدوا الملاما ألم تر أني إذا ما مشيت ... أخطرف خطوي وامشي أماما وأكره شيء إلى مهجتي ... إذا ما جلست أريد القياما وأسهر ليلي على أنني ... أراعي الدجى لما أذوق المناما

стр. 257

وأرمي بطرف إذا ما نظرت ... كأن على الطرف مني غماما عدو النساء قليل العزاء ... كثير الأسى ما ألذ الطعاما أرى شعرات على حاجبي ... بيضاً رقاقاً طوالاً قياما أظل أراعي بهن النجوم ... أراها هلالا علا فاستقاما وأحسب أنفي إذا ما مشيت ... شخصاً أمامي رآني فقاما أرجي الحياة وطول البقاء ... وعفو السلامة عاماً فعاما وهيهات ههيات هذا الردى ... يريد صروفاً ليقضي حماما ولابد لي من بلوغ المدى ... والحق هاداً ونوحاً وساما ثم التفت إلى الملك قابوس بن النعمان فقال: يا بن وجه الزمان وثمرة الرأي ومعدن الملك وقاصف الجبابرة وعماد العز أنتم نعمة الله في أرضه وسخطه في خلقه بجودكم ينعم وبأسيافكم ينتقم، بكم يقمع الظالم وينتصف المظلوم من أشعر قلبه بغضكم طال غمه ومن أحبكم سعد جده ويومه استسعاك من رضي سعيك وقدمك، ومن أراد ينتقم بك نصر بك من استغاثك، ورضي بك من عهد عنك، فصدق عزمتك وعدك وتقدم وعيدك بأسك، فأنت الوزر وعندك الخبر والناس شتى والعمل لرب واحد. فأنت أيها الملك الرفيع جده والباسق مجده والطالع سعده من معرفتنا بحقك لم نرغب فوق رأيك رأياً ولم نرد منك عوضاً، فاجعل عفوك لنا فرضاً نمحص لك النصيحة محضاً، واعلم أيها الملك إن الحوادث أعداء الكرام فلا تطمئن إلى الزمان فإن له في كل بيان وقال: أرى الدهر سيفاً قاطعاً كل شاعة ... يقدم منا ماجداً بعدما جد وإن المنايا قد تريش سهامها ... على كل مولود صغير ووالد وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعيانهم غير واحد

стр. 258

ثم أقبل على عمير بن مرثد أبو ذؤيب الهذلي يعزيه فقال: يا عمير بنيت وهدمت وقمت وقعدت ورضيت وسخطت، ألا وإن كل بان هادم وكل قائم قاعد وكل مسرور ساخط وكل قريب شاسع وكل مقيم ظاعن. - يا عمير - إنما الخلق للخالق والأمر للآمر والشكر للمنعم والتسليم للقادر - فلا بد مما هو كائن. - يا عمير - لا أضعف من مخلوق ولا أقوى من خالق ولا أهون من مطلوب في يدي طالب - يا عمير - إن التفكر نور والغفلة ظلمة والجهل سفه والحلم أناة، الأول سابق والآخر تابع - والسعيد ومن وعظ بغيره - يا عمير - كم رأيت من قريح ولم يترك قريحاً - ياعمير - كم نازحاً من ريبه ومدركاً من طلبه مسلماً من دهره ممتعاً من سنه رمته أيدي الردى بطارق من عطبه والدهر لا يقلع عن حوادث من عجبه (من ير يوماً ير به والدهر لا يغتر به) - يا عمير - ذهب عنك ما تريد وآتاك ما لا تريد - يا عمير: - آتاك ما لا يدفع وذهب عنك ما لا يرجع ومعك ما سيذهب عنك - يا عمير: - أنظر إلى طبقات حالاتك من لدن من في صلب أبيك إلى أن بلغت منزلة الشرف وحد العقل وغاية العزيمة، هل قدرت أو قدروا أن ينقلوك إلى طبقة قبل أن تعطاها وتعجيل نعمة قبل أوان محلها، أين أهل الملك الأول بنو وائل بن حمير ذووا الأحلام المحمودة والآلاء الموجودة أهل التيجان ملوك الأزمان، هل وجدوا إلى ما أحبوا سبيلاً وتركوا إذا أصبحوا مقيلا وأخذوا مما جمعوا قليلاً - يا عمير: - إن أكمل العدد عند المصائب الصبر وأعظم البديل منها الأجر - يا عمير: - أين مفر الهارب وهو يتقلب في يدي الطالب، ولا شيء أعجز ممن لم يجد مهرباً من طالبه إلا إليه - ياعمير: - لا تخلق عزم

стр. 259

الرجال ببعض الظن وهلع الجزع فإن احمد الأمور أصدقها وأثبتها عند كما لها وبعد الابتلاء الحمد والذم - يا عمير: - لعمري قد أسمع الداعي واعذر الطالب وبلغ النبأ، فلا شيء أضيع من مضيع النفس وخطاه تسويف الأمل - يا عمير: - إن خير الأمور ما استكرهت عليه وأكرهها ما استدعيته ولم يأتك من استدعى أمراً لم ينزل به آتاه بما لا ملجأ له منه - يا عمير: - من طلب غير السلامة كان عقباه الندامة، من لم يشكر النعمة استعجل النقمة يا عمير - هل للجزع عاقبة تنفع أو مانع يدفع، فإن حاولت ذلك فأسال القرون الماضية والأمم الخالية قبلك هل تمنع من أسف وجزع أو خاب من صبر وقنع - يا عمير: - ليس ينزل بك ينهى ولا يرجع عنك مأمور - يا عمير: - أنظر الأيام ثلاثة: يوم مضى ولا ترجوه، ويوم أنت فيه لا بد منه، ويوم يأتيك لا تأمنه، فأمس واعظ واليوم غنيمة وغد لا تدري ما حكمه فأمس شاهد مقبول وأمين مؤد فحكم مؤدب وعظك بنفسه وأمضيت معه زاداً خيراً أو شراً وترك لك منه خلفاً لتحسن صحبته وهذا اليوم الذي أنت فيه صديق أدبك بغدره وبواك غير محله، سريع الظعن فأحسن له الصحبة يلقنك حجة ويحبوك شهادة، واليوم المقبل حاكم تنتظر قدومه، أما حبيب فلا تظلم أو فقد فلا ترحم - يا عمير: - الحرص فضول ما عناؤك في طلب ما هو لك وأسفك على ما ليس لك - يا عمير: - كيف ترجو أن يرجع إليك هالك وأنت به لاحق ورجاؤك البقاء بعده طمع في درك ما لا يكون وترك ما هو كائن والمرجع قريب ولا تمعن في الطلب فيطيح بك الأمل وتنأى بك

стр. 260

الغفلة، ومع الأمل الأجل ومع الغفلة الردى وإن أعظم من المصيبة هو كلف الخلف منها - يا عمير: - من مد يده إلى أخذ مالا يؤخذ انتشبت في يده الخيبة - يا عمير: - من معدن الجزع يستفاد الغنيمة. ثم أقبل على عامة الناس فقال: أيها الناس البقاء بعد الفناء والغناء بعد العناء والحياة بعد الموت والعرض بعد القرض اليوم العارية وغداً الهبة وخلقنا ولم نك شيئاً وسنعود ولا شيء ورثنا من كان قبلنا وإنا وارثون موروثون فاستخلصوا ما تقدمون عليه بترك ما تطمعون فيه وتسألون ما هو وتخبرون خيره وشره. ثم أقبل على بنيه وبني بنيه وقومه عدوان فقال: يا بني اتقوا إلهكم في الليل إذا دجا والنهار إذا أضاء وتجنبوا كل ما يخاف ويتقي وإياكم ومعصية الله فليس لكم وزر ولا لكم عن إلهكم من مفر، جودوا بالنوال وكفوا عن السؤال يا بني إن أعطيتم قليلا فلا تستقلوه فقد تحمل المروءة المرء إلى قدر ما لا تستطيعه يده وكافئوا بالإحسان إحسانا وبالسيئة غفراناً وعليكم بالحلم وليس في كل الأمور، فإن طول الحلم شين ولرب جهل عذرينا ولا تضمرا السفه فيعقبكم الذل وكونوا عند قولي شعرا: الجهل نار وماء مطفئها ... والحلم إن طال فيه نقص أحلام والذل عار وسيف الجهل كاشفه ... والجهل إن طال فيه ذل أقوام يا بني: لا تمنعوا سائلا محقاً كان أو مبطلاً فإن كان محقاً فلا تحرموه وإن كان مبطلاً فقد طرح رداء الحياء عن وجهه بالسؤال إليكم فأعطوه ولا تماروا عالماً ولا جاهلاً، فإن العالم يظهر حجته عليكم فيكشف جهلكم فينزلكم عن أقداركم - والجاهل بلد ويلح عليكم ويحرج ضغنكم - وربما

стр. 261

كان في الغضب العطب وإياكم والفخر المسلم إلى الكبر فإن معه تواكل الأعراض وإياكم والخمر - فإنها متلفة للمال، مضيعة للعمل، مفسدة للعقل هادمة للأبدان والآداب - وإياكم والتواني والكسل فإنهما يورثان الندامة وقد سبق، في ذلك قول مجاجة الكندي: اخرش بنفسك في المكارم والعلى ... لا خير في الجثامة النوام وإياكم والآمال الكاذبة فإنها تنسيكم الأقدار وتتلف الأعمار ويكون منها على كرب وانتظار، وخذوا الرأي إذا سمعتموه من أصغركم سناً وأقلكم قدراً ولا تأنفوا عنه ولا تسألوا أسيركم أكثر من ماله فيعجز ويموت في أيديكم وتكون مصيبة عليكم، وأكثروا العتاق في أسارى العرب يحبوكم وينصروكم، وأوصيكم بالضيف فإن كل قافل مكلم غيره فلا يخرج من عندكم وهو يستطيع أن يتكلم فيكم، وأوصيكم بجيرانكم أحسنوا مواساتهم ولا تغشوا منازلهم، وكفوا عن حريمهم ألحاظكم وألفاظكم ويجلوا ذوي الأسنان منكم وشرفوا علماءكم وسودوا ذوي الفضل منكم وأوصيكم بالحلفاء خيراً ولا تغرموا، واغرموا معهم في ناديهم فإنهم لكم سيوف ما داموا فيكم وينفعوكم إن ساروا عنكم، وارقبوا عورات نسائكم فإنها مسبة عليكم، وإذا نكح فيكم الغريب فاختاروا له أهل العفاف من نسائكم فأنتم أستر لعيبكم وإذا نكحتم في غربة فاطلبوا النجباء واغلوا الصداق أو فدعوا وعليكم بالصلة فإنها تزرع المودة وتميت الضغائن، وإياكم والغيبة فإنها تفرق الجماعة وتوغر القلوب وتورث الأحقاد واذكروا قومكم إذا غابوا عنكم بما تحبون أن

стр. 262

يذكروه منكم إذا غبتم عنهم، أحسنوا إلى أقاربكم يكن عز لكم عند مصائبكم. يا بني: خذوا من أدبي واحفظوا وصيتي ولا تدخلوا شيئاً في قبري فاني لم أزل كارهاً لثلاث: - الزناء والسرقة والغبية، لا فارقني جار ولا خليل عن قلي ولا حملني هواي على عيب كنت أعصي الهوى لطلاب العلى. يا بني: القالة سريعة والآذان سميعة وليس كل عذر مقبولاً، يا بني: أدركت كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر شيخاً كبيراً محجوباً والعرب تحج إليه فاخبرني إنه قد آن خروج نبي بمكة يدعى أحمد يدعو إلى الله البر والإحسان ومحاسن الأخلاق فاتبعوه تزدادوا شرفاً إلى شرفكم ولا تسارعوا إلى الحروب فإنها تهدم الأعمار وتخلق الأبدان، وإياكم وعهد الملك قابوس - فانه حليم ما استحلم سفيه وما استسفه رشيد وما استشرد وكفوا أيدي سفهائكم عن الظلم وإن ظلموا فانصروهم أحفظوا ترشدوا. وان الملك قابوس بن النعمان وعامر بن الظرب والمستوعز وأبا ذؤيب رجعوا إلى بني أسد بثأر بني أبي ذؤيب، وكان بنو أسد بن خزيمة وغفار ابن خزيمة ومدلج بن خزيمة نازلين قنان، فنزل بهم قابوس وعامر بن الظرب ومن معهم فقتلوهم وأكثروا القتل في غفار ومدلج، ولجأ عمرو ابن بكر وأولاده ومائة رجل من بني أسد إلى قنة جبل فأحاط بهم قابوس بجيوشه، فأخذه وبنيه ومن معه من المائة الرجل وأعطاهم لأبي ذؤيب الهذلي وقال له: هؤلاء وترك ولك الأمر فيهم، فرجع بهم أبو ذؤيب إلى قبور بنيه فقتل عمروبن بكر وبنيه وقال: انتم ببني ولاعدوان، وأطلق المائة من بني أسد وقال: من يجاوز في الشقوة يجاوز إليه الدهر. ثم سار الملك قابوس وزحف عامر بن الظرب بعدوان والمستوغر بمن كان معه من بني

стр. 263

تميم وأبو ذؤيب بهذيل والقارة ولحيان إلى باهلة بن معن بن يعصر بن سعد ابن قيس بن يعصر وفهم بن سليم بن قيس فالتقوا بذي قار وهو يوم ذي قار فاقتتلوا قتالاً شديداً فكانت الجرة على باهلة وفهم وغني. قال أبو محمد اختلف الرواة: فبعض يقول أن يوم ذي قار الأول هو المعظم في أيام العرب لقتل هذيل ولحيان والقارة بني عمرو بن مدركة بن الياس بن مضر، وبعض يقول: اليوم الآخر يوم ذي قار لقتل باهلة وغني والقارة وفهم بني قيس عيلان بن مضر. وفي ذي قار الآخر قتل أبو المغوار الغنوي - وهو مارب بن سعد بن قيس بن الصعل بن قراد بنغني بن يعصر بن سعد بن قيس عيلان - وقتل معه أخوه المقداد. فقال كعب بن سعد الغنوي يرثى آخاه ماربا أبا المغوار وأخويه جبلاً والمقداد - وكان أبو المغوار فارس بني يعصر وجوادهم - فقال فيه أخوه كعب يرثيه بقوله: تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الشراب طبيب إلى آخرها. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: لما مات تبع شمر يرعش بن عمرو ناشر النعم ولي الملك بعده ابنه صيفي بن شمر يرعش. ملك نبع صيفي بن شمر يرعش بن عمرو ناشر النعم قال أبو محمد: كان صيفي أجمل أهل زمانه وأجود التبابعة كفاً، فولي أهل اليمن باللطف والكرم وأقام بغمدان عشرين عاماً، ثم جمع

стр. 264

الجيوش وسار إلى مكة - كما كانت التبابعة العظماء قبله يفعلون - وكانت التبابعة منهم من يلي الجيوش في مشارق الأرض ومغاربها ومن ينزل مكة فيقيم بها ويبعث الجيوش: جيشاً إلى المغرب فلا يرجع إليه حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً إلى المشرق فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً في يمن الأرض فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً في شمالها فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط. فنزل صيفي إلى مكة وبعث الجيوش في آفاق الأرض، فأقام بمكة عشر سنين، وإن رجلاً آتاه فقال له: أيها الملك رأيت كأن الشمس سقطت في سملق من هذه الجبانة فابتعلتها؟ قال له عراف كان بمكة: أسكت هتك الله فمك، والله لئن صدقت رؤياك ليهلكن الملك، وإن الملك تبعاً لم يلبث إلا يسيراً حتى اعتل في وجهه بقرحة، فلم يقم إلا ثلاثة أيام ومات فسميت قرحة الملوك، فكان ملك تبع صيفي ثلاثين عاماً. فقال جلهمة بن العراف الكندي يرثى تبعاً: كر الليالي لآجال الفتى سبب ... يزجي له أثر بالحتم موقوتا يضحي على أمل يمسي على أجل ... بفجعة تترك الإنسان مبهوتا اعلم ولا بد إن طال المقام به ... لمنهل ثابت يأتيه مبغوتا لا يدفع الملك عن صيفي منيته ... فملكه صار بعد الموت موروثا قد كان شمساً على الآفاق مشرقة ... وتاجه محكماً دراً وياقوتا من كان لم يدر ما يقضي عليه غدا ... لم يبرم الأمر بالآيات منعوتا من قامر الدهر لم يحمد عواقبه ... والدهر قامر طالوتا وجالوتا احذر وإن كنت لا تمشي على حذر ... فالأمر عن غفلة من أمنه توتى

стр. 265

عمرو بن عامر مزيقيا ملك متوج تبع قال أبو محمد: حدثني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمرو بن عامر مزيقيا بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد - وإنما سمي مزيقيا لأنه كانت تنسج له في كل سنة ثلاث مائة وستون حلة، ثم يأذن للناس في الدخول فإذا أرادوا الخروج استلبت عنه وتمزق قطعاً - ولذلك سمي مزيقياً، وكانت الحاكة بمأرب تقيم له حلة في كل سنة نسجها ذهب أحمر، وكان له عيد من الحول إلى الحول تعدله، فإذا أراد الرجوع إلى منزله مزقت عليه. وكانت له سنة من ذي القرنين يوم هتك عرشه ومزق حلته، وكان فراغ الحاكة منها يوم عيده، ثم تمزق عليه. وإنما كان يغفل ذلك لئلا يتخذ أحد ما يلبس منها بعده. وكان اسم أبيه عامر ماء المزن لأنه كان إذا نزل بقومه جدب فتح بيوت أمواله وعالهم حتى يخصبوا ويقوم لهم مقام المطر إذا فقد وكانوا يقولون: كفانا عامر هو ماء المزن لنا وكان عامر ماء المزن ابن حارثة الغرف بن امرئ القيس الجواد بن ثعلبة الضمر بن مازن ابن الأزد. وفي ذلك يقول عمرو بن حرام جد حسان بن ثابت: ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ... وحارثة الغطريف مجداً مؤثلا كرائم من أبناء نبت بن مالك ... ونبت ابن اسمعيل ما إن تحولا وإنما كان أول نقلة عمرو بن عامر من اليمن بالأزد وتفرقهم في البلاد إنه كان باليمن سد بناه يشجب بن يعرب بن قحطان وأتمه من بعده الصعب ذو القرنين ﵇.

стр. 266

وهو السد الذي ذكر الله في كتابه العزيز، وكان السد بين جبل مأرب وجبل الأبلق - وكان الأبلق متصلاً بالجبال الزرق - وإنما قيل الأبلق: لأنه في أرض سوداء فيها معادن اللجن وأرض غبراء فيها معادن العقان وأرض زرقاء فيها معادن الزبرجد والجزع - وكان يقال له الأبلق الباذخ - ومأرب الشامخ، فمأرب متصل بجبال عمان والأبلق متصل بجبال لجة وما فوق السد ستة أشهر وما تحته ستة أشهر يدركه نفع الماء وكان يأتي إلى السد سبعون نهراً كباراً سوى ما كان يأتيه من السييول من أرض حضر موت وأرض برهوت إلى باب الحبشة. فكان ما يلي مأرب عن شمال السد لبني كهلان، وما يلي الأبلق لبني حمير بن سبأ. فكان يحبس السد لما فيه من الماء سنة من الحول إلى الحول يسقون به جناتهم وزراعتهم وما حاولوه من أمرهم على قدر ما يريدون فكان كما قال الله تعالى: ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال﴾ إلى قوله: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا نفسهم﴾. وكان لعمرو بن عامر مزيقيا من الجنات والزروع مثل ما كان لجميع أهل سبأ، وكان لعمرو بن عامر من الولد أحد عشر الأكبر ثعلبة العنقاء وحارثة وأبو حارثة وعوف وعلبة ومالك - قاتل الجوع - وكف ووداعة وعمرو وقيس وعبيد وأمهم مارية ذات القرطين بنت ظالم بن معاوية بن كندة بن مريع بن مالك بن عريب بن زيد ابن كهلان. وكان لعمرو أخ أكبر منه يقال له عمران بن عامر، وكان ملكاً متوجاً قبله، وكان كاهناً لم يكن في الأرض أعلم منه، وكان بيده علم من بقايا دعاة سليمان، وكان له حظ عظيم من ذلك، وكانت العرب لا تعدل بعلم عمران بديلاً وكان يخبر قومه أن بلادهم ستخرب آخر

стр. 267

الزمان حتى يفترق قومها في مشرق الأرض ومغربها، وكانوا يكتمون ذلك من قوله ويقولون: شيخ قد كبر وبلغ من السنين أربعمائة عام، وكان أخوه عمرو بن عامر قد بلغ ثلاثمائة عام. فلما حضر عمران الموت دعا بأخيه عمرو وقال له: يا عمرو إني ميت وهذه البلاد ستخرب ويفترق أهلها وإن لله عليها نعمتين وسخطتين: أما النعمة الأولى فهذه النعمة التي كنتم فيها، والسخطة الأولى: ينهدم هذا السد ويفيض عليكم فيهلككم ويهلك زروعكم وجناتكم وأموالكم وتفترقون في الأرض، والسخطة الثانية تغلب عليكم الحبشة. والنعمة الثانية: يبعث الله النبي محمد التهامي ﵌ بالرحمة ويغلب أهل الأوثان في آخر الزمان أهل الأديان فيخرجونهم من البيت الحرام ويخربونه، فيرسل الله عليهم رجلاً من حمير يقال له شعيب بن صالح فيهلكهم ثم يخرجهم منه، فلا يكون بالدنيا إيمانا لا بأرض اليمن. واني أخبرك بما يكون لك النجاة ولقومك وذلك أن امرأة من قومك يقال لها ظريفة بنت الحبر الحجورية - وهي وارثة علمي - فلما مات عمران وولي أخوه عمرو تزوجها وتتوج عمرو بعد أخيه، وكان عمرو أعظم ملك بمأرب وكان له تحت السد من الجنات ما لا يحاط به. كانت المرأة تمشي من بيتها وعلى رأسها مكتل فلا تصل إلى بيت جارتها إلا وهي تملؤه من كل فاكهة من غير أن تمس منها شيئاً وكانت كما قال الله تعالى ﴿بلدة طيبة ورب غفور﴾ وإن الرجل يمشي تحت ظلال الشجر شهرين فلا تصل إليه الشمس من كثرة الجنات حتى دعوا على أنفسهم فقالوا: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ فأرسل الله عليهم السيل. قال: وإن ظريفة لما تزوجها عمرو بن عامر كانت ذات يوم نائمة إذ رأت كأن آتياً آتاها وقال لها: ما تحبين يا ظريفة علم تطيب به

стр. 268

نفسك أو مولود تقر به عينك؟ فقالت: بل علم تطيب به نفسي فجر بيده على صدرها ومسح بظاهر كفه على بطنها فعقمت فكانت لا تلد واتسعت في العلم وأعطيت منه حظاً عظيماً. فبينما هي ذات يوم نائمة إلى جانب عمرو بن عامر غذ رأت كأن سحابة غشيت اليمن فأبرقت وأرعدت فلم تقع على شجر إلا أحرقته، فذعرت ذعراً شديداً، فقام إليها عمرو وقال لها: مالك يا ظريفة فقالت: أزف بكم الغرق وآتاكم من الأمر ما قدر وسبق فخفضها عمرو حتى سكنت وقال لها: يا ظريفة ما تقولين؟ فقالت: وقلبها يختفق ودمعها يندفق: يا عمرو هلك النسل بالوحل. ثم إن عمرو ابن عامر لم يلبث أياماً حتى خرج إلى بعض حدائقه ومعه قينتان وله وبلغ ذلك ظريفة فخرجت تمشي تريده ومعها وصائف لها. فبينما هي تمشي إذ عرض لها ثلاث مناجد معترضات وهن منتصبات على أرجلهن وأضعاف أيديهن على أعينهن، فلما رأتهن ظريفة وضعت يدها على عينيها ونزلت إلى الأرض وقالت لوصائفها: إذا ذهبن هؤلاء المناجد فأعلمني، فلما ذهبن أخبرنها فقامت مسرعة فعارضها خليج جنات عمرو فوثبت منه سلحفاة فوقعت على التراب واستلقت على ظهرها ورامت أن تنقلب فلم تستطع فجعلت تبحث بيديها ورجليها لتنقلب فلم تقدر وعي تحثو التراب على رأسها وعلى بطنها تزرق بولها. فلما رأت ذلك ظريفة جلست والفت بيديها على عينيها وقالت لجواريها: إذا عادت إلى الماء فأعلمنني، فلما عادت السلحفاة إلى الماء أعلمنها فمضت مسرعة حتى دخلت الحديقة نصف النهار حين سكن الريح فإذا شجر الحديقة متناصلة يميناً وشمالاً من غير ريح، فمضت وعمرو في قبته، فلما رأى ذلك ظن أن غيرتها حملتها فاستحيا منها فأمر الجارتين فخرجتا وقال لها: مرجباً بك

стр. 269

يا ظريفة هلمي إلى فراشك وإن كنت قد أتيت في ساعة لم يكن المجيء من عادتك، فقالت: هيهات هيهات يا عمرو - تفاقم الأمر ومنع السر - قال: وما ذلك لله أبوك؟ فقالت: والنور والظلماء والأرض والسماء ليهلكن الشجر والماء، ثم الماء. ففزع عمرو وذكر قول أخيه عمران قال لها: وما ذلك؟ قالت أخبرتني المناجد بسبع سنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد وترمي بقومك إلى أرض المستجد وتوالون الأباعد. فارتاع عمرو وقالها: انظري ما تقولين! فقالت: إني أقول تلهفاً لما رأيت السلحفاة علت خليجاً آنفاً تغترف التراب بيديها غرفا ولا تني ببولها أن تقذفا، قال لها: هذا خطب عظيم، فقالت: إن الإنسان إنسان وباللسان الحق والبيان والدهر ذو غير وألوان والصمت خير من البيان وفي باطن الأرض كتمان وفي ظاهرها إيضاح وتبيان. فعلم عمرو أنها قد كرهت أن تخبره وعنده القينتان فقال لهما: اخرجا فخرجتا عنه، ثم قال لها: ما تقولين يا ظريفة؟ فقالت: أرى أموراً جسيمة تأتي بأوابد عظيمة وأموراً أبيمة أشأ من الهزيمة نهاراً أو عتيمة، قال لها: ويحك وما هو لقد أشرف مكروه؟ قالت: أجل ثم أجل قلتكن من أمرك على وجل ينجو بنو وائل ويهلك الوسائل وما لك من ناثل فكأني أسمع رنة القائل عند جولة القبائل فاحذروا ما تأتي به الدلائل فإن علمي جل عن سؤال السائل قال لها عمرو: بيني لي فإني رأيت في علمك نجاتي؟ قالت: أنعي لك تفرق الأحباب وذهاب الخيل والركاب والماشية والاهاب والذهب والفضة والثياب من السيل الأسود المنتاب. وكان عمرو متكئاً فاستوى جالساً وقال لها: بيني لي النجاة؟ فقالت: خطب طويل وأمر جليل والقتل خير من السيل، قال لها: صدقت فما وجه ما تذكرين. فقالت: أيت السد ولا تبعث أحداً

стр. 270

فيكون ذلك آكد فإن رأيت جرذاً يقلب برجليه الصخر ويكثر بيديه الحفر فاعلم إنه قد نزل الأمر فعليك بالصبر ولا تجزع للدهر، قال لها: أما ترين هذا الأمر؟ قالت: لا أدري غير إنه وعيد من الله نزل ونكال منه لم يكل، يقتل به من قتل لا يصرف عن سهل ولا جبل إلى حيث ما أراد الله من أرض وصل فليكن مغيرك يا عمرو التكل أو فلك الهبل. فانطلق عمرو إلى السد ولم يكل لغيره وكان يحرسه حتى رأى جرذاً يبحث برجليه ويقلب الصخر بيديه التي لا يقبلها أربعون رجلاً وذلك للذي أراد الله وسبق في علمه إنه كائن فصدق ظريفة وعلم أنها صادقة فرجع إليها مغموماً فقالت له: ما وراءك؟ فقال شعراً: ابنة الجير والفلاح أصدقينا ... قد رأينا بعض الذي تعدينا قد رأينا الذي ذكرت يقينا ... إنما الدنيا غرور اللاعبينا قد رأينا الجرذ في السد يقينا ... فأشيري بالذي تعلمينا قالت: يا عمرو إذا ظهر الجرذ الحفار فاستبدل لنفسك داراً من دار وجاراً من جار فعندها تنزل الأقدار، قال: ومتى يا ظريفة؟ قالت له: ما بينك وبين سبع سنين ينزل الأمر اليقين وتحول البنين، قال لها: فكيف النجاة؟ فقالت: هيهات يا بن ماء المزن انقطع علم ذلك من كل ذي علم ولو علم ذلك أحد لعلكته ظريفة، ولا يأتي علي يوم وليلة إلا وأنا أتوقع ذلك. قال لها: وما علاقة ذلك. قال لها: وما علاقة ذلك؟ قالت: ادع بقدح من زجاج في مجلسك دون الرتاج وأضرم أمامه سراج فانه يمتلئ رملاً بلا مزاج. ففعل ووضع قدحاً دون رتاج مجلسه فما لبث أن امتلأ رملاً والريح لا تصل إليه. ثم قالت له: يا عمرو إذا رأيت الحصباء في شربك فاغتنم بيع أرضك واخرج إلى النخيل فإن رأيت سعفها يتناصل ويميل فارحل فقد آن

стр. 271

الرحيل وبع ما لك بمأرب من مال، قال: يا بنية الحبر يضيق بذلك الصدر وما على هذا الأمر من صبر. قالت: يا عمرو - النجاء النجاء من أقام غرراً أساء فاعزم ولا يخدعنك المنى فإن العجز عاقبته البلاء وإن الجلوس غرر فالحذر الحذر ولله الفعل والأمر يهلك من يشاء ويذر، فاصدق نفسك ولم ينجو منه ذو ناب ولا ظفر. فكتم عمرو أمره وعزم على بيع ما كان له بمأرب من مساكن وجنات وقصور واجمع أن يرحل بولده وأخوته وقومه وفزع أن ينكر عليه ذلك فأمر بمائة من الإبل فنحرها وذبح البقر والغنم وكان كثيراً ما يصنع ذلك فأصعم ثلاثة أيام وأرسل في جميع مأرب حتى لا يتخلف عنه أحد وكان عمرو قد أمر ولده ثعلبة العنقاء - وهو أكبر أولاده، وهو جد الأنصار - قال: يا ثعلبة إذا أمرتك غداً بأمر فاعصني وأغلظ علي في القول، فإذا ضربتك بالعنزة التي بيدي فالطمني، فقال له: يا أبت لا تساعدني يدي، قال له: إن لم تفعل هلكت أنت وأخوتك وقومك، فقال له: نعم. فلما اجتمع الناس أمره الملك عمرو فأبى عليه وأغلظ له في القول فصربه بالعنزة التي كانت في يده فلطمه ثعلبة ابنه، فقال عمرو: في يوم مجدي يلطم خدي فيه ولدي وأذلاه، فوثب الناس إلى ابنه ليقتلوه إعظاماً للملك، فقال لهم عمرو: لا تقتلوه فإن الرحمة سبقت له في قلبي من السخط، ولكني سأبلغ منه استطال ثعلبة وأطغاه علي المال ولكني سأعدمه وأبيع جميع مالي بمأرب تحت السد ونذر لله نذراً ليفعلن حتى يفقر ثعلبة ويدفع الأموال إلى أخوته وينتقل من مأرب إلى غيرها ويخلف ثعلبة. فقال الناس من أهل الشرف والقوة: اغتنموا من عمرو بن عامر غضبه وابتاعوا منه جميع ما كان له بمأرب فإن هو تمادى على غضبه فقد أفدتم أموالاً

стр. 272

عظيمة وإن هو رجع رددتم عليه أمواله وكانت لكم عنده يد فاشتروا منه جميع ماله. فلما قبض ثمن أمواله دعا بمالك بن النعمان - وهو سيد الأزد بعده - فأخبره الخبر ودعا بظريفة فقال لها: ما عندك يا ظريفة أين تريدين لنا السير؟ فقالت: يا مالك بن النعمان يا بن زيد بن كهلان - أهل الفضل والبيان - أرى أن تغدو من الغد ولا تقيم ساعة لو عد أمر يسير كالرعد فباعت عند ذلك الأزد أموالها وقالوا: لا نتخلف عن ملكنا. فسار عمرو في الأزد - وكانوا يعمرون أعماراً طوالاً - حتى إنه ليكون مع الرجل من ولده وولد ولده عسكر جرار، فكان كل سيد على من يليه، وكان مع عمرو ثلاثة وعشرون رهطاً من أولاده وأولاد أولاده وسائر ذلك، فلما اجتمعوا للسير دعا بظريفة فقال لها: يا ظريفة: أين تريدين لنا السير؟ فقالت: فيكم الأمير وعليكم التدبير. يا أهل المجد من سبأ الممزقة سيروا لنا فلا بد لكم من فرقة يتقدمها اليسار وتعفو الآثار فتنأى الديار وتطول فيها الأسفار وتنقضي منها الأوطار عجلوا ففي كل بلد لكم خبر كلما لتقيم نفراً كان لكم الظفر تتوارثون الملك بعد الملك وتلبسون التاج بغير شك وبدأ الأمر من عك. فسارت الأزد مع عمرو بن عامر وجعلوا على مقدمتهم مالك بن النعمان بن الجلهم بن عدي بن عمرو بن مازن الأزدي، فنما هم يسيرون إذ قال ظريفة: يا معشر غسان أنذرتكم من هذا المكان أنتم أهل العز والسلطان وفوراس الطعان وسيوف بني قحطان، قالوا: وما ذلك يا ظريفة؟ قالت: والسرابيل المحترقة التي يمشي فيها سملقة بالغدرة المعبقة والسيوف المطبقة قالوا: وما ذلك يا ظريفة فأمرينا بالسرعة إذا شئت والكف متى شئت؟ والأمر إليك، فقالت: إني أرى منكم إيضاحاً ووجوهاً صباحاً تسبق

стр. 273

الرماحا وتكثر الصياحا، قالوا: فأين ذلك يا ظريفة؟ فقالت: سيروا إلى عك بالسيوف، فلكم منهم صروف وضراب وحتوف. فزعموا أن ظريفة أول من سماهم غسان، وقيل أن غسان شرب مازن من السد وقال حسان بن ثابت: أما سألت فانا معشر نجب ... الأسد نسبنا والماء غسان وقد اختلف الناس في غسان فقالوا: هو ماء لبني زبيد نزل عليه بنو مازن فسموا به، وقال قوم: هو ما بين الجحفة والمشلل نهر يسمى غسان فنزلوا عليه فغلب عليهم اسمه، وقال أكثر العلماء: إنه شربهم من السد - وعلى هذا عامة العلماء - وغسان هم: بنو مازن بن الأزد خاصة وهذا وفق الأحاديث لأنه شرب لبني مازن من سد سبأ. فلما انتهوا إلى عك أرسل الملك عمرو بن عامر إلى سملقة بن حباب العكي يسأله في النزول في أرضهم قليلاً ثم يرتحلون عنهم إلى أرض غيرها، وإن سملقة سيدعك دعا قومه فقال لهم: ما ترون أن الملك عمراً قد أرسل إلي وقال: إنا قدمنا بلادكم وأردنا المقام يسيراً مقام الزيارة فواسونا قليلاً حتى نرحل عنكم، فما ترون في بني عمكم وقد سألوكم حسن الجوار يسيراً وقد كرهوا أن ينزلوا أرضكم بغير رضا منكم ولا إذن؟ فقالت عك: ذلك إليك يا سملقة غير إنه ما نزل قط قوم على قوم وعرفوا وجوه أرضهم فوطوءها إلا كانت لهم الغلبة عليهم. وقد قال يعرب بن قحطان: ويل للمنزول عليه من النازل المنزول عليه يلين الجوار والنازل مع ذلك متطول. فقال سملقة: ليس هذا من فعل عمرو بن عامر لأنه ملك، سيروا إليه بأسركم فإنه أقرب إليكم رحماً وأعظم عندكم منزلة من أن يفعل بكم هذا. قالوا له: امض أنت وافعل ما أحببت. فسار إليه سملقة فقال له:

стр. 274

أيها الملك اختر أي جانب من الوادي شئت ان شئت شرقيه وإن شئت غربيه فانزله. فقال له: جذع بن سنان - وكان صعلوكاً في غسان وفاتكها في ذلك الزمان -: أيها الملك الغربي أحسن لأنه مجمع السيول ومستقر الماء. فقال له الملك: الغربي أحسن يا سملقة. فنزل عمرو في غربي الوادي بمن معه وبعث ابنه حارثة رائداً مع رواد في خيل يرتادون له منزلاً، وبعث ابنه الحارث في جهة أخرى بخيل يرتادون له منزلاً، ثم نحر الملك عمرو وأمر بالطعام ونادى إلى عك فأجابوه إلى طعامه فأحسن إليهم وجملهم وأعطاهم - وإن عمراً بن عامر اعتل فمات قبل أن يرجع إليه ابناه - وستخلف ابنه ثعلبة العنقاء في قومه وأقام ثعلبة ينتظر أخويه المرتادين. قال: ونزل عند بني حارثة بن عمرو بن عامر وهم رهط جذع بن سنان رجال من الجن وفيهم قاشر الجني، فلما جلسوا حلبوا لهم اللبن وشربوا، فقال لهم قاشر الجني: يا معشر غسان ما بال لبنكم ليس كلبن بني عمكم عك، لبنكم مالح مصرح رقيق ولبن بني عمكم غليظ دسم؟ قالوا له: لا ندري لم ذلك! قال لهم قاشر الجني: نحن أعلم بذلك منكم، إنما أتيتم في أموالكم ومواشيكم من قبل الأرض وذلك أن بني عمكم أنزلوكم غربي الوادي وأسفل النهر ومستقر السيول فمواشيهم تشرب صفو الماء ثم تسرح في غربي الوادي فتستقبل الريح بوجوهها وتستدبر الشمس بظهورها فتسخن متونها وتنزل ضروعها وإذا طلعت الشمس طلعت مكانها فأصابت الكلأ قد اطعم نواره وذاب جليده وشرب نداه أصله فاستد نياته وزكى طعمه. قال: ونزلتم يا معشر غسان في غربي الوادي وأسفله فأنعامكم تشرب كدر الماء وتسرح شرقي الوادي وتستقبل

стр. 275

الشمس بأبصارها فتكل عن البذر وتضعف أبدانها وتستدير الريح بظهورها فتبرد متونها وتنكمش ضروعها، وإذا طلعت الشمس فلا تبلغكم إلا بعد ارتفاعها، فكلاكم ظليل أبداً لا يبرز زهره ولا يشرب نداه أصله - فمن ثم لبنكم رقيق مالح فكلموا بني عمكم يعاقبوكم من أرضهم قبل أن تهلك أنعامكم - قال: فعند ذلك بعثت غسان إلى عك اعقبونا من المنزل ولا تستأثروا علينا هذه الأثرة كلها، فقالت علك: يا قومنا الأرض أرضنا، وإنما أنتم ضر علينا ولولا السيد الكريم والملك الرحيم عمرو بن عامر ما أنزلنا كم ولو كنتم قد أخذتم الشرقي ما منعناكم فقد واسيناكم أفضل المواساة فلا تبغوا علينا فانه لا يسعكم البغي، فقال ثعلبة العنقاء: صدق بنو عمكم فكفوا عنهم فقد أحسنوا إليكم في مواساتكم فاخترتم منزلكم الذي أنتم فيه فلا تجعلوا لهم ذنباً لم يذنبوه غليكم ولا ذنب لهم ولا تبغوا عليهم وهذا منكم بغي. فقام جذع بن سنان - وهو أعور وأصم - فقال: صدقت أيها الملك. ثم أتى إلى ابن عم له يقال له زوبعة فقال له: إن الملك أراد أن يتم لعلك عهدهم - وهو حدث غر لا يعرف الشر من الخير - ولكن يا زوبعة لا بد لك أن تقتل لي سملقة بن حباب - وكان زوبعة صاحباً لسملقة - فقال له زوبعة: ويحك يا جذع إنه أخي وصاحبي فكيف أقتله؟ قال له جذع: قد أخبرتك، فأتى زوبعة الغساني إلى سملقة العكي فقال له: يا بن العم عقب ابن عمك في المنزل لتعرف العرب إكرامه فانه يكره الرحم وفساد ما بيننا وبينك واعلم أن مقامنا في بلادكم قليل حتى نرتاد منزلاً؟ فقال له سملقة: إني أحب مسرتك وانك لتطلب غير النصف وانك لتعلم ما يريد أصحابك وما قال لهم قاشر

стр. 276

الجني وأصحابه، قال لهم: كذا وكذا ولم يرد بنا وبكم الخير وأنا أعلم ما يؤول إليه هذا الأمر - وكان سملقة رجلاً عائقاً زاجراً يقول الشعر - فقال لسملقة: ما لنا من حاجة وكان ذلك اليوم نزل سملقة قوماً من زبيد وكان كريم عك فباتوا عنده. فبينما سملقة يكلم زوبعة إذ قال له سملقة: يا زوبعة إن الذي أتيت فيه مخنوق أو مذبوح، قال: وكيف ذلك يا سملقة؟ قال له انك لما كلمتني وامرأة من الحي قد مرت بي وفي يدها ديك فعلمت بزجري ما قلت لك. ثم إنه بان معه تلك الليلة وتركه حتى تحكمت الخمر في رأسه فقتله وأتى إلى الزبيديين فقال لهم: فروا فإن سملقة قد مات، وأخشى عليكم من عك، ففر الزبيديون ورجع زوبعة إلى جذع فأخبره. فعند ذلك لما أصبح ووجدت عك سملقة مقتولاً ثارت بالسلاح إلى غسان، فقال لهم جذع: مالكم أنتم أخواننا؟ قالوا له: يا جذع قتل زوبعة سيدنا سملقة. قال لهم: كأنه للم يبت مع سملقة في القبة إلا زوبعة؟ قالوا له: بات معه نفر من زبيد، قال لهم: لا تعلمون من قتله، وإن زوبعة لن تروه بعد هذا وما كان عن أمر منا وهذه أموالنا لكم تحكمون فيها وأنه لولا وع ثعلبة بن عمرو لغذا عليكم - فنظر بعضهم إلى بعض وأتمروا بجذع - فقالوا: نقتل أعور أصم دنيا في قومه. ثم قالت عك: قد اعتذر إليكم بنو عمكم وقد علموا ما كان منكم من سوء فعل زبيد وصاحبهم، ولكن كفوا حتى يدفعوا إليكم زوبعة تقتلوه بسملقة. قال لهم جذع: ذلك لكم، فرجع جذع ومضى إلى ثعلبة بن عمرو فلم يخبره إنه أمر زوبعة بقتل سملقة فقال له ثعلبة: ادفع إليهم زوبعة يقتلوه بسملقة - فإنه لا عذر لكم - قال له جذع: لا تعجل إن كان هو من صاحبنا زوبعة - فهو من الزبيديين - ثم إن جذع بن سنان أتى إلى غسان

стр. 277

تخير منهم مائة رجل ثم قال لعك: تخيروا منكم مائة رجل يحكمون الأمر بيننا وبينكم فتواعدوا للعهد على مكان بعيد. ورجع جذع واختار مائة رجل من قومه وأمر أن ينطلقوا ليلاً إلى المكان الذي تواعدوا فيه وأمرهم أن يدفنوا فيه سلاحهم. فلما أصبحوا قال لهم جذع: يا معشر غسان أصحابكم لن يغدوا حتى يروكم فاغدوا في رفيع الثياب، ففعلوا وتعرضوا دون سلاح. فلما رأوا ذلك عك اطمأنوا وخرج منهم مائة رجل من أشرافهم بمثل ذلك الزي - وقد كان جذع قال لأصحابه احبسوهم بالأحاديث واضربوا لهم الأمثال حتى يحمي الهجير وتعلو الشمس ويدخل جميع عك فإذا لوحت لكم بثوبي فعليكم بالسلاح - ففعلوا ذلك وقلوهم حتى أبادوا المائة رجل. ونظر رجل من عك - يقال له يزيد بن زياد - إلى قتلهم فنادى: يا آل عك غدرتم في أصحابكم. فأقبلت إليه عك على الصعب والذلول وتداعت غسان فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى انهزمت غسان ووقعت عك في الغنائم. فلما ملئوا أيديهم وانصرفوا تبعتهم غسان فقتلوهم حتى أمعنوا هاربين في الأرض وخلوا منازلهم. فنادى جذع في أصحابه: ارفعوا السيف فلا حاجة لنا فيمن بقي من عك ولا تقربوا غنائمهم وعيالاتهم وحال بينهم وبين ذلك ثعلبة بن عمرو وقال: إياكم وبنات عمكم. فقال المقنع العكي: حين انهزمت غسان: غسان غسان وعك عك ... والأشعريون رجال ضنك والقوس فيها وتر عنك ... والنبل كالنيران صفر سك والمشرفيات لنا والد لك ... والخرد العين لنا والمسك سيعلمون أينا الأرك

стр. 278

فلما كرت غسان عليهم وهزمتهم، أنشأ جذع بن سنان يقول: نحن بنو مازن فينا الملك ... سيدفع الأبطال عنا الشك سيعلمون من هو الأرك ... إذا التقينا والمكان ضنك غسان غسان وعك عك ... ليس لكم من البلا مفك قال فعظم على ثعلبة بن عمرو غدر عك ولم يجد سبيلاً. ومالت قبائل غسان مع جذع، فقال ثعلبة: لا خير لنا في المقام معك بعد غدرنا بهم فقال جذع: أوطنوا أرض عك يا آل غسان. فأرسلت عك إلى الملك ثعلبة وقالت له: أعطنا عهد الملك، فتشاءم ثعلبة بجذع، وأتى إلى ثعلبة أخوته المرتادون فأخبروه عن أرض همدان وخصب أرضهم ومراعيهم. فدعا بظريفة فقال لها: ما ترين؟ فقد جاء بنوك بخير وبخصب أرض همدان وقد أسأنا جوار عك وكرهت المقام فيهم وأردت المسير إلى همدان فما ترين؟ قالت: أما عك أهل المكر فقد أرسلتم عليهم الأمر نقمة من نقم الدهر وأما أرض همدان فقد أعلمتكم بها منذ زمان. ثم قالت: والشهاب والفلك والنظرة والوعك ليتخلفن منكم حيان في عك ويملكنهم أيما ملك وليد ألن عليهم بالدك. فساروا إلى همدان وتخلف منهم حيان عنس وبولان فانتسبوا في عك إلى الآن. فقيل عنس وبولان ابنا أصحاب بن عك وإنما عك وبولان أصحاب الحارث بن مازن بن الأزد، فبينما هم في مسيرهم إذ قالت ظريفة لغلام لها - يقال له سنان -: يا سنان بشر الأزد غسان من ولد الأغر كهلان بالنصر على همدان والملكإلى زمان. فلما انتهوا إلى بلاد همدان لمهم الملك ثعلبة العنقاء ففزعوا أن يكون منهم إليهم ما كان منهم إلى عك بن عدنان بعد المواساة والإحسان قاموا عليهم فناصبوهم إلى القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً بموضع يقال له (البطحاء) فانهزمت همدان

стр. 279

ورحلوا عن بلادهم وأموالهم. فقال ثعلبة بن عمرو: لا تمسوا شيئاً من أموالهم فانظروا إلى موضع من بلادهم ترضونه فانزلوه إلى أن تروا مكاناً وترحلون عنهم فانا لا نريد الإقامة في بلادهم وهم كارهون، وأحسنوا جوار من رجع منهم. ثم بعث إلى همدان: هلموا إلى أموالكم وبلادكم فإنا لا حاجة لنا فيهم، فرجعوا فقالوا لهم: يا قومنا وقعت بيننا وبينكم قتلى كانت حياتهم خيراً لنا ولكم من موتهم وليس بد من المقدور فاطمأنت همدان ورجعت إلى منازلها وأصلحت مع غسان. قال ثعلبة لهمدان: يا قومنا نريد أن نرحل عنكم، فقالت همدان: أيها الملك سخطنا قدومك وأساءتنا رحلتك، فما أحسن الفرقة قبل المعرفة، وأحسن الاجتماع بعد الفرقة. ثم إن ثعلبة وغسان رحلوا وتخلف في بلاد همدان بنو وادعة ابن عمرو فأحسنت همدان جوارهم وملكوهم على أنفسهم وأسندوا إليهم أمورهم حتى دعاهم ذلك إلى أن انتسبوا إليهم فقيل وادعة بن عمرو بن جشم بن حاشد بن همدان. فلما اجمعوا للمسير دعا ثعلبة ظريفة فقال لها: يا ابنة الخير أين ترين وجه السير؟ فقالت: والبرق والبيان والذهب والعقيان لتحار بن الفرسان ولتلقون خيلاً ذات سنان ذوي أسل وأبدان وصفائح الإيمان. فقدموا إلى أهل بنجران فعليكم بنجران فلما آتوها لقيهم مذحج سعد العشيرة فقاتلوهم حتى حال بينهم الليل. فلما هدأ الناس نادت ظريفة في جوف الليل: يا بني عمرو بن عامر يا عظام المنابر قد جرى لكم خير طائر فإذا أضاء صبح وأصبح واعتلج الليل وبرح، فوبى لمن أفلح ونظر في أمره والصلح. فلما أصبح غدوا إلى مذحج فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزم قبائل مذحج ووقعت بينهم قتلى، ثم تصالحت غسان مع مذحج وانتسبت في مذحج من غسان بنو زيد بن الهبور وصاروا معهم أخوة فيقال

стр. 280

إلى اليوم بنو زيد بن الحارث بن كعب بن عبيد بن خالد بن مالك. ثم أجمع ثعلبة على المسير فقال لظريفة: أين ترين لبنيك المسير؟ فقالت: نحو السراة عجلوا الرحيلا ... لا تجعلوا من دونها بديلا أصبح وجه الأمر مستحيلا ثم قالت: يا ثعلبة من هذا المكان أحكم بالبيان امضوا الآن مسرعين ويتخلف منكم حيان. فمن كان منكم ذا هم بعيد ومراد جديد وحمل شديد فليأت كابر وليد وقصر عمان المشيد فأنت هذه نصر الأزد. فسار من سار إلى عمان من الأزد وكان الذين تحملوا إلى عمان بنو نصر ابن الأزد هم أهل بيت عمرو بن الخليد بن البكير وسار بهم رئيسهم خيوان بن سالم بن ناهدة بن عمرو بن نصر بن الأزد فنزلوا عمان والبحرين ثم قالت: يا ثعلبة من كان منكم ذا هم أمدن وخيل أدكن فليلحق أرض شنء - فكانت هذه صفات أزد شنوءة - فلحق بهم عون بن عدي بن حارثة بن عمرو وهؤلاء أزد شنوءة. ثم قالت: يا ثعلبة من كان منكم ذا حاجة وأسر وأناة وصبر على أزمات الدهر فلينزل الأراك من بطن مر - فأنت هذه صفة خزاعة - فسارت خزاعة حتى نزلوا ببطن مر. ثم قالت: من كان منكم ذا رمح نجل وسيف نصل ورأي جزل وقول فصل - يريد صدق القول - والراسيات في الوحل المطعمات في المحل يعلم بعد الجهل وينصر خاتم الرسل فلينزل بيثرب ذات النخل - وهي المدينة - فنزلت بها قبيلتان: الأوس والخزرج - أهل الوجوه الوضية والأنفس الرضية والمناقب السنية فليخرجوا قبل نزول المنية وحلول القضية ولينزلوا

стр. 281

بيثرب بجوار هزان بن حمير ذات التيجان أفضل الأخوان والجيران - فخرج حارثة وأخوته بنو ثعلبة العنقاء. قالت له: يا ثعلبة تفرق قومك ثم تلحق بنيك فمن كان منكم يريد بلداً عالياً وعيشاً راضياً وخيلاً صوافنا وملكاً دانياً فليلحق بالمشرق من أرض بابل بين القبائل في أطيب المنازل وأحسن المناهل وأعلى المعاقل - فهذه صفة بني همدان بن الأزد - فسار نحو العراق إلى بابل. ثم قالت: ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً وديباجاً وحريراً وملكاً كبيراً وتأميراً فليأت بصري وحفيراً ودمشقاً وغويراً، ومن كان وجهه منيراً وفرسه حميراً وطعمه قديراً وولده كثيراً فليمض إلى دمشق - فكانت هذه صفة علبة بن عمرو بن عامر - وعلبة هو فنة، فسار جفنة وبنوه وكان لعلبة ولد كثير - وهو أعز غسان وأعز ولد عمرو بن عامر - وتخلف بمأرب مالك بن النعمان بن عمرو ابن مازن بن الأزد بعد خروج عمرو بن عامر على متخلف من وشل الأزد. ونزل السراة من لأزد بنو هبير بن الهبور بن الأزد، والبعض من ولد الهبور بن دهمان وأمر وآهلة ابنا عبد الله بن نصر بن كعب بن الأزد - وهم أزد شنوءة - فهذه القبائل الذين سكنوا السراة بظهر الجبل الذي يقال له (الحجاز) أعلى نجد شديد البرد والحجاز ما حجز بين نجد وتهامة. ففي أعلى نجد الحر في الشتاء والصيف وفي أسفله غور في الشتاء بارد، ونزل سهب ومنهب وراسب بنو مالك بن نصر بن الأزد - وهم برق دهمان بن دهوان بن كعب بن نصر بن الأزد وهم اولاد عامر الجادر أول من جعل للبيت جداراً - وهو الجادر بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد - وهم أهل بيت المهلب بن أبي صفرة - وهو ظالم بن سراق

стр. 282

ثم قالت ظريفة لحارثة ولولده: خذوا الجمل الأزور فضرجوه بالدم الأحمر وأرسلوه يمشي على قدر حتى ينزل بكم البلد الأغر بلد النبي الأزهر ﵌. فنزلوا هؤلاء القبائل الذين نزلوا السراة الذي يقال له الحجاز - لأنه حجز بين نجد وتهامة - وهو السراة - وإنما سمي السراة لاستوائه كاستواء سراة الفرس - وأقام بالسراة من غسان من ولد عمرو بن عامر وولد عمران بن عامر. ثم سار ثعلبة بن عمرو في أصحابه ووجوه قومه، حتى إذا كان ببعض الطريق قالت لهم ظريفة: وحق ما نزل من علمي بالبيان وما نطق به اللسان ما أعلم مني إلا الرب الأعظم رب جميع الأمم إني لا أرى علماً يكتم، قالوا: ما ذاك يا ظريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم فانحروه وخصبوه بالدم حتى تأتوا أرض جرهم ولا تبغ بالغلبة فتندم وكف يسلموا وتسلم جوار بيت الله الحرام بيت بناه النبي الأكرم خليل الولي المنعم بيت النبي الأعظم يقتل من كفر وأجرم. قال: فأخذوا الجمل فنحروه ثم مضوا حتى انتهوا إلى مكة فأصابوا بها جرهم وبني إسماعيل. فقال ثعلبة لجرهم: يا معشر جرهم أنتم أهل العز ولكم البأس والمجد ولكم على الناس حق بولايتكم هذا البيت ولسنا نحب أن يكون بينا وبينكم حرب فانا ما نصب لنا أحد من الناس حرباً إلا نصرنا عليه فخلوا لنا السهل والوطاء حتى تشحم وتلحم أنعامنا ونمضي عنكم ولا يكون بيننا وبينكم حرب فإنكم لا تدرون لمن تكون الغلبة ألكم أن عليكم. فغضبت جرهم وقالت: ما كنا نرى أن يطمع فينا أحد بهذا أو يرجوه. ثم تهيئوا للقتال هم وبنو إسماعيل وكانت جرهم وبنو إسماعيل قليلاً - فهزموهم حتى أدخلوهم مكة واستغاثوا بالحرم. وأقام ثعلبة بمكة في بطحائها. فذاق شدة العيش هو وأصحابه، ثم شخصوا عنها وبقي بمكة من

стр. 283

غسان أبو حارثة بن عمرو بن عامر فولي أمرها فأخذه الرعاف ومات، فكان كل من وليها منهم لا يقيم إلا سبعة أيام ثم يموت من الرعاف. ثم عم الرعاف عليهم فكانوا لا يتداركون، فهربوا ولحقوا ثعلبة. وإن ثعلبة انتهى إلى الجحفة. فلما بلغ المشلل قالت ظريفة: يا بني عمرو بن عامر أوصيكم - فقد حان موتي - ولكل أمر نبأ ولكل نبأ يولد ارتضاء، ثم قالت: انزلوا وأقيموا فاني ميتة هذه الليلة وقد رأيت أن علمي يخلفني فيه مولودان في هذه الليلة فجعلهما الله آية للأولين والآخرين فهو مولود من غسان - ويقال له مسعود بن مازن بن ذؤيب بن عدي - ثم قالت: والاسم والرياء والعلم والإباء والنور والضياء لقد ولد في تميم آخر من بني العم ليس له مفصل ولا عظم يخرج ممسوحاً ثم تموت أمه لسبع ليال ينبئ بالزيادة والنقصان إلى فراغ الخلق والزمان واقسم بالنور والفلق ما له رأس ولا عنق فكان يكبر كل شيء حتى صار كالرجل من أهل زمانه، وماتت أمه لسبعة أيام من مولده فأتوا به إلى ظريفة ففتحت فمه فنفثت فيه وقالت: لا تسقوه لبن امرأة وأغذوه فإن هذا يكفيه إلى بلوغه ثم قالت: أنت خليفتي من بعدي، ثم قالت: اقسم بالله يمين الحق ليأتين مثل هذا شق يعلم ما جل وما دق به يد واحدة ورجل واحدة وآية الله عليه شاهدة يعلم ما خفي وما ظهر يبني بالحق عند تصديق الخبر فأتوها به فتفلت في فمه وقالت له: أنت خليفتي من بعدي، ثم قالت: يا ثعلبة إذا جاوزت الحجر والمقام فانزلوا على الأعلام من أرض الشام، فإذا آتاك الملك الأعجم في الجحفل العرمرم فقوموا عند انصر أم الليل الأدهم فالتمسوا امرأة في جيبها إرقم فقلدوها الحرب الأصم، ثم سر أنت في

стр. 284

الجيش اللهام إلى البلد الحرام. ثم قالت: إن ابنة الخير لها أعجوبة ... وميتة تقضي لها مكتوبة يؤدي بها في ليلة العروبة فماتت ليلة الجمعة في عقبة الجحفة وقبرها هناك مشهور، وإن عمرو ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر نزل مكة فاحتقر فيها بئراً وسماها غسان وخزاعة من بني عمران الكاهن ولما تخزعت خزاعة قال فيهم عمرو ابن أنيف الغساني: ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في بطون كراكر حمت كل واد من تهامة واحتمت ... بيض القنا والمرهفات البواتر ولما نزلت أزد شنوءة السراة وجدوا بها امرأة من قوم عاد بن قحطان فقالت لهم: إني بقية من قوم عاد أنا أعلم بالبلاد منكم فاحملوني على بعير وسيروا بي أخبركم عن الأرضين. فحملوها على بعير، فلم يستقل بها فقالوا لها: ما نجد بعيراً يحملك؟ فقالت: هل من ناقة هبراء فحملوها عليها فسارت بهم حتى أتت أرضاً تسمى ظطرب فقالت: هذه طرب حجرها ضر وجبلها وعر يلقى الراعي بها شر. ثم خرجت بهم حتى أتت كراء. فقالت: هذا كراء مرملة قاتلة للنساء، ثم سارت إلى بيشة فقالت: منزلة خربة آمنة مانعة. فنزلت الأزد بهذه المنازل كلها. فقال لها رجل يومئذ - أي القسي خير - قال: أما السدرة فإنها مذرة هذرة ولكن عليك بالتبع فأنه أصلب عند تقارب النزع وإياك والشريان فإنها قسي الصبيان. ثم ساروا عنها وتركوها بالوادي، فقامت أزد شنوءة بالسراة

стр. 285

وسارت منهم قبائل إلى عمان - فأول من خرج بهم مالك بن فهم - وكان سبب خروجه إنه كان له جارة وكان لجارته كلبة وكان له أخ له أولاد كثيرة، فرمى ابن أخيه كلبة جارته فقتلها، وكان بنو أخيه أكثر من بنيه، فلم يستطع أن يفعل في بني أخيه شيئاً فغضب وقال: والله لا أقيم ببلد يفعل هذا فيه بضيفي، فسار حتى نزل عمان فسمي الموضع الذي رحل إليه نجد الكلبة إلى اليوم. فلما ورد مالك بن فهم عمان تزوج بها امرأة من بني عبد القيس فولدت له غلماناً كثيرة وكان أصغرهم سليمة وأنه أناخ إبله ذات ليلة وخشي عليها الطرد فعقلها ومعه سليمة فباتا فيها. فلما كان في الليل قام يفتقد عقلها فرآه سليمة وهو يكب عليها ويرفع رأسه فظن إنه لص فنزع له سهماً فرماه فقطع نساه فقتله ثم لحق بعمان ثم أن الأزد ضاقت بهم أرض السراة فخرج من كل قبيلة منهم ناس، فخرج بنو رابعة بن عمران وبنو حارثة بن عمرو وبنو غالب بن دهران، فخرجوا ونزلوا بالشعب من أرض عمان فقال في ذلك شاعر من غسان: كونوا كعمران إذ سبه محلته ... فقال حبس وضيف بات في رصد شد المطي على الانساع فانشمرت ... تطوى الصحاصح حتى منتهى الرصد وان ثعلبة العنقاء سار حتى قدم الشام - وكان أكثر من مضى إلى الشام بنو جفنة بن عمرو بن عامر - فلما نزلوا بالشام عورض ثعلبة العنقاء وكان جميلاً فقتلته الجن فاستحلف ابنه حارثة وهو ابن الأوس والخزرج وأمره أن يشاور في أمره جذع بن سنان ولا يعصيه. فكان جذع ذا رأي مبين على ما كان من عوره وصممه - وكان شجاعاً لا يملأ قلبه شيء - ومات ثعلبة
следующие страницы →