Полный текст (489 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
والجواري يصبن الماء صباً فميزهم على ذلك. ودعا بالخيل، فقال: نتجن في يوم واحد، وقال: هذا خال هذا وهذا عم هذا، وهذا ابن عم هذا وهذا ابن أخ هذا، حتى فرغ منهن والوفد ينظرون إليه في كتابهم والنقش بعلامتهن. ثم دعا بالخرزة التي لم تثقب فوضعها بين يديه ثم قال لمن حضر: من يثقبها؟ فتكلمت دودة بين يديه فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال: نعم. فلزمت الخرزة الدودة تثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر في ثلاثة أيام. ثم انطلقت لرزقها. ثم دعا بالحق فحركه، ثم قال: فيه جوهر عدة الجوهر كذا وكذا والزمرد كذا وكذا والياقوت الأحمر كذا وكذا والياقوت الأصفر كذا وكذا والأبيض كذا وكذا، حتى فرغ من جميع ذلك والوفد ينظرون. ثم دعا بالخرزة الملوي ثقبها، وقال لمن بحضرته: أيكم يأخذ هذه الخرزة الملوي ثقبها فيدخل فيها خيطاً؟ فأجابته دودة تكون في القصقصة وقالت: أنا أدخله فيها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال سليمان: ذلك لك. فأخذت خيطاً فأتقنته في رأسها ودخلت في الخرزة من ثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم انطلقت إلى رزقها وهو في الخشب. ثم أن سليمان رد جميع ما أمرت به إليه وقال - وقد ذكر الله ذلك في كتابه ﴿أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون﴾ - ثم قال سليمان حين ولي الوفد إليها: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾ يقول: قبل أن تحرم علي أموالهم ﴿قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا واني عليه لقوي أمين﴾.
قال: وكان سليمان إذا أصبح جلس بجلسائه مجلساً يقضي فيه بين الناس ويأمرهم بأمره، فلا يزال فيه
стр. 422
حتى يؤذيه حر الشمس فعنى ذلك المقام. قال سليمان: أريد أعجل من هذا، قال رجل من الأنس - يقال له آصف بن برخيا فيما يذكر قد تعلم اسم الله الأكبر - قال معاوية: هبلتك الهبول يا عبيد أو كان آصف يعلم ما تقول والسحر يوم نسبته إلى علمه - وهو الذي كان وضعه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كان آصف فيما بلغنا كاتب سليمان بن داود وكان من أعلم الناس وأكابرهم عنده وأشدهم إيماناً به، وكان سليمان لا يحجبه عنه إذا كان عند نسائه. فلما فتن سليمان أنكر آصف أعمال ذلك الشيطان الذي فتن سليمان - وهو الذي دخل على نسائه يسألهن عن سليمان، فأخبرنه أن سليمان كان لم يأتهن ولم يقربهن عند المحيض فإذا قلن له: إنا لا نصلي رجع عنهن بعد حرص منه عليهن، فإذا طهران لم يأتهن ولم يقربهن ولم يرنه - وقال آصف - وقد انطرت من قضائه لما أبصرت من عدله وأظهره من جوره فيذكر يا أمير المؤمنين أن ذلك الشيطان أمر بسحب فكتب، ثم دفن تحت كرسي سليمان بن داود واسنده إلى آصف بن برخيا، ثم أخرجه للناس. فلما رجع سليمان إلى ملكه ورد الله نعمته وكرامته، لم يلبث إلا قليلاً حتى قبضه الله غليه ولج المجرمون باستعمال ذلك الكتاب وتصديقه. قال معاوية: فكيف لم يعلم آصف بن برخيا أن ذلك الشيطان صنع السحر ودفنه تحت الكرسي وألجأه إليه؟ قال عبيد: دخلت الفتنة يا أمير المؤمنين من ذهاب علمه كما ابتلى به سليمان وهو فتنته لما رأى من سيرته.
قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك الأول. قال: فانطلق آصف وتوضأ ثم صلى ركعتين، ثم دعا بالاسم الأعظم، فذكر يا أمير المؤمنين أن السرير بما عليه مثل بين يدي سليمان بن داود وكان في جوف بيت في جوفه سبعة أبيات، على كل بيت باب، ولكل باب قفل حديد، والمفاتيح عندها - فلما رأى سليمان السرير من
ذهب ولؤلؤ وجوهر ﴿قال
стр. 423
نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾. قال معاوية: وما تلك النكرة يا عبيد؟ قال: زيدوا فيه وانقصوا منه ننظر أتهتدي يقول: تعرف العرش إذا جاءت أم لا تعرفه؟ قال معاوية: وما يدريك إن هذا كذلك؟ قال: سمعت ابن عباس يا أمير المؤمنين يذكر ذلك. قال: وسألته عن القرآن أيضاً فما يفسر من الظاهر شيئاً إلا وأنا أعرفه وأعلمه. قال معاوية: أوله باطن. قال: كذلك سمعت ابن عباس يذكر. قال معاوية: ما تركت شيئاً يا أخا جرهم إلا وقد دخلت فيه وطلبت علمه! قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين القرآن أحق ما دخلت فيه وطلبت علمه. قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك. قال: فلما دخل الوفد عليها أمرت بالجهاز وسارت في اثني عشر ألف قيل من رؤوس قومها وخيارهم، وأخذ كل واحد من وجوه أصحابه وجنده وأفاضل أهل بيته وقادة خيوله مائة رجل. فقدمت على سليمان بن داود في اثني عشر ألف قيل ومائة وعشرين ألف فارس غير الرجل. فلما دخلت على سليمان بن داود تركها ثلاثة أيام، فقال لها قومها: ما تقولين في أمر هذا الرجل؟ أتدخلين في طاعته أن تحاربينه؟ أم هل تيقنت إنه نبي؟ قالت: سأعلمكم منه ما تعرفون - أهو نبي أم ملك من هذه الملوك - أنظروا إليه، إذا أنا دخلت عليه، فإن أمرني بالجلوس فهو ملك فإن الملوك لا تجلس عندهم إلا بإذنهم - فما أقل من يجلس عند الملك إلا خاصته - وإنه إن لم ينهني ولم يأمرني فإنه نبي مع إني سأسأله عن ثلاثة أشياء لا أشك فيها. فإن أخبرني بها فإنه نبي وأنا داخلة ولا طاقة لكم به، وإن لم يخبرني فليس بنبي. فلما أراد سليمان دخولها إليه ووصولها إلى ما بين يديه أمر الجن فجعلوا عن يمينه وعن شماله حائطين مموهين بالذهب الأحمر، وبنوا من وراء ذلك مجلساً له وداراً، وجعلوا الدار لبناً مموهاً بالذهب غير موضع لبنة،
стр. 424
ثم أذن لها بالدخول، فدخلت الدار فلما مرت بالحائطين نظرت إليهما، ثم دخلت فرأت
أرضاً وحيطانها من ذهب فتصعر عندها ملكها ورأت شيئاً لا يشبه ملكها الذي كانت فيه وسليمان قاعد في مجلسه في أقصى الدار ومعها لبنة من ذهب تريد إن أمرت بالجلوس أن تجلس عليها فضربت ببصرها فإذا على باب مجلس سليمان موضع لبنة من فرش الدار ليس فيه لبنة فكرهت حين رأت ذلك أن تمضي بما في يديها فيتهمونها باللبنة، فرمت بلبنتها في ذلك الموضع وسليمان ينظر إليها. فلما دخلت عليه سلمت عليه وحيته بتحية الملوك، ثم قامت بين يديه ساعة لا يأمرها بالجلوس ولا ينهاها عن القيام، حتى إذا طال ذلك عليها رفع سليمان رأسه إليها فقال: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فمن شاء فليجلس ومن شاء فليقم؟ قالت: الآن علمت أنك نبي. قال لها: ومن أين تعلمت ذلك؟ قالت: علمت إنه لا يجلس عند الملوك إلا بإذنهم، وأما القيام فعندهم يقام وما أقل من يجلس عندهم إلا من كان من خاصتهم، ولكنك قلت قول أهل العلم بالله، وقد أتيتك وسألتك عن ثلاثة أشياء فإن أخبرتني بهن دخلت في طاعتك، وإن لم تفعل رأيت رأيي فيما بني وبينك قال سليمان: فاسألي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قالت: أخبرني عن ماء روى ليس من ارض ولا سماء، وشبه الولد إذا أشبه أباه وأمه من أين آتاه ذلك؟ وعن لون الرب ﵎. فسألته عن ذلك وهي مقابلة له على الكرسي، والأنس والجن عن يمينه وشماله. فقال سليمان للأنس: هل عندكم في هذا شيء؟ قالوا: نعم يا نبي الله مر لنا بخيل نركبها ونجربها حتى تعرق، ثم نحللها فإنه ينصب عرقها فنحن نأتيها من ذلك بماء روي ليس من أرش ولا سماء. قال سليمان: فأيتوني بذلك فجاءوا به قالت:
стр. 425
هذا قد جئت به فالخصلتين اللتين سألتك عنهما قال: أما شبه الولد فإن النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له وإن سبقت من المرأة كان الشبه لها. قال: صدقت. فالخصلة الثالثة: قال: ليس لي علم بالغيب ولكني أرغب إلى الله ربي، فرغب
سليمان في مجلسه ذلك إلى به فأوحى الله إليه إني قد أنسيتها ما سألتك، فاسألها عنه. فسألها فقالت: ما أدري ما سألتك عنه يا نبي الله. فعرض عليها الإسلام فقالت: انظر في ذلك يومي هذا. قال: فقالت الجن فيما بينها قد كنا في نصب من هذا الرجل القليل الغفلة فلا نقدر أن نفعل ما يريد، فكيف إذا اجتمعت هذه في رأيها وعلمها وعون الجن ونبوة سليمان الآن حجب عنا كب خير ونزل بنا كل شر فتعالوا نزهده فيها فإنه قد طمع فيها إن أسلمت أن يتزوجها؟ فقال لهم عفريت من الجن - يقال له زوبعة -: أنا أكفيكم سليمان. فآتاه فقال له: يا نبي الله بلغني أنك تريد تزوج هذه المرأة وأمها من الجن ولم تلد جنية من الأنس قط ابناً إلا كانت رجلاه مثل حافر الحمار. قال سليمان: وكيف لي أن أنظر إلى ذلك من غير أن تعلم ما نريد بها؟ قال: أنا أكفيك ذلك. قال: فصنع زوبعة لسليمان مجلساً وجعل أرض المجلس لجة فيها ماء وسمك يعني حيتاناً. ثم جعل من فوق ذلك صرحاً ممرداً من قوارير رقيق، ثم قال له: أرسل إليها تدخل، فإنك ترى الذي تريد منها. فبعث إليها وهو على كرسيه ليس في البيت مجلس غيره. فلما رأت ذلك الماء والسمك تجول فيه ضربت ببصرها إلى مكان تجلس فيه، فلم تجده فحسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوض في الماء إلى سليمان. فلما رآها ونظر إلى ساقيها - إذ عليهما شعر أسود في بياض الساقين - فقال لها سليمان: لا تكشفي غن شيء من ساقيك، فإنه صرح ممرد من قوارير. فنظرت فإذا ملكها ليس بشيء مع
стр. 426
ملك سليمان وإذا بها قد أيقنت إنه نبي. فعند ذلك قالت ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. فلما أسلمت وحسن إسلامها تزوجها سليمان، ودخل بها ثم أظهر لها الكراهة لما رأى من كثرة شعر ساقيها فقالت: يا نبي الله إن الرمانة لا يدرى ما طعمها حتى تذاق. قال سليمان: إنه لا يحلو في الفم ما لا يحلو في العين ثم انصرف. فقال بعض الجن - وكان يحب ما
وافق سليمان: يا نبي الله فهل كرهت منها غير الشعر؟ قال: لا. قال: فاني أعمل شيئاً فتطلبه فيتركها لك مثل الفضة البيضاء من غير عيب. فقال: افعل فصنع الجني النورة والزرنيخ، ثم بعث بها إليها وأحدث سليمان لها الحمام، فكانت أول نورة علمها مخلوق وأول حمام عمل لأحد، واتخذ ذلك الشيطان لها مطاحن الماء وضروب الصناعات وأعجب بها سليمان عجبا شديداً، وولدت له داو بن سليمان وملك سليمان أربعين عاماً وسرحها سليمان إلى مملكتها، وكان سليمان يأيتها في كل وقت فيقيم عندها سبعة أيام، ثم يسير في الأرض، وأعانها بالشياطين يعملون لها - فعامة صناعات اليمن من قبل الشياطين - ثم هلك سليمان - صلوات الله عليه - وولي بعده رحبعم بن سليمان، فأقام بعد سليمان، ثم مات واختلفت بعده ينو إسرائيل وماتت بلقيس بعد سليمان بشهر - رحمهما الله تعالى - وبلغنا في حديث آخر أن بلقيس ملكت سبعين سنة. والله أعلم أي ذلك كان.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر: قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال معاوية: كيف الشعر لله أبوك؟ قال: قال رجل من حمير يقال له
стр. 427
- الأعصم بن عمرو بن سلمة بن زيد بن خيار بن المنتاب بن زيد بن عملاق - هذا الشعر الذي يقول فيه:
إن يكن الدهر أتى عامداً ... لخير أملاك الدهور الخوالي
معتمداً قهراً نبي الهدى ... وخير خلق الله في كل حال
أعني ابن داود سليمان إذ ... علا على الناس بحسن الفعال
ومد في الملك شياعاً لنا ... بيوم يمن ليس يوم الشمال
فإن فينا من بني حمير ... فوراس الهيجاء يوم النزال
كنا شر الخير وأعراقه ... ومرغم الملك جزيل النوال
قال معاوية: يا عبيد الله أبوك أخبرني عن بلقيس كيف آتاها الهدهد بالكتاب؟ قال
عبيد: قول الله أصدق وقد أعلمتك لست بمحدث بشيء ليس في القرآن ولست بواصف خبراً بلغني بعدما قال الله ﵎، ولكن قد قال في ذلك رجل من أهل اليمن من أهل بيت الملك شعراً - يقال له النعمان بن الأسود بن المعروف بن عمرو بن يعفر - قال معاوية: وما قال عبيد: اسمعني ذلك حتى أعلم، قال عبيد هذا الشعر الذي يقول فيه:
زال دهري وقد أراني سروراً ... دهر من كان بالحمام نذيرا
حمير الخير قد رأيتك قدماً ... قبل دهر به سكنتم قبورا
حمير الخير قد نزلت عصارا ... من زمان الدهور ملكاً هريرا
стр. 428
نعماً يا لها أناخت بشرق الأرض ... وغرب البلاد بالخير زورا
وغزوت البلاد عوداً وبدأ ... وعلى ملكنا السحاب المطيرا
صاح إن كان ملك حمير أودى ... بعد أن كان قبل صنعاً حرورا
فهم اليوم جبأة وزمام ... وأرى من بقي إليهم مجيرا
قرة العين من ذوي أهل عز ... وديار الزمان كفوا إليهم مجيرا
وسما الملك للنبي سليمان ... مع البر واصطفاه قديرا
جاءنا بالكتاب منه رسول ... بعجب لم يأت فيه غرورا
نظرت نعمة من الله حقا ... ببيان الهدى آتاه بشيرا
نظرت في الكتاب بلقيس عجباً ... فرأت منظراً مهيباً نضيرا
أرسلت في مقاول الملك إني ... ناظر في الغداة أمراً منيرا
فأشيروا بمشورة بصواب ... إن منكم لنا صحا ومشيرا
أن يزوروا بلادكم يفسدوها ... وأتوا في البلاد أمراً نكيرا
قال أهل النهاء والقول أنا ... أول الناس نستذل الفجورا
فأليك الأمر منا فامضي ... ما أردت الغداة منا سرورا
قالت اهدي وذلك عندي من الرأي ... وفينا بنو الكرام ظهروا
وبنا في القلوب من كل سوء ... يسيروا من عديد ذاك نظيرا
أرسلت بين عاتق وغلام ... كي يميز من النساء الذكورا
وعناقاً من الخيول جياداً ... ملبسات من الملاء حريرا
وزمرد في قعر حق عجيب ... ملحم ما يرون فيه فطورا
مع وفد أعزة ذي بهاء ... قصد خير الأنام حتماً وخيرا
قال معاوية: يا عبيد دع عنك هذا وأخبرني عن الملك كيف عاد إلى حمير
стр. 429
بعد نبي الله سليمان بن داود وبعد ابنه بعد أن خرج من أيديهم وفارقهم من أول من قام منهم؟ قال عبيد: أول من قام منهم يا أمير المؤمنين.
ناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو
ابن شرحبيل بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن اجتمعت عليه اليمن وبعث الجيوش إلى كل من ناوأه ووطئ البلاد التي كان آباؤه يطئونها قبله واشتد سلطانه فسماه قومه ناشر النعم. قال معاوية: ولم سماه قومه بهذا الاسم؟ قال عبيد: يا معاوية أنعم عليهم فيما ارتجع من ملكهم وجمع الأمر لهم. قال: ثم سار بنفسه غازياً نحو المغرب فدوخها ووطئها حتى بلغ وادي الرمل لم يبلغ ذلك الوادي ولا تلك الأرض من أهل بيته غيره. فلما أتى إلى الوادي الذي يسيل رملاً لم يجد مخرجاً ولا مجازاً حتى جاء يوم السبت فلا يجري فلم يجده يسير، وأمر رجلاً من أهل بيته يعبر الوادي وكان يقال له عمرو بن زيد بأصحابه، فلم يرجع منهم أحد. فلما رأى ذلك ناشر النعم كف عن العبور، وأمر عند ذلك بصنم من نحاس فنصب على صخرة، ثم كتب على صدر ذلك الصنم بكتاب المسند - وهو كتاب الحميري - أبياتاً من شعر كتاباً ابتدعته حمير، لأن لا يكتبه غيرهم، يذكر فيه صفته وما بلغوا. قال معاوية: وما الكتاب الذي كتبوا
والشعر؟ قال عبيد: كتب فيه (صنع هذا الصنم الملك الحميري ناشر النعم اليعفري ليس وراء هذا مذهب فلا يتكلف أحد المضي فيعطب) فأما الشعر فأبيات كتبها في الصنم يقول فيها:
стр. 430
أنا الصنم الذي هيئا مكاني ... نبوءة المقاول والهبول
نصبت فلم أزل صنماً مقيماً ... لحمير للشباب وللكهول
فما أحد يجاوزني فيحيا ... إلى الجبل المطل على السهول
ليعلم من آتاني من أمامي ... فليس له ورائي من سبيل
قال معاوية: إنك لتخبرنا عجباً! قال: يا أمير المؤمنين إن أمر حمير كان أعجب من ذلك في مسيرها البلاد واستخدامها العباد. قال معاوية: وما ذلك يا عبيد لله أبوك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كانوا في رفاهية من العيش ونعم من ملك دنيا زينوها فكانوا ينزعون إلى دار ملكهم ويدعون ما قد احتووا عليه. فقال معاوية: فهل قيل في ناشر النعم شعر وفي الصنم والوادي الذي انتهى إليه؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال علقمة بن زيد بن يعفر بن عمرو شعراً. قال معاوية: ما قال؟ يا عبيد: قال - قال هذا الشعر:
أيا ناشر الأملاك قد نلت خطة ... علت فوق أملاك الملوك القماقم
سلكت غروب الأرض غاز بجحفل ... للاد الأعادي غير أرض الأشاتم
تفض جموعاً كالجبال لتنتهي ... إلى مبلغ في البعد غير التهائم
أتيت بنا واد حثيث مسيره ... برمل تراه كالجبال الرواسم
يسير أنهاراً والليالي دائبا ... بأمر إله ليس أمر الأوادم
وأوردته منا أولى الفضل والنهي ... لنعلم من أسبابه كل قادم
فهد جناحي المسقر فجعة ... فذاك ابن عمي وابن عز خضارم
فودعني عمرو عليه تحيني ... وافردني عمرو لهم مراغم
فلا مبلغ في البعد يأتيه معشر ... فيمضي إليه بعد شخص مرائم
بتسطير خط من كتاب ابن حمير ... بأن ليس بعدي من مضي لحازم
стр. 431
ولا مذهب من خلف ما قد أتيته ... بني حمير خير الأنام الأكارم
قال عبيد: وقد قال يا أمير المؤمنين ابن عمه النعمان بن الأسود بن المعترف فيما كان من مسيره وما ذكر من رد الملك إلى حمير وأنعامه عليهم في ذلك شعراً - يقول فيه:
فأنت أبيت اللعن في كل شارق ... وفزت بملك ذي بقاء إلى الحشر
لعمري لقد جللت حمير نعمة ... وأفضيت من أكتافها الحي من بكر
فأرجعتها الملك الذي كان قد وهى ... فأنت أبيت اللعن ذو النعم الزهر
ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً ووخى على قدر
لما كان أنس يبتغي أن يرومها ... ولا الجن إذ نحن إلا قاصم للظهر
ولكن قضاء كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبي الله داود ذي النصر
فذاك سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً عليه وعن أمر
فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الحبر عصراً من الدهر
ونحن ملوك الناس والمقتدى بنا ... إلى أن يصير الملك حيناً إلى قهر
يكون نبي أمره غير واهن ... رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
يكون له منا وأحمد اسمه ... غطاريف صدق في التعاون والنصر
وسوف بطا السودان أرض ابن حمير ... فتعمر عشراً أو قريباً من العشر
فيبتزها الملك الذي كان قد وهى ... شديد مقام الشخص منشرح الصدر
فيسلبها الملك الذي كان قد وهى ... نبي كريم النفس منشرح الصدر
أحمير سيري في البلاد لعزكم ... فإن المعالي لا تنال بلا قهر
قال عبيد: ثم انصرف من غزوته يا أمير المؤمنين، فلم يلبث حتى
стр. 432
هلك. قال
معاوية: لله أبوك، فكم ملك، ومن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ناشر النعم مائة سنة وإحدى وثمانين سنة - ثم ملك من بعده.
شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش
قال معاوية: ولم سمي يرعش؟ قال: لأنه كان به ارتعاش، وأنه سار بعدما ملك سنين نحو المشرق وسواحل البحر دخل أرض العراق في جمع لا يسمع برجل منهم سار في مثله من الخيل والرجال وكثرة العدد والعدة والقوة، ثم توجه إلى أرض الصين يريدها فكانت طريقه على أرض فارس وسجستان حتى دخل خراسان. فكان يأمر أهل مملكته أن لا يتنحوا عنه ويبعثوا إليه بالهدايا خوفاً ويطلبون منه الأمان فيؤمنهم ويبعثون بالأدلاء معه حتى انتهى إلى نهر بلخ فبينما هو يسير كذلك، إذ أقبل إليه ما لا يعلمه إلا الله من تلك الأمم من الأعاجم، وكان قد بلغه مسيره فاجتمعت تلك القبائل من أحياء الأعاجم ليصطلموا ذلك الجند من العرب. فقاتلهم أياماً ثم ظفر بهم فمزقهم كل ممزق وتبعهم مسيرة أيام - وكان للقوم مكان فيه سفنهم التي عليها يعبرون - فانتهوا إليها، والعرب في أثرهم حتى قاتلوهم على سفنهم التي عليها يعبرون فأخذوها وعبر من سلم منهم إلى بلادهم. وركب شمر وأصحابه السفن التي أخذوها منهم فعبروا على أثرهم وهم على مهل فاتبعوا القوم إلى بلادهم، فرأوا بلاداً كثيرة الخير واسعة المنشر، فحضروا المدائن وافتتحوا الحصون وحووا الأموال حتى أتوا على جمع لهم عظيم بالسغد فقاتلوهم أياماً، ثم أن شمر وأصحابه ظفروا بهم فدخلوا مدينة السغد فقتلوا وسبوا وهدموا المدينة - واسمها يومئذ اسم أعجمي، ثم
стр. 433
سماها الأعاجم بشمر فيقال لها شمر كند - قال معاوية: وما يعنون بشمر كند؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين لأن شمر هدمها فسميت به. قال معاوية: فما بالها اليوم تسمى سمرقند؟ قال عبيد: أن لغة العجم غير لغة العرب.
قال معاوية: صدقت، فماذا صنع شمر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين بلغنا إنه سار إلى مدينة السغد فنزل بها وأمر بصخرة فكتب فيها بكتاب حميري وهذا الذي يقال له المسند وهو هذا القول: هذا ملك عرب وعجم شمر يرعش الملك الأشم من بلغ هذا المكان فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني لا أعلم إلا ذلك، فأما الحديث فقد أصبته وهو على ذلك وأنا أرجو أن يظهر الله أمير المؤمنين بذلك الموضع من الأرض فيعلم إني قد أديت إليه من حديثي علماً. قال معاوية: أللهم أرنا تصديق قول بن شؤية، فإنه يذكر عجباً وإن شاء ربي فعل ذلك! فبلغني عن الشعبي إنه ذكر عن رجل من حيوان همدان - يقال له عبد الله - قال: بينما نحن بالسغد مع قتيبة بن مسلم الباهلي وافتتح سمرقند إذ نظر إلى حجر ملصق على الباب فيه خطوط كأنها بالعربية وليست بها، قال: والله إني لأظن هذا الكتاب لبعض ملوك حمير اطلبوا إلي منهم رجلاً حديث العهد باليمن يعرف كتابة حمير فقيل له: هذا عثمان بن أبي سعيد الحيواني قال: فجاء الرسول وأنا وإياه في خيمة فانطلق به إليه فقرأه على مثل ما ذكره عبيد لمعاوية ورواه عنه من رواه على ذلك. قال معاوية: فما قال قتيبة؟ قال: قال شراً، ثم قال: لو تقدمت سرادقي شيئاً؟ قال له الحيواني: ليس القليل بالذي عنى ولكن من ملك أرضاً غيرها يتقدم إليها. فاسكت قتيبة وقدم سرادقه وراء ذلك،
стр. 434
فلم يزل هنالك مقيماً حتى انصرف من وجهه ذلك. ثم قال معاوية: هل سمعت في ذلك شعراً يا عبيد؟ قال: نعم، قال الباني بن المننتاب شعراً. قال معاوية: فكيف قال يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين قال هذا الشعر:
تقول عرسي حين جد النوى ... حتى متى أنت تريد الثوى
أليس في عيشي قد أوتيتم ... مقام ذي الدهر قصى أو دنا
فقلت إذ قالت فما ضرنا ... إذ نحن لم نسمو لسفك الدما
تأمرني أن أكون جليساً لها ... وأترك الإقدام يوم الوغا
وحمير تسمو بأفعالها ... فيها رئيس القوم يوم اللقا
وشمر الراعش قد قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا
فقد وطئنا الأرض عليانها ... شرقاً وغرباً كالليوث الضرا
فشمر الراعش إذ قادنا ... بجحفل أرعن يغشى السها
فكان يوماً معظماً شأنه ... أورد بالعليا وذاك الشفا
فسائلي عنا لكي تخبري ... في مشرق الأرض إذا الدهر فا
يخبرك العالم عن حمير ... وجمعها بالسغد يوم الردى
أنا أبحنا أرضها كلها ... بقوم حرب كعديد الدبا
حتى أبدناهم بها عنوة ... ثم علوناهم بذبح وحى
وجاءت الفرسان من سيبها ... بكل بيضاء كعفر الضبا
وغودر الحصن بها عنوة ... ومثل الخط بصخر الصفا
يكون للعابر إن رامه ... أمراً عجيباً من ملوك الثرى
ويقال: إن سبب خروج شمر من اليمن إلى المشرق أم ملكاً من ملوك بابل - يقال له كيفاؤش بن كتيكة تجبر وبنى صرحاً للرقي فيه إلى السماء
стр. 435
كما فعل فرعون وهامان - فمضى غليه شمر بجنوده فحاربه فظفر به شمر وقفل راجعاً به إلى اليمن أسيراً فحبسه في بئر مأرب. ثم أن سعدى بنت شمر سمعت كيفاؤش يجار في تلك البئر فرحمته، فلم تزل تشفع إلى أبيها حتى أطلعته من السجن، وولاه على بلاده ورده إليها على خراج يؤديه في كل سنة. وقيل في رواية أخرى أن شمر لما افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين فخافه ملك الصين خوفاً عظيماً وعلم إنه لا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم وقال: قد أقبل هذا العربي ولا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم
وقال: قد اقبل هذا العربي لا طاقة لنا به فماذا ترون فأتى كل واحد منهم برأي وبقي منهم واحد لم يتكلم. فقال له: ما تقول؟ فقال: أرى أن تظهر الغضب علي وتجدع أنفي وتأخذ دوري وضياعي وأموالي ودوابي وعبيدي حتى يعلم الناس بذلك، فكره ذلك ملك الصين لعظم ذلك الوزير عنده، فلم يعذره ذلك الوزير حتى ساعده وفعل به ما أشار عليه به. فخرج ذلك الوزير من الصين حتى انتهى إلى شمر فأراه جدع أنفه وشكا عليه ما فعل به ملك الصين وأظهر لشمر يرعش النصيحة فجعله شمر يرعش من خاصته، ثم احتاج شمر إلى دليل يدله على الطريق إلى الصين في المفازة العظيمة التي دونه. فقال وزير ملك الصين لشمر: أنا الدليل ولا تجد أيها الملك من يعرف هذه المفازة ويعرف الطريق فيها مثلي. فنهض شمر يرعش بجنوده - وقيل إنه ترك التفقل الذي له ولجنوده في سمرقند - وسلك خلف الوزير، فسار بهم على غير طريق حتى بعدوا بعداً عظيماً وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا به ونفذ ما معهم من الماء. فقال شمر: أين الماء؟ فقال: لا ماء ها هنا إلا الموت، أردت أن تهلكنا وتهلك ملكنا وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، فوهبت نفسي لأهل بلادي فوقيتهم من الهلاك بنفسي وأنت ومن معك أحق بالهلاك من ملكنا
стр. 436
وأهل بلاده. فأمر به شمر فضربت عنقه، وأيقن شمر بالهلاك وقال لجنده: توجهوا أينما أحببتم، وفرش له درع من حديد فظلل عليه بدرقة من حديد فذكر عند ذلك قول قوم من المنجمين حكموا في ميلاده إنه يموت في بيت شقفه من حديد وفراشه من حديد. وذهب جنده كل منهم لوجهه فهلك أكثرهم في تلك المفازة، وتناشر من جنده ثلاثين ألفاً فوقعوا في أرض فيها الشجر والماء والنخيل - وهي بلاد التبت - فملكوها وتوطنوها، وبعدت عنهم أرض اليمن فسكنوا بها إلى اليوم، فزيهم زي العرب وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك منهم قائم بنفسه، وهم معترفون بأنهم من عرب اليمن، وهم يحبون العرب حباً
شديداً - وسمعت يا معاوية في رواية أخرى أن شمر قفل إلى اليمن غانماً سالماً حتى دخل اليمن وقرب من رثام، ثم هلك بينما الحديد من فوقه الحديد ومن تحته الحديد من حر النهار على ما ذكروا لما أصابه من المرض ثم هلك. والله أعلم أي ذلك كان! قال معاوية: فكم ملك شمر يرعش؟ قال عبيد: ملك مائة سنة وستين سنة. ثم ملك بعده ابنه.
تبع الاقرن وهو ذو القرنين
المذكور في القرآن الكريم وسمي الأقرن وذا القرنين لشيب كان فيه وهو على قرنيه - وكان ملكاً عظيماً عالماً حكيماً قد اطلع على علم الكتاب وسمع حكومات من ينظر في القرآنات - ويقال إنه القائل:
أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام
ويقال: إن أباه شمر الذي قالها. ويقال: بل الحارث الرائش قائلها، والله اعلم. وغزا تبع الاقرن جميع أطراف الأرض، فعاد إلى بلاد الروم
стр. 437
وأوغل فيها حتى قطعها، ووصف له أن بتلك الناحية وادياً فيه الياقوت وإن بالقرب منه عيناً يسمى ماؤها ماء الحياة الذي ظفر به الخضر دون ذي القرنين فلما بلغ إلى هذه الناحية أدرك الشتاء هناك، فمات فدفن هنالك، وكر أصحابه راجعين خوف الهلاك في ذلك الموضع - وهو موضع الظلمات - ولا يكون مظلماً إلا إذا بعدت الشمس عنه في الشتاء إذا انتهت في الجهة اليمانية، وهو عند دخول الشمس رأس الجدي تصير تلك الأيام ليلاً لا نهار فيها، فهلك من قبل أن يدخل في ذلك الوادي. فأرادت حمير أن تحمله إلى اليمن، ثم بدا لهم فقبروه هناك. قال معاوية: فكم كان ملكه يا عبيد؟ وهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين ملك مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة. فقال فيه التامر بن عمرو بن الغوث بن ذي الادغار - وهو بن عمه - هذا الشعر. قال معاوية: فهات، فأنشأ عبيد يقول:
أن تمس باللحد أبا مالك ... يسفى عليك المور بالحاصب
بدار بعد من وطا مغرب ... بذي ظلام حندس حارب
بين تراب الأرض في مهمة ... قرب مجازو إلى الكارب
فقد رزئنا وسطنا خيرنا ... الاقرن الميمون كالغاصب
يعطي جزيل المال لا ينثني ... فلا لعمري لهف من غائب
ويحمل الفرسان يوم الوغى ... إلى نجاح الموت كالثاقب
عليه أبكي ما اضا كوكب ... في مطلع الآفاق والغارب
ومطلع الشمس إذا أشرقت ... تصح في خلق لها سارب
فحمير الأخيار لا تسامي ... بفارس الأملاك والغالب
стр. 438
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد لتأتي بالعجب من حمير! ولقد جئت من ذلك بشفاء واضح ودليل ناصح من أشعارهم! فإن الشعر ديوان العرب والحكم بينها! قال معاوية: فمن ملك بعد الأقرن؟ قال: ملك ابنه تبع - وقد قال ابنه تبع بعد انصرافه شعراً يتندم فيه على أن لا يكون حمل أباه حين مات إلى اليمن. قال معاوية: وما ذلك الشعر يا عبيد؟ قال: قال تبع في ذلك هذا الشعر الذي يقول فيه:
قد كان في رأيي وعزم أرومتي ... حمل الهمام إلى محل يماني
أعني ابن شمر حين ودع حميرا ... وابن الملوك وقاتل الفرسان
ذاك الغريب بدار بعد ليتني ... كنت المواسي حيث كان دهاني
ذهب الزمان به وخلف بعده ... أحياء حمير في ردى وهوان
لو كان عدم يوم حمل عاديا ... يلقى عليه الكتب غير هواني
يا لهف نفسي حين ولت حمير ... يوم الرحيل بترك خبر زماني
هلا أقمت لديه يوم أحشه ... تحت التراب فكان ذاك مكاني
قال معاوية: يا عبيد هذا التندم منه؟ قال عبيد: سمعت قبل الإسلام رجلاً من
حمير يقول: إنهم حملوه حتى دفنوه في اليمن، ولو كان ذلك كذلك لم يقل فيه ابنه ما قال. قال: لله أبوك يا عبيد، هذا التبع الذي كان - يقال له أبو كرب - قال: لا يا أمير المؤمنين هذا جد ذلك. قال معاوية: وهل كان فيهم تبع غير تبع واحد؟ قال: نعم. كانوا سبعة. ولكن تبع اسعد ملك، فاشتد سلطانه وطال ملكه، فذهب باسم من كان قبله، ونسب إليه من كان منهم بعدهم. وسيأتيك علم ذلك يا أمير المؤمنين في الحديث - إن شاء الله تعالى.
стр. 439
قال معاوية: فخذ في حديثك يا عبيد. قال: فمكث تبع الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش وهو تبع الأكبر - غزوه - وكان يقال له الرائد ثم أقام عشرين سنة لا يغزو فانقضت عليه الترك والخزر. فلما بلغه ذلك أرسل إليهم فامتنعوا منه وحبسوا الهدايا وقتلوا الرسل. فسار إليهم في الوجه الذي كان الرائش يسلك إليهم فيه على جبل طئ حتى خرج على الأنبار، ثم مضى إليهم قدماً فلقيهم على الحد من أذربيجان والموصل وقد اجتمعوا ونظروا إلى رايته. فاصطفوا للقتال، فاقتتلوا أياماً، ثم إنه هزم الترك فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وأقام يخرب بلادهم، ثم رجع إلى بلاده بعد أن وطئهم وأذلهم.
قال معاوية: وما الترك وأذربيجان؟ قال عبيد: هما بلادهم يا أمير المؤمنين. فنحوا مما يليهم ومما يتوجه عدوهم إليهم - وهي وجه المحاربة لهم - قال معاوية: من أين علمت ذلك يا عبيد؟ وإنهم اقتتلوا هنالك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين أهمني ذلك فسألت عنه من وقع إلينا من هذه الأعاجم وغزوت أيضاً إلى ذلك الثغر، فسألت وفي السؤال شفاء من العي وبيان من العمى، وإذا تقادم الشيء فلم في ذكره ذهب أصله وبطلت حقيقة أمره وماتت شواهده.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. وقد قال في ذلك تبع الاقرن في مسيره:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس
لم أدر ما يقضيه حكم غد ... ومضى بفصل قضائه أمس
وعلمت أني إن ظفرت بهمتي ... إلا لا غزو مطلع الشمس
стр. 440
حرب تواعدني حلفت لأن ... عمرت أو بقيت لها نفسي
لأوجهن عمراً لمهلكهم ... ذا الحزم لا بالخامل النكس
حتى يبقر من بطون نسائهم ... ويذيقهم ما ذاق ذو الرمس
إني إذا هاج الملوك لحربنا ... هيجت أبطالاً لذي دعس
قال: فلما رجع إلى اليمن أقام بها دهراً طويلاً، وهابته الملوك من الأعاجم وغيرها لما كان من وقعته بالترك، وأتته هدايا من قبل الهند من كتان وحرير ومتاع الصين ومسك وما يكون في بلاد الصين. فقال للرسول الذي بلغ من بلاد الهند: ويحك أكل ما أرى في بلادكم؟ فقال: أبيت اللعن أيها الملك نعم. قال: ورغب الملك في غزو الصين. حتى إلى على غزو الصين قال: فتجهز لغزوها وسار بجيوشه وقومه من أهل اليمن. فسار ساحلاً حتى خرج على طريق جده الرائش - الذي كان أخذه نحو المشرق - فلما انتهى إلى خراسان سار عن يمين مسير جده حتى أتى الركائك وأصحاب القلانس السود ودخل الصين فغنمها وأكثر القتل والسبي فيها، فكان مسيره ومقامه ورجوعه من غزوته تلك سبع سنين وعشرة أشهر، ثم رجع وخلف بأرض الصين رجلاً من خيار أصحابه - يقال له بأرض بن النبت - في اثني عشر تالف فارس من خيار أصحابه وفرسانه رابطة مقيمين معه في البلد، ثم إلى تبع أن لا يدع أرضاً مما كانت آباؤه قد حوته من أرض الأعاجم وغيرهم إلا ودع فيها رابطة وعسكراً من رجاله، وذلك حين رجع
من أرض الصين.
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل يعرف من خلف بأرض الصين؟
стр. 441
قال عبيد: يا أمير المؤمنين هم البينون ترك وأرم، إذا سئلوا أخبروا أنهم من العرب أصلهم، وإن لهم بيتاً يعبدون فيه ربهم ويطوفون حوله سبع مرات ويذبحون - وذلك في شهر من السنة - قال: فلما كثرت الأعداء بين بنيان ذلك البيت - فكنا إذا فعلنا ذلك خرجنا إليه تعظيماً له اعتزلنا دون - فلما رأى ذلك أولونا جعلوا في بلادهم وموضعهم الذي يسكنونه بيتاً مثل ذلك البيت، فنحن اليوم نعظمه ونطوف حوله سبع مرات ونذبح له في شهر من السنة ويعظمه ثلاثة أيام من جاء من الناس.
قال معاوية: يا عبيد وما علمك بذلك؟ قال: غزوت يا أمير المؤمنين أرض الترك من هذه الناحية. قال: من أي؟ قال: من نحو الخرز - فإذا ناس منهم علماء يدينون - فسألتهم عن أنفسهم ومن يليهم، فكان هذا ما ذكروا لي. قال معاوية: لقد أخبرت بهذا الخبر عن ترك تبع ولا أدري أي التبابعة هو ترك الصين قوماً من اليمن؟ قال: هذا من تفسير ذلك الحديث.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال في ذلك تبع الأكبر:
أنا تبع الأملاك من نسل حمير ... ملكنا عباد الله في الزمن الخالي
ملكناهم قهر أو سارت خيولنا ... لعمري غير نكس وأعزال
فجالت لدى شرق البلاد وغربها ... لهتك ستور نكثة ذات هوال
وعطل منها كل حصن ممنع ... ونقل عنها ما حوت ثم من مال
وتلك شروق الأرض فيها وطئتها ... إلى الصين والأتراك حالا على حال
فابنا جميعاً بالسبايا وكلنا ... على كل محبوك من الخيل صهال
بكل فتاة لم تر الشمس وجهها ... أسيلة مجرى الدمع بيضاء مكسال
стр. 442
صموت البرى غوثى الوشاح كأنها ... من الحسن بد زل عن غيم هطال
أتينا بها فوق الجمال حواسرا ... بلاد ملج باق عليها وخلخال
تركناهم عزلاً تطيح نفوسهم ... بلا ساكن فيهم مقيم ولا وال
فما الناس إلا نحن لا ناس غيرنا ... وما الناس إن وعد القوي بأمثال
قال معاوية: فكم ملك يا عبيد؟ قال: مائة سنة وثلاث وستين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده؟ قال: ملك بعده.
ملكي كرب بن أسعد بن تبع الأكبر
بعد أبيه - وكان رجلاً ضعيفاً لم يكن يغزو أحداً حتى مات ولم يبعث جيشاً - فأما أهل اليمن فيزعمون إنه كان يتحرج من الدماء. وأما أهل الرأي والمعرفة والبصر بالأمور فإنهم يقولون: لم يكن ذلك منه إلا عن قلة الترجبة وقلة الأنفة وصغر الهمة لأنه لم يحدث دعوة في ملكه، ولم يعبر عن دين ولا طريقة أحد ممن قبله. قال معاوية: وما تغير حال الملك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين لم يكن يغير من شيء يفعله آباؤه ولا أزال شيئاً من جبروت الملك ولا أحدث تواضعاً ولا قرباً من الناس ولا زال عن تجبره وعتوه وأشد أمره باليمن لا يجاوز أرض اليمن إلى غيرها بلد عرب أو عجم.
قال معاوية: فكيف ملكهم يا عبيد وكيف استقام لهم أمرهم على تلك الحال؟ قال عبيد: لأنهم أحبوا الدعة والسكون وكانوا قد ملوا الغزو والحروب وكثرة المسير في البلدان. قال معاوية: فكم ملكهم على هذه الحال يا عبيد؟ قال: ملكهم خمساً وثمانين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ابنه تبع أسعد بن ملك يكرب وهو.
أسعد أبو كرب الأوسط
ويزعمون يا أمير المؤمنين إنه لما ملك أكثر الغزو في كل ناحية - وكان رجلاً مجرباً منجماً يعرف السعود من النحوس، ولا يخرج بقومه مخرجاً
стр. 443
حتى ينظر طوالعها، فيخرج بسعودها - وكان يغزو سنة ويقيم سنة. إذا قرب المسير عليهم غزا وبعث، وإذا طال المسير في الغزو غزا بهم ثلاث سنين وقام سنتين، وكان يكثر التوجيه لقواده، فإذا سار بنفسه لم يسر إلا في كل عشر سنين. وإذا خرج لم يترك طريقاً إلا سلكه ولا منهلاً إلا ورده ولا بلداً إلى وطئه وما وطئ أحد من آبائه وأجداده من البلدان إلا دخله وقصده ووطئه بنفسه أو بعث إليه عسكره. قال معاوية: فهل قال تبع شعراً فيما ظهر منه يا عبيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين - قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
سيذكر قومي بعد موتي وقائعي ... وما فعلت قومي بقيس أفاعلا
وما دوخت أرض اليمامة بالقنا ... وما صبحت فيها تيمياً ووائلا
فكم من ملوك قد قتلنا رجالهم ... وكم من نساء قد تركنا ثواكلا
وكم من أسير ظل في القيد ساقه ... يبيت يراعي غله والسلاسلا
سيذكر قومي نجدتي ومكارمي ... ويدخل باب العز من كان جاهلا
بنيت لهم مجداً مع النجم سمكه ... وصيرته للعالمين معاقلا
فحمير سادات الملوك وخيرها ... وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا
فأسكنت أرض الشام منهم قبائلا ... وابتعت غسان الملوك الأفاضلا
وغسان حازوا بلدة الروم كلها ... وفي الصين صيرنا الملوك الاقاولا
ويوم لقينا العجم في أرض فارس ... لقت ضيغماً من نسل قحطان باسلا
فدوخت أرض الفرس حتى تركتها ... يباباً مجوباً علوها والأسافلا
ودوخت أملاك العراق ولم أزل ... أحل بهم في كل عام زلازلا
يصبحهم في أول العام جيشنا ... فيمكث فيهم قابلاً ثم قابلا
حشوت صخام الملك خيلي ورجلها ... وأجريت من بعد البحار المناهلا
ونلت بلاد السند والهند كلها ... وفي الصين صيرنا نقيباً وعاملا
ونلت بلاد المشرقين كليهما ... ونلت بلاد المغربين وبابلا
стр. 444
ونحن أثرنا في سمرقند ضحوة ... جحيماً لظاها يلفح الدور شاعلا
وجادت لنا في أصبهان سحابة ... بودق يزيغ المذهلات الحواملا
بكل قضيب حادث العهد صقله ... وسهم منير يفتق الدرع داخلا
وتسعين ألفاً تحمل البيض والقنا ... دخلنا بهم قصراً درنحا وكابلا
سيوف حداد يضج الناس وقعها ... وتحكم في عدنان حقاً وباطلا
ومروا كتبنا المسندين ببابها ... ليعرف عنا القيل من كان غافلا
ومثلي يلدن المحصنات مسودا ... مغيراً إلى الهيجاء للقوم قاتلا
وممسك عرف الخيل في حومة الوغى ... ترى البيض فيه والرماح الذوابلا
وبحراً عريضاً للحراب ومعقلا ... وغيثاً غزيراً ينبت الزرع عاجلا
ثلاثين بحراً قد غشينا بجيشنا ... فما رام سيفي ساعدي والأناملا
فلما قضيت الغل من كل بلدة ... توجهت أرضي أعمد الدار قافلا
فأمسيت في غمدان في خير محتد ... منيعاً وصنعا من حذاها المآجلا
وريدان قصري في ظفار ومولدي ... بها أس جدي دورنا والمناهلا
على الجنة الخضراء من سهر يحصب ... ثمانون نهراً تدفق الماء سائلا
مآثرنا في الأرض تصديق قولنا ... إذا ما طلبنا شاهداً ودلائلا
وعلمي بملكي سوف يبلى جديده ... ويرجع ملكاً كاسف للون ماحلا
وملك جميع الناس يبلى وملكنا ... على الناس باق ذكره ليس زائلا
قال عبيد: فلما فرغ تبع يا أمير المؤمنين عن أرض فارس وما يليها توجه إلى الشام وذكر ما صنع بأرض معد وغيرها من البلاد، فقال في ذلك وأنشأ يقول:
стр. 445
رب هم مؤرق بعد نوم ... غير ما باطل ولكن بجد
يا بني مازن فوارس معد ... سرني ما فعلتم في معد
إذ أثرتم مع العجاج عجاجاً ... وانتضيتم لهم صفائح هند
أسروا ثلثهم وثلثا أبادوا ... ومضى ثلثهم بأتعس جد
منهم راعي المخاض ومنهم ... مالئ للحياض في كل ورد
وبعثنا إلى اليمامة خيلاً ... فأتيناهم بحزم وجد
وصرفنا إلى كنانة جنداً ... فتوافت إلى كنانة جندي
وتركنا تثقيف تنضح للجن ... د بقهر على هوان وكد
وجعلنا الخرج منزل قيس ... قد أقروا بالخرج من غير عهد
وجعلنا بني نزار هداة ... يرشدون الطريق في كل قصد
وجعلنا نصراً وأحلاف نصر ... خولا بين خادم ومؤدي
وطحنا قرى اليمامة بالخي ... ل زماناً نعيد فيهم ونبدي
وقسمنا بني خزيمة بالحند ... كل عبد لنا وابن عبد
ثم أحدثت بالمشقر أرضاً ... وجناناً تحلها الناس بعدي
ثم أنزلت في عمان رجالاً ... يستعدون من فوارس أزد
ثم سرنا إلى العراق بجمع ... ملأ الأرض بين غور ونجد
فترى الناس وسطها وعليها ... أسد غابات من كهول ومرد
يتردون باليمانية البيض ... تراها تجر في كل غمد
وبأيديهم مخاصر موف ... وعليهم مسرودة أي سرد
فثووا بالعراق حيناً من الدهر ... يدوسونها على غير عهد
ثم دوخت أرض فارس طرا ... وقباذاً وأرض هند وسند
ثم أنزلت حميراً جبل الصين ... فذاق الذليل عز الأشد
стр. 446
وركضنا الجياد في عرض الرو ... م كفعل الكاشح المتعدي
فإذا الحرب أوقدت أسعروها ... بمساعير بما سناه أشد
ثم أنزلت حيث أنزلت لحماً ... وجذاماً وهم جناحي ورفدي
ثم أقبلت أقرب الشام قصداً ... برجال على ضوامر جرد
ثم وجهت نحو يثرب خيلاً ... لنبيط بها يحلون بعدي
فصدمنا آطام يثرب بالخي ... ل العناجيج بالمقاول تردى
وتركنا بها من الأوس والخز ... رج حسباً من آل بأس ومجد
ثم أقفلت من بها من خيول ... نحو أرضي ونحو قومي وولدي
وإذا سرت رافقتني جبال ... ورجال هم جناحي وجدي
فجبالي إذا أحقت حديد ... ورجالي إذا تأخرت عندي
تقهر الناس والشعاع بخيل ... تحصد الناس في الوغى أي حمد
من سعى مثل سعي حمير سعياً ... من قبيل فقد آتانا بادي
قال معاوية: لله درك يا عبيد زد أنشدني غير هذا فقد أعطى من العز والقوة والملك ما لم يعط أحد غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
إن قحطان قد بنى لي بيتاً ... لا بطين بني ولا بعمود
ليس مثل الذي بنى الناس بالطين ... وكلس آخر مسرود
أريناه عند السماك نجاداً ... رأسه مصعداً برأس السعود
ورسى أسه فلم يستطعه ... أحد رام نقبه بحديد
وكساه الجمال والعز والبهجة ... منه وحفه بالجنود
حفه الخيل والرجال عليها ... كل درع مسرد مسرود
стр. 447
جعلتها قحطان حصناً ... ورثوا صنعهن من داؤد
جعلوه فوائداً لبناهم ... يعذبون الهياج للمستفيد
إن قومي هم الملوك بحق ... شهد الله وهو خير شهيد
إنني قد ملكت شرقاً وغرباً ... من قراها وحرب آل عمود
وأخذت العراق من آل مرو ... بسمرقند ثم قرى الاكرود
وجلبت الخيول للصين حتى ... غادرتها كمثل آل ثمود
وأقمنا بها ثلاثين عاماً ... وهم بين مقعص وطريد
وأمير مصفد في وثاق ... قد برى ساقه بعض الحديد
وقعت خيلنا بأرض قباذ ... وقعة تستبين في الجلمود
وتركنا ما دون ذاك إلينا ... لم يعد والد على مولود
ومضى حكمنا على كل حي ... ليس حكمي في الناس بالمردود
ومن أسرنا منهم فخير أسير ... أو قتلنا منهم فخير فقيد
لو رأى جمعنا فذاك الناس جرا ... من أسير يسير سير البريد
وطوت خيلنا الأعادي طيا ... ببلاد أعيت بها بعد بيد
قد براها طول الاناخة والرك ... ض وحر الظهيرة الصيخود
تبع أفضل الملوك حسان ... ليس يوم الهياج بالرعيد
ملك يبرم الأمور معيد ... لم يل الناس رائس كمعيد
أخذ الحرب حين شب لظاها ... يوم هاجت نيرانها للوقود
لم يزل نورها على الزند حتى ... أمكنت من ذرائها المحسود
أيمن الناس طائر أو لقاء ... حين تلقى بالجحفل المشهود
ليس بالطائش الخفيف ولا ال ... واهن عند اللقا ولا المحدود
стр. 448
حمير قومنا أقاموا بعزم ... حيث حلوا في المجد غير الزهيد
لو جرى الناس للمكارم يوماً ... فضلوا كل سائد ومسود
يترعون الجفان شحماً ولحماً ... وهم مفزع كمثل الأسود
لو يعد الأحياء الأيام قومي ... لم يطيقوا الأيام بالتعديد
هل أقرت لنا البلاد بخرج ... خبرونا فليس حين جحود
أن تقولون لا فزيدوا نردكم ... فلنعم المزيد للمستزيد
ولدينا من الملوك ملوك ... كل ملك مملك صنديد
ولدتني مملكات كبلقيس ... وشمس ومن ليس جدودي
ملكتهم بلقيس سبعين عاماً ... آل عز وآل بأس شديد
وبها جنتان أنشأهما الل ... هـ ورزق من سدها المسدود
ما يبالي إلا يرى سيل غيث ... جاءها الماء من مكان بعيد
عرشها شرجع ثمانون باعاً ... كللته بلؤلؤ وفريد
وبدر قد قيدوه مع اليا ... قوت والجزع أيما تقييد
فلو أن الخلود كان إلينا ... باحتيال وقوة وعديد
أو بملك لما ملكنا لكنا ... من جميع الآنام أهل الخلود
وقال تبع أيضاً حين نزل غمدان يذكر آباءه الذين ملكوا قبله وحصونهم التي كانوا ينزلون فيها باليمن. قال معاوية: أنشدني قوله. قال أنشأ يقول:
إلا أن قومي هم حمير ... هم الأصل والمفخر
هم شرفوا حتى انتهى ... فما نال بنيانهم معشر
هم إن هم فخروا برزوا ... لهم شامخ الفخر لا ينكر
أبي ملكي كرب الحميري ... وحمير قومي فما حمير
стр. 449
لقد كنت فيما مضى لاهياً ... وديني من لهوي المنظر
أزور الغواني ويزورني ... واجتلب الكاعب المعصر
أدير بكفي رحى العالمين ... ويوم الهياج أنا المسعر
نمائي ذو ماور ذو الندى ... وخيل فهو جانبي الأيسر
وناشر جدي الذي قد بنى ... مكارمه وابنه شمر
ويعسب خالي الذي قد بنى ... وعلهان نهفان قد أذكر
فكان بها مر من بعدهم ... له الحسب الضخم والمعشر
وشمر ما زال خير الملوك ... إذا هو كوبر لا يكبر
وكان إذا السرح اليحصبي ... إذا استحضروه فقد يحضر
وكان معافر عند اللقاء ... يطول لعمري ولا يقصر
وكان صدوقاً ولا ينثني ... إذا جنه الدرع والمغفر
وكان به بعد ذو نائل ... لمن طلب العرف لا يدبر
وقد كان يلهب نار الوقود ... للضيف والحرب قد يسعر
وشمر يرعش رأس الملوك ... إليه انتهى مجد من يفخر
وبار أن يهبر لما يكن ... جبان لدى الحرب بل يهبر
وذو المر على فلا تنسه ... وآباؤه فهم المنشر
وفرعان من بيت ذي أصبح ... وبلقيس كان لها منبر
بنو الأنس والجن دانوا لها ... ودان لها البر والأبحر
يذل الأنام لدى ملكنا ... وللجن والأنس قد يقهر
ومن ذي الملاحي لنا مفخر ... وشرف ذاك لنا يعفر
стр. 450
ومن ذي سحيم وذي فائش ... لنا العدد الأول الأكبر
ومن ذي كلاع ومن ذي رعين ... لي الصلب والرأس والأبهر
ومن ذي رداع فقد كان لي ... لعمرك أصل به أظهر
ومن ذي معاهر بيت العلا ... بآباء صدق إذا عمروا
وقد كان كالسيف في النائبات ... إذا هو ضل فلا يقهر
وقد كان ذا الأمر لا يستقيم ... دعاء به الورد والمصدر
ظفرنا بمنزلنا من ظفار ... وما زال ساكنها يظفر
فكر إلى النقع يدعى له ... فهو بأبوابه أبصر
وما هكر من ديار الملوك ... بدار هوان ولا الاهجر
وبينون مبهمة بالحديد ... وأبوابها الساج والعرعر
وشهران قصر بناه الذي ... بناه ببينون قد يشهر
ومأرب قد نطقت بالرخام ... وفي يدها الذهب الأحمر
وغمدان حصن لنا مشرف ... مآجله حوله تنهر
وكان معسكرنا في أزال ... لنا عسكر دونه عسكر
وغيمان محفوفة بالكروم ... لها بهجة ولها منظر
بها كان يقبر آباؤنا ... وأجدادنا وبها نقبر
إذا ما مقابرنا كشفت ... فحشو مقابرنا العنبر
فإن يفن قومي مناياهم ... وماتوا جميعاً فلا أخسر
فكل يموت كذاك العباد ... ولا بد من قدر يقدر
فلا الناس لو عمروا يخلدون ... ولا الموت من ربنا ينكر
قال معاوية: لله أبوك، لقد حدثتني عجباً! فاخبرني ما صنع تبع
стр. 451
ما رجع من طول غزوته هذه ورجعته من ظلم الأرض ودوسه البلاد؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين. إن تبعاً لما رجح من غزوته تلك مر بالمدينة فخلف فيها ابنه خالداً وترك في كل أرض رابطة من الأجناد، ثم أن أهل المدينة قتلوا ابنه خالداً. فلما بلغ ذلك تبعاً قال في ذلك شعراً. قال معاوية: وما قال يا عبيد؟ قال: قال هذا الشعر الذي يقول فيه:
يا ذا المعاهر ما أراك ترود ... أقذى بعينك عارضاً أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمنون قعود
نبط أشاب الرأس مني فعلهم ... لابد أن طريقهم مقصود
لا تسقني بيديك إن لم نلقها ... جرحاً كان أساسها مجرود
بسيوف حمير والأقاول وسطها ... والخيل تبدو تارة وتعود
يا ذا الكلاع كأنني مورود ... عن أمر حمير والدوي عنيد
ما بال يثرب غلقت أبوابها ... عني ومثلي للعداة صيود
ما بال يثرب لا يجبني ربها ... وسراة حمير بالسيوف ركود
فلا وقعن بآل يثرب وقعة ... حتى تلاقي حمير ويهود
النازلين حريم خزرج عنوة ... فلهم لدي سلاسل وقيود
أعددتها لهم فكلهم بها ... لو نزلت فحماهم مقصود
ولأهلكتهم كما قد أهلكت ... عاد بريح صرصر وثمود
قهراً كما دانت لنا آباؤهم ... ما صاح في طبق الصياح غريد
ولا تركن بلادهم وحماهم ... ولهم بذلك في البروز شهود
ولقد وليت على هوازن أشهراً ... أيضاً فيسبى الوالد المولود
ولقد حطمت حصون فارس حطمة ... يوماً أشاب لحربها الصنديد
أبناء فارس قد تركت عليهم ... حيم السباع صوادر وورود
стр. 452
وتركت سابور الجنود كأنه ... غير الفلاة مشرد مطرود
ولقد ثغرت لقندهار ثعرة ... فهوى لذلك حصنها المعمود
وتركت أرض السغد ليس لجمعها ... ملك يهاب ولا قنا معدود
وتركت بلخاً والحصون وكابلاً ... تنعى عليهم طيرهم وترود
ولا خضبن سبالهم بدمائهم ... وليصلين معاطس وخدود
والهند والسند اصطليت بنارها ... وبحرها من بعد ذاك جمود
والصين لما إن أنخت بركبها ... تجبى لشمر ذي الندى وتعود
والروم قد شربت بكأس مرة ... مني وفرق جمعها المعدود
ولقد حويت الأرض من أطرافها ... حتى انتهيت وربنا محمود
نحن الملوك بنو الكرام وعندنا ... تسعون ألفاً للطراد شهود
وأسير في عرض البلاد معمماً ... بالملك والشرف القديم أقود
حشو الحرير لباسنا في أهلنا ... ولباسنا يوم الهياج حديد
من نسج داؤد النبي ونسجنا ... نسج يشد قتيرها المسرود
نصلي الحروب بكل أبيض صارم ... ما فيهم عند اللقاء خمود
والضاربون الكبش في يوم الوغى ... ورماحنا يوم للقاء بنود
وسيوفنا يقطعن كل خصية ... من صنع يرعش صنعهن حديد
نهب القيان مع الجياد سجية ... كرماً وليس لفعلنا موعود
محقوفة أعنابنا بنخيلنا ... للضيف أما يأمنا موجود
لو كان يرعش خالداً في ملكه ... خلدوا وأسعد ذو الندى وسعيد
أو كان حيا خالد في ملكه ... وجذيمة الوضاح والمسعود
من ذا الذي ورث البلاد ولم يمت ... أم هل لحي في الحياة خلود
إني لأعلم في الموطن أنني ... يوماً سأهلك والحياة تبيد
стр. 453
ولقد علمت لئن هلكت وأوحشت ... مني البلاد لأهلكن فقيد
ولتبكين علي كل قرينة ... كانت تضن بدمعها فتجود
يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... للملك تأخذه وأنت جؤود
فإذا ملكنا الملك فاعلم إنه ... حرب فكيف إذا اصطليت تذود
إني وعمرا يوم أطلب نفسه ... غزوا لأحد ملكة تحميد
فاعلم بأنك ميت ومحاسب ... يوماً فينجو متق وسعيد
اسمح لقومك بالكرامة أنهم ... أهل لذلك والكريم يسود
قحطان جدي لن يلاقي مثله ... ما عاش ذو روح وأورق عود
قال: ثم أن تبعاً سار إلى المدينة ثائراً في ابنه، فلما قرب المدينة نزل على بضر - فسميت بئر الملك - حين نزل عليها فالتقاه مالك بت العجلان الخزرجي فقال له: أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب فانصرنا عليهم فإنما نحن منك ولك. قال: وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ابني خالد؟ قال: أفسدت أمه بينه وبين امرأته، ثم احتالت له فقتلته. قال تبع: ولعبت الحبة بالكبة أو لعبت الكبة بالطبة فذهبت مثلاً - ثم انصرف مالك بن العجلان إلى أهله فقال لأمه: إن أبا كرب قد وعدني بالنصرة. فقالت أمه: ليت حظنا من أبي كرب أن يسد خيره خبله - فذهبت مثلاً - ثم أن تبعاً بعث إلى ثلاثمائة من اليهود وثلاثين رجلاً فضرب أعناقهم وهم بخراب المدينة فقام إليه رجل من اليهود - يقال له كعب بن
стр. 454
عمرو - وقد أتى عليه من عمره مائتان وستون سنة فقال له: أيها الملك لا تقبل على الغضب وأمرك أعظم أن يطير بك النزق أو يمسك في قلبك إلحاح وتنزع إلى ما لا يجعل بك، وانك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ذلك؟ قال: لأنها مهاجر نبي من هذه البنية - يعني مكة - وهو من ولد إسماعيل بن إبراهيم - خليل الله - قال تبع: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد زمانك بدهر طويل. فلما سمع كلامه سكن وكف عن خرابها.
قال معاوية: لقد بلغني يا عبيد أن اليهود كانوا بها ما كان للخزرج معهم فيها أمر، حتى أن الرجل يتزوج المرأة، فلما يصلها حتى يبدأ بها رجل من اليهود، وكانوا غلبوهم على أمرهم. قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين لقد بلغك ما لم يكن، ولقد كانت اليهود بها أذلاء، فكانت الأوس والخزرج أمنع من ذلك وأشد، ولقد أخرجتهم الأوس والخزرج من المدينة حتى سكنوا خيبر، وما كانت امرأة من الخزرج يقدر
عليها رجل من اليهود أبداً! قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه السموآل بن عاديا الغساني - قال أن رجلاً من اليهود عاب اليهود في صنعتهم - فأنشأ وهو يقول في ذلك:
عبت اليهود ودينها لك نافع ... أيضاً يفوز به الحساب المؤنق
دين ابن عمران ويوشع بعده ... موسى وهارون النبي الموثق
قال معاوية: دع هذا وخذ في حديثك الأول. قال: نعم يا أمير المؤمنين. لما قضى تبع لبانته من يثرب، توجه إلى مكة يريد خرابها فآتاه رجلان من أحبار اليهود لهما علم وعندهما معرفة، فأخبراه بأشياء وعلامات فعجب لهما وأدناهما وقربهما إليه، وقد كان آتاه رجلان من هذيل في نفر
стр. 455
من قومهما، فقالوا له: أيها الملك أن هذا البيت الذي تعظمه الناس وتزوره العرب فيه أموال كثيرة وكنوز من الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر والدر والياقوت ما لا يحصيه أحد ولا يعده، وكانت جرهم تجمعه، وأنت أيها الملك أحق بها مع أن نرى هدمه ونقل حجارته إلى اليمن، فيكون في دار الملك وحيث الريف والخصب فتعظمكم لذلك العرب إلى آخر الدهر يكون مكرمة لك ولآبائك ولقومك ويكون لولدك الطول عليهم بوضعك إياه هنالك. فلما سمع تبع مشورتهم وكلامهم هم بذلك فأخذته الحمى - وكان لا يعرفها، فكانت لا تقره على الأرض - فلما أحس تبع ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما هذا الذي بي؟ قال: هذا شيء سلطه عليك رب هذا البيت. قال: ففزع من ذلك، ثم مضى حتى نزل لرؤيته. ثم عاد فأصبح في الوضع الذي ارتحل منه وأصبح فيه وجع أشد ما أصاب مخلوق. فلما أحس ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما الذي تريان أن أصنع؟ قالا له: أيها الملك إنا قد سمعنا هذين الهذليين وما أشارا عليك به في هذا البيتين وإن الذي تجد في جسدك من الألم حين هممت بقولهم وأجبتهم إلى ما أشار عليك به، فإن أحببت العافية فكف عن هدم البيت وانو له
خيراً، فإنك لا تطيق مبارزة رب العالمين وحدث نفسك بإكرامه وإعظامه. قال: ثم سار حتى قرب إلى الحرم فأصابتهم ريح كادت أن تهلكهم جميعاً، ثم دعا بالحبرين فقال: ما هذا؟ فقالا: له سرت إلى حرم الله تهم بهدم بيت الله لتهلكن نفسك. ثم لا يرجع ممن ترى معك عين تطرف وما أراد الهذليون إلا هلاكك وهلاك من معك. قال: فأمر تبع بالهذليين فضرب أعناقهما فقال تبع للحبرين: إني أريد أن أدخل البيت وما أصنع إذا دخلته؟ قالا له: إن أردت أن تدخله فاسلم لربه واحرم وأنحر له فإنه يؤذن لك في دخوله، فسار تبع حتى دخل
стр. 456
مكة فأسلم وأحرم وطاف بالبيت وحلق ووقف المواقف كلها ونحر البدن وأطعم الناس وكسا البيت الملاء المعصب والخبرات، وأقام بمكة سبعة أيام. فلما أراد الانصراف إلى اليمن أراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن فنهاه الحبران عن ذلك، فتركه وانصرف إلى اليمن.
قال معاوية: يا عبيد فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال فيه رجل من قريش. قال معاوية: وما قال من الشعر؟ قال عبيد: قال هذه الأبيات:
لعمري لنعم المرء حل لديكم ... له المجد والأنعام والعز تبع
آتانا كريم ما جد ذو حفيظة ... أغر كريم الوالدين سميدع
فلم تخش منه إذ أتى البيت زائراً ... ولكنه سمح الخليقة أروع
طلبنا إليه أن يقيم بأرضنا ... لنا الركن إنا حين يؤخذ نجزع
فقال نعم نعمي وأنتم ولاته ... وليس له عن حرها الدهر منزع
مضى رأيه في قومه غير واهن ... فمنه جدود مجدها ليس يدفع
قال معاوية: فأنشدني يا عبيد الشعر الذي قال تبع في قتل ابنه خالد قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر:
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت اماقيها بسم الأسود
أرقاً لما فعل اليهود بيثرب ... فلبثت في غمدان كالمتلبد
وحلفت عهداً تبلغن نخيلهم ... زبر الحديد عشية أو من غد
فجعلت عرصة منزلي في روضة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
وهنا يثرب روحنا وصدورنا ... تغلي جلائلها بحرب محصد
ولقد ندبت إليهم فأجابني ... من في الحصون إلى مدينة أحمد
стр. 457
غر كرام لم يدنس عرضهم ... نسب النبيط ولا العلوج الاعبد
ولقد تركنا لابها وسباخها ... كقراقر نبتت بقاع أصلد
ثم انصرفت أريد مكة عامداً ... لخرابها لا كالذي لم أعمد
لما آتاني من هذيل أعبد ... يتنصحون فرمت أمراً لأعبد
قالوا بمكة كنز قوم دائر ... وجواهر من لؤلؤ وزبرجد
بيتاً يطاف به وينحر حوله ... بدن لدى حجر وركن أسود
فأردت أمراً حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد
فرددت ما أملت فيه عليهم ... وتركتهم مثلاً لأهل المشهد
ما كنت أحسب أن بيتاً طيباً ... لله في بطحاء مكة يعبد
حتى آتاني من قريظة عالم ... حبر له اليهود وتقتدي
قالوا ازدجر عن قرية محجوبة ... لنبي مكة من قريش مهتدي
فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتها لعقاب يوم سرمد
أعفيتهم لله أرجو عفوه ... ولحفظ ما بيني وبين محمد
فكسوته الريط اليماني رغبة ... وطراز عصب المحكم المتجرد
وجعلت اقليداً لجانب بابه ... وجعلت بابيه صفيح العسجد
أرجو بذلك عند ربي زلفة ... وحذار حر من جحيم موقد
وتركت من قومي بمكة أسرة ... وبيثرب منهم كرام المحتد
قوم يكون النصر في أعقابهم ... وبقية ممن ينبت ويهتدي
فتركتهم أقيالها وملوكها ... وعطفت نحو المستراد ومولدي
من بعد ما دخلت البلاد وجبتها ... وعركتها عرك الاهاب الاجرد
ولقد طحنت الأرض ثم وطئتها ... يجدون قصة أمرنا في المسند
قد كان ذو القرنين خالي مسلماً ... طاف البلاد من المكان الابعد
стр. 458
بلغ المشارق والمغارب بيتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد
وبنى على ياجوج حين آتاهم ... رد ما بناه بالحديد المحفد
رد ما بناه إذ بناه مخلدا ... أنشأه دهر للزمان السرمد
ولقد بنت لي عمتي في مأرب ... عرشاً على كرسي ملك متلد
فثوت به تسعين عاماً قد حوت ... أرض الحجاز إلى مفازه صيهد
يغدو عليها ألف ألف كلهم ... خدم لها يتعاقبون من الغد
عمرت به أزمانها في ملكها ... مقبوضة إذ حان أمر الهدهد
فرأت سبيل الرشد حين تبصرت ... نبأ آتاها قبل يوم الموعد
نزلت عن الملك العظيم لربها ... قبل المذلة أن يقال لها ردى
نحن الملوك فما يرام لهضمنا ... تسمو مقاولنا بنصر مؤيد
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل قال تبع في رسول الله ﵌ شعراً حين ذكر له الحبران أمره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: - وهو يذكر خروج النبي ﵌ هذا الشعر، الذي يقول فيه:
شهدت على أحمد إنه ... رسول من الله باري النسم
له أمة سميت في الزبور ... فأمة أحمد خير الأمم
فلو مد دهري إلى دهره ... لكنت وزيراً له وابن عم
وكنت ظهيراً على المشركين ... أسقيهم كاس حرب وهم
إذا ما صناديدهم كذبوا ... أغشيهم كل صفر هضم
واجعل نفسي له جنة ... وأفرج عن صدره كل غم
ومن نسل قومي له ناصر ... فيؤوونه ثم لا يهتضم
стр. 459
فويح قريش إذا جاءهم ... وجاش بهم بحرهم ثم طم
نبيهم خير أسلافهم ... يوالي ذوي الدين دون الرحم
نبيهم خاتم الأنبياء ... ولم يعط زرعاً وحمر النعم
نبي وجدناه في كتبنا ... به يهتدي وبه يعتصم
يسود الأنام ببرهانه ... وبالرغم يسي ذراري العجم
ومنا قبائل يؤوونه ... إذا حل في الحل بعد الحرم
ويمنعه حد أسيافنا ... ووقع الرماح كوقع الرهم
رجال يقومون من دونه ... ويوفون بالعهد له والذمم
ملكنا الأنام فدانوا لنا ... أذل من النعل تحت القدم
ودانت لنا السند في أرضها ... ودانت لنا الهند بعد الوهم
سموا وسمونا لهم إذ سموا ... وفاضوا وفضنا عليهم بجم
بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل أسد طوال اللمم
أبحنا البلاد بأسيافنا ... وبالسمهرية تلظى بسم
وكل جواد من الصافنات ... على ظهره بطسل مستلم
فكم من قبيل سلبناهم ... فأمست بهائمهم تقتسم
من العسجدي وكنز اللجين ... وبز الحرير وبيض الحرم
وسوف إذا غشيتنا البلاد ... يلي الملك بعدي رجال قدم
قال معاوية: يا عبيد فهل قال تبع في الهذليين، حيث كان منهما ما كان حين
عاقبهم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال فيهم هذا الشعر الذي يقول فيه:
стр. 460
قد أتتني عصابة من هذيل ... آل لؤم ومن قبيل لئام
زعموا أن بيت مكة بيت ... قد بنوه على كنوز عظام
فهممنا بقلعه فأبى الله ... إذ هممنا بقلع بيت حرام
يأمن الناس إن سألت وفيه ... تأمن الطير في وكور الحمام
قال لي الحبر لا ترومن هذا ... ذاك مما يروم أولاد حام
ثم يأتيهم من الله طير ... فترض الرؤوس رض العظام
فرددت الذي أردت على القو ... م بقطع الأكف والأقدام
ثم صلبتهم بصعر نكالا ... مثبت قد زبرت في الأحكام
يحمد الله تبع إذ وقاه ... في ممر الشهور والأعوام
وأراه في كل وجه ... إذ عراه ورده بسلام
ثم أصفناه إنه البس البيت ... الذي أسسه الخليل المحامي
ذاك بيت مطهر لقريش ... أوثروا بالنبي خير الأنام
بنبي يجئ بعد زمان ... يمنع الناس خدمة الأصنام
قال ذاك الأحبار أن قريشاً ... سوف تأتي بأفضل الإسلام
تجدون اسم أحمد في كتا ... ب الله حقاً محرماً للحرام
ومحلا لما طيب الله ... تروكا للآصر والآثام
لو قضى الله ربنا إن أراه ... كنت منه بمنزل الإبهام
ولظاهرته على كل من رام ... سفاهاً له يكل مرام
ولذاك النبي منا حماة ... من يرامي عن دينه ويحامي
معشراً وتروا بأحمد قدما ... ببلاد النخيل والآطام
ينصبون الحروب للناس نصباً ... برماح وكل عضب حسام
كلهم ناصر ومن نصر الح ... ق أضاءت له فجاج الظلام
следующие страницы →