← История

История · id 37473

التيجان في ملوك حمير

عبد الملك بن هشام

Полный текст (489 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

على الناقة فذبحوها وجزوا لحمها أعضاء وأتتهم عنيزة والصدوف بالخمر والقدور فنصبوها وشووا وشربوا وأكلوا وظلوا في ذلك المكان ينعمون ويملون ويقولون الأشعار فكان ما روى لنا مما قالوا هذا الشعر: قد أصبح صالح فرداً حقيراً ... وما يرجو بناقته نصيرا عقرناها بأيد ثم عز ... ولم نخش لذي ثار نكيرا وما نلقي لنا فيما فعلنا ... بها إلا الكرامة والسرورا وأصبح لحمها فينا غريضا ... بلهوجه وطائفة وغيرا سنطلب صالحاً ومصدقيه ... لنلحقه بناقته عقيرا سنطلبه لنقتله فمن ذا ... يكون له وإن هرب المجيرا فأجابه رجل آخر من المسلمين وهو يقول: عصت بغياً ثمود رسول ربي ... أخاهم صالحاً وعصوا قديرا على الأشياء اخرج كي يتوبوا ... لهم من صخرة الوادي بعيرا كما سألوا نبيهم فكانوا ... لما قد عاينوا من ذلك بورا سقاهم مثلها ماء معينا ... وأرواهم لها دراً عزيرا فما اعتبروا بها أبداً ولكن ... طغوا وبغوا وغالوها كفوراً وقالوا فاعقروها ثم ملئوا ... لنا من لحمها الوادي قدورا أطاعوا مصدعاً وقدار غيا ... ورهطاً سبعة كسبوا الشرورا فسوف ترى ثمود ومن أطاعت ... عواقب ما أتت حوباً كثيرا وتعلم حين يأتيها عذاب ... من الجبار من ورا نكيرا ويعلم مصدع وقدار ماذا ... يجازي إذا عصى الله الكبيرا

стр. 387

قال: وكان صالح، صلوات الله عليه - نازحاً عنهم في دار قومه لا علم له بما فعلوا بالناقة، حتى بلغه الخبر وقيل: هل علمت أن ناقة الله قد عقرت ويقسم لحمها؟ وغلت بلحمها وشحمها المراجل؟ فخرج نحوهم مسرعاً في عصبة من قومه حتى وقف عليهم، فإذا لحم الناقة عندهم وهم يأكلون ويشربون، فقال لهم صالح أعقرتموها؟ رماكم الله بما لا طاقة لكم به من العذاب وأنتم تنظرون وشتم قومه من ثمود وأوعدهم العذاب الأليم فشتموه. فقام صالح فصلى ودعا إلى الله - وهم يسخرون منه - فأوحى الله ﵎ إلى صالح ﵇ إني قد قبلت دعاءك واني مرسل عليهم صيحة تزهق أنفسهم وتهلكهم أجمعين وذلك نازل بهم إلى ثلاثة أيام. فقال صالح: يا رب أعجل من ذلك، فقال الله ﵎: إني إذا قضيت أمراً فلا مرد له وإن وعدي غير مكذوب، ثم أقبل صالح على القوم فقال: اجترأتم على الله وانتهكتم حرمته فانتظروا نقمته واعلموا أن العذاب نازل بكم بما فعلتم، فقالوا: - وهم يستهزئون به - ومتى يكون ذلك يا صالح؟ فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، فقالوا: - وهم يسخرون منه - وما علامة ذلك يا صالح؟ فأوحى الخميس مصفرة، ثم تصبح يوم الجمعة محمرة، ثم تصبح يوم السبت وجوههم مسودة، ثم يأتيهم العذاب غداة يوم الأحد مشرقين. يقال:، قال لهم صالح: إن علامة ذلك أن تصبح وجوهكم غداة مؤنس مصفرة، ثم تصبح في عروبة محمرة، ثم تصبح يوم شيار مسودة، ثم يأتيكم العذاب يوم أول. قال: وكانت العرب تسمي الأيام في الجاهلية الأحد يوم أول والاثنين أهون والثلاثاء جباراً والأربعاء دباراً والخميس

стр. 388

مؤنساً والجمعة عروبة والسبت شياراً، فذلك الذي عنى بهم صالح، صلوات الله عليه. فلما سمعوا قوله كذبوه واستهزئوا به وتآمروا بقتله وقالوا: هلموا فلنقتل صالحاً وأصحابه في ليلتنا هذه ونلحقه بناقته ونستريح منه فإن بك صادقاً، فقد عجلناه، وإن يك كاذباً فقد اشتفينا منه. فتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا على ذلك عليه واجمعوا على قتله. فانطلق الرهط التسعة قدار وأصحابه حين أمسوا حتى أتوا منزل صالح وهم يريدون أن يغتالوه فوجدوه وأصحابه المؤمنين قعوداً يذكرون الله. فلما طال عليهم ذلك تآمروا فقالوا: هلموا بنا فلنقتله وأصحابه المؤمنين ولا يعلم أحد من قتلهم، فإن طلبنا أحد من أوليائهم أقسمنا لهم ما شهدنا مهلك أهله ولا لك قول الله في كتابه ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾. سمعت ابن عمك يقول ذلك يا أمير المؤمنين. ثم وثبوا ليقتحموا البيت على صالح، فبعث الله ﷻ نفراً من الملائكة معهم حجارة من نار فدمغتهم الملائكة بتلك الحجارة فقتلتهم جميعاً، فهلك قدار وأصحابه من آخر ليلتهم وأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وأنزل بهم نقمته وقدرته قبل قومهم وما أعد لهم من العذاب في الآخرة أشد وأخزى فسحقاً لأصحاب السعير. وكان العامة من ثمود وجلهم قد رحلوا مع قدار وأصحابه بعد عقر الناقة وأكلوا لحمها ورضوا بعقرها جميعاً والتي منهم يومئذ ما لا يحصى عدده فلما أبطأ قدار وأصحابه عن قومهم انطلقوا إلى منزل صالح وأصحابه في طلبهم، فوجدوهم على بابه موتى قد رموا بحجارة، ولم يكن صالح وأصحابه علموا بشيء من قتل قدار وأصحابه ولا بمجيئهم إليهم، فأخذوا صالحاً فقالوا له: أنت فعلت هذا وقتلت أصحابنا هؤلاء قتلوا على بابك. فوثب رهط صالح دونه وقالوا: والله لا وصلتم إليه أو

стр. 389

نموت دونه عن آخرنا، وقد أخبركم أن العذاب نازل بكم إلى ثلاثة أيام فإن بك صادقاً فذاك أعز له وإن يك كاذباً أسلمناه إليكم بما جنى على نفسه من الكذب - وكان رهط صالح أعز بيت وأشرفهم في ثمود وأمنعهم وأكثر عدة وعدداً - فرضيت عنهم ثمود بذلك وتركوا صالحاً. وأوحى الله إلى صالح بأمر قدار وأصحابه الرهط، قال الله ﴿إنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ - أي بالصيحة التي تأخذهم - قال: فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب وعلموا أن صالحاً قد صدقتهم وازدادوا كفراً وطغياناً وجرأة على الله وتعصباً لنبيه صالح واجمعوا على قتله وقتل أصحابه، وقالوا: لسنا ندعه يعيش بعدنا هو وأصحابه، وشغل عنه رهطه بما جاءهم من الأمر وبلغ صالحاً ﵇ ذلك عنهم، فهرب بنفسه حتى أتى بطناً من ثمود - يقال لهم غنم بن مبلغ، وكانوا أعز بطن في ثمود وأمنعهم منزلاً، رئيسهم وسيدهم نفيل، وكان مشركاً وكان يكنى بأبي هدب، وهو نفيل بن عمرو بن غنم بن مبلغ وكان هو وقومه مشركين فلجأ إليهم صالح وتحرم بأبي خهدب فآواه وأجاره ومنعه وخفي على المشركين أمر صالح، فلم يقدروا عليه، ولم يعلم به احد، فأخذوا أناساً من أصحابه فعذبوهم أشد العذاب وعرضوهم على القتل ليدلوهم عليه، فقتلوا منهم نفراً - رحمهم الله تعالى - فلما رأى ذلك رجل من المؤمنين - يقال له مبدع ابن هرم الشاعر - انطلق حتى أتى صالحاً، فأخبره الخبر وقال له: قد قتلوا منا نفراً وقد خشيت أن يقتل أضعافنا وأحداثنا حتى يدلوهم عليك، فما ترى يا نبي الله؟ قال صالح: دلوهم علي ولا حرج. قال: نحن بحل من ذلك. قال: نعم لا جناح عليكم - غفر الله لكم - فرجع مبدع فأخذه المشركون وقالوا: دلنا على صالح وإلا قتلناك وأصحابك، فأشأ مبدع

стр. 390

يقول: فإن يك صالح أمسى مقيماً ... ببلدتكم فلن يعدو نفيلا وإن يك صالح في آل غنم ... فلم تجدوا إلى غنم سبيلا بنو غنم سراة ثمود طرا ... وإن كانت بنو غنم قليلا وظني أن يمنعه رجال ... بضرب يترك الأعناق ميلا أبو هدب وأخوان لهدب ... إذا فزعوا رأيت لهم خيولا مجردة لدى الهيجاء بلقا ... تجاوب بعضها بعضاً صهيلا أخافوا صالحاً لما دعاهم ... فظلوا حول حجرته حلولا وأشياع هنالك من شباب ... وأشياخ تخليهم فلولا وقالوا لن تخاف وأنت فينا ... كفاك برغمنا فينا كفيلا فلا تخش التجبر يا آل قومي ... كفى لكم بذلكم دليلا فلما سمعوا قوله هذا وعلموا مكان صالح حيث هو كفوا عن المسلمين وانطلقوا بأجمعهم حتى أتوا أبا هدب وقومه فكلموه في صالح. فقال لهم أبو هدب: هو عندي وقد أجرته وآويته فلا سبيل لكم إليه. فقالوا: أتتبع دينه وتترك ديننا؟ قال: لا، ولكن قد أجرته ولن تخفروني في جواري، فتركوه وانصرفوا عنه، وشغلهم ما نزل بهم من العذاب وجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم من التغير، ثم أصبحوا ووجوههم يوم الخميس مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. فلما كان ليلة الأحد، خرج صالح من بين أظهرهم ومن معه من المسلمين إلى الشام فنزل إلى رملة فلسطين، وتخلف رجل من أصحاب صالح، صلوات الله عليه يقال له

стр. 391

مبدع بن هرم، فنزل قرحاً - وهو وادي القرى - وبينه وبين الحجر ثمانية عشر ميلا، فنزل على رجل يقال له عمرو بن غنم - وكان سيدهم وكان قد أكل من لحم الناقة ولم يشرك في عقرها - فقال له مبدع: يا عمرو اخرج من هذا البلد، فإن صالحاً قد قال: من خرج من هذه البلد نجا ومن أقام بها هلك. فقال عمرو: والله ما شاركت في عقرها ولا رضيت بما صنع بها. وأمسك عنه مبدع، فلما أصبح الأحد ورأوا ما نزل بهم من العذاب اجتمعوا كل قوم في مجلسهم فحفروا لأنفسهم قبوراً في بيوتهم ونحتوا ولبسوا أكفانهم - وكانت أكفانهم الانطاع وحنوطهم المر - وجلسوا في حفرهم. فلما ارتفع الضحى أخذتهم الصيحة. فلم يبق منهم أحد لا صغير ولا كبير إلا جارية من ثمود يقال لها العدوى ابنة ينبع وكانت جارية مقعدة وكانت كثيرة العداوة لصالح، فأطلق الله رجليها بعدما أخذ قومها العذاب، فخرجت حتى أتت إلى قرح فأخبرتهم بما رأته من العذاب وبما أصيب به قومها ثمود. ثم هلكت الجارية حين أخبرتهم. فقال: وقد سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إن الله ﵎ بعث جبريل حتى وقف على الفج الذي عقرت فيه الناقة، فصاح فيهم فخرجت أرواحهم من أبدانهم فهلكوا جميعاً إلا هذه الجارية المقعدة قد حدثتك حديثها. إلا إنه ذكر أن أسمها الذريعة - وهي كلبة بنت سلق - قال: ونفرت الوحوش والبهائم، فكانت لا تطوف إلا حولها. قال عبيد: وسمعت ابن عمك يقول: إن الله ﵎ لما أهلك ثموداً عجل لأهل الحجر العذاب فأخذتهم الصيحة يوم ثالث عقر الناقة وأهلك أهل قرح من ثمود بعد ذلك لإحدى وعشرين ليلة لإيوائهم صالحاً ﷺ يوم أراد قومه قتله، فذلك قول الله ﴿فتلك

стр. 392

بيوتهم خاوية بما ظلموا﴾ - يعني ساقطة خربة - قال معاوية: لله درك يا عبيد قد حدثت بعجب، فهل قيل في ذلك شعر وذكرهم أحد من العرب في شعره؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قد قالوا في ذلك أشعاراً. قال بعض شعراء العرب فيهم أيضاً. قال معاوية: فهات فأنشدني ما تروي من ذلك؟ قال عبيد: قد قال مبدع بن هرم في شأنه الناقة وأمر عنيزة بنت غنم صدوف هذا الشعر الذي يقول فيه: أبى الله إلا أن يحل بأرضنا ... من أجل صدوف والعجوز وخرابها دعت أم غنم شر حلف علمته ... بأرض ثمود كلها فأجابها ازيرق من فرخ دعته وربما ... دعت أم غنم للقبيح شبابها فنادت نداء لم تجد لشقائه ... سوى ابن جديع إذ رأته ربابها وقالت أطع تعط لرباب وأختها ... فدونك أم السقب فاهتك حجابها فصمم غاو عند ذاك لعقرها ... ونادت صدوف عند ذاك جنابها فقال جناب إنني غير مائل ... إليك فنادت مصدعاً فأجابها وقال مبدع بن هرم يذكر قداراً وأم غنم في شعره فقال: دعته عجوز من عبيد غوية ... لتنكحه بنتاً لها إذ ترفعا وقالت له أنت ابن سالف أن تنل ... عقيلة غنم تدرك المجد أجمعا إذا ما عقرت الناقة اليوم وابنها ... فبنى لك الوسطى وإن شئت سروعا أختيها الصغرى أحسن من مشى ... وأكرمها ان نلتها الدهر موضعا من آل ثمود لم تر الدهر مثلها ... ولو طفت حتى تقطع البر اكتعا أجاب قد أرام غنم وبنتها ... ونادت صدوف عند ذلك مصدعا

стр. 393

فقام إلى سيف حديث صقاله ... فبت به العرقوب ما أن تورعا لقد لبثت فينا ومعها فصيلها ... بوادي الجنان يرتعان به معا قريرة عين ما تخاف فراقه ... وما أن أشاروا نحوها قط إصبعا وكان قدار أخبث الناس كلهم ... إذا ما دعوا يوماً إلى الشر أسرعا إذا ما دعوه يوم ضر أجابهم ... فلما دعوه للعجوز تسرعا فقيل له لا تتبعن ابن سالف ... فانا نراه بابن غنم قد أزمعا لعقر التي نادى بها المرء صالح ... غداة رأيت الناس بالواد ركعا ينادون عبراً لا يجيب دعاءهم ... وإذ صالح يدعو الإله تضرعا إلى الله رغباً أخرج اليوم ناقة ... تكون لنا عذر فأعطه ما دعا فأخرجها من صخرة لا بن مبلغ ... تؤم وجوه الناس عجلاً متبعا جعلنا له عهداً بان لا نضرها ... بشيء أشهدنا على ذاك جندعا قد كان يدعو جندع ثم ربه ... بصوت حزين ينزع الدعي من دعا ينادي إلهي أنزل اليوم رحمة ... علينا لا تشمت بنا الحي متلعا فانا نخاف اليوم من ظلم قومنا ... من جهلهم بالله أن نتمزعا وقال رجل من أصحاب صالح وكان مسلماً يذكر أم غنم وقولها لرجال بني عدي وهم رهطها الذي هي منهم، حين رأت ما بوجوههم وعرفت صدق ما وعدهم صالح وأيقنت بالعذاب، فقال هذا الرجل من أصحاب صالح يصف ذلك وأنشأ يقول: فقالت يوم مؤنس أم غنم ... لضبع والعبيد وآل عرس

стр. 394

أراكم يا رجال بني عبيد ... كأن وجوهكم خضبت بورس لما قالت رجال بني هلال ... وما قال النبي لهم بالأمس بأنكم لناقته حسدتم ... تغيرت الوجوه أبي ونفسي فداء للمعاشر من عبيد ... وأبناء الدميل بني العمرس ويوم عروبة احمرت وجوه ... مصفرة ونادوا يال مرس ويوم شيار اسودت وجوه ... من الحيين قبل طلوع الشمس فلما كان أول في ضحاء ... أتتهم صيحة عقبت بنحس وقال مبدع بن هرم كان مسلماً يذكر الغرحى عمرو وقد جعل يهزأ به، فقال مبدع في ذلك شعراً، حيث يقول: يقول ابن غنم لي وقد رمت نصحه ... يعود إلى دين النبيين مبهجا برئت من الدين الذي تزعمونه ... تكون له يوم القيامة محرجا تضاحك بي عمرو بن غنم وقال لي ... يسرك أن آتيك بالذئب مسرجا فتركبه عدواً فتأتي نبيكم ... فتخبره أني تركتك محرجا بأرض بني كنعان ما بك قوة ... فترجو نجاة أو تجد لك مولجا وقد أكلوا لحم الفصيل وأمه ... طبخاً ومنه ما أضاعوا ملهوجا فلما رأيت القوم لا خير فيهم ... ركبت قلوصي ثم يممت مدلجا إلى صالح حتى أنخت بصالح ... على واضح من دينه ليس أعوجا وقال مبدع أيضاً يذكر بلادهم وما أصابها من العقوبة: أقمنا بدار الكوش عشراً كواملا ... وخمس سنين بعد عشر وأربعا

стр. 395

فنادى مناد الحقوا ببلادكم ... فقدما أبان الخصب منها وأمرها وإن بلاد الحجر أضحت وما ترى ... بها جالساً إلا أهاجيل وقعا على كل قصر قد تخرب جوفه ... يجاوبن بالأسحار يوماً واصوعا فلما هبطنا أرض حجر وقرحها ... وجدنا بها ماء كثيراً ومرتعا وقال مبدع أيضاً يذكر ثمود ما أصابها: لعل عدوكم نزل البطاحا ... غدوا كان ذلك أم رواحا فكانت غارة منهم إليكم ... قبيل الصبح فاعتسفوا اللقاحا فإن تكن اللقاح ذهبن منكم ... وصار الشيخ يغتبق القداحا فكانت غارة قدرت عليهم ... أتتهم في ديارهم صباحا فقلت بلى غدواً حلى صبحا ... مع الإشراق خلناه رياحا فكانت صيحة لم تبق شيئاً ... بوادي الحجر وانشقت رماحا فخر لصوتها أجيال حجر ... وخرمت الأسافر والصفاحا وأدركت الوحوش فقبعتها ... ولم تترك لطائرها جناحا ونجى صالحاً في مؤمنسه ... وطحطح كل جبار فطاحا وقال مبدع أيضاً وهو يذكر الذريعة وكانت مقعدة، وهي كلبه ابنه سلق حين خرجت من الحجر لما عينت حتى أتت أهل قرح فأخبرتهم بهلاك ثمود، ثم أصابها ما أصابهم فقال: نشدتك يا ذريع لتخبريني ... بأي الأرض أدركك المقيل أبا لوادي فكيف نجوت منه ... وقد هلك الأرامل والكهول فقالت إن قومي خلفوني ... بحيث أضر بالعلم السبيل وقالوا إن حسست ذريع شيئاً ... فحرزك ذلك الجبل الطويل فإن غداً يكون هلاك حجر ... ولا يبقى بواديهم رجيل

стр. 396

فلما إن حسست الصبح أني ... نهضت كأنني هيق جفيل فقمت خلال أبيات المحيا ... إلى جبل تطوف به الوعول إلا يا ليت نفسي في أناس ... غداة آتاهم الأمر الجليل نصبت لهم كمثلي في حياتي ... ولم أفعل كما فعل الجهول إلا فابكي الأكارم من هلال ... فهم عوني الذين بهم أصول وهلال، الذي ذكر أخو الذريعة - وبنو هلال بطنها الذين كانت منهم - ومما قال قدار عدو الله بعد عقر الناقة هذا الشعر: هل لبطاح الأرض من نازح ... أم هل لفلق الطود من ناطح أم هل لسقب عقرت أمه ... من آخذ يأخذ من جارح لا فارقت ساعدها راحة ... لم ترتعش من صيحة الصائح ما هاله ما هال من قبله ... من باكر منها ومن رائح لم يخش أن ينظرها صالح ... فاخلف المظنون من صالح قدار لا تسأل ولا تنتزع ... ولا تزل في العمل الرابح فأجابه رجل من المسلمين من أصحاب صالح صلى الله عليه فأنشأ وهو يقول: يا فعلة أردت قداراً وكم ... راح لها من هاتف صائح جاء قدار وأبوه معاً ... على ثمود بالردى الجائح لا ناقة الله رعوا حقها ... فيهم ولا موعظة الناصح سما رجال حاولوا عقرها ... من باكر منهم ومن رائح جاءوا بعوجاء لها عائد ... صارت عليهم شفرة الذابح يومهم يوم المحيا بما ... لاقوا من اليابس والناصح قد كان فيهم لكم عبرة ... لو قصدوا المنهج الواضح فأبصروا اليوم بما قبله ... قد يعرف القابل بالبارح

стр. 397

من يتق الله يكن رابحاً ... لا يبرح الدهر مع الرابح أضحوا بما قد فعلوا ضحضحا ... فيه العساقيل بلا فادح حتى يسير الراكب المغتدى ... فيه على البازل والقارح ويترك الأجيال مأمونة ... جمامة الماء بلا ناصح ما الله عن ناقته غافل ... يوماً ولا عن عبده صالح ويل قدار بالذي قدمت ... له عجوز الحجر من جارح وقال حسان بن ثابت يذكر ثموداً وعبد الله: يكوى إذا رام الهجاء لقومه ... ولاح شهاب من سنا البرق واقد كأشقى ثمود إذ تناول سيفه ... يريد هلاك الصقب والصقب وارد فقيل لهم فاستمتعوا في دياركم ... جاءكم ذكر لكم ومواعد ثلاثة أيام من الدهر لم يكن ... لهم صاريف الذي قال زائد ذكر محمد بن إسحاق من غير عبيد شرية عن الرواة: أن صالحاً ﷺ لما آتاه خبر الناقة اجتمع إليه المؤمنون فقال لهم: توقعوا عذاب الله لقومكم، قالوا: يا صالح ادع ربك إلا ينزل بهم العذاب لعلهم يؤمنون، فقال صالح: أدركوا الصقب، فلعل إن أدركتموه إلا يعذبوا. فانطلقوا ومعهم صالح في طلب الصقب، فإذا الصقب قد طلع جبلا منيعاً أتى صخرة في رأس الجبل، فطلعها فرغا عليها رغاء شديداً واسم الجبل فيما يزعمون ظلم فأتاهم صالح فلما رأى الناقة قد عقرت بكى. ثم قال: انتهكتم حرمة الله تحل بكم نقمته، فلما رأى الصقب - وهو على رأس الجبل - قال صالح: يا أمتاه، فدعا صالح ربه بهلاكهم، فاستجيب له. قال صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ويأتيكم العذاب يوم رابع، فانطلقوا يطلبون الصقب، فلما علا الجبل لم يقدروا

стр. 398

عليه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب. فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ويأتيكم العذاب ذلك وعد غير مكذوب. ثم رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: يا أمير المؤمنين ومن أشعارهم قول رجل من المسلمين من أصحاب صالح ﷺ يذكر فيه عنيزة والصدوف وقداراً ومصدعاً والرهط وعقر الناقة وأنشأ وهو يقول: خسرت ثمود فعجلت بعذابها ... من شؤمها وعتوها وتبابها كانت ثمود عزيزة في أرضها ... من سادة شبت وجل شبابها غوت الغواة وأمعنوا في غيرهم ... كفرت ثمود بربها غلابها فأباح ساحتها وعجل خزيها ... رب عظيم فلها بعقابها عقرت ثمود ناقة محبوبة ... عند الاله فصبها بعذابها فغفوت عنيزة والصدوف ومصدع ... وقدراها الغاوي لب لبابها هلكوا جميعاً فالسباع عليهم ... عصب وآمن من نباح كلابها كان المبارك صالح يدعوهم ... بطرائق يهديهم لصوابها فعصوا وقالوا عصبة كذابة ... كذبت ثمود وذاك من كذابها لو أنهم كانوا أطاعوا صالحاً ... فازوا بطاعة صالح وثوابها بل كذبوا بالحق لما جاءهم ... وصفت رؤوسهم إلى أذنابها قد كان هود قبلهم في قومه ... يدعو إلى سبل الهدى وطلابها فعصته عاد بعد كل بصيرة ... سنن الهدى تسن في أثوابها فأصبن عاداً إذ عصته عواصف ... من شمال قطعت قوى أربابها فعلا ثمود حين لم يتفكروا ... بعذاب عاد قبلها وعذابها

стр. 399

عصت الإله إلا وقد أودى بها ... غضب الإله وهدها بحرابها ومن شواهد أخبارهم يا أمير المؤمنين قول أمية بن أبي الصلت يذكر ثموداً والناقة وما أصابهم وأنه لم ينج إلا الذريعة كلبة بنت سلق حين ذهبت إلى قرح وموتها حين سقيت عند فراغها من الخبر لما رأت من العذاب الذي نزل بهم، فقال في ذلك أمية بن أبي الصلت: وثمود الفتاك في الدين وفي ... ناقة ربي إذ غادروها عقيرا ناقة للإله ترتع في الأرض ... وببنيان ثم حوض مديرا فآتاها أحيمر كأخ السمع ... بغضب فقال كوني عقيرا فأصاب العرقوب والساق منها ... ومشت في دمائها مكسورا فرأى الصقب أمه فارقته ... بعد ألف خلية وظؤرا فأتى صخرة فقام عليها ... صعبة في السماء تعلو الصخورا فرغا رغوة وكانت عليهم ... دعوة الصقب صيحها تدميرا فأصيبوا غير الذريعة فاتت ... من جوار لهم وكانت جزورا سبعة أرسلت لتخبر عنهم ... أهل قرح أتتهم تغويرا فسقوها بعد الحديث فماتت ... فانتهى ريها فوافت حفيرا ثم قال عبيد: يا أمير المؤمنين، هذا ما انتهى إلينا من حديث ثمود وأخبارهم وأشعارهم وما قيل فيهم، والله أعلم بالصواب. وكذلك حدثنا الأول فالأول. قال معاوية: خليق يا عبيد أن يكون هكذا، فزادك الله علماً وفهماً، وزادنا بك رغبة وعليك حرصاً فانا لا نحصي أياديك، فزادك الله فضلاً إلى فضل وهدي إلى هدي، فقد أضاءت نارنا ونار قومك، ثم أطفئوها، فزادك الله خيراً. ثم خبر ثمود والناقة

стр. 400

وصالح ﷺ وبالله التوفيق. حديث جرهم وخروجهم من اليمن إلى الحرم قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن شخوص جرهم من اليمن إلى الحر وكيف كان ولم فارقوا قومهم؟ قال عبيد: كان من أمر جرهم يا أمير المؤمنين أن الله تبارك وتعالى لما أهلك عاداً وثموداً وانتشر بنو قحطان في البلاد وكثر ولده. قال معاوية: وما كان لقحطان من الولد؟ قال عبيد: كان له يعرب - وهو أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن - وجبار ابن قحطان وانمار بن قحطان والمعمر بن قحطان والعاص بن قحطان ولاوي بن قحطان وماعز بن قحطان وغاصب بن قحطان ومسعر بن قحطان وجرهم بن قحطان والملتمس بن قحطان والقطامي بن قحطان وظالم بن قحطان والغشيم بن قحطان والمكعفر بن قحطان ونافر بن قحطان. وأمهم امرأة من عاد، وكلهم قد ملك غير ظالم فلم يملك، وقد كان يسير بالجيوش. فولد يعرب بن قحطان يشجب، فولد يشجب سبأ وهو عبد شمس وأدد بن يشجب - وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبي السبايا من ولد قحطان - فولد سبأ بن يشجب حمير بن سبأ بن يشجب بن قحطان - وكان يقال له العرنجج - وهم أهل المدن فيهم وكانت الملوك، وكهلان بن سبأ فملك بعد أخيه حمير حتى ألح به الهرم فرجع الملك إلى ولد حمير، غير أن المشورة كانت في ولد كهلان. فولد حمير بن سبأ الهميسع ومالكاً

стр. 401

وزيداً وعربياً ووائلاً ومعدي كرب فولد الهمسيع أيمن وغوثاً وزهيراً وتوفين. فولد الغوث بن الهمسيع جرهم بن الغوث وثعلبان وحوس فولد خليجاً والهائف وسادما والغوث وجرهمة والديال وحبال ورسال، أمهم قتادة بنت طارف بن جهبذ بن زريق بن مرارة بن منقذ العادية. وولد كهلان زيداً، فولد زيد مالكاً، وولد مالك نبتاً وعربياً والخيار. فولد نبت بن مالك كهلان بن الغوث. وولد الغوث الأزد والقدر. وولد عريب بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. فولد عريب يشجب. وولد يشجب زيداً. فولد زيد ادداً، فولد أدد مالكاً - وهو مذحج ومرة والأشعر -. فولد مرة الحارث. وولد الحارث عدياً ولخماً وجذاماً وعاملة وعميراً - وهو أبو كندة - فهؤلاء ولد عدي بن الخارث بن مرة بن ادد. وولد الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان رئيساً ومالكاً ابني الجبار. فولد رئيس ربيعة. فولد ربيعة أوشلة. وولد أوشلة همدان والهان - فهؤلاء ولد الخيار - ومن ولد الخيار الحارث بن مرة بن ادد بن مالك. فولد ماللك المعافر وعمرو بن مالك لكل وهم خولان بن عمرو بن مالك بن مرة ابن ادد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم أن جرهم بن قحطان ولد هزان وذيالاً والعاد ومصياراً، وكثروا فوقعت بينهم وبين بعض بني حمير حرب، ولم يبق من ولد حمير فرقة إلا أعانتهم على جرهم حسداً لفضلهم وعقولهم إلا حياً واحداً من بني حمير - يقال لهم بنو قبطون بن كركر بن حيدان بن

стр. 402

قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهميسع بن حمير - وكانت حمير أكثر عدداً وعدة، فنفوا جرهماً وبني قيطون من البلاد. فلما رأت ذلك جرهم ومن كان معها وما دخل عليهم وأنه لا طاقة لهم بحمير ساروا عن البلد وملكت بنو جرهم عليهم مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بن نبت بن جرهم بن قحطان. وملكوا بنو قبطون عليهم السيمدع بن هوثر بن مازم بن لاوي بن قبطون بن كركر بن حيدان. فساروا حتى حلوا أرض الحرم وأهلها يومئذ العماليق، وهم نزول حوله - وكان موضع الحرم كثير الشجر ممتنعاً أن ينزل فيه لكثرة شجره. فأمروا بالشجر فقطع، ونزلت جرهم أعلى مكة، ونزلت بنو قبطون أسفلها في موضع قعقيعان واجياد. قال معاوية: وهل كانوا يعلمون إنه الحرم؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال: يا عبيد فكيف قطعوا شجره؟ قال عبيد: لم يروا بذلك بأساً لما أرادوا من سكناه وعمارته، وقد قال في ذلك مضاض هذا الشعر الذي يقول فيه: هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادي بالقول المبين المعرب وعاد عوص ذو القوام الأعجب ... وعمي الخير ثموداً لا سكب إني إليهم صاح في التقرب ... وهم إلى الدهر في التنسب مضوا على مهل لأمر معجب ... جرهم جدي وابن عمرو الأهدب أجلب المأمون ذو التنقب ... يعرب ذو مجد وعز أغلب بمكر مات وسنا مرتب ... يا قوم سيروا غير فعل الأجنب قد قال في ذلك خير منجب ... ونوح قد قال بقول أصوب

стр. 403

أنتم بنو يعرب أهل معرب ... وأهل عز باذخ مهذب وجرهم في الدهر ذي التشعب ... قوام بيت مكرم مطنب وزانه الله العلي الأغلب وقال السميدع بن هوثر القطري: سيروا بني كركر في البلاد ... إني أرى الدهر إلى فساد قد سار من قحطان ذو الرشاد ... جرهم لما هدها الأعادي من حمير الحساد للعباد ... فلم يضرني دون أهل الوادي لكم بني عمرو على المبادي ... بالمقتضيات الصقل الحداد سيروا بنا الأرض بلا ارتباد ... سيروا وعزنا بلاد الهادي خليل رب بادي السداد ... دعوا بني كركر كل عادي إذ صرحوا المنكر بائتيادي ... وآثروا العبيد بالوداد على أولي الأرحام والأيادي ... فإن في الأرض لكل عاد قوام عيش زئاد من زاد قال معاوية: من أول من ملك من ولد قحطان؟ قال عبيد: كان أول من ملك منهم سبأ بن يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس - فهو أول من سبى السبايا - ثم ملك من بعده حمير، وذلك قبل عاد بزمان. قال معاوية: وأني ذلك وحمير أحدث بدهر طويل؟ قال عبيد: كلا يا أمير المؤمنين. أن عاداً قد ذكرت حمير في أشعارها. قال معاوية: وكيف قالوا؟ قال عبيد: إن عاداً لما بعثت وفدها إلى الحرم وأبطأ الوفد عليها كالذي حدثتك يا أمير المؤمنين، فرأى جنادة بن الأصم رؤيا - وكان مسلماً مع هود النبي

стр. 404

صلى الله عليه وسلم - أن الوفد قد هلكوا. فقال رجل من المشركين يقال له الخلجان بن الوهم في قوله هذا الشعر الذي يقول فيه: أفي كل عام بدعة تحدثونها ... ورأي على غير الطريقة تعبروا فإن لعاد سنة في حفاظها ... سنحيي عليها ما حيينا ونقبر وللموت خير من طريق تسبنا ... به جرهم والعاد منها وحمير قال معاوية: صدقت يا عبيد وأتيت بالبرهان، فخذ في حديثك الأول قال: فلم تزل حمير كذلك لا يعدون اليمن حتى صار الملك إلى الحارث بن ذي شدد ابن عمرو بال الملطاط بن عمرو بن قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهمسيع بن حمير بن سبأ - فكان الحارث أول من غزا وأصاب الأموال وأدخل اليمن الغنائم، ثم خيرها فسمي بعد ذلك الرائش - قال عبيد: يا أمير المؤمنين هو الذي قال فيه لقمان الأكبر لقمان صاحب النسور - ما قال - وقد حدثتك حديثه في قوله (انهض لبد أنت الأبد نهض الملك المجرد الحارث بن ذي شدد). قال معاوية: صدقت يا عبيد وجئت بالبرهان، فخذ في حديثك عن ملوك حمير. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه لما كان يؤتى للحارث وهو الرائش في بلاده من قبل السند والهند في السفينة من المسك والعنبر وغير ذلك من الأعاجيب من ياقوتها وغيره فتطلعت نفسه إلى غزوها فعبى الجنود وأظهر إنه يريد أرض المغرب بحراً، وأعد السفن حتى إذا رأى إنه قد استمكن قدم رجلاً من أهل بيته - يقال له يعفر بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو ابن شرحبيل بن عمرو وباثني عشر ألفاً، وسار على أثره حتى دخلوا أرض

стр. 405

الهند، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال، ثم رحل قافلاً إلى اليمن وخلف يعفر في اثني عشر ألفاً وأمره ببناء مدينة هناك، ففعل وأقام سنة. قال معاوية: وأي مدينة هي؟ قال عبيد: لا أدري ما اسمها إلا أن ملوكهم بها اليوم واسمها على اسم الرائش. قال معاوية: كيف ذلك؟ قال عبيد: قال في ذلك رجل من حمير يقال له يونس بن سعد بن عمرو بن زيد ابن علاف بن ذي أنس بن يقدم بن الصوار شعراً يقول في ذلك: من ذا من الناس له ما لنا ... من عرب الناس ومن أعجم سار بنا الرائش في جحفل ... مثل مفيض السيل كالأنجم يؤم أرض الهند غازلها ... يحوي بها الانجوج كالضغيم ونستبي كل فتاة بها ... ريانة الخدين والمعصم إن ولي الملك من بعده ... سليل ذا الملك إذا ينتمي أعني به يعفر إذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم في بحرها السجود يطوى له ... يوم يسير الملك المعلم فصبح الهند بها وقعة ... هدت ملوك الهند بالصليم وأقبل الرائش في ملكه ... وآب بالخيرات والأنعم قال معاوية: فما صنع بعد ذلك؟ قال: أقام يا أمير المؤمنين دهراً أعلى ذلك حتى أتته هدية من قبل أرض بابل. قال معاوية: وممن كانت الهدية لله درك يا عبيد؟ قال: من ملكها. قال: ولم ذلك وهم في عز ومنعة بأرض بابل؟ قال عبيد: إن الملوك يهادي بعضهم بعضاً. قال: مخافة أن يغزوه؟ قال: أظن ذلك، والذي كان

стр. 406

منه في أرض الهند. قال معاوية: ومن أهل بابل يومئذ؟ قال: بقية من ولد حمير بن يعرب. قال معاوية: خذ في حديثك وأعلمني ما كانت الهدية؟ قال: بزات بيضاء وسروجاً كرمانية وديباجاً فاخراً وآنية من متاع الملوك من عمل أهل تلك البلاد. فلما رآها الرائش قال للرسول: أكل ما أرى في بلادكم؟ قال: بعضه أيها الملك وبعضه من بلاد الترك، وهم من أمرائنا من حالهم كيت. فحلف ليغزون تلك البلاد التي خرج منها ما رأى فاستخلف يعفر بن عمرو، وسار هو بنفسه في مائة ألف وبعث الرجال في ابتغاء الطريق، فلم يجد طريقاً خيراً له فيما يذكر من طريق واحدة على جبل طئ حتى خرج ما بين العراق والجزيرة، وقد سألت يا أمير المؤمنين عن ذلك فبلغني إنه خرج على الانبار من أرض العراق. قال معاوية: أو قد كانت أحدثت مدينتها يومئذ؟ فقال عبيد: بل ذلك بدهر طويل، ثم سار حتى نزل الجبل من ارض الموصل، وبعث شمر بن القطاف بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن عملاق بن عمرو بن ذي أنس في مائة ألف حتى دخل عليهم أذربيجان فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم اقبل فكتب في حجرين أمر مسيرخ، فهما اليوم على جدار أذربيجان. قال معاوية: وما بال أذربيجان لله أنت؟ قال: له أنها كانت من ارض الترك واجتمعوا له. قال: فأين كان ملك بابل عنه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين أنها كانت لأهل اليمن عدة ولحمير بسطة وقوة والله إني لأستحيي من ذكرها وكانت تنزع الأولاد إلى اليمن والأوطان، وكانوا يلجون في السير في البلاد وإن أهدى لبعضهم ملك من الملوك قبل وطاف إلى غيره. قال معاوية: صدقت فهل بلغك ما في الحجرين بأرض أذربيجان؟ قال: ذكر مسيره في شعره قال معاوية: فما قال. قال قوله:

стр. 407

بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام قال عبيد: يا أمير المؤمنين ذلك من قول الحارث الرائش. قال معاوية: وكيف قال؟ قال: إنه لما سار إلى الترك - وهو الحارث بن ذي شدد - قال هذا الشعر الذي يقول فيه: أنا الملك المقدم حين أمضي ... جلبت الخيل من يمن الحمام. لا غزوا عبداً جهلوا مكاني ... بأرض الشرق من ديم الغمام فاحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاور في غلام بنو قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام بإذن الله خط وهو كثيب ... تواثه الهمام عن الهمام دعوا أحرامه لبني أبيكم ... وكونوا مثل يقطان وسام وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي الأنس الأضافد ذي السنام فتلك ملوك أخيار تولوا ... ويخف بعدهم شبل الكرام فشرف منزلي وعلا مكاني ... وملكي فوق أملاك الأنام فإن اهلك ولم ارجع إليكم ... فقد هلك الملوك من آل لام ويملك بعدنا منا ملوك ... أولوا عز كعالية الغمام ويخلف بعدهم منا ملوك ... يرومون العناد لكل رام فينتشر الاساود ثم عشرا ... عقاب الله في القوم الآثام ويملك بعدهم رجل عظيم ... بني لا يرخص في الحرام يسمى أحمداً يا ليت إني ... أؤخر بعد مبعثه بعام ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم نكل المرام

стр. 408

ويملك بعده خلف نزور ... ويملك بعدهم أولاد حام تظهر راية المنصور فيهم ... على رأي ورأي بعد لام فينشر منطوى ملك طوته ... ثلاث بعد واحدة تمام فتنبعث الحقوق كما أميتت ... كما يجلى القتام عن الغمام ويملك بعده رجل ضعيف ... على آبائه أزكى السلام وهو الذي يقول يا أمير المؤمنين: إن المكارم والعلياء خص بها ... خير البرية ملطاط بن حيدان أعني به وائلا والغوث والده ... وعبد شمس آتانا خير إنسان واذكر به سيد الأملاك ذا أنس ... وابن القماقم عمرو الاصيد الثاني واذكر عريار تاج الأرض إن نسخت ... معاقل الناس من أولاد قحطان وخص مني زهيراً وابنه قطنا ... عند الحروب إذا كر الفريقان وأيمن النازح المشهور رأيته ... بنى لنا المجد من ذا مثله باني ابن الهميسع في عز ومأثرة ... إني لذكراه ذو بث وأحزان ذاكم بأني سألت الناس كلهم ... من مثلنا في دهور الأنس والجان لو كان ذا الدهر يبقى آل مكرمة ... لخص منا به ذاك الكريمان وحمير وسبأ فاذكر فعالهما ... لكن ذا الدهر يفنى والجديدان وجرهم هو جدي في أرومته ... وعم خالي نبت وابن هزان تلك المكارم إن عدت مكارمنا ... هذا لعمرك مجد ليس بالفاني فسائلوا الناس هل مثل يشاكلهم ... أو كان مثلي بهذا أمر لقمان قال معاوية: يا عبيد هل أحد من العرب ذكر الرائش في شعره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال فيه امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي:

стр. 409

تقول بنية الكندي لما ... عرفت بها الهوى واللهو نالا أرى الملك الذي قد كان فينا ... يفيد رغائباً ويفيد مالا ويعطي القينة الحسنا ويروى ... نداماه ويصطنع الثقالا ويصبح في البطالة مستطيرا ... تحال به إذا وافى هلالا يبدل بعد جدته شحوبا ... وأصبح شاؤه خلقاً مدالا فقلت لها وقول الحق مما ... يميل لو عدلت به الجبالا إلا اعتبري فإن الدهر غول ... خؤون العهد يلتهم الرجالا أزال من الصانع ذا رياش ... وقد ملك السهولة والقلالا وذو القرنين قد ملك المعالي ... وللرياش قد نصب الحبالا وانشب في المخالب ذا مقار ... فارداه وسقاه الخبالا وافرد ذا مقار وكان قدما ... يبالي في سرادقه الشمالا وفجع كندة الأخيار طرا ... بعمرو واصطفى حجراً فزالا فبينا المرء في الأحياء حي ... رماه الدهر عن جنب فمالا وأزد شنوءة الأبطال أرخو لنا ... في العيش أهون اختيالا فإن يك دار أهل الازد زالت ... فكل الناس ينتظر الزوالا فإن تهلك شنوءة في كسيري ... فإن هناك في غسان خالا بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أبا لك قد أنالا جزى الله السموأل يوم تيما ... ومن شهد الوثيقة والمقالا وأصحاب العهود بني غنى ... وعمرو الخير من يجري النوالا قال معاوية: يا عبيد، ما كنا نظن هذا الشعر إلا لذي نواس! قال: يا أمير المؤمنين قرب هذا وبعد الآخر، وكان اسم هذا أهون على الرواة. فأما القول: فوالذي بعث محمداً، لقد رويت هذا الشعر وإن ذا نواس لغلام

стр. 410

وإن الملك على حمير باليمن لخنيعة ذو شناتر قبل ذي نواس بدهر طويل فقتله ذو نواس. قال معاوية: صدقت، فكم ملك رائش؟ قال: ملك مائتي سنة وخمساً وعشرين. فقال: فمن ملك بعده؟ قال: ابنه أبرهة بن الرائش - وكان يدعى ذا المنار - وكان من أجمل أهل زمانه - فيما يذكر - فعشقته امرأة من الجن - يقال لها العيوف - ويروى أنها الهيوف بنت الرابع فتزوجها، فولدت له العبد بن أبرهة، فسار أبرهة غازياً نحو المغرب ومعه ابنه العبد فسيره على مقدمته واستخلف على اليمن ابنه أفريقيس ابن أبرهة. فسار أبرهة حتى أوغل في أرض السودان براً وبحراً وأمعن فيها. ثم بدا له المقام فأقام وسرح أبنه العبد بن أبرهة في غربي الأرض في عسكر، انتهى إلى بلاد قوم وجوههم في صدورهم. إذا كان النهار وحرت الشمس استخفوا في الماء، فوضع فيهم السيف حتى أفناهم ورجع إلى أبيه يسبي كثير وأصاب من الأموال شيئاً عجيباً وأخذ منهم قوماً فلما قدم بهم إلى أبيه ذعر الناس منهم فسمي ذا الاذعار قال: وإنما سمي العبد بن أبرهة ذا الاذعار لذلك. قال: نعم. قال معاوية: فاخبرني لم سمي أبرهة ذا المنار؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين، إنه لما رجع أبرهة من غزوته تلك أمر بمنارة فبنيت وشبت فيها النيران ليهتدي بها جيوشه، وكان ذلك المنار يا أمير المؤمنين أول منار وضعته الملوك - فسمي لذلك ذا المنار - قال: ثم رجع إلى اليمن فلم يغز حتى مات. قال معاوية: فهل قيل في ذلك وفي ذي المنار شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه رجل من حمير من أهل بيته ومن خاصته - يقال له المحموم بن مالك بن يزيد بن غالب بن المنتاب بن

стр. 411

بن عمرو بن يزيد بن عملاق بن عمرو بن ذي نواس بن يقدم بن الصوار هذا الشعر الذي يقول فيه: ولقد بلغت من البلاد مبالغا ... يا ذا المنار فما يرام لحاقكا قدت الجنود فأمعنت في برها ... وحملت منها في السفين كذالكا حتى وطى الجمعان حيث تبؤات ... أولاد حام ثم جئت بلادكا أوغلت عبداً فاستقر به النوى ... حيث العجيب بغير خلق جالكا فأتاك بالنسناس خلق وجوههم ... في الصدر منهم قابض لقناتكا أنت القهور فما ترام إلى البلا ... نعم الخليفة في مدى أفعالكا من ذا سيأتي من فعالك خطة ... هيهات ذلك جانح لسنائكا خضع الملوك لما رأوا من كيده ... كرماً لحمير أن علت بعلائكا قال معاوية: كم ملك ذو المنار؟ قال: ملك مائة سنة وثمانين سنة. قال معاوية: استقر الأول، فالأول حتى سألك عما أريد؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال معاوية: فمن ملك بعد ذي المنار؟ قال: ملك بعده أفريقيس بن أبرهة فغزا نحو المغرب عن يمين مسير أبيه في أرض البربر حتى انتهى إلى طليحة الملك فرأى بلاداً كثيرة الخير قليلة الأهل، فنقل البربر من بلادهم فلسطين إلى مصر إلى الساحل. قال معاوية: فإنه يقال أنهم قوم من قيس بن عيلان فهل علمت ذلك؟ قال عبيد: أما هذا فلا علم لي به ولكني أخبرك أن البربر قوم من ولد كنعان بن حام بن نوح وهم بقية من قتل يوشع بن نون قال معاوية: ولم قتلهم يوشع بن نون لله أنت؟ قال: إن يوشع بن نون كان عبداً صالحاً مؤمناً مأموراً، فسار إليهم داعياً إلى الله، فتركوا الحق وكرهوا الإسلام وأحبوا المقام على الكفر فقاتلهم فظفر بهم فقتلهم إلا بقايا منهم كانوا على السواحل ومن هرب

стр. 412

منهم فرجعوا بعد ذلك فقتلهم افريقيس في غزوة إلى أرض البربر فهم بها إلى اليوم. قال معاوية: فكيف تقول قيس أنهم من ولد بربر إلا من قبل شعر قاله افريقيس، وما ذلك؟ قال: قال افريقيس يا أمير المؤمنين هذا الشعر حيث يقول: بربرت كنعان لما سقتها ... من بلاد الملك للعيش العجب قد رأت كنعان فيها وهنة ... من بني يعقوب يوسف ذي النهب ورأت قيس لعمري دارها ... ترتقي عيشاً لنا لا يترب ثم أمسى غير ممسي من مضى ... بين ميت وطريد ذي تعب فاشكري ضبعان شكراً صادقاً ... واحذري مني انتقاماً ذا حرب قال معاوية: خذ فغي حديثك الأول. قال: فلما بلغ افريقيس حيث بلغ، أمر ببناء مدينة بتلك الأرض من افريقية، فبنيت مدينتها - وإنما سميت باسم افريقيس - وكذلك تسميها بربر اليوم، فأما العرب فتقول افريقية أن هذا لشبيه. قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال السميدع بن عمرو بن عملاق بن مالك بن عمرو بن عملاق بن هزان بن المنتاب بن عمرو بن غالب بن المنتاب شعراً. قال معاوية: وما هو يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا الشعر وهو: سرنا إلى المغرب في جحفل ... فيه لعمري كل شاب همام بأمر افريقيس لا ينثني ... بكل صهال وعضب حسام حتى أتينا أرض بطحائها ... من دون بحر غير سهل المرام نخوض بالفرسان في ما قط ... يكثر فيه ضرب أيد وهام

стр. 413

بأمر ماض الهم ذي حنكة ... نقهر من شئنا بجيش لهام نقتل منهم شيخ أملاكهم ... أروع قرم غير وغد كهام يسكن البربر في قصفص ... كتائب سارت كمثل الغمام ثم ابتنى البنيان في جوفها ... بغير ما كره لدهر الدوام قال معاوية: فكم ملك لله أبوك يا عبيد؟ قال: ملك افريقيس مائة سنة وأربعاً وستين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده يا عبيد؟ قال: ملك أخوه العبد بن ابرهة ذو الاذعار، فسقط شقه من الفالج، فلم يغز بنفسه وكان يوجه في الغزو سنة ويمكث ثلاث سنين - وكان مهيباً قال: لله درك يا عبيد، ما سمعت برجل من أهل اليمن هم له أكثر ذكراً وبمسيره وإثخانه في الأرض أكثر تعجباً منهم له؟ قال عبيد: ذلك من لا علم له أمير المؤمنين وما كان ذكرهم لذي الاذعار، إلا لما كان أصاب من السبايا معابيه وهدية بلغ بها إلى أبيه فيما بلغنا والله اعلم. قال: فهل قيل في ذي الاذعار شعر سمي فيه ذي الاذعار؟ قال عبيد: نعم، إنه لما مات رثاه رجل مناهل بيته - يقال له المعترف بن وائل بن يعفر بن عمرو - قال عبيد: قال المعترف بن وائل يرثى ذا الاذعار حيث قال: عجبت للدهر وبلوائه ... وصرف أيام له فانيه بينا يردينا لباس الهوى ... إذ مال لا يبقى على باقية لو كان هذا الدهر اذهرنا ... له ود من الأرباب والحاشية عمرو وذو الاذعار في ملكه ... لكنما الدنيا هي الفانية

стр. 414

وملك جبارهم أصله ... لم يكن الباقي لدى الداهية فأكثري التعويل يا حمير ... على مليك كان بالعاليه من مجد آباء له ما لهم ... قد قهروا ملك ذوي العاتية قال معاوية: يا عبيد كم ملك ومن ملك بعده؟ قال: ملك خمساً وعشرين سنة. ثم ملك بعده عامر ذو براش. قال معاوية: ما سمعت بذي براش؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين كان ملكاً من ملوك حمير، وقد قال فيه الأفطس بن عفيف - وهو رجل من اليمن - شعراً. قال معاوية: وكيف؟ قال عبيد: قال هذا الشعر يا أمير المؤمنين حيث يقول: قد علا الناس بالفضائل والمجد ... أخو الملك عامر ذو براش قاد خيلاً يريد ارض قباذ ... غار فيها بمصلتين غير حاشي للمنايا إذا تضرمت الحرب ... بنيرانها الفضاع الغواشي فهو ليث لها يقود ليوثاً ... ليس يثنون عن لقاء الكباش وهو ليث الحروب في كل حرب ... ذو براش فنعم ليث الهراش ملك يبرم الأمور بحزم ... غير زميلة ولأمر عاش فل ساسان عنوة وزبرجا ... غزاهم بجحفل الجياش بجيوش كأن لمع سناها ... شهب الليل في الدواجي الغطاش من سيوف مهندات صقال ... مرهفات يردن في الامشاش جاء بالفيء من سر نديب والاي ... لة حتى أتى بأرض حفاش من لبيض الخدود في الغرف الش ... م وفي حسن لذة ومعاش ذاك قيل مملك حميري ... ثار في الملك في اكتهال وناش غير رعديدة إذا حمى الحر ... ب ولا بيهمومة ولا طياش

стр. 415

قال معاوية: لله أبوك يا عبيد ما كنت أظن هذا هكذا وما كنت أظنه إلا ذا نواس! قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال معاوية: فكم ملك ومن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك تسعاً وستين سنة، ثم ملك من بعده الهدهاد بن شرحبيل - وهو ذو يشرح - فكان قد تزوج امرأة من الجن - يقال لها رواحة بنت السكن - فولدت له بلقيس - وكانت أعقل امرأة سمع بها في ذلك الزمان وأفضل رأياً وعقلاً وتدبيراً وعلماً، وكانت ذات مشورة على أبيها، حتى عرف ذلك جميع حمير وغيرها منها - فلما حضرته الوفاة بعث إلى رؤساء قومه وأهل الرأي والنبل منهم وأمراء خيارهم، فذكر لهم إنه استخلف عليهم بلقيس. فقال رجل منهم: أبيت اللعن أيها الملك تدع أهل بيتك وأفاضل قومك وتستخلف علينا امرأة - وإن كانت في المكان الذي هي منك ومنا - قال: يا معاشر حمير قد رأيت الرجال وعرفت أهل الفضل وخبرت ذوي الرأي من المعاشر وشهدت ملوكها الماضين ومن أدركت منها فلا والذي أحلف به ما رأيت مثل بلقيس قط علماً ورأياً وحكماً، مع أن أنها من الجن وأنا أرجو أن تظهر لكم من أمور الجن ما تنتفعون به بإعانتكم ما كانت الدنيا - لأن أمها من الجن - فاقبلوا نصيحتي فيها فاني مع اختياري إياها مؤدية إلى غيرها من أهل بيتها، واني قد كنت سميت الملك لابن خالي هذا الغلام - وهو غلام له عقل ورأي وهو أولى بالأمر، فإذا بلغ ولي الأمر إما في حياتها وأما بعد موتها - قال: ومن هو؟ قال: ناشر بن عمرو بن يعفر بن عمرو. قالوا: سمعنا وأطعنا وأنت أيها الملك أنظر لنا وأبصر لنا. فوليت بلقيس أمورهم بعد أبيها الهدهاد بن شرحبيل ملك حمير.

стр. 416

قال معاوية: فاخبرني كم ملك الهدهاد بن شرحبيل؟ قال: ملك مائة سنة. قال معاوية: يا عبيد هل كانت بلقيس تريد الرجال؟ قال عبيد: ما تزوجت قط، ولا نكحها سليمان ﵇، إلا وهي بكر. قال: فمن كان خدمها؟ قال عبيد: الرجال. قال: فمن كان يخدمها؟ قال: النساء. قال معاوية: إماء هن أم حرائر؟ قال: بل بنات أشراف حمير. قال: وكان معها فيما بلغني ثلاثمائة وستون جارية، وكانت تحبس الجارية، حتى إذا بلغت حدثتها حديث الرجال، فإن تغير لونها ونكست رأسها وبدا لها أنها قد أبصرت أمر الرجال، سرحتها إلى أهلها فزوجوها بعض أشراف قومها، وإذا رأتها مستمعة لقولها معظمة لأمرها غير متغيرة اللون ولا مستحية من الحديث عرفت أنها لا تريد فراقها وإن الرجال ليسوا ببالها. قال معاوية: إن النساء في ذلك أطوار تكون على الوصف الأول وإنها لبعيدة عن الرجال وتكون على الصفة وهي تحتال على ذلك بالخداع والمكر قال عبيد: يا أمير المؤمنين إنه كان عندها بالأمور علم وكان هذا منها رأياً. قال معاوية: يا عبيد انك لتحدثني عن امرأة أظنها نواراً من النساء! قال عبيد: يا أمير المؤمنين، ومن أين يكون ذلك؟ وقد قالت لنبي الله سليمان بن داود ما قالت رغبة فيه وحرصاً على أن تكون زوجة له - ولو كانت نواراً لم تقل ذلك - ولكنها كانت من النساء مكرمة لنفسها ضابطة لرأيها وأمرها غير نزوع إلى المساوئ ولا غافلة عن المكارم. قال معاوية: فما كان قولها لسليمان بن داود؟ قال عبيد: يأتي عليك الحديث يا أمير المؤمنين. قال: افعل. فوالله انك لتحدث لعجباً؟ فكم ملكت حتى جاءها سليمان بن داود.

стр. 417

قال بلغني يا أمير المؤمنين أنها ملكت تسعين سنة، فلما أراد الله أكرامها بسليمان، خرج مخرجاً لا يدري إليها قصد أم إلى غيرها أم مر على بلادها وهو يريد غيرها، وكان إذا ركب من منزله مرعاً أتته فقال: نصف النهار بأصطخر من أرض فارس، ثم يتروح فيبيت بكابل فغدوه ورواحه مثل ذلك المسير إلى كل وجه يأخذ إليه. وقول الله أصدق القائلين (غدوها شهر ورواحها شهر). قال معاوية: صدقت، فهل قرأت القرآن؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما حفظته إلا في شهر واحد. قال معاوية: لله أنت يا اخا جرهم، فحدثني عن سليمان وبلقيس. قال: لما أراد الخروج على الريح، فوضع سريره عليها وكرسيه وكراسي جلسائه، ثم جلس عليه وأجلس الأنس عن يمينه وشماله ومجالسهم من كرامتهم وأجلس الجن من ورائهم على مثل ذلك منهم قائم ومنهم جالس، ثم قال للريح: أقلينا، وللطير أظلينا، فأقلتهم الريح وأظلتهم الطير من الشمس والخيل موقوفة والطباخون في توابيتهم جلوس في أعمالهم، فلما استقروا عليها أمرها سليمان بالمسير، فسارت لا تزيل أحداً منهم عن مجلسه ولا تفسد عليه عملاً في يده ولا صانعاً بصناعته ولا طابخاً ولا خبازاً ولا دابة من مربطها ولا أحداً ممن حملته عليها حتى يأذن لها في وضعهم على الأرض فإذا أذن لها بذلك فعلت ذلك في الحال من سكونهم بقدرة الله . ثم أن سليمان سار في أرض العرب، فمر بموضع المدينة، فأمر الرياح فوقفت ثم أعلم أصحابه إن هذا المكان مهاجر نبي يخرج في آخر الزمان من العرب اسمه أحمد وهو خاتم النبيين ﵌ ثم سار إلى

стр. 418

مكة فأمر الرياح فوقفت ثم قال: هذا بيت الله الذي ابتناه أبي إبراهيم صلوات الله عليه وهو أول بيت وضع في الأرض أمر الله به أبي آدم ﵇ فبناه، ثم نزل سليمان فصلى فيه، ثم سار. قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فمتن كان أهل الحرم يومئذ؟ قال عبيد: نحن يا أمير المؤمنين وسلفنا على الحق يومئذ. قال معاوية: فمن كان يلي البيت مر به سليمان بن داود؟ قال: البشر بن عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو. قال معاوية: خذ في حديثك. قال عبيد: ثم سار سليمان إلى أرض اليمن، حتى إذا كان على مسيرة ثلاثة أيام من مدينة ملك اليمن أراد سليمان النزول - وكان لا ينزل إلا على ماء - وكان الهدهد الذي يدله على الماء فافتقد سليمان الهدهد حين دخلت عليه الشمس من موضعه - وكان مثل البطة - وذلك قول الله ﵎ ﴿وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ إلى آخر الآية. قال: وما يعني بالعذاب يا عبيد؟ وإنما هو طائر. قال عبيد: يا أمير المؤمنين سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إنه النتف حتى لا يطير مع الطير. قال معاوية: فهل تعرف يا عبيد قوله ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ ما هو؟ قال: العذر المبين. قال: فمن أين علمت ذلك؟ قال: من قبل ابن عباس. قال معاوية: فما صنع الهدهد؟ قال عبيد: كان الهدهد قد تقدم فلقي هدهد أرض سبأ، فقال لهدهد سليمان: أخبرني ما هذا الذي أرى ما رأيت ملكاً أعجب من هذا راكباً على الريح معه الجنود ما لم أره أو أسمع بمثله! قال له هدهد

стр. 419

سليمان: هذا سليمان - نبي الله - فمن أين أنت؟ قال: من أرض سبأ. قال: فمن ملككم؟ قال: ملكنا امرأة لم ير الناس مثلها في فضلها وملكها وحسن رأيها وتدبيرها وكثرة جنودها مع الخير الذي قد أعطيت في بلادها وأمها من الجن مع هذا وهي امرأة من ولد حمير. قال هدهد سليمان: انطلق بي حتى أنظر إليها، فانطلق به حتى رآها وجنودها وما أعطيت في بلادها. ثم رجع إلى سليمان ﷺ بعد أن مكث غير بعيد كما قال الله ، قال الهدهد: يا نبي الله أني ﴿أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، أني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء لها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. قال سليمان: سننظر أصدقن أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم، ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون﴾. قال معاوية: لم نقرأ القرآن لهذا الحديث، إلا تأتي بالحديث الذي بلغك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين القرآن أصدق من الحديث، ولو لم يكن هذا في كتاب الله لكان الحديث عندي ثقة. قال معاوية: صدقت. قال عبيد: فكتب سليمان كتاباً ودفعه إلى الهدهد فأخذه بمنقاره - فيما بلغنا - فانطلق به حتى آتاها وصار بحذاء رأسها وهي على سرير مملكتها تنظر إلى طائر من فوقها فألقى الكتاب في حجرها، فنظرت إليه ونظر الناس إلى طائر رمى إليها بكتاب، فخاضوا الناس في ذلك وقالوا: رمى إليها الكتاب من السماء تعظيماً لقدرها، فبلغها ذلك فبعثت إلى مقاول حمير - وكانت أول من وضع المقاول تستشيرهم وتأخذ من رأيهم - فقالت لهم: ما ذكر الله في كتابه ﴿يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم إلا تعلوا علي وآتوني مسلمين﴾. قال معاوية: يا عبيد فاخبرني عن الكتاب الذي أمر به ما كان

стр. 420

فيه فيما بلغك؟ قال عبيد: قد قلت لك يا أمير المؤمنين أني لا انطق بشيء ليس بيانه في القرآن، وقول الله أصدق فكان من جوابهم لها أن قالوا: ﴿نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين؟ قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾. ثم قالت: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ قال عبيد: فبعثت يا أمير المؤمنين وفداً أربعين رجلاً من رجالها وبعثت معهم بمائة وصيف ومائة وصيفة ولدوا في شهر واحد لهم ذوائب وقصاص والزى واحد وختمت على سراويلهم وبعثت بمائة فرس نتجت في يوم واحد ألوانها واحدة، وبعثت بحق رصاص فيه من الجواهر والزمرد والياقوت الأحمر والأصفر والأبيض والأسود، ملحم لا يوصل إليه إلا أن ينكسر وبعثت بخرزة غير مثقوبة، وكتبت إليه أن اثقب هذه الخرزة بغير حديد ولا علاج أنس ولا جان، وبعثت إليه بخرزة مثقوبة ثقباً ملوياً وسألته أن يدخل فيه خيطاً وقالت للوفد: إن قبل الهدية فهو ملك من الملوك فهو أهون علينا محاربته، وإن ردها ولم يقبلها فالرجل نبي. وقد كتبت إليه كتاباً، فادفعوه إليه واسألوه عما في الحق، وإن يفصل بين الذكر والأنثى من الوصائف والوصفاء وإن يميز الخيل وأيها نتج قبل صاحبه وعن الولاء وعن قرابة ما بين ذلك. فلما قدم الوفد إلى سليمان قرأ كتابها وما سألت عنه من علم وخبر. فدعا الجن والأنس، ودعا بالوفد فقرأ الكتاب وقال لعلمائه: من يميز الغلمان من الجواري لا ينزع ثيابهم؟ فأعلموه إنه لا علم لهم به واشتد إعجابه بما جاءه من قبلها وشق عليه بعض ما سألته عنه، فمكث أياماً يقلب الأمر ظهراً لبطن حتى علمه الله إياه وأطلعه عليه من حكمته. فدعا بالغلمان والجواري فأمر بطشت فملئ ماء ودعاهم واحداً بعد واحد وقال: اغسلوا أيديكم! فكان الغلمان إذا غسلوا أيديهم حدروا الماء حدراً،

стр. 421

والجواري يصبن الماء صباً فميزهم على ذلك. ودعا بالخيل، فقال: نتجن في يوم واحد، وقال: هذا خال هذا وهذا عم هذا، وهذا ابن عم هذا وهذا ابن أخ هذا، حتى فرغ منهن والوفد ينظرون إليه في كتابهم والنقش بعلامتهن. ثم دعا بالخرزة التي لم تثقب فوضعها بين يديه ثم قال لمن حضر: من يثقبها؟ فتكلمت دودة بين يديه فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال: نعم. فلزمت الخرزة الدودة تثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر في ثلاثة أيام. ثم انطلقت لرزقها. ثم دعا بالحق فحركه، ثم قال: فيه جوهر عدة الجوهر كذا وكذا والزمرد كذا وكذا والياقوت الأحمر كذا وكذا والياقوت الأصفر كذا وكذا والأبيض كذا وكذا، حتى فرغ من جميع ذلك والوفد ينظرون. ثم دعا بالخرزة الملوي ثقبها، وقال لمن بحضرته: أيكم يأخذ هذه الخرزة الملوي ثقبها فيدخل فيها خيطاً؟ فأجابته دودة تكون في القصقصة وقالت: أنا أدخله فيها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال سليمان: ذلك لك. فأخذت خيطاً فأتقنته في رأسها ودخلت في الخرزة من ثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم انطلقت إلى رزقها وهو في الخشب. ثم أن سليمان رد جميع ما أمرت به إليه وقال - وقد ذكر الله ذلك في كتابه ﴿أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون﴾ - ثم قال سليمان حين ولي الوفد إليها: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾ يقول: قبل أن تحرم علي أموالهم ﴿قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا واني عليه لقوي أمين﴾. قال: وكان سليمان إذا أصبح جلس بجلسائه مجلساً يقضي فيه بين الناس ويأمرهم بأمره، فلا يزال فيه

стр. 422

حتى يؤذيه حر الشمس فعنى ذلك المقام. قال سليمان: أريد أعجل من هذا، قال رجل من الأنس - يقال له آصف بن برخيا فيما يذكر قد تعلم اسم الله الأكبر - قال معاوية: هبلتك الهبول يا عبيد أو كان آصف يعلم ما تقول والسحر يوم نسبته إلى علمه - وهو الذي كان وضعه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كان آصف فيما بلغنا كاتب سليمان بن داود وكان من أعلم الناس وأكابرهم عنده وأشدهم إيماناً به، وكان سليمان لا يحجبه عنه إذا كان عند نسائه. فلما فتن سليمان أنكر آصف أعمال ذلك الشيطان الذي فتن سليمان - وهو الذي دخل على نسائه يسألهن عن سليمان، فأخبرنه أن سليمان كان لم يأتهن ولم يقربهن عند المحيض فإذا قلن له: إنا لا نصلي رجع عنهن بعد حرص منه عليهن، فإذا طهران لم يأتهن ولم يقربهن ولم يرنه - وقال آصف - وقد انطرت من قضائه لما أبصرت من عدله وأظهره من جوره فيذكر يا أمير المؤمنين أن ذلك الشيطان أمر بسحب فكتب، ثم دفن تحت كرسي سليمان بن داود واسنده إلى آصف بن برخيا، ثم أخرجه للناس. فلما رجع سليمان إلى ملكه ورد الله نعمته وكرامته، لم يلبث إلا قليلاً حتى قبضه الله غليه ولج المجرمون باستعمال ذلك الكتاب وتصديقه. قال معاوية: فكيف لم يعلم آصف بن برخيا أن ذلك الشيطان صنع السحر ودفنه تحت الكرسي وألجأه إليه؟ قال عبيد: دخلت الفتنة يا أمير المؤمنين من ذهاب علمه كما ابتلى به سليمان وهو فتنته لما رأى من سيرته. قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك الأول. قال: فانطلق آصف وتوضأ ثم صلى ركعتين، ثم دعا بالاسم الأعظم، فذكر يا أمير المؤمنين أن السرير بما عليه مثل بين يدي سليمان بن داود وكان في جوف بيت في جوفه سبعة أبيات، على كل بيت باب، ولكل باب قفل حديد، والمفاتيح عندها - فلما رأى سليمان السرير من ذهب ولؤلؤ وجوهر ﴿قال

стр. 423

نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾. قال معاوية: وما تلك النكرة يا عبيد؟ قال: زيدوا فيه وانقصوا منه ننظر أتهتدي يقول: تعرف العرش إذا جاءت أم لا تعرفه؟ قال معاوية: وما يدريك إن هذا كذلك؟ قال: سمعت ابن عباس يا أمير المؤمنين يذكر ذلك. قال: وسألته عن القرآن أيضاً فما يفسر من الظاهر شيئاً إلا وأنا أعرفه وأعلمه. قال معاوية: أوله باطن. قال: كذلك سمعت ابن عباس يذكر. قال معاوية: ما تركت شيئاً يا أخا جرهم إلا وقد دخلت فيه وطلبت علمه! قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين القرآن أحق ما دخلت فيه وطلبت علمه. قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك. قال: فلما دخل الوفد عليها أمرت بالجهاز وسارت في اثني عشر ألف قيل من رؤوس قومها وخيارهم، وأخذ كل واحد من وجوه أصحابه وجنده وأفاضل أهل بيته وقادة خيوله مائة رجل. فقدمت على سليمان بن داود في اثني عشر ألف قيل ومائة وعشرين ألف فارس غير الرجل. فلما دخلت على سليمان بن داود تركها ثلاثة أيام، فقال لها قومها: ما تقولين في أمر هذا الرجل؟ أتدخلين في طاعته أن تحاربينه؟ أم هل تيقنت إنه نبي؟ قالت: سأعلمكم منه ما تعرفون - أهو نبي أم ملك من هذه الملوك - أنظروا إليه، إذا أنا دخلت عليه، فإن أمرني بالجلوس فهو ملك فإن الملوك لا تجلس عندهم إلا بإذنهم - فما أقل من يجلس عند الملك إلا خاصته - وإنه إن لم ينهني ولم يأمرني فإنه نبي مع إني سأسأله عن ثلاثة أشياء لا أشك فيها. فإن أخبرني بها فإنه نبي وأنا داخلة ولا طاقة لكم به، وإن لم يخبرني فليس بنبي. فلما أراد سليمان دخولها إليه ووصولها إلى ما بين يديه أمر الجن فجعلوا عن يمينه وعن شماله حائطين مموهين بالذهب الأحمر، وبنوا من وراء ذلك مجلساً له وداراً، وجعلوا الدار لبناً مموهاً بالذهب غير موضع لبنة،

стр. 424

ثم أذن لها بالدخول، فدخلت الدار فلما مرت بالحائطين نظرت إليهما، ثم دخلت فرأت أرضاً وحيطانها من ذهب فتصعر عندها ملكها ورأت شيئاً لا يشبه ملكها الذي كانت فيه وسليمان قاعد في مجلسه في أقصى الدار ومعها لبنة من ذهب تريد إن أمرت بالجلوس أن تجلس عليها فضربت ببصرها فإذا على باب مجلس سليمان موضع لبنة من فرش الدار ليس فيه لبنة فكرهت حين رأت ذلك أن تمضي بما في يديها فيتهمونها باللبنة، فرمت بلبنتها في ذلك الموضع وسليمان ينظر إليها. فلما دخلت عليه سلمت عليه وحيته بتحية الملوك، ثم قامت بين يديه ساعة لا يأمرها بالجلوس ولا ينهاها عن القيام، حتى إذا طال ذلك عليها رفع سليمان رأسه إليها فقال: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فمن شاء فليجلس ومن شاء فليقم؟ قالت: الآن علمت أنك نبي. قال لها: ومن أين تعلمت ذلك؟ قالت: علمت إنه لا يجلس عند الملوك إلا بإذنهم، وأما القيام فعندهم يقام وما أقل من يجلس عندهم إلا من كان من خاصتهم، ولكنك قلت قول أهل العلم بالله، وقد أتيتك وسألتك عن ثلاثة أشياء فإن أخبرتني بهن دخلت في طاعتك، وإن لم تفعل رأيت رأيي فيما بني وبينك قال سليمان: فاسألي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قالت: أخبرني عن ماء روى ليس من ارض ولا سماء، وشبه الولد إذا أشبه أباه وأمه من أين آتاه ذلك؟ وعن لون الرب ﵎. فسألته عن ذلك وهي مقابلة له على الكرسي، والأنس والجن عن يمينه وشماله. فقال سليمان للأنس: هل عندكم في هذا شيء؟ قالوا: نعم يا نبي الله مر لنا بخيل نركبها ونجربها حتى تعرق، ثم نحللها فإنه ينصب عرقها فنحن نأتيها من ذلك بماء روي ليس من أرش ولا سماء. قال سليمان: فأيتوني بذلك فجاءوا به قالت:

стр. 425

هذا قد جئت به فالخصلتين اللتين سألتك عنهما قال: أما شبه الولد فإن النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له وإن سبقت من المرأة كان الشبه لها. قال: صدقت. فالخصلة الثالثة: قال: ليس لي علم بالغيب ولكني أرغب إلى الله ربي، فرغب سليمان في مجلسه ذلك إلى به فأوحى الله إليه إني قد أنسيتها ما سألتك، فاسألها عنه. فسألها فقالت: ما أدري ما سألتك عنه يا نبي الله. فعرض عليها الإسلام فقالت: انظر في ذلك يومي هذا. قال: فقالت الجن فيما بينها قد كنا في نصب من هذا الرجل القليل الغفلة فلا نقدر أن نفعل ما يريد، فكيف إذا اجتمعت هذه في رأيها وعلمها وعون الجن ونبوة سليمان الآن حجب عنا كب خير ونزل بنا كل شر فتعالوا نزهده فيها فإنه قد طمع فيها إن أسلمت أن يتزوجها؟ فقال لهم عفريت من الجن - يقال له زوبعة -: أنا أكفيكم سليمان. فآتاه فقال له: يا نبي الله بلغني أنك تريد تزوج هذه المرأة وأمها من الجن ولم تلد جنية من الأنس قط ابناً إلا كانت رجلاه مثل حافر الحمار. قال سليمان: وكيف لي أن أنظر إلى ذلك من غير أن تعلم ما نريد بها؟ قال: أنا أكفيك ذلك. قال: فصنع زوبعة لسليمان مجلساً وجعل أرض المجلس لجة فيها ماء وسمك يعني حيتاناً. ثم جعل من فوق ذلك صرحاً ممرداً من قوارير رقيق، ثم قال له: أرسل إليها تدخل، فإنك ترى الذي تريد منها. فبعث إليها وهو على كرسيه ليس في البيت مجلس غيره. فلما رأت ذلك الماء والسمك تجول فيه ضربت ببصرها إلى مكان تجلس فيه، فلم تجده فحسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوض في الماء إلى سليمان. فلما رآها ونظر إلى ساقيها - إذ عليهما شعر أسود في بياض الساقين - فقال لها سليمان: لا تكشفي غن شيء من ساقيك، فإنه صرح ممرد من قوارير. فنظرت فإذا ملكها ليس بشيء مع
следующие страницы →