← Баляга

Баляга · id 37475

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (274 стр.). Показаны 246–274 · переход к 251.

стр. 246

فإن الذي يؤديك منه سماعه ... وإنّ الذي قالوا وراءك لم يُقَّل فورد في القرآن الكريم هذا المعنى المذكور في كلمات مختصرات، وهي قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ألا ترى إلى هذه الآية (فهي) حاوية للمعنى المشار إليه في الأبيات مع الإيجاز، فهو أن الشاعر ذكر هذه المعاني في ثلاثة أبيت فيها ثلاث وثلاثون كلمة، والقرآن العزيز أتى بالمعنى في آية واحدة فيها ثلاث عشرة كلمة. وأما حسن التركيب فلا خفاء به. ومن جملته المقابلة بين الأضداد نحو ذكر السيئ والحسن، والعدو والصديق. ومن هذا الباب قول النابغة: - إذا ما غزا بالجيش حَلَّق فَوقَهُ ... عصائب طَيْر تهتدي بعصائب جوانح قد أيقنّ أنَّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّلُ غالب أخذ هذا المعنى الأفوه فقال: - وترى الطير على آثارنا ... رأيَ عين ثقةً أنْ ستَمُار فذكر المعاني المشار إليها في بيت واحد، فحاز فضيلة الإيجاز، التي هي أعلى درجات الكلام وصار أحق بذلك المعنى من النابغة، وإن سبقه إليه وتقدمه فيه.

стр. 247

ومما جرى هذا المجرى قول أبي العتاهية: - كم نعمة لا تستقبل بشكرها ... لله في طي المكاره كلمته أخذه أبو تمام فقال: قدُ ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم فذر المعنى الذي ذكره أبو العتاهية، وعكسه. وهذا من غرائب ما يوجد في باب الأخذ، فاعرفه. ومن هذا الباب قول أبي تمام أيضاً: - فإن لم يجد في قسمة العمر حيلة ... وجاز له الإعطاء من حسناته لجاد بها من غير شرك بربه ... وأشركهم في صومه وصلاته أخذه المتنبي فقال: فلو يمتهم في الحشر تجدو ... لأعطَوْكَ الذي صَلَّوا وصاموا فأتى بالمعنى الذي ذكره أبو تمام، وزاد عليه بقوله (في الحشر) لأن الإنسان يكون في ذلك اليوم أشد احتياجاً إلى صلاته وصيامه، وأعظم افتقاراً. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. وفد يتساوى المؤلفان في إيراد المعنى باللفظ، كقول بشار:

стр. 248

يسقط الطير حيث يلتقط الحبُّ ... وتُغشى منازل الكرماء أخذَهُ غير فقال، ولم يزد عليه شيئاً: يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام وعلى نحو من ذلك قول الآخر: وإن يقوم سوَّدوكَ لحاجةً ... إلى سيد لو يظفرون بسيد الضرب الثاني من القسم الثاني وهو (المسخ) وذلك عيب في الكلام فاحش، فما جاء منه قول الشريف الرضي: أحن إلى ما تضمَن الخُمرْ والحُلي ... وأصدِف عما في ضمان المآزر وقال المتنبي: أني على شغفي بما في خُمْرها ... لأعفُّ عما في سراويلاتها ألا ترى إلى هذا المسخ ما أقبحه، وذلك لو تأخر زمان المتنبي عن زمان الشريف الرضي. وبمثل ذلك يعرف التفاضل بين الشاعرين، وبين الكلامين؛ فقول الشريف على ما تراه من اللطافة والحسن، وقول أبي الطيب على ما تراه من الرداءة والقبح، قال تعالى: (وفوق كلّ ذي علم عليم) وأعلم أن ما كان من هذا الباب على سبيل (المسخ) فإنه كان على نحو من قول أبي الطيب، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل.

стр. 249

وهذا النوع خاتمة الأنواع من باب الصناعة المعنوية، وذلك مبلغ ما عرفناه من علم البيان، فيما يختص بالمعاني. إلا أني رأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر في كتابه نوعاً آخر فقال: (لا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، والألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم، لأن الإنسان إذا خاص في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ ذلك العلم. و (كلام) أصحاب تلك الصناعة)، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام: مودةٌ ذهَبٌ أثمارها شَبَهٌ ... وهمَّةٌ جوهرٌ معروفُها عَرَض وبقوله أيضاً: خرقاء يلعب بالعقول حَبابها ... كتلعُّب الأفعال بالأسماء هذا ما ذكره الخفاجي في كتابه. ولنا عليه اعتراض وهو أنا نقول له: ما الموجب لجعلك هذا القسم مما يرفض ولا يستعمل؟ وما السبب في اجتنابه؟ فإن قال: إني إنما أنكرت استعماله وآثرت تركه واجتنابه، لأنه غير مفهوم. قلنا له في الجواب: لا يخلو الأمر من هذا من حالين: إما إنه غير مفهوم للعامة أو للخاصة. فإن كان غير مفهوم للعامة فقط، فليس جهل العامة بهذا النوع من الكلام داعياً إلى اجتنابه. ولو كان فهم العامة معتبراً في اختيار الكلام لكان ما تبتذله من ألفاظها مقدماً على غيره في الاختيار (لأنهم)

стр. 250

إلى فهمه أقرب من فهم غيره، وذلك شيء مدفوع لا يذهب إليه أحد البتة. وإنْ قال: إن هذا النوع غير مفهوم للخاصة، قلنا له: فأنت أيها الشيخ الإمام قد فهمته وعرفته، ولولا فهمك له ومعرفتك به (لما أنكرته) وإلا فكيف كنت تنكره وتبعث على اجتنابه؟ وهذا يدل على أنك لست من العامة ولا من الخاصة؛ لأنك قد فهمت ما لا يفهمه الفريقان، وذلك من أعجب الأشياء. فإن قال: إني ما أنكرت هذا النوع إلا لأن صناعة التأليف من المنظوم والمنثور لا تستعمل فيها ما ليس من جنسها، قلت له في الجواب: يبطل عليك ذلك باستعمال الفقه من الأحكام السلطانية في المكاتبات، واستعمال الحساب مما يحتاج إليه في الكتابة إلى العمال وأرباب الخراج، واستعمال النجوم في كبس سني الخراج بعضها على بعض، فيكون لما أنكرته أيها الشيخ الإمام من استعمال تلك العلوم أسوة بالفقه والحساب والنجوم. ثم ماذا تنكر من شيء يدل على فضل صاحبه وغزارة علمه؟ أليس من الواجب في صناعة التأليف أن الناظم والناثر ينبغي له أن يستعمل في كل معنى يقصده، ما يليق به وينخرط في سلكه؛ فإن كان ذلك المعنى يحتاج إلى النحو استعمل فيه النحو، وإن كان شيئاً يحتاج إلى الحساب استعمل فيه الحساب، وكذلك باقي العلوم. فإذا أخذ المؤلف معنى يحتاج فيه إلى ذكر أحد هذه العلوم المذكورة ولم يذكره، كان ذلك المعنى ناقصاً عما يحتاج اليه، وهذا ليس بخافٍ على اللبيب المنصف، فاعرفه.

стр. 251

الباب الثاني من الفن الثاني من القطب الثاني في الصناعة اللفظية وينقسم إلى سبعة أنواع: النوع الأول في السجع والازدواج وهو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد اعلم أن السجع قد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهاً سوى عجزهم عن الإتيان به وقصورهم عن سلوك مذهبه، وإلا فلو كان مذموماً، كما ذكر، لم ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى منه شيء كثير، كقوله تعالى: (إن الله لمن الكافرين وأعد لهم سعيراً، خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً) وكقوله تعالى في سورة (ق): (بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر مريج أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها كل زوج بهيج). وكقوله تعالى: (والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً) إلى قوله: (. . . جمعاً). ومثال ذلك هذا كثيرة فاعرفه. وورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضاً؛ فمن

стр. 252

ذلك ما رواه عبد الله بن سلام قال: لما ورد رسول الله ﷺ المدينة أن جفل الناس قبله، وقيل قدم رسول الله ﷺ فجئت في الناس لأنظر اليه، فلما تبينت وجهه عرفت انه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصّلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا بسلام) فإن قيل إن النبي ﷺ قال لبعضهم منكراً عليه، وقد كلمه بكلام مسجوع: (أسجعاً كسجع الكهّان) ولو أن السجع مكروه لما أنكره رسول الله ﷺ الجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي ﷺ السجع أصلاً لقال أسجعاً؟! ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لِمَ كان، فلما قال (أسجعاً كسجع الكهان؟) صار المعنى معلّقاً على أمر آخر؛ وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير وأنه لم يذمَّ السجع على الإطلاق. ومحال أن يذمه على الإطلاق؛ لأن القرآن الكريم، قد أتى به. وهو ﷺ قد نطلق به في كثير من كلامه، حتى أنه غير الكلمة عن وجهها، اتباعاً لها بأخواتها لأجل السجع؛ فقال لابن ابنته ﵉: (أعيذه من الهامة والسامة، وكل عين لامة) وإنما أراد ملمه، لأن الأصل فيها من (ألم فهو ملم)، وكذلك قوله ﷺ : (ليرجعن مأزورات غير مأجورات) طلباً للتوازن والسجع، وهذا من أدل على فضيلة السجع. واعلم أن الأصل في هذا الاعتدال في مقاطع الكلام، والطبع يميل إلى الاعتدال في

стр. 253

جميع الأشياء. وحيث أنهى بنا القول إلى هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام السجع، وما يحمد منه في الاستعمال، وما يذم، فنقول: اعلم أولاً: أن السجع لا يحمد على كل حال، ولا في كل موضع، حتى يتوخاه المؤلف في كلامه، بحيث يذهب بفضيلة المعاني لأجله، وذلك أنه إذا صور في نفسه معنى من المعاني، ثم أراد أن يصوغه بلفظ مسجوع، ولم يؤاته ذلك إلا بزيادة على ذلك المعنى، أو نقصان منه، ولا يكون محتاجاً إلى الزيادة ولا إلى النقصان، وإنما يضطر إلى ذلك اضطراراً، لأن المعنى الذي يكون قد قصده يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دلّ عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعاً، إلا أن يضيف إليه شيئاً آخر، وينقص لأجل الفقرة المطلوبة، فإذا فعل ذلك، فلا بد وأن يزداد الكلام الذي قصده، زيادة لا حاجة إليها، أو ينقص نقصاً لا حاجة اليه، وهذا الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلف والتعسف. وأما إذا كان محمولاً على الطبع غير متكلف، فانه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام. واعلم أن السجع ينقسم إلى ثلاثة أقسام. الأول: أن يكون الفصلان متساويين، لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) وقوله تعالى: (والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً). ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى كأنها خرطت في قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم (كثيرة)، وهو أشرف السجع منزلةً، وأعلاه درجةً للاعتدال الذي فيه. القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول، لا طولاً يخرج به عن الاعتدال خروجاً كثيراً، فإنه يقبح عن ذلك ويستنكره، فمن جيد هذا القسم قوله تعالى: (بل

стр. 254

كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج). ألا ترى أن الفصل الأول تسع كلمات، والفصل الثاني اثنتا عشرة لفظة، والفصل الثالث إحدى عشرة لفظة؟ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة مريم: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدّاً تكادُ السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، أن دَعوْا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذَ ولدا). . . إلى قوله: (. . . وتُنذِرَ به قوماً لُدّا) وأمثال هذا في القرآن كثيرة، فاعرفها: القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب عند أرباب هذه الصناعة فاحش. وسبب ذلك أن السمع يكون قد استوفى مدة من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيراً عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد المضي إلى غايةٍ فيعثر دونها. وإن شك أحدٌ فيما أشرنا إليه من هذا المثال، فليصنع فصلين من الكلام وليكن الأول منها أطول من الثاني، ثم يعرضهما على نفسه؛ فانه يجد صحة ما ذكرناه. واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، وفائدته في الشعر أنه يفهم منه قبل كمال البيت الأول من القصيدة قافيتها، وشبّه البيت المصرَّع بباب له مصرعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون وفيه دلالة على سعة القدرة، وفسحة المجال في أفانين الكلام. فأما إذا كَثُرَ التصريع في القصيدة فلست أراه مختاراً، لأن هذه الأصناف من التصريع،

стр. 255

والتصريع، والتجنيس، وغيرهما، إنما يحسن منها في الكلام ما قلَّ وجرى مجرى اللمعة وكان كالطراز في الثوب، فأما إذا تواتر وكثر فإنه لا يكون مرضياً لما فيه من إمارات الكلفة. وقد استعمل التصريع كثيراً أمرؤ القيس، فمما جاء منه في شعره قوله: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقطِ اللّوى بين الدخول فحومل ثم قال: أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي ثم قال: ألا يا أيها الليلُ الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال حاتم بن عبيد الله الطائي: أتعرف أطلالاً ونؤياً مهدَّماً ... كخطك في رّقٍ كتاباً منمماً ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرءِ محكما وهذا وأمثاله هو التصريع الحسن المشار إليه في هذا الباب، لأنه بكلمتين غير بن، وأما التصريع بكلمة واحدة فغير لائق وإن جائزاً كقول بعضهم: فكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.

стр. 256

النوع الثاني من الباب الثاني في التجنيس اعلم أن التجنيس غرة شادخة في وجه الكلام، وقد تصرف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغرّبوا وشرّقوا، ولا سيما المحدثين، منهم من صنف للناس فيه كتباً كثيرة وجعلوه أبواباً متعددة، واختلفوا في ذلك (وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض فمنهم) عبد الله بن المعتز وأبو علي الحاتمي وأبو القاسم الآمدي والقاضي أبو الحسن الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب وغيرهم، وأفاضوا فيه وأطالوا القول في شرحه. وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانساً، لأن الكلام يكون تركيبه من جنس واحد. واعلم أن التجانس ينقسم إلى سبعة أقسام: الأول وهو أشرفها وأعلاها قدراً ، وذلك إذا تساوت لألفاظ الكلام في تركيبها ووزنها ويسمى (التجنيس المطلق)، كقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) وليس في القرآن الكريم من هذا القسم من التجنيس سوى هذه الآية، فاعرفها. ومن ذلك أيضاً قول بعضهم:

стр. 257

ومري سوابق دمعها فتوا كفت ... ساق يجاذب فوق ساق ساقا وكذلك أيضاً قول أبي إسحاق بن عثمان المغربي: لم يبق غيرَك إنسان يلاذُ به ... فلا بَرحْتَ لعين الدهر إنسانا فهذا هو التجانس البديع الذي هو أعلى المراتب وأسمى المنازل. وقال الآخر: وإذا البلابل أطربت بديلها ... فانف البلابل باحتساء بلابل وقال الآخر: هل لما فات من تلافٍ تلافي ... أو لشاكٍ من الصبابة شاكي وقال الآخر: لقائك يدني من المُرتجى ... وبفتح باب الهوى المُرتجا وأمثال هذا كثيرة كقول بعضهم: قلت للقلب ما دهاك أجبني ... قال لي بائع الفراني فراني ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمُتْ بما أودعاني

стр. 258

وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعضهم: إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراقَ دمي ورأيت الغانمي - رحمة الله - قد ذكر في كتابه باباً وسماه (رد الأعجاز على الصدور) خارجاً عن باب التجنيس، وهو ضرب منه وقسم من جملة أقسامه كالذي نحن بصدد ذكره هاهنا. فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم: ونشري بجميل الصن ... ع ذكراً طيب النشر ونفري بسيوف الهن ... د من أسرف في النفر ونجري في شرا الحمد ... على شاكلة النجر ومن ذلك أيضاً قول بعضهم في الشيب: - يا بياضاً أذرى دموعي حتى ... عاد منها سوادُ عيني بياضا وكذلك قول الزمن البحتري: - وأغرَّ في الزَّمن البهيم مُحجَّلٍ ... قد رحت منه على أغرَّ مُحجَّل كالهيكل المبنيَّ إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشته على الأسماء وإنما المناقشة له على أنه

стр. 259

ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلاً في الآخر؛ فيذهب عليه ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصباح. القسم الثاني من النوع الثاني في التجنيس وهو أن تكون الألفاظ متساوية التراكيب، مختلفة الوزن، وذلك دون الأول في المنزلة كقول النبي ﷺ (اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي). ألا ترى إلى (أن) هاتين اللفظتين متساويتان في التراكيب مختلفتان في الوزن، لأنه تركيب (الخلق) و (الخلق) من ثلاثة أحرف هي الخاء واللام والقاف إلا أنهما قد اختلفا في الوزن إذ وزن الخلق، (فعل) ووزن الخلق (فعل)، ومن هذا القسم قول بعض الكتاب في صفة كتاب وصل إليه من صديق له: (فللزهر والزهر من نور بداعته، ونور براعته إشراق). وكذلك قول بعضهم: (لا تنال غرر المعالي إلا بركوب الغرر واهتبال الغرر). وقال ابن العميد: قد ذُبت غير حشاشة وذَماء ... ما بين حَر هوى وحَرَّ هواءِ وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها.

стр. 260

القسم الثالث من النوع الثاني من التجنيس وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير. فإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس وهذا القسم دون الذي مثله في المنزلة. فمن ذلك قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة). ألا ترى أن وزن هاتين اللفظين واحد، وأما تركيبها فانه مختلف؛ لأن تركيب (ناضرة) من النون والضاد والراء، وتركيب (ناظرة) من النون والظاء والراء: وكذلك قوله تعالى: (ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون). وقال تعالى: (وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد). وعلى نحو من هذا ورد قول النبي ﷺ وهو (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة). وقال أبو تمام: يمدّون من أيد عواِص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيدٍ ... ومهفهفِ الكشحين أحوى أحور وقال بعضهم (لا تنال المكارم إلا بالمكاره). وأشباه ذلك كثيرة لا تحصى.

стр. 261

القسم الرابع من النوع الثاني من التجنيس وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن، مختلفة في التركيب بحرف واحد كقوله تعالى: (والتفّت السّاقُ بالساقِ إلى ربِّك يومئذ المساق) وقال - عز اسمه - (وهم يَحسَبونَ أنهم يُحسِنونَ صنعاً). ومن هذا القسم قول البحتري: نسيم الروض في ريح شمال ... وصوبُ المزنِ في راح شمول وذم أعرابي رجلاً فقال: (كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوَّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الافضال). وقال بعض الشعراء: - تقاصرت همم الأملاك عن ملك ... أضحى الثناء عليه وهو مقصور فوفره بين أيدي العرف منتهب ... وعرضهُ عن لسان الذم موفور وأمثال هذا كثيرة في التأليف. القسم الخامس من النوع الثاني من التجنيس وهو المعكوس وهو ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف. فالأول كقول بعضهم: (عادات السادات سادات العادات). وكقول الآخر: (شيم الأحرار أحرار الشيم) وقيل للحسن بن سهل: (لا خيرَ في السرف)، فقال: (لا سرف في الخير) فرد اللفظ واستوفى المعنى، وفي هذا القسم قول عتّاب بن ورقاء:

стр. 262

إن الليالي للأنام مناهل ... تُطوى وتُنْشَرُ دونها الأعمال فقصارهنّ مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السُّرور قصار وقال الآخر: كم من حمار على جَوادٍ ... ومن جَوادٍ على حمار وهذا ضرب من التجانس له حلاوة ورونق، فاعرفه، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب (التبديل). وذلك اسم مناسب لمسماه لأن المؤلف يأتي بما كان مقدماً في جزء كلامه الأول مؤخراً في الثاني، وبما كان مؤخراً في الأول مقدماً في الثاني ومثله قدامة بقول بعضهم: (أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك) ومن هذا القسم قوله تعالى: (يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي) وقوله - تعالى - (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده). وقال بعضهم: تلك الثنايا من عِقدها نظمت ... أم نظم العقْدُ من ثناياها وأشباه ذلك كثيرة فاعرفها. وأما الضرب الثاني من القسم وهو (عكس الحروف) فكقول بعضهم: أهديت شيئاً يقل لولا ... أحدوثة الفأل والتبركْ كرسي تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه (يسرُّك) وكذلك قول الآخر: كيف السرور بإقبال وآخرُهُ ... - إذا تأملته - مقلوب إقبال وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلما تقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابا، فاعرف ذلك.

стр. 263

القسم السادس من النوع الثاني في التجنيس وهو المجنَّب وذلك أن يجمع المؤلف بين كلمتين: إحداها كالتبع للأخرى والجنيبة، كقول بعضهم: أبا العباس لا تحسبْ لساني ... لشيء من حُلي الأشعار عاري فلي طبع كسلسالٍ معينٍ ... زلال من ذرى الأحجار جاري وهذا القسم له رونق وطلاوة، فاعرفه. القسم السابع من النوع الثاني من التجنيس وهو ما تساوى وزنه وتركيبه، غير أن حروفه تتقدم وتتأخر، وذلك كقول أبي تمام: بيض الصفائح لا سودُ الصحائف في ... مُتونِهُنَّ جلاء الشك والريِّبِ وأمثال هذا كثيرة، فاعرفه. النوع الثالث من الباب الثاني في الترصيع وهو نوع من علم البيان وعر المسلك قلما يختلُ المؤلف بشرك فكره أوابد ألفاظه، وأصله من (ترصيع العقد) وذلك أن يكون في إحدى جانبي العقد من اللآلئ والجواهر مثل ما في الجانب الآخر، ولذلك جعل هذا في الكلام، وهو أن يكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الوزن والقافية، وهذا هو أعلى درجات الترصيع وأصعبها مراماً. وأعلم أن علماء هذه الصناعة قد جعلوا الترصيع منقسماً إلى قسمين: أحدهما ما ذكرناه ، والآخر أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفاً لما يوازنه من ألفاظ

стр. 264

القسم الثاني. فالقسم الأول كقول الحريري في مقاماته: (فهو يَطْبَعُ الأسجاع بجواهر لفظه، (ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فانه جعل ألفاظ الفصل الأول) مساوية للألفاظ الفصل الثاني وزناً وقافيةً، فجعل (يطبع) بازاء (يقرع) و (الأسجاع) بازاء (الأسماع) و (جواهر) بازاء (زواجر) و (لفظه) بازاء (وعظه)، وهذا هو الكلام السهل الممتنع الذي تخاله قريباً وهو بعيد المنال، عسير الحصول. وقد ورد هذا القسم كثيراً في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ابن نباتة، فمن ذلك قوله في أول خطبة: (الحمد لله، عاقد أزمة الأمور بعزائم) (أمره)، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره، وموفق عبيده لمغانم ذكره، ومحقق مواعيده بلوازم شكره). ومن ذلك قوله في ذكر الزمان وتقلبه بأهله: (أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فاقمتم، وأبادهم الموت، كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم، فيما زعمتم، كلا والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا، ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تثقوا بخدع الدنية، ولا تغتروا). ومن ذلك ما جاءنا فيبعض خطبه: (أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، واطلبوا الاعتبار بانتقاض النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم). وأمثال هذا في كلامه كثيرة، وأما ما ورد على نحو ذلك نظماً، فقول ذي الرُمّة: كحلاء في برَج صفراء في دَعَج ... كأنها فضةٌ قد شابها ذهب

стр. 265

وهذا القسم قليل الاستعمال في الشعر جداً، فاعرفه إن شاء الله. القسم الثاني من النوع الثالث من الترصيع وهو أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفاً لما يوازيه من الفصل الثاني، وذلك كقول تأبط شراً: حمال ألوية، شهاد أندية ... قوال محكمة جواب آفاق ألا ترى أن (ألوية) مثل (أندية) في الوزن والقافية، ولكن حمال لا يماثل (شهّاد) قافية وإنما يماثله وزناً، وكذلك (قوال) موازن (لجواب) و (محكمة) لا يوازن (آفاق) ومن هذا القسم أيضاً قول الخنساء: حامي الحقيقة محمود الخليقة مه ... ديّ الطريقة نفاع وضرار وكذلك قول الآخر: سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم وأمثال هذا كثيرة فاعرفها إن شاء الله تعالى. النوع الرابع من الباب الثاني في لزوم ما لا يلزم وهو نوع من أشق هذه الصناعة مذهبا، وأوعرها طريقاً، لأن المؤلف يلزم في تأليفه مالا يجب عليه ليدل به على قوته في الصنعة، واتساع باعه فيها، وانطلاق عنانه. وقد جمع أبو العلا (أحمد بن) عبد الله بن سليمان في ذلك فيه الجيد

стр. 266

الذي لا مطلع فوقه، والرديء الذي لا مهوى تحته، وسنذكر من ذلك طرفاً. واعلم أن حقيقة هذا النوع هي: أن تكون الحروف التي قبل رويّ الأبيات من الشعر حرفاً واحداً، وهذا أيضاً موجود في موجود في فواصل الكلام المنثور. ومن أراد معرفة ذلك والاطلاع عليه، فليطلبه من كتاب (اللزوم) لأبي العلاء، وغيره من الكتب المؤلفة في هذا الفن، فإن كتابنا هذا ليس موضوعاً لشرح هذه الأسباب، وإنما وضع لمن عرف الأصل فيها، فنبين له نحن الجيد منها والرديء ونفرق بينهما، ليعلم أين يضع يده في استعمال ذلك واطراحه. فمهما جاء في هذا الباب قولي في حصار قلعة: (فلما رأونا بساحتهم حاضرين، ولهم في عقر دارهم حاصرين، وهم من بأسنا حذرين، تنادوا: الاساء صباح المنذرين). ألا ترى إلى الفقرتين الآخرتين كيف قد لزم فيهما (الذال والراء) نحو (حذر ومنذر)، وأما الفقرتان الأوليان فليستا من هذا القبيل، لأنه يجب أن يكون بازاء (حاضر) كلمة أخرى في آخرها ضاد وراء، إلا أن ذلك كأنه شبيه بما لا يلزم، والسبب فيه ورود الياء والنون المختصة بالجمع بعد الراء، ولو كان هذا معتبراً في لزوم ما لا يلزم، لوجب أن يكون التأثير للياء والنون، من غير نظر إلى ما قبلهما. وعلى هذا التقدير فلو قال القائل (فلما رأونا بساحتهم نازلين، ولهم في عقر دارهم حاصرين)، لكان ذلك من باب لزوم ما لا يلزم. وهذا مما لم يذهب إليه أحد. وإنما الأصل ما أشرنا إليه أولا فاعرفه. واعلم أنه متى صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر والكلام المنثور، وجب أن يصغر الباقي اتباعاً للوزن. فمن ذلك قولُ بعضهم: عزّ على ليلى بذي سُدَير ... سوءُ مَبيتي ليلة الغُميَر مقبضاً نفسي في طُمير ... تنتهض الرعدة في ظهيري يهفو إلي الزّورُ من صديري ... ظمآن في ريح وفي مُطير

стр. 267

وأزرقي ليس بالقدير ... من لد ما ظهر إلى سحير حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع خلون من شهير ألا ترى هذا الشاعر، كيف لزم التصغير في هذه الأبيات جميعها؟ فإن ذلك من محاسن الصنعة فاعرفه. واعلم أنا لا نبعث المؤلف على استعمال هذا القسم من الكلام حتى يجيء به متكلفاً وحشياً فيكون قد قصد جودة الصنعة وإظهار القدرة عليها، والقوة فيها، فيلقيه ذلك فيما يستكره من الألفاظ، وتعافه الأسماع. وما مثل المتكلف لهذا الضرب من الكلام حتى يأتي به في صورة قبيحة، إلا مثل الصائغ الذي يأخذ مصوغاً ردياً فيجيد فيه عمله، ويخرج فيه بديع صنعته فيكون عند ذلك قد رعى الفرع، وأهمل الأصل، فتذهب جودة الصنعة فيه رداءة المصوغ. وأما إذا أتى المؤلف بهذا الضرب من الكلام غير متكلف ولا وحشي كان له رونق وطلاوة، وقد استعمل ذلك أبو العلا المعري في كتابه فأتى منه بشيء ينبو عنه الطبع كقوله في قافية التاء مع الخاء: بِنتُ عن الدنيا ولا بنت لي ... فيها ولا عرسٌ ولا أُختُ وقد تحملتُ من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البُخت إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت أني في الثرى سُخت وقال في الخاء المضمومة مع الباء: لا يفقدن خيركم مجانسكم ... ولا تكونوا كأنكم سَبَخُ

стр. 268

ولا كقوم حديث يومهم ... ما (أكلوا) أمسهم وما طبخوا وأمثال هذا كثيرة في كتابه، وله من ذلك البديع النادر الذي تتقاصر دونه الفصحاء كقوله: ليل بلا نور أجن بمهمه ... حبس الأدلة ليس فيه منار وهي الحياة؛ فعفة أو فتنة ... ثم الممات فجنة أو نار وقال: يلقاك بالماء النمير الفتى ... وفي ضمير النفس نارٌ تَقِد يعطيك لفظاً ليناً مسُّهُ ... ومثل حد السيف ما يعتقد وقال أيضاً: تنازع في الدنيا سواك وماله ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها ولكنها ملك لربٍ مقدّر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها ولم تحظ في ذاك النزاع بطائل ... من الأمر إلا أنْ تعد سفيها أيا نفس لا تعظم عليك خُطوبها ... فمتفقوها مثل مختلفيها تداعوا إلى النزر القليل فجالدوا ... عليه وخلَّوها لمغترفيها وما أمُّ صل أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها تلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها ولم يتوازن في القياس نعيمها ... وسيئة أودت بمقترفيها وما هي إلا شاكية ليس عندها ... وجدَّك أرطابٌ لمخترفيها

стр. 269

كما نبذت للطير والوحش رازم ... فالقت شروراً بين مختطفيها تناءت عن الإنصاف من ضيم لم يجد ... سبيلاً إلى غايات منتصفيها فأطبق فماً عنها وكفاً ومقلةً ... وقل لغوي الناس فاك لفيها كأن التي في الكأس يطفو حبابها ... سمام حباب عند مرتشفيها وله من جملة قصيدة: أرى الدنيا وما وصفت ببر ... إذا أغنت فقيراً أوهقته إذا خُشيت لشر عجلته ... وإن رُجيت لخير عوقته حياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيدٌ أعلقته وأنظر سهمها قد أرسلته ... إلي بنكبة أو فوقته فلا يُخدع بحليتها أديب ... وإن هي سورته ومنطقته أذاقته شهياً من جناها ... وصرت فاه عما ذوقته وأمثال هذه كثيرة في شعره، فاعرفها فإنها من محاسن لزموا ما لا يلزم. وعليك أيها المنتصب لاستعمال هذا النوع من الكلام أن تسلك هذا المذهب القويم وتنهج هذا اللقم الواضح، غير متصيد له ولا مكثر منه حتى تخل بالمعنى المندرج تحته وتذهب برونقه وطلاوته. وقد ورد من هذا الباب قول طرفة بن العبد: ألم تر أن المال يكسب أهلهُ ... نضوحاً إذا لم تعط منه نواسبه أرى كل مال لا محالة ذاهباً ... وأفضله ما ورث الحمدَ كاسبهْ

стр. 270

ألا ترى ما أحسن هذا الأسلوب، وألطف مأخذه، وعلى متنه ينبغي أن يكون الاستعمال فاعرفه. النوع الخامس من الباب الثاني في الموازنة وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وذلك نوع من التأليف شريف المحل، لطيف الموقع، وللكلام به طلاوة ورونق، وسبب ذلك الاعتدال، لأنه مطلوب في جميع الأشياء. وحيث كانت مقاطع الكلام معتدلة في الوزن لذ بها السمع ووقعت من القلب موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه بحال من الأحوال لبيانه ووضوحه. فمما جاء من ذلك قوله تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم) وكذلك قوله تعالى: (قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن، أفعصيت أمري قال يبنؤّم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي). وعلى نحو منه ورد قوله تعالى: (من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزراً، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً). ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا مَن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً). وعلى هذا المنهج جاء قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيهُ وقل ربي زدني علما). ومن ذلك قوله : (فقلنا يا آدم

стр. 271

إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). وأمثال هذا في القرآن كثيرة، فاعرفه. النوع السادس من الباب الثاني في إتلاف صيغ الألفاظ وهو من صناعة التأليف بمنزلة علية ومكانة شريفة اعلم أن الألفاظ إذا نقلت من أسلوب إلى أسلوب كنقلها من الواحد إلى الجمع أو إلى التثنية، أو إلى التأنيث أو إلى غير ذلك انتقل حسنها وصار قبحاً، أو قبحها وصار حسناً. دليل ذلك؛ أن التاء التي تزاد في آخر الاسم للفرق في الصفة نحو: مقعد ومقعدة. ألا ترى إلى لفظة (مقعد) الدالة على مكان الجلوس تجمع على مقاعد، ولفظة (مقعدة) الدالة على المحل المخصوص من الحيوان تجمع على (مقاعد) أيضاً؛ فإذا وردت هذه اللفظة أعني (مقاعد) في الكلام، والمراد جمع (مقعد) استقبحت لمماثليها لجمع (مقعَدة) وذلك مما يكره ذكره؛ وإذا وردت منفردة برأسها لم تستقبح ولا تستكره، قال الله تعالى: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر). ولأجل ذلك لما جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم أضيفت إلى ما لا يحتمل معه الاستقباح، فقال جلّ وعلا: (وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال) ولولا إضافة مقاعد إلى القتال لا ستقبح إيرادها هاهنا. وهذا لا يخفى على من له أدنى معرفة بهذه الصناعة، إلا أن هذا المثال الذي مثلناه لا يطرد فيما هذا سبيله، وإنما يقع في بعض الألفاظ دون بعض، وقد نبهنا عليه في كتابنا ليعرف محله من التأليف. ومن ذلك أيضاً ما أشرنا إليه في صدر الكتاب في باب الألفاظ المركبة وهو أنك ترى

стр. 272

بعض الألفاظ تروقك في كلام ما، وتزداد بها إعجاباً واستحساناً، ثم تراها في كلام آخر فتثقل عليك وتستكرهها؛ مثال ذلك: أن لفظة (الأخداع) قد وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله: تلفتّ نحو الحيَّ حتى كأنني ... وَجِعت من الإصغاء (ليتا) وأخدعا وكقول أبي تمام: يا دهر قومّ من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك ألا ترى أنه قد وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على النفس والكراهة أضعاف ما وجدلها في بيت الصمة بن عبد الله من الروح والخفة والإيناس والبهجة!؟ وهذا ما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وليس سبب ذلك إلا ما أشرنا إليه من اختلاف الصيغة؛ ألا ترى أن لفظة (الأخداع) قد جاءت هاهنا موحدة ومثناة، وهي حسنة في حالة الانفراد، مستكرهة في حالة التثنية. وقد يكون ذلك لأمر يرجع إلى التركيب إلى الألفاظ، وذلك أن يكون التركيب مختل النظام، مضطرب الترتيب فتجيء ألفاظه عند ذلك مستكرهة، مستثقلة، لكونها واردة في غير أماكنها، وإن كانت من حيث انفرادها حسنة لائقة. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تركيب الألفاظ، فاعرفه.

стр. 273

النوع السابع من الباب الثاني في تكرير الحروف اعلم أن هذا النوع لا يتعلق بتكرير الألفاظ ولا تكرير المعاني مما سبق ذكره في باب التكرير، لأن تكرار الحروف هو أن يأتي حرف واحد أو حرفان في كل لفظة من ألفاظ الكلام أو في أكثرها، فيثقل على اللسان النطق بها، فمن ذلك ما أشده الجاحظ: وقبر حربٍ بمكان قفرٍ ... وليس قُربَ قبر حربٍ قبر ألا ترى إلى هذه الراءات، والقافات التي في هذا البيت من الشعر؟ فإنها في تتابعها كالسلسلة، ولا خفاء بما على الناطق بها من الكلفة، وليس الكلام العاري من ذلك بمعوز ولا بعزيز، ولا هو بالذي لا يستطيعه إلا الشاعر المبرز أو الكاتب المفلق بل هو مما يصعب النطق به. ولذلك كان الكلام الناس في محاوراتهم، ومكاتباتهم، خالياً من هذا القبيل، وذلك لأنه لا يحصل إلا بالتكلف والقصد للإتيان به، فأما إذا أرسل الإنسان نفسه على سجيتها، وخلى بينها وبين طبعها فإنه لا يعرض له ذلك. فليت شعري أي أمر يضطر مؤلف الكلام حتى يأتي به مستكرهاً ثقيلاً على اللسان، ويترك ما هو أسهل عليه. ألم تعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرار الحروف في كثير من كلامهم؟ وذاك أنه إذا تكررت الحروف عندهم أدغموها استحساناً، فقالوا: في جعل لك. (جعل لك) وفي تضربونني (تضربوني). وكذلك (استعد فلان للأمر) إذا تأهب له والأصل فيه (استعدد)، (واستتب الأمر) إذا تهيأ وكمل (وأصله استتبب) وأشباه هذا كثيرة في كلام العرب، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرار الحروف أبدلوا أحد الحرفين، لما تكرر، حرفاً آخر غيره فقالوا: أمليت الكتاب) والأصل من ذلك (أمللت) فأبدلوا

стр. 274

(اللام) ياء طلبا للخفة على اللسان، وفراراً من الثقل والاستكراه. واعلم أن ورود الإدغام في هذه اللغة أقوى دليل على كراهة العرب لتكرار الحروف وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل، فاعرفه. وحيث انتهى بنا الكلام إلى هذا المقام، وفرغنا من جميع الأنواع في علم البيان والأقسام، فلنجعل خاتمة حمد الله على توفيقه، والهداية إلى أقوم طريقة، ونرغب إليه في العصمة من الزلل، والإرشاد في القول والعمل، فإن عثر الناظر في كتابنا هذا على سقطة، أو وقع في أثنائه على هفوة أو غلطة، فليغض عنها إغضاء الصافح، وليسترها ستر المتجاوز المسامح، فإن الكريم من ستر العورة، وأقال العثرة. تم الكتاب بمنه تعالى وقد كتب في آخره: وكان الفراغ من تحرير هـ نهار الثلاثاء عشرين (كذا) من شهر شوال سنة ألف وثلاثمائة وأربعة عشر هجرية (كذا)، على نبينا أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية ونقل هذا الكتاب على ذمة الكتبخانة الخديوية، بخط الفقير الحقير محمود صالح، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين، آمين.